ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ

   ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ﴾

    ﺳـلاﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ ﻋﻠﻴﻜﻤﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻜﻤﺎ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﻤﻠَﻮﺍﻥِ ﻭﺗﻌﺎﻗﺐ ﺍﻟﻌَﺼﺮﺍﻥِ ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﻘﻤﺮﺍﻥِ ﻭﺍﺳﺘﻘﺒﻞ ﺍﻟﻔﺮﻗﺪﺍﻥِ.

ﺃَﺧَﻮﻱَّ ﺍﻟﻐﻴﻮﺭَﻳﻦِ، ﺯﻣﻴﻠَﻲَّ ﺍﻟﺸﻬﻤﻴﻦِ، ﻳﺎ ﻣﺒﻌﺜَﻲ ﺳُﻠﻮﺍﻧﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ، ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.

ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﻟﻰ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ ﺟﻌﻠﻜﻤﺎ ﻣﺸﺎﺭﻛَﻴﻦ ﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃَﻧﻌﻤﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮﻱ، ﻓﻤﻦ ﺣﻘﻜﻤﺎ ﺇﺫﻥ ﻣﺸﺎﺭﻛﺘﻲ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﻋﺮﻱ ﻭﺃَﺣﺎﺳﻴﺴﻲ.

ﺳﺄَﺣﻜﻲ ﻟﻜﻤﺎ ﺑﻌﻀﺎً ﻣﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﺃُﻗﺎﺳﻴﻪ ﻣﻦ ﺃَﻟﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻓﻲ ﻏﺮﺑﺘﻲ ﻫﺬﻩ، ﻃﺎﻭﻳﺎً ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃَﻛﺜﺮُ ﺇﻳـلاﻣﺎً ﻣﻨﻪ ﻟﺌـلا ﺃَﺟﻌﻠﻜﻤﺎ ﺗﺘﺄَﻟَّﻤﺎﻥِ ﻛﺜﻴﺮﺍً.

ﻟﻘﺪ ﺑﻘﻴﺖُ ﻣﻨﺬ ﺷﻬﺮﻳﻦ ﺃَﻭ ﺛـلاﺛﺔ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﻓﺮﻳﺪﺍً، ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ ﺿﻴﻒٌ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﺃﻭ ﻣﺎ ﻳﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ، ﻓﺄَﻇﻞُّ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﻓﻲ ﺳﺎﺋﺮ ﺍلأﻭﻗﺎﺕ. ﻭﻣﻨﺬ ﻣﺎ ﻳﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﻟﻴﺲ ﺣﻮﻟﻲ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺠﺒﻞ، ﻓﻠﻘﺪ ﺗﻔﺮَّﻗﻮﺍ.

ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﺍﻟﻤُﻮﺣِﻴَﺔِ ﺑﺎﻟﻐﺮﺑﺔ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﺧﻲ ﺍﻟﻠﻴﻞُ ﺳﺪُﻭﻟَﻪ، ﻓـلا ﺻﻮﺕَ ﻭلا ﺻﺪﻯ، ﺇﻟَّﺎ ﺣﻔﻴﻒ ﺍلأﺷﺠﺎﺭ ﺍﻟﺤﺰﻳﻦ.. ﺭﺃَﻳﺘُﻨﻲ ﻭﻗﺪ ﻏﻤﺮَﺗﻨﻲ ﺧﻤﺴﺔُ ﺃَﻟﻮﺍﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ.

ﺃﻭﻟﻬﺎ: ﺃﻧﻲ ﺑﻘﻴﺖ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﻏﺮﻳﺒﺎً ﻋﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺃَﻗﺮﺍﻧﻲ ﻭﺃَﺣﺒﺎﺑﻲ ﻭﺃَﻗﺎﺭﺑﻲ، ﻓﻴﻤﺎ ﺃَﺧﺬﺕِ ﺍﻟﺸﻴﺨﻮﺧﺔُ ﻣﻨﻲ ﻣﺄﺧﺬﺍً، ﻓﺸﻌﺮﺕُ ﺑﻐﺮﺑﺔ ﺣﺰﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﺟﺮَّﺍﺀ ﺗﺮﻛﻬﻢ ﻟﻲ ﻭﺭﺣﻴﻠﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ.

ﻭﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺍﻧﻔﺘﺤﺖ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻏﺮﺑﺔ ﺃُﺧﺮﻯ، ﻭﻫﻲ ﺃﻧﻨﻲ ﺷﻌﺮﺕ ﺑﻐﺮﺑﺔ ﻣﺸﻮﺑﺔٍ ﺑﺄَﻟﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﺣﻴﺚ ﺗﺮﻛﺘﻨﻲ ﺃﻛﺜﺮُ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺗﻌﻠَّﻖ ﺑﻬﺎ ﻛﺎﻟﺮﺑﻴﻊ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ.

ﻭﻣﻦ ﺧـلاﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺍﻧﻔﺘﺤﺖ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻏﺮﺑﺔ ﺃﺧﺮﻯ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﻋﻦ ﻣﻮﻃﻨﻲ ﻭﺃَﻗﺎﺭﺑﻲ، ﻓﺸﻌﺮﺕ ﺑﻐﺮﺑﺔ ﻣﻔﻌﻤﺔ ﺑﺄﻟﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ، ﺇﺫ ﺑﻘﻴﺖ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻨﻬﻢ.

ﻭﻣﻦ ﺧـلاﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺃَﻟﻘﺖْ ﻋﻠﻲَّ ﺃَﻭﺿﺎﻉُ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﺍﻟﺒﻬﻴﻢ ﻭﺍﻟﺠﺒﺎﻝُ ﺍﻟﺸﺎﺧﺼﺔ ﺃﻣﺎﻣﻲ، ﻏﺮﺑﺔً ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﻤﺸﻮﺏ ﺑﺎﻟﻌﻄﻒ ﻣﺎ ﺃَﺷﻌﺮﻧﻲ ﺃَﻥَّ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﻏﺮﺑﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺍﻧﻔﺘﺤﺖ ﺃَﻣﺎﻡ ﺭﻭﺣﻲ ﺍﻟﻤﺸﺮﻓﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻀﻴﻒ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﻣﺘﻮﺟﻬﺔً ﻧﺤﻮ ﺃَﺑﺪ ﺍلآﺑﺎﺩ، ﻓﻀﻤَّﺘﻨﻲ ﻏﺮﺑﺔٌ ﻏﻴﺮ ﻣﻌﺘﺎﺩﺓ، ﻭﺃَﺧﺬﻧﻲ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، ﻓﻘﻠﺖ ﻓَﺠﺄﺓً: ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ! ﻭﻓﻜﺮﺕ ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﺃَﻥْ ﺗُﻘﺎﻭَﻡ ﻛﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺮﺍﻛﺒﺔ ﻭﺃَﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺍﻟﻤﺘﺪﺍﺧﻠﺔ!.

ﻓﺎﺳﺘﻐﺎﺙ ﻗﻠﺒﻲ ﻗﺎﺋـلا:

ﻳﺎ ﺭﺏُّ! ﺃَﻧﺎ ﻏﺮﻳﺐ ﻭﺣﻴﺪ، ﺿﻌﻴﻒ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺩﺭ، ﻋﻠﻴﻞ ﻋﺎﺟﺰ، ﺷﻴﺦ لا ﺧﻴﺎﺭ ﻟﻲ.

   ﻓﺄﻗﻮﻝ: ﺍﻟﻐﻮﺙَ ﺍﻟﻐﻮﺙَ. ﺃَﺭﺟﻮ ﺍﻟﻌﻔﻮ، ﻭﺃﺳﺘﻤﺪُّ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻣﻦ ﺑﺎﺑﻚ ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ!.

ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻨﻮﺭ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﻭﻓﻴﺾ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻟﻄﻒ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﻳﻤﺪّﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻣﺎ ﻳُﺤﻮِّﻝُ ﺗﻠﻚ ﺍلأﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ، ﺇﻟﻰ ﺧﻤﺲ ﺩﻭﺍﺋﺮَ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﺍلأﻧﺲ ﻭﺍﻟﺴُّﺮﻭﺭ. ﻓﺒﺪﺃَ ﻟﺴﺎﻧﻲ ﻳُﺮﺩِّﺩُ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:173) ﻭﺗـلا ﻗﻠﺒﻲ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ: 129).

ﻭﺧﺎﻃﺐ ﻋﻘﻠﻲ ﻛﺬﻟﻚ ﻧﻔﺴﻲ ﺍﻟﻘﻠﻘﺔَ ﺍﻟﻤﻀﻄﺮﺑﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻐﻴﺜﺔ ﻗﺎﺋـلا:

    ﺩَﻉِ ﺍﻟﺼُﺮﺍﺥَ ﻳﺎ ﻣﺴﻜﻴﻦ، ﻭﺗﻮﻛَّﻞْ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠّﻪ ﻓﻲ ﺑﻠﻮﺍﻙ.

   ﺇﻧَّﻤﺎ ﺍﻟﺸَّـﻜﻮﻯ ﺑَـلاﺀ.

   ﺑﻞ ﺑَـلاﺀٌ ﻓﻲ ﺑَـلاﺀ، ﻭﺃَﺛﺎﻡ ﻓﻲ ﺃَﺛﺎﻡ ﻓﻲ ﺑـلاﺀ.

   ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪﺕَ ﻣَﻦ ﺍﺑﺘـلاﻙ،

   ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺒـلاﺀُ ﻋﻄﺎﺀً ﻓﻲ ﻋﻄﺎﺀ، ﻭﺻﻔﺎﺀً ﻓﻲ ﺻﻔﺎﺀ، ﻭﻭﻓﺎﺀً ﻓﻲ ﺑـلاﺀ.

   ﺩَﻉِ ﺍﻟﺸَّﻜﻮﻯ، ﻭﺍﻏْﻨَﻢْ ﺍﻟﺸُّﻜﺮ ﻛﺎﻟﺒـلاﺑﻞِ؛ ﻓﺎلأﺯﻫﺎﺭُ ﺗﺒﺘﺴﻢ ﻣﻦ ﺑﻬﺠﺔ ﻋﺎﺷﻘﻬﺎ ﺍﻟﺒﻠﺒﻞ.

   ﻓﺒﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠّﻪ ﺩﻧﻴﺎﻙَ ﺁلاﻡ ﻭﻋﺬﺍﺏ، ﻭﻓﻨﺎﺀ ﻭﺯﻭﺍﻝ، ﻭﻫﺒﺎﺀ ﻓﻲ ﺑـلاﺀ.

   ﻓﺘﻌﺎﻝَ، ﺗﻮﻛَّﻞْ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺑﻠﻮﺍﻙ!

   ﻣﺎ ﻟﻚَ ﺗﺼﺮﺥ ﻣﻦ ﺑَﻠﻴَّﺔٍ ﺻﻐﻴﺮﺓٍ، ﻭﺃَﻧﺖَ ﻣُﺜﻘﻞٌ ﺑﺒـلاﻳﺎ ﺗَﺴَﻊُ ﺍﻟﺪُّﻧﻴﺎ.

   ﺗَﺒﺴَّﻢْ ﺑﺎﻟﺘﻮﻛُّﻞِ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺒـلاﺀ، ﻟﻴﺒﺘﺴﻢَ ﺍﻟﺒـلاﺀ.

   ﻓﻜُﻠَّﻤﺎ ﺗﺒﺴّﻢ ﺻَﻐُﺮ ﻭﺗَﻀَﺎﺀَﻝَ ﺣﺘﻰ ﻳَﺰﻭﻝ.

    ﻭﻗﻠﺖ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺃَﺣﺪُ ﺃﺳﺎﺗﺬﺗﻲ ﻣﻮلاﻧﺎ ﺟـلاﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﺮﻭﻣﻲ ﻣﺨﺎﻃﺒﺎً ﻧﻔﺴﻪ:

   ﺍُﻭ ﮔُﻔْﺖِ : «ﺃَﻟَﺴْﺖُ» ﻭَﺗُﻮﮔُﻔْﺘِﻰ: «ﺑَﻠﻰ»

   ﺷُﻜْﺮِ «ﺑَﻠﻰ» ﭼِﻴﺴْﺖْ؟ ﻛَﺸِﻴﺪَﻥْ ﺑَﻠَﺎ

   ﺳِﺮِّ ﺑَﻠَﺎ ﭼِﻴﺴْﺖْ ﻛِﻪ ﻳَﻌْﻨِﻰ

   ﻣَﻨَﻢْ ﺣَﻠْﻘَﻪ ﺯَﻥِ ﺩَﺭْﮔَﻪِ ﻓَﻘْﺮُ ﻭﻓَﻨَﺎ

 (حاشية) ﻳﻌﻨﻲ: ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ: «ﺃﻟﺴﺖ ﺑﺮﺑﻜﻢ» ﻗﻠﺖَ: «ﺑﻠﻰ». ﻓﺄﻳﻦ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻟﻚ ﺑﻠﻰ؟ ﺇﻧﻪ ﻣﻘﺎﺳﺎﺓ ﺍﻟﺒـلاﺀ! ﺃﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﺳﺮ ﺍﻟﺒـلاﺀ؟ ﺇﻧﻪ ﻃﺮﻕ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻪ. المترجم

    «ﺃﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﺳﺮ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺒـلاﺀ؟.. ﺇﻧﻪ ﻃَﺮﻕُ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍلاﺳﺘﻐﻨﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ».

    ﻭﺣﻴﻨﺌﺬٍ ﻗﺎﻟﺖ ﻧﻔﺴﻲ: ﺃﺟﻞ! ﺃﺟﻞ!. ﺇﻥ ﺍﻟﻈﻠﻤﺎﺕ ﻟﺘﺘﺒﺪﺩُ ﻭﺑﺎﺏَ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻟﻴﻨﻔﺘﺢ ﺑﺎﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍلاﻟﺘﺠﺎﺀ. ﻓﺎﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻧﻮﺭ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍلإﺳـلاﻡ.

ﻭﻗﺪ ﺭﺃﻳﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﻣﻦ «ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻌﻄﺎﺋﻴﺔ» ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﺗﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻭﻫﻲ ﻗﻮﻟﻪ:

(ﻣﺎﺫﺍ ﻭﺟَﺪَ ﻣﻦ ﻓَﻘَﺪَﻩُ ﻭﻣﺎﺫﺍ ﻓَﻘَﺪَ ﻣَﻦ ﻭَﺟَﺪَﻩُ)؟

    ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺟﺪﻩ ﻓﻘﺪ ﻭﺟﺪَ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻭﻣﻦ ﻓﻘﺪَﻩ لا ﻳﺠﺪ ﺷﻴﺌﺎً ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺒـلاﺀ.

ﻭﻓﻬﻤﺖ ﺳﺮﺍً ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ «… ﻃﻮﺑﻰ ﻟﻠﻐﺮﺑﺎﺀ…» ﻓﺸﻜﺮﺕ ﺍﻟﻠﻪ.

ﻓﻴﺎ ﺃَﺧﻮﻱَّ!

ﺇﻥَّ ﻇﻠﻤﺎﺕ ﺃَﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﻫﺬﻩ، ﻭﺇﻥْ ﺗﺒﺪﺩﺕ ﺑﻨﻮﺭ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺮﻛﺖ ﻓﻲَّ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺑﺼﻤﺎﺕ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ، ﻭﺃَﻭﺣﺖ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ:

ﻣﺎ ﺩﻣﺖُ ﻏﺮﻳﺒﺎً ﻭﺃﻋﻴﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﻭﺭﺍﺣـلا ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ، ﻓﻬﻞ ﺍﻧﺘﻬﺖْ ﻣﻬﻤﺘﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻀﻴﻒ، ﻛﻲ ﺃﻭﻛِّﻠَﻜﻢ ﻭ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻋﻨﻲ. ﻭﺃﻗﻄﻊ ﺣﺒﺎﻝَ ﺍﻟﻌـلاﻗﺎﺕ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻗﻄﻌﺎً ﻛﻠﻴﺎً؟

ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻭﺭﺩﺕْ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﻝ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ، ﻓﻜﻨﺖ ﺃَﺳﺄَﻟﻜﻢ:

ﻫﻞ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ؟ ﻭﻫﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﻘﺺ؟ ﻭﺃﻋﻨﻲ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ: ﻫﻞ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﻣﻬﻤّﺘﻰ ﻛﻲ ﺃَﻧﺴﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺃُﻟﻘﻲ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺃﺣﻀﺎﻥ ﻏﺮﺑﺔٍ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻟﺬﻳﺬﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺑﺎﻃﻤﺌﻨﺎﻥ ﻗﻠﺐ. ﻭﺃﻗﻮﻝ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻣﻮلاﻧﺎ ﺟـلاﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ:

   ﺩَﺍﻧِﻰ ﺳَﻤَﺎﻉ ﭼِﻪ ﺑُﻮﺩْ؟ ﺑِﻰ ﺧُﻮﺩْ ﺷُﺪَﻥْ ﺯِ ﻫَﺴْﺘِﻰ

   ﺃَﻧْﺪَﺭْ ﻓَﻨَﺎﻯْ ﻣُﻄْﻠَﻖْ ﺫَﻭْﻕِ ﺑَﻘَﺎ ﭼِﺸﻴﺪﻥْ

 (حاشية) ﺃﻱ ﻫﻞ ﺗﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﺍﻟﺴّﻤﺎﻉ؟ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺗﻔﻨﻰ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺗﺬﻭﻕ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ. مترجم

ﻟﻴﺖ ﺷﻌﺮﻱ ﻫﻞ ﻟﻲ ﺃَﻥْ ﺃَﺑﺤﺚَ ﻋﻦ ﻏﺮﺑﺔ ﺭﻓﻴﻌﺔ ﺳﺎﻣﻴﺔ!.

ﻭلأﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﻛﻨﺖ ﺃﺟﺎﺑﻬﻜﻢ ﺑﺘﻠﻚ ﺍلأﺳﺌﻠﺔ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ

   ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ﴾

      ﻟﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﺭﺍﺋﺪ ﺍﻟﺴﻠﺴﻠﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ ﻭﺷﻤﺴﻬﺎ ﺍلإﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺆﻟﻔﻪ «ﻣﻜﺘﻮﺑﺎﺕ»:

«ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺭﺟّﺢ ﻭﺿﻮﺡ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻧﻜﺸﺎﻓﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺁلاﻑ ﻣﻦ ﺍلأﺫﻭﺍﻕ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺟﻴﺪ ﻭﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺎﺕ».

ﻭﻗﺎﻝ ﺃﻳﻀﺎً: «ﺇﻥ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﺼﻮﻓﻴﺔ ﻛﺎﻓﺔ ﻫﻮ ﻭﺿﻮﺡ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻧﺠـلاﺅﻫﺎ».

ﻭﻗﺎﻝ ﻛﺬﻟﻚ: «ﺇﻥ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺛـلاﺛﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ: ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ. ﻭﻗﺴﻢ ﺛﺎﻥ: ﻫﻮ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺍﻟﻮﺳﻄﻰ. ﻭﻗﺴﻢ ﺛﺎﻟﺚ: ﻫﻮ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻫﻮ ﻓﺘﺢ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﺑﺮﺯﺥ ﺍﻟﺘﺼﻮﻑ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻮﺳﺎﻃﺔ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ».

ﻭﻗﺎﻝ ﺃﻳﻀﺎً: «ﺇﻥ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ ﻳﺴﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻨﺎﺣﻴﻦ، ﺃﻱ ﺍلاﻋﺘﻘﺎﺩ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺑﺎﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﺑﺎﻟﻔﺮﺍﺋﺾ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ. ﻓﺈﺫﺍ ﻣﺎ ﺣﺪﺙ ﺧﻠﻞ ﻭﻗﺼﻮﺭ ﻓﻲ ﺃﻱٍّ ﻣﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺠﻨﺎﺣﻴﻦ ﻳﺘﻌﺬﺭ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ».

ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﺛـلاﺛﺔ ﻣﺸﺎﻫﺪ:

ﺃﻭﻟﻬﺎ ﻭﺃﺳﺒﻘﻬﺎ ﻭﺃﻋﻈﻤﻬﺎ: ﻫﻮ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﺧﺪﻣﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻠﻜﻬﺎ ﺍلإﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺃﺧﺮﻳﺎﺕ ﺃﻳﺎﻣﻪ.

ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺗﺤﺖ ﺳﺘﺎﺭ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ.

ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺍﻟﺴﻌﻲ لإﺯﺍﻟﺔ ﺍلأﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻘﻠﺒﻴﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﺼﻮﻑ ﻭﺍﻟﺴﻴﺮ ﺑﺨﻄﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ.

ﻓﺎلأﻭﻝ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﻫﻮ ﺑﺤﻜﻢ ﺍﻟﻔﺮﺽ، ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺑﺤﻜﻢ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ، ﻭﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﺑﺤﻜﻢ ﺍﻟﺴﻨﺔ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻜﺬﺍ؛ ﻓﺈﻧﻲ ﺃﺧﺎﻝ ﺃﻥ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﻜﻴـلاﻧﻲ ﻭﺍﻟﺸﺎﻩ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪ ﻭﺍلإﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻗﻄﺎﺏ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﺭﺿﻮﺍﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ ﻫﺬﺍ، ﻟﺒﺬﻟﻮﺍ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻭﺳﻌﻬﻢ ﻟﺘﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ﺍلإﺳـلاﻣﻴﺔ، ﺫﻟﻚ لأﻧﻬﻤﺎ ﻣﻨﺸﺄ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺍلأﺑﺪﻳﺔ، ﻭﺃﻥ ﺃﻱ ﺗﻘﺼﻴﺮ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺸﻘﺎﺀ ﺍلأﺑﺪﻱ.

ﻧﻌﻢ، لا ﻳﻤﻜﻦ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺇﻳﻤﺎﻥ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺪﺧﻠﻬﺎ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻭﻥ ﺟﺪﺍً ﺩﻭﻥ ﺗﺼﻮﻑ. ﻓﺎلإﻧﺴﺎﻥ لا ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻌﻴﺶ ﺩﻭﻥ ﺧﺒﺰ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺩﻭﻥ ﻓﺎﻛﻬﺔ. ﻓﺎﻟﺘﺼﻮﻑ ﻓﺎﻛﻬﺔ ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﺳـلاﻣﻴﺔ ﺧﺒﺰ.

ﻭﻓﻴﻤﺎ ﻣﻀﻰ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺼﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺑﻌﺾٍ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﻳﺴﺘﻐﺮﻕ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً، ﺑﺎﻟﺴﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻠﻮﻙ، ﻭﻗﺪ ﻳﻄﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ. ﻭﻟﻮ ﻫﻴﺄﺕ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔُ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻃﺮﻳﻘﺎً ﻟﻠﺼﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ لا ﻳﺴﺘﻐﺮﻕ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺩﻗﻴﻘﺔ! ﻓﻠﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺃﻥ لا ﻳُﺒﺎﻟﻰ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ؟!

ﻓﺎﻟﺬﻳﻦ ﻗﺮﺃﻭﺍ ﺑﺈﻧﻌﺎﻡ ﺛـلاﺛﺎً ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻣﻦ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻳﻘﺮّﻭﻥ ﺑﺄﻥ ﺗﻠﻚ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻗﺪ ﻓﺘﺤﺖ ﺃﻣﺎﻣﻬﻢ ﻃﺮﻳﻘﺎً ﻗﺮﺁﻧﻴﺎً ﻗﺼﻴﺮﺍً ﻛﻬﺬﺍ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻜﺬﺍ. ﻓﺈﻧﻲ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺃﻥَّ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺍﻟﺘﻲ ﻛُﺘﺒﺖ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻫﻲ ﺃﻧﺠﻊُ ﺩﻭﺍﺀ لأﻣﺮﺍﺽ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﺃﻓﻀﻞُ ﻣﺮﻫﻢ ﻳﻤﺮّﺭ ﻋﻠﻰ ﺟﺮﻭﺣﻪ، ﻭﺃﻧﻔﻊُ ﻧﻮﺭ ﻳﺒﺪﺩ ﻫﺠﻤﺎﺕ ﺧﻴﻮﻝ ﺍﻟﻈـلاﻡ ﺍﻟﺤﺎﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍلإﺳـلاﻣﻲ، ﻭﺃﺻﺪﻕ ﻣﺮﺷﺪ ﻭﺩﻟﻴﻞ لأﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺤﻴﺎﺭﻯ ﺍﻟﻬﺎﺋﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﻭﺩﻳﺎﻥ ﺍﻟﻀـلاﻟﺔ.

ﻓﻴﺎ ﺃﺧﻲ! ﺇﻧﻚ ﺗﻌﻠﻢ ﺟﻴﺪﺍً ﺃﻥ ﺍﻟﻀـلاﻟﺔ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺎﺟﻤﺔً ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻓﺈﺯﺍﻟﺘُﻬﺎ ﻳﺴﻴﺮ ﻭﺳﻬﻞ. ﻭﻟﻜﻦ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻓﺈﺯﺍﻟﺘﻬﺎ ﻋﺴﻴﺮ ﻭﻣﻌﻀﻞ. ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍلأﺧﻴﺮ ﻧﺎﺩﺭﺍً ﻓﻴﻤﺎ ﻣﻀﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ، ﻭﺭﺑﻤﺎ لا ﺗﺠﺪ ﻣﻦ ﺍلأﻟﻒ ﺇﻟّﺎ ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻳﻀﻞ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻌﻠﻢ. ﻭﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻭُﺟﺪ ﺿﺎﻟﻮﻥ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺭﺑﻤﺎ ﻳﺴﺘﺮﺷﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﻭﺍﺣﺪٌ ﻣﻦ ﺍلأﻟﻒ. ﺫﻟﻚ لأﻥ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺆلاﺀ ﻳﻌﺠﺒﻮﻥ ﺑﺄﻧﻔﺴﻬﻢ، ﻓﻤﻊ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﺠﻬﻠﻮﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪﻭﻥ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ.

ﻭﺇﻧﻲ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ ﻣﻨﺢ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻟﻤﻌﺎﺕ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺧﺎﺻﻴﺔَ ﺍﻟﺪﻭﺍﺀ ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ ﻭﺍﻟﺘﺮﻳﺎﻕ ﺍﻟﻤﻀﺎﺩ ﻟﺴﻤﻮﻡ ﺯﻧﺪﻗﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻀـلاﻟﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ

    ﺳـلاﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﻋﻠﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻜﻢ لاﺳﻴﻤﺎ…. ﺇﻟﺦ.

ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍلأﻋﺰﺍﺀ!

ﺃﻧﺎ ﺍلآﻥ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ، ﻋﻠﻰ ﺫﺭﻭﺓ ﺷﺠﺮﺓ ﺻﻨﻮﺑﺮ ﺿﺨﻤﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻣﻨﺘﺼﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻤﺔ ﺷﺎﻫﻘﺔ ﻣﻦ ﻗﻤﻢ ﺟﺒﻞ «ﭼﺎﻡ». ﻟﻘﺪ ﺍﺳﺘﻮﺣﺸﺖُ ﻣﻦ ﺍلإﻧﺲ ﻭﺍﺳﺘﺄﻧﺴﺖ ﺑﺎﻟﻮﺣﻮﺵ.. ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﺃَﺭﻏَﺐُ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﺗﺼﻮﺭﻛﻢ ﺑﻘﺮﺑﻲ ﺧﻴﺎلا، ﻭﺃﺟﺎﺫﺑﻜﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺃﺟﺪ ﺍﻟﺴﻠﻮﺍﻥ ﺑﻜﻢ. ﻭﺃﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺭﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺃﻇﻞ ﻫﻨﺎ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﻣﺪﺓ ﺷﻬﺮ ﺃﻭ ﺷﻬﺮﻳﻦ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺤﺪﺙ ﻣﺎ ﻳﻤﻨﻊ. ﻭﺇﻥ ﺭﺟﻌﺖ ﺇﻟﻰ «ﺑﺎﺭلا» ﻧﺘﺤﺮﻯ ﻣﻌﺎً ﺣﺴﺐ ﺭﻏﺒﺘﻜﻢ ﻋﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻤﺠﺎﻟﺴﺔ ﻭﻣﺤﺎﻭﺭﺓ ﺑﻴﻨﻨﺎ. ﻓﻘﺪ ﺍﺷﺘﻘﺖُ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻨﻜﻢ.

ﻭﺍلآﻥ ﺃﻛﺘﺐ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻣﺎ ﻭﺭﺩ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ ﻣﻦ ﺧﻮﺍﻃﺮ ﻋﻠﻰ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﺼﻨﻮﺑﺮ ﻫﺬﻩ:

ﺃﻭلاﻫﺎ: ﺧﺎﻃﺮﺓ ﻓﻴﻬﺎ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ، ﻓﻬﻲ ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭﻱ، ﻭﻟﻜﻦ لا ﻳُﻜﺘﻢ ﻋﻨﻜﻢ ﺍﻟﺴﺮ، ﻭﻫﻮ ﺃﻥَّ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻳﺤﻈﻮﻥ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ «ﺍﻟﻮﺩﻭﺩ» ﻣﻦ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻭﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ ﻭﺍﺟﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺧـلاﻝ ﻧﻮﺍﻓﺬ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺑﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻟﺬﻟﻚ ﺍلاﺳﻢ. ﻛﺬﻟﻚ ﺃﺧﻮﻛﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ لا ﻳُﻌﺪّ ﺷﻴﺌﺎً ﻳُﺬﻛﺮ، ﻭﻫﻮ لا ﺷﻲﺀ، ﻗﺪ ﻭُﻫﺐَ ﻟﻪ ﻭﺿﻊٌ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻳﺤﻈﻰ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ «ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ» ﻭﺍﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ «ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ» ﻣﻦ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺘﺨﺪَﻣﺎً ﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﺤﺴﺐ، ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﺎﺩﻳﺎً ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﺨﺰﻳﻨﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﺍﻟﺘﻲ لا ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻋﺠﺎﺋﺒُﻬﺎ. ﻓﺠﻤﻴﻊ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺟﻠﻮﺍﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻈﻮﺓ. ﻧﺮﺟﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺎﺋﻠﺔ ﻟﻤﻀﻤﻮﻥ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﴿ﻭﻣَﻦ ﻳﺆﺕَ ﺍﻟﺤِﻜﻤﺔَ ﻓﻘﺪ ﺍُﻭﺗﻲَ ﺧﻴﺮﺍً ﻛﺜﻴﺮﺍً﴾ (ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ: 269).

ﺛﺎﻧﻴﺘﻬﺎ: ﻟﻘﺪ ﻭﺭﺩﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﺍﻟﺮﻗﻴﻘﺔ ﻓﺠﺄﺓ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ، ﻭﻫﻲ: ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ:

    «ﺩَﺭْ ﻃَﺮِﻳﻖِ ﻧَﻘﺸِﺒَﻨْﺪِﻯ ﻟَﺎﺯﻡ ﺁﻣَﺪْ ﭼَﺎﺭِ ﺗَﺮﻙ:

   ﺗَﺮﻙِ ﺩُﻧﻴَﺎ، ﺗَﺮﻙِ ﻋُﻘﺒَﻰ، ﺗَﺮﻙِ ﻫَﺴﺘِﻰ، ﺗَﺮﻙِ ﺗَﺮﻙ».

 (حاشية) ﺃﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺗﺮﻙ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﻣﻮﺭ: ﺗﺮﻙ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻌﻘﺒﻰ، ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻨﻔﺲ، ﺗﺮﻙ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻧﻤﺎﻁ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺮﻙ. المترجم

ﻭﻭﺭﺩﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﺍلآﺗﻴﺔ ﻋﻘﺐ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﻫﻲ:

  «ﺩَﺭْ ﻃَﺮﻳﻖِ ﻋَﺠﺰِ ﻣَﻨْﺪِﻯ ﻟَﺎﺯﻡ ﺁﻣﺪْ ﭼَﺎﺭِ ﭼِﻴﺰ

   ﻓَﻘﺮِ ﻣُﻄﻠَﻖ ﻋَﺠﺰِ ﻣُﻄﻠَﻖ ﺷُﻜﺮِ ﻣُﻄﻠَﻖ ﺷَﻮﻕِ ﻣُﻄﻠَﻖْ ﺃَﻱْ ﻋَﺰِﻳﺰ».

 (حاشية) ﺃﻱ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻋﻠﻴﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍلأﺥ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺃﻥ ﺗﺘﺼﻒ ﺑﺄﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻭﻫﻲ: ﺍﻟﻔﻘﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﻌﺠﺰ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﺸﻜﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﺸﻮﻕ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ.المترجم

ﺛﻢ ﺧﻄﺮ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ ﻣﺎ ﻛﺘﺒﺘَـﻪ ﺃﻧﺖ: «ﺍﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺤﻴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺘﻠﻮﻧﺔ ﺍﻟﺰﺍﻫﻴﺔ ﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻜﻮﻥ… ﺇﻟﺦ» ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﺑﺎﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﺰﺍﻫﻲ ﺑﺄﻟﻮﺍﻥ ﺍﻟﻮﺻﻒ.

ﻧﻈﺮﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺘﺪﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺳﻘﻒ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﻣﻦ ﺧـلاﻝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮ. ﻭﻗﻠﺖ: ﻟﻴﺘﻨﻲ ﻛﻨﺖ ﺷﺎﻋﺮﺍً، ﻓﺄﺗﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻌﺮ. ﻭﻣﻊ ﺃﻧﻨﻲ لا ﺃﻣﻠﻚ ﻣﻮﻫﺒﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻭﺍﻟﻨﻈﻢ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﺷﺮﻋﺖ ﺑﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﺃﺳﺘﻄﻊ ﺃﻥ ﺃﻧﻈﻤﻪ ﺷﻌﺮﺍً ﻓﻜﺘﺒﺘﻪ ﻛﻤﺎ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻠﺐ. ﻓﺈﻥ ﺷﺌﺖ ﺣﻮّﻟﻪ ﻧﻈﻤﺎً ﻳﺎ ﻣﻦ ﺃﻧﺖ ﻭﺍﺭﺛﻲ.

ﻭﺍﻟﺨﺎﻃﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺭﺩﺕ ﺩﻓﻌﺔ ﻫﻲ:

   ﻭﺍﺳﺘﻤﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺃﻳﻀﺎً، ﺇﻟﻰ ﺣﻠﻮ ﺧﻄﺎﺑﻬﺎ ﺍﻟﻄﻴﺐ ﺍﻟﻠﺬﻳﺬ.

   ﻟـﺘﺮﻯ ﻣﺎ ﻗﺮّﺭﻩ ﺧﺘﻢ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻴّﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ.

   ﺇﻧَّﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﺗﻬﺘﻒ ﻭﺗﻘﻮﻝ ﻣﻌﺎً ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ:

   ﻧﺤﻦ ﺑﺮﺍﻫﻴﻦ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺒﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ

   ﻧﺤﻦ ﺷﻮﺍﻫﺪ ﺻﺪﻕ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ.

   ﻧــﺘﻔﺮﺝ ﻛﺎﻟﻤـلاﺋﻜﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﻤّﻠﺖ ﻭﺟﻪ ﺍلأﺭﺽ.

   ﻓﻨﺤﻦ ﺃﻟﻮﻑُ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ ﺍﻟﺒﺎﺻﺮﺓ ﺗﻄﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺗﺮﻧﻮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ.

 (حاشية) ﺃﻱ ﺃﻥ ﻭﺟﻪ ﺍلأﺭﺽ ﻣﺸﺘﻞ ﺃﺯﺍﻫﻴﺮ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﻣﺰﺭﻋﺘﻬﺎ، ﺗﻌﺮﺽ ﻓﻴﻪ ﻣﺎ لا ﻳﺤﺪ ﻣﻦ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ. ﻭﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﺘﻔﺮﺝ ﻣـلاﺋﻜﺔ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺗﺸﺎﻫﺪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺗﺸﺎﻫﺪﻫﺎ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻋﻴﻮﻥ ﺍلأﺟﺮﺍﻡ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ ﺍﻟﺒﺎﺻﺮﺓ. ﻓﻬﻲ ﻛﻠﻤﺎ ﻧﻈﺮﺕ ﻛﺎﻟﻤـلاﺋﻜﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻸ  ﻭﺟﻪ ﺍلأﺭﺽ، ﻧﻈﺮﺕ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺃﻳﻀﺎً، ﻓﺘﺸﺎﻫﺪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﻤﺆﻗﺘﺔ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺗﻬﺎ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ ﻫﻨﺎﻙ. ﺃﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻠﻘﻰ ﻧﻈﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺭﺽ ﺗﻠﻘﻰ ﺍلأﺧﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﻟﻬﺎ ﺇﺷﺮﺍﻓﺎً ﻋﻠﻰ ﺫﻳﻨﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟَﻤﻴﻦ ﻣﻌﺎً.

   ﻧﺤﻦ ﺃﻟﻮﻑ ﺍﻟﺜﻤﺮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﻟﺸﺠﺮﺓ ﺍﻟﺨﻠﻘﺔ، ﻋﻠّﻘﺘﻨﺎ ﻳﺪُ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ ﻋﻠﻰ ﺷﻄﺮ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻏﺼﺎﻥ ﺩﺭﺏ ﺍﻟﺘﺒﺎﻧﺔ. 

   ﻓﻨﺤﻦ لأﻫﻞ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻣﺴﺎﺟﺪُ ﺳﻴﺎﺭﺓ ﻭﻣﺴﺎﻛﻦُ ﺩﻭّﺍﺭﺓ ﻭﺃَﻭﻛﺎﺭ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻭﻣﺼﺎﺑﻴﺢُ ﻧﻮّﺍﺭﺓ ﻭﺳﻔﺎﺋﻦُ ﺟﺒﺎﺭﺓ ﻭﻃﺎﺋﺮﺍﺕٌ ﻫﺎﺋﻠﺔ!  

   ﻧﺤﻦ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕ ﻗﺪﺭﺓ ﻗﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﻛﻤﺎﻝ ﻭﺧﻮﺍﺭﻕ ﺻﻨﻌﺔ ﺣﻜﻴﻢ ﺫﻱ ﺟـلاﻝ. ﻭﻧﻮﺍﺩﺭ ﺣﻜﻤﺔ ﻭﺩﻭﺍﻫﻲ ﺧﻠﻘﺔ ﻭﻋﻮﺍﻟﻢ ﻧﻮﺭ. 

   ﻫﻜﺬﺍ ﻧﺒﻴّﻦ ﻣﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﺑﺮﻫﺎﻥٍ ﻭﺑﺮﻫﺎﻥ، ﺑﻤﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﻟﺴﺎﻥٍ ﻭﻟﺴﺎﻥ، ﻭﻧُﺴﻤﻌﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣَﻦ ﻫﻮ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺣﻘﺎً.

   ﻋَﻤﻴَﺖْ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪ لا ﻳﺮﻯ ﻭﺟﻮﻫﻨﺎ ﺍﻟﻨﻴّﺮﺓ، ﻭلا ﻳﺴﻤﻊ ﺃﻗﻮﺍﻟﻨﺎ ﺍﻟﺒﻴّﻨﺔ.. ﻓﻨﺤﻦ ﺁﻳﺎﺕ ﻧﺎﻃﻘﺔ ﺑﺎﻟﺤﻖ.

   ﺳﻜّﺘُﻨﺎ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻃُﺮّﺗُﻨﺎ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻣﺴﺒّﺤﺎﺕٌ ﻧﺤﻦ ﻋﺎﺑﺪﺍﺕٌ ﻟﺮﺑﻨﺎ، ﻣﺴﺨّﺮﺍﺕٌ ﺗﺤﺖ ﺃﻣﺮﻩ.

   ﻧﺬﻛﺮﻩ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻧﺤﻦ ﻣﺠﺬﻭﺑﺎﺕ ﺑﺤﺒّﻪ، ﻣﻨﺴﻮﺑﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺣﻠﻘﺔ ﺫﻛﺮ ﺩﺭﺏ ﺍﻟﺘﺒﺎﻧﺔ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ 

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ﴾

   (ﻗﺴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻌﺜﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻃﺎﻟﺒﻪ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ) 

    ……….

ﺧﺎﻣﺴﺎً: ﻛﻨﺖَ ﻗﺪ ﻛﺘﺒﺖَ ﻓﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﺭﺳﺎﺋﻠﻚ، ﺭﻏﺒﺘَﻚ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺗﺸﺎﺭﻛﻨﻲ ﻣﺎ ﺗﺠﻴﺶ ﺑﻪ ﻣﺸﺎﻋﺮﻱ ﻭﺃﺣﺎﺳﻴﺴﻲ ﻫﻨﺎ. ﻓﺎﺳﺘﻤﻊْ ﺇﺫﻥ ﺇﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓٍ ﻣﻦ ﺃﻟﻒٍ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﻫﻮ:

ﻓﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻲ، ﻛﻨﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﻋﻈﻴﻢ، ﻓﻲ ﻭﻛﺮ ﻣﻨﺼﻮﺏ ﻋﻠﻰ ﻗﻤﺔ ﺷﺠﺮﺓ «ﺍﻟﻘﻄﺮﺍﻥ» ﺍﻟﻤﺮﺗﻔﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﻤﻢ ﺟﺒﻞ «ﭼﺎﻡ». ﻧﻈﺮﺕ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺍلأﻧﻴﺲ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺍﻟﻤﺰﻳّﻦ ﺑﻤﺼﺎﺑﻴﺢ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ، ﻓﺮﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻓﻲ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﺮ:15-16) ﻧﻮﺭﺍً ﺳﺎﻣﻴﺎً ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﺭ ﺍلإﻋﺠﺎﺯ، ﻭﺷﺎﻫﺪﺕُ ﻓﻴﻪ ﺳﺮﺍً ﺑﻠﻴﻐﺎً لاﻣﻌﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﺒـلاﻏﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﺘﺎﺭﺗﻬﺎ ﻭﺍﻧﺘﺸﺎﺭﻫﺎ. ﻓﺘﻌﺮﺽ ﺍلآﻳﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫِﺪ ﻧﻘﺸﺎً ﺑﺪﻳﻌﺎً ﻣﺘﻘﻦ ﺍﻟﺼﻨﻊ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﻭﺗﺮﺳﻢ ﻟﻮﺣﺔ ﺭﺍﺋﻌﺔ ﺗﻠﻘﻦ ﺍﻟﻌﺒﺮﺓ ﻭﺍﻟﺪﺭﺱ.

ﻧﻌﻢ، ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﻣﺎ ﺇﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻗﺎﺋﺪﻫﺎ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺇﻟّﺎ ﻭﺗَﻌﺮِﺽ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺭﻭﺍﺋﻊَ ﺍﻟﻨﻘﺶ ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩ، ﻭﺑﺪﺍﺋﻊَ ﺍلإﺗﻘﺎﻥ ﺗﺘﺠﺪﺩ ﺣﻴﻨﺎً ﺑﻌﺪ ﺣﻴﻦ.. ﻓﻘﺪ ﺗﺘﻜﺎﺗﻒ ﺇﺣﺪﺍﻫﺎ ﻣﻊ ﻣﺜﻴﻠﺘﻬﺎ، ﻭﺗُﻈﻬﺮﺍﻥ ﻣﻌﺎً ﺁﻳﺔ ﺑﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ.. ﻭﻗﺪ ﺗﺪﺧﻞ ﺇﺣﺪﺍﻫﺎ ﺑﻴﻦ ﺻﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﺘﻘﻮﺩﻫﺎ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﻟﻠﺼﻐﻴﺮﺍﺕ.. ﻭلا ﺳﻴﻤﺎ ﻧﺠﻢ ﺍﻟﺰُﻫَﺮﺓ ﺍﻟـلاﻣﻌﺔ ﻓﻲ ﺍلأﻓﻖ، ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻐﺮﻭﺏ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺳﻢ ﺧﺎﺻﺔ ﻭﻣﺜﻴﻠﺘﻬﺎ ﺗﺴﻄﻊ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻔﺠﺮ.. ﻓﻴﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻝ ﺯﺍﻫﺮ ﻳﻀﻔﻴﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺍلأﻓﻖ!.

ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺇﻧﻬﺎﺀ ﻛﻞ ﻧﺠﻢ ﻭﻇﻴﻔﺘَﻪ، ﻭﺇﺷﺮﺍﻓﻪ ﻋﻠﻰ ﺍلأﺧﺮﻳﺎﺕ، ﻭﺇﻳﻔﺎﺀ ﺧﺪﻣﺎﺗﻪ ﻛﺎﻟﻤﻜﻮﻙ ﻓﻲ ﻧﺴﺞ ﻧﻘﻮﺵ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ، ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﺍﻟﻤﻬﻴﺒﺔ، ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻓﻴﺘﺴﺮﺑﻞ ﺑﺎﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻳﺘﺴﺘﺮ، ﻭﻳﺨﺘﻔﻲ ﻋﻦ ﺍلأﻧﻈﺎﺭ.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻋﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑـ «ﺍﻟﺨُﻨّﺲ» «ﺍﻟﻜُﻨّﺲ» ﻳﺠﺮﻳﻬﺎ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﻊ ﺃﺭﺿﻨﺎ ﻫﺬﻩ ﺟﺮﻳﺎﻥَ ﺳﻔﻴﻨﺔٍ ﺗﻤﺨﺮ ﻋﺒﺎﺏَ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻭﻳﺴﻴّﺮﻫﺎ ﻃﻴﺮﺍﻥَ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻓﻲ ﻓﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺴﻴﺢ ﺑﻬﺎ ﺳﻴﺎﺣﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ، ﻓﻲ ﺍﻧﺘﻈﺎﻡ ﻛﺎﻣﻞ. ﺩﺍلا ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻤﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﻭﺃُﺑّﻬﺔ ﺃﻟﻮﻫﻴﺘﻪ ﺟﻞ ﺟـلاﻟﻪ، ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﻓﻲ ﻭﺿﺢ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ.

ﻓﻴﺎ لأﺑّﻬﺔ ﻣﻠﻴﻚٍ ﻣﻘﺘﺪﺭ، ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺳﻔﺎﺋﻨﻪ ﻭﻃﺎﺋﺮﺍﺗﻪ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﻛﺒﺮُ ﺟﺴﺎﻣﺔً ﻣﻦ ﺍلأﺭﺽ ﺃﻟﻒَ ﻣﺮﺓ، ﻭﺗﻘﻄﻊ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﺛﻤﺎﻧﻲ ﺳﺎﻋﺎﺕ ﻓﻲ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ! ﻗﺲ ﺑﻨﻔﺴﻚ ﻣﺪﻯ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﻭﻣﺪﻯ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻠﻴﻚ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ، ﻭﺍلاﻧﺘﺴﺎﺏ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺎلإﻳﻤﺎﻥ، ﻭﺍﻟﻀﻴﺎﻓﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺎﺋﺪﺓ ﺇﻛﺮﺍﻣﻪ ﻭﺃﻓﻀﺎﻟﻪ.

ﺛﻢ ﻧﻈﺮﺕُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻤﺮ، ﻭﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (ﻳﺲ:39) ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻧﻮﺭ ﻣﺸﺮﻕ ﻣﻦ ﺍلإﻋﺠﺎﺯ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﺗﻘﺪﻳﺮﺍً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﺟﺪﺍً، ﻭﺗﺪﻭﻳﺮَﻩ ﺣﻮﻝ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮَﻩ ﻭﺗﻨﻮﻳﺮﻩ، ﻭﺇﻋﻄﺎﺀﻩ ﺃﻭﺿﺎﻋﺎً ﺇﺯﺍﺀ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻣﺤﺴﻮﺑﺔً ﺑﺤﺴﺎﺏ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ، ﺗﺘﺤﻴﺮ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ، ﻳُﺮﺷﺪ ﻛﻞَّ ﺫﻱ ﺷﻌﻮﺭ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻈﻢ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻣﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺎﻛﻠﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ ﻭﻳﻘﺪّﺭﻫﺎ ﺗﻘﺪﻳﺮﺍً ﺩﻗﻴﻘﺎً، لا ﻳﺼﻌﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ. ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺣﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻌﻞ ﻫﺬﺍ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻳﻌﻘﺐ ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻌﻘﻴﺐ ﻣﻘﺪّﺭ ﺣﺴﺎﺑُﻪ، لا ﻳﺨﻄﺊ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭلا ﻳﺘﺒﺎﻃﺄ ﻋﻦ ﻋﻤﻠﻪ ﻗﻴﺪَ ﺃﻧﻤﻠﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻓﻊ ﻛﻞ ﻣﺘﺄﻣﻞ ﻓﻴﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﻝ: ﺳﺒﺤﺎﻥ ﻣﻦ ﺗﺤﻴّﺮ ﻓﻲ ﺻﻨﻌﻪ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ. ﺇﺫ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﺷﻜﻞَ ﻫـلاﻝ ﺭﻗﻴﻖ، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺷﻬﺮ ﺁﻳﺎﺭ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﺃﺣﻴﺎﻥ ﺃﺧﺮﻯ. ﻭﻳﺘﺨﺬ ﺷﻜﻞ ﻋﺮﺟﻮﻥ ﻗﺪﻳﻢ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺩﺧﻮﻟﻪ ﻣﻨـﺰﻝ ﺍﻟﺜﺮﻳﺎ. ﺣﺘﻰ ﻟﻜﺄﻥ ﺍﻟﺜﺮﻳﺎ ﻋﻨﻘﻮﺩ ﻳﺘﺪﻟﻰ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻌﺮﺟﻮﻥ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺳﺘﺎﺭ ﺍﻟﺨﻀﺮﺍﺀ ﺍﻟﻘﺎﺗﻤﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺣﻲ ﻟﻠﺨﻴﺎﻝ ﻭﺟﻮﺩ ﺷﺠﺮﺓ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻭﻛﺄﻥ ﻏﺼﻨﺎً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ﻗﺪ ﺧﺮﻕ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ ﻭﺃﺧﺮﺝ ﻧﻬﺎﻳﺘﻪ ﻣﻊ ﻋﻨﻘﻮﺩ ﻫﻨﺎﻙ، ﻭﺻﺎﺭﺍ ﺍﻟﺜﺮﻳﺎ ﻭﺍﻟﻬـلاﻝ.

ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻮﺣﺔ ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ ﺗﻠﻘﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍلأﺧﺮﻯ ﺛﻤﺮﺍﺕُ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ. ﻓﺸﺎﻫﺪ ﻟﻄﺎﻓﺔَ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ﻭﺫﻕ ﺣـلاﻭﺓ ﺑـلاﻏﺘﻬﺎ.

ﺛﻢ ﺧﻄﺮﺕ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ ﺍلآﻳﺔُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (ﺍﻟﻤﻠﻚ:15) ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍلأﺭﺽ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﻣﺴﺨّﺮﺓ ﻭﺩﺍﺑّﺔ ﻣﺄﻣﻮﺭﺓ. ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍلإﺷﺎﺭﺓ ﺭﺃﻳﺖ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻊ ﺭﻓﻴﻊ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺋﺮﺓ ﺳﺮﻳﻌﺎً ﻓﻲ ﻓﻀﺎﺀ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻓﻘﺮﺃﺕ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (ﺍﻟﺰﺧﺮﻑ:13) ﺍﻟﺘﻲ ﻳُﺴﻦّ ﻗﺮﺍﺀﺗﻬﺎ ﺣﻴﻦ ﺭﻛﻮﺏ ﺍﻟﺪﺍﺑﺔ ﻣﻦ ﻓﺮﺱ ﻭﺳﻔﻴﻨﺔ ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ.

ﻭﻛﺬﺍ ﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ، ﻗﺪ ﺃﺧﺬﺕ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻃﻮﺭ ﻣﺎﻛﻴﻨﺔ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﻭﺗﻌﺮﺿُﻬﺎ، ﻓﺤﺮّﻛﺖْ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻣﻦ ﻧﺠﻮﻡ، ﻭﺑﺪﺃﺕ ﺗﺴﻮﻗﻬﺎ ﺳﻮﻕَ ﺍﻟﺠﻴﺶ، ﻋﺎﺭﺿﺔً ﻣﻨﺎﻇﺮ ﺟﺬﺍﺑﺔ ﻭﻣﺸﺎﻫﺪَ ﻟﻄﻴﻔﺔ ﺗُﻮﻗﻊ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺣﻴﺮﺓ ﻭﺇﻋﺠﺎﺏ، ﻭﺗﺠﻌﻠﻬﻢ ﻓﻲ ﻧﺸﻮﺓ ﻣﻦ ﻣﺸﺎﻫﺪﺗﻬﺎ. ﻓﻘﻠﺖ: ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ… ﻣﺎ ﺃﻗﻞَّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻜﺎﻟﻴﻒ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩﻯ ﺑﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺠﻴﺒﺔ ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ ﻭﺍﻟﺮﺍﻗﻴﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ؟

ﻭﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺧﻄﺮﺕ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ ﻧﻜﺘﺘﺎﻥ ﺇﻳﻤﺎﻧﻴﺘﺎﻥ:

ﺃﻭلاﻫﺎ: ﻗﺒﻞ ﺑﻀﻌﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﺳﺄﻟﻨﻲ ﺃﺣﺪ ﺿﻴﻮﻓﻲ ﺳﺆﺍلا، ﺃﺳﺎﺱ ﺳﺆﺍﻟﻪ ﺍﻟﻤﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺷﺒﻬﺔ ﻫﻮ: ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺟﻬﻨﻢ ﺑﻌﻴﺪﺗﺎﻥ ﺟﺪﺍً، ﻫﺐ ﺃﻥ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻳﻤﺮﻭﻥ ﻭﻳﻄﻴﺮﻭﻥ ﻛﺎﻟﺒَﺮﻕ ﻭﺍﻟﺒُﺮﺍﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺸﺮ ﻭﻳﺪﺧﻠﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺑﻠﻄﻒ ﺇﻟﻬﻲ. ﻭﻟﻜﻦ ﻛﻴﻒ ﻳﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞُ ﺟﻬﻨﻢ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨﻢ ﻭﻫﻢ ﻳﺮﺯﺣﻮﻥ ﺗﺤﺖ ﺃﺛﻘﺎﻝ ﺃﺟﺴﺎﺩﻫﻢ ﻭﺃﺣﻤﺎﻝ ﺫﻧﻮﺑﻬﻢ ﺍﻟﺠﺴﻴﻤﺔ؟ ﻭﺑﺄﻳﺔ ﻭﺳﺎﻃﺔ ﻳﺬﻫﺒﻮﻥ ﺇﻟﻴﻬﺎ؟

ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻭﺭﺩ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ ﻫﻮ: ﻟﻮ ﺩُﻋﻴﺖ ﺍلأﻣﻢ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﺆﺗﻤﺮ ﻋﺎﻡ ﻳُﻌﻘﺪ ﻓﻲ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﻣﺜـلا. ﻓﺈﻥ ﻛﻞ ﺃﻣﺔ ﺗﺮﻛﺐ ﺳﻔﻴﻨﺘﻬﺎ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﻭﺗﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﻫﻨﺎﻙ. ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻋﺘﺎﺩﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻄﻮﻳﻠﺔ ﻓﻲ ﺑﺤﺮ ﻣﺤﻴﻂ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻄﻊ ﻓﻲ ﺳﻨﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﺗﺒﻠﻎ ﺧﻤﺴﺎً ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔ، ﻫﺬﻩ ﺍلأﺭﺽ ﺗﺄﺧﺬ ﺃﻫﻠﻴﻬﺎ ﻭﺗﺤﻤﻠﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﻭﺗُﻔﺮﻏﻬﻢ ﻫﻨﺎﻙ. ﻭﻛﺬﺍ ﺗُﻔﺮﻍ ﻧﺎﺭ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺟﻮﻓﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻠﻎ ﺩﺭﺟﺔُ ﺣﺮﺍﺭﺗﻬﺎ ﻣﺎﺋﺘﻲ ﺃﻟﻒ ﺩﺭﺟﺔ -ﺍﻟﻤﻮﺍﻓﻘﺔ ﻟﻤﺎ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ- ﺑﺪلاﻟﺔ ﺗﺰﺍﻳﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻛﻞ ﺛـلاﺙ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﻣﺘﺮﺍً، ﺩﺭﺟﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ. ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩﻱ ﺑﻌﺾ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻟﺒﺮﺯﺥ -ﺣﺴﺐ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ- ﻭﺗﻔﺮﻏﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺤﺸﺮ. ﺛﻢ ﺗﺘﺒﺪﻝ ﺍلأﺭﺽ ﺑﺄﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﺭﺽ ﺑﺎﻗﻴﺔ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻭﺗﺼﺒﺢ ﻣﻨـﺰلا ﻣﻦ ﻣﻨﺎﺯﻝ ﻋﺎﻟﻢ ﺍلآﺧﺮﺓ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺭﺩﺕ ﺑﺎﻟﺒﺎﻝ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ، ﺍﻟﻔﺎﻃﺮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍلأﺣﺪ، ﻗﺪ ﺳﻦّ ﺳﻨﺔً، ﻭﺃﺟﺮﻯ ﻋﺎﺩﺓً، ﻭﻫﻲ ﺃﺩﺍﺀ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﺑﺸﻲﺀ ﻗﻠﻴﻞ ﺟﺪﺍً، ﻭﺇﻧﺠﺎﺯ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﺟﺪﺍً ﺑﺸﻲﺀ ﻳﺴﻴﺮ ﺟﺪﺍً، ﺇﻇﻬﺎﺭﺍً ﻟﻜﻤﺎﻝ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﺟﻤﺎﻝ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﻭﺩﻟﻴـلا ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺟﻞ ﺟـلاﻟﻪ.

ﻭﻟﻘﺪ ﺫﻛﺮﺕ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺃﻧﻪ:

ﺇﺫﺍ ﺃُﺳﻨﺪﺕ ﺍلأﺷﻴﺎﺀُ ﻛﻠُّﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﺣﺪ، ﺗﺤﺼﻞ ﺳﻬﻮﻟﺔٌ ﻭﻳﺴﺮٌ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺏ، ﻭﺇﻥ ﺃُﺳﻨﺪﺕ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺒﺎﺏٍ ﻋﺪﺓ ﻭﺻﻨّﺎﻉ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﺗﻈﻬﺮ ﻣﺸﺎﻛﻞ ﻭﻋﻮﺍﺋﻖ ﻭﺻﻌﻮﺑﺎﺕ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍلاﻣﺘﻨﺎﻉ. لأﻥ ﺷﺨﺼﺎً ﻭﺍﺣﺪﺍً، ﻭﻟﻴﻜﻦ ﺿﺎﺑﻄﺎً ﺃﻭ ﺑﻨّﺎﺀً، ﻳﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﻳﺪﻫﺎ، ﻭﻳﻌﻄﻰ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻤﻄﻠﻮﺏ، ﻟﻜﺜﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ، ﺃﻭ ﻛﺜﺮﺓ ﻣﻦ ﺍلأﺣﺠﺎﺭ ﻭﻟﻮﺍﺯﻡ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ، ﺑﺤﺮﻛﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻮ ﺃُﺣﻴﻞ ﺫﻟﻚ ﺍلأﻣﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﺃﺣﺠﺎﺭ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﻟﺘﻌﺴّﺮ ﺍﺳﺘﺤﺼﺎﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺑﻞ لا ﻳﻤﻜﻦ ﻗﻄﻌﺎً ﺇﻟّﺎ ﺑﺼﻌﻮﺑﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ.

ﻓﻤﺎ ﻳُﺸﺎﻫﺪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻭﺍﻟﺠﻮلاﻥ ﻭﺍلاﻧﺠﺬﺍﺏ ﻭﺍﻟﺪﻭﺭﺍﻥ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻇﺮ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﺍﻟﻤﻌﺒّﺮﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺴﺒﻴﺢ، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺼﻮﻝ ﺍلأﺭﺑﻌﺔ ﻭﻓﻲ ﺍﺧﺘـلاﻑ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﻨﻬﺎﺭ.. ﺃﻗﻮﻝ ﻟﻮ ﺃُﺳﻨﺪﺕ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻓﻌﺎﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﻭﺍﺣﺪﺍً ﺃﺣﺪﺍً ﺑﺄﻣﺮ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﻛﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺑﺎﻟﺤﺮﻛﺔ ﻳﺴﺘﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺭﻓﻴﻌﺔ ﻭﻧﺘﺎﺋﺞ ﺛﻤﻴﻨﺔ ﻛﺈﻇﻬﺎﺭ ﻋﺠﺎﺋﺐ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﻓﻲ ﺗﺒﺪﻝ ﺍﻟﻤﻮﺍﺳﻢ ﻭﻏﺮﺍﺋﺐ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﺧﺘـلاﻑ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﻨﻬﺎﺭ، ﻭﻟﻮﺣﺎﺕ ﺭﺍﻗﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻳﺔ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟِﻬﺎ ﻣﻦ ﺍلأﻓﻌﺎﻝ، ﺗﺤﺼﻞ ﻛﻠﻬﺎ لأﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻛﻠﻬﺎ ﺟﻨﻮﺩﻩ، ﻓﻴﻌﻴّﻦ ﺟﻨﺪﻳﺎً ﺑﺴﻴﻄﺎً ﻛﺎلأﺭﺽ ﺣﺴﺐ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﻳﺠﻌﻠﻪ ﻗﺎﺋﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ، ﻭﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻀﺨﻤﺔ ﺳﺮﺍﺟﺎً لإﻋﻄﺎﺀ ﺃﻫﻞ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﻔﺼﻮﻝَ ﺍلأﺭﺑﻌﺔ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﻟﻮﺍﺡ ﻧﻘﻮﺵ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ- ﻣﻜﻮﻛﺎً، ﻭﺍﻟﻠﻴﻞَ ﻭﺍﻟﻨﻬﺎﺭ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻫﻤﺎ ﺻﺤﻴﻔﺔ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﻧﺎﺑﻀﺎً، ﻭﻳﻘﺪّﺭ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻣﻨﺎﺯﻝ ﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻴﺖ، ﻭﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡَ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺔ ﻣﺼﺎﺑﻴﺢ ﻣﻀﻴﺌﺔ ﻟﻄﻴﻔﺔ ﻣﺘﻸ ﻟﺌﺔ ﺑﺄﻳﺪﻱ ﺍﻟﻤـلاﺋﻜﺔ ﺍﻟﻤﻨﺠﺬﺑﻴﻦ ﺑﻨﺸﻮﺓ ﺍﻟﺴﺮﻭﺭ ﻭﺍﻟﻔﺮﺡ.. ﻫﻜﺬﺍ ﻳُﻈﻬِﺮ ﺣِﻜَﻤﺎً ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺨﺺ ﺍلأﺭﺽ ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍلأﻭﺿﺎﻉ ﺇﻥْ ﻟﻢ ﺗُﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺫﺍﺕٍ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻳﻨﻔﺬ ﺣﻜﻤُﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻛﻠِّﻬﺎ ﻭﻳﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻛﻠﻬﺎ ﺑﻨﻈﺎﻣﻪ ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﻪ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮﻩ، ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﻘﻄﻊ ﺍﻟﺸﻤﻮﺱ ﻭﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻛﻠﻬﺎ ﻣﺴﺎﻓﺎﺕ لا ﺣﺪّ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﺑﺤﺮﻛﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭﺑﺴﺮﻋﺔ لا ﺣﺪّ ﻟﻬﺎ!.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺳﻬﻮﻟﺔ ﺑـلا ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ﺻﻌﻮﺑﺔ ﺑـلا ﻧﻬﺎﻳﺔ. ﻭلأﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﻳﻌﻄﻲ ﺫﻭﻭ ﺍﻟﻤﻬﻦ ﻭﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﻭﺣﺪﺓً ﻟﻠﻜﺜﺮﺓ، ﺃﻱ ﻳﺸﻜﻠﻮﻥ ﺷﺮﻛﺎﺕ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﺗﺴﻬﻴـلا ﻟﻸ ﻣﻮﺭ ﻭﺗﻴﺴﻴﺮﺍً ﻟﻬﺎ.

ﺣﺎﺻﻞ ﺍﻟﻜـلاﻡ: ﺇﻥ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻀـلاﻝ ﻣﺸﻜـلاﺕ لا ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻬﺎ، ﻭﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺳﻬﻮﻟﺔ لا ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻬﺎ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ﴾

    (ﻗﻄﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻌﺜﻪ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻤﻴﺬﻩ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﻟﻤﺎ ﺃﺭﺳﻞ ﻣﻦ ﻫﺪﻳﺔ)

    ……..

    ﺛﺎﻟﺜﺎً: ﻟﻘﺪ ﺃﺭﺳﻠﺖَ ﺇﻟﻲّ ﻫﺪﻳﺔ، ﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﻐﻴّﺮ ﺑﻬﺎ ﻗﺎﻋﺪﺓً ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍلأﻫﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺣﻴﺎﺗﻲ.

ﺇﻧﻨﻲ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ لا ﺃﻗﻮﻝ: «لا ﺃﻗﺒﻞ ﻫﺪﻳﺘﻚ ﻣﺜﻠﻤﺎ لا ﺃﻗﺒﻠُﻬﺎ ﻣﻦ ﺷﻘﻴﻘﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ ﻭﺍﺑﻦ ﺃﺧﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ. ﻓﺈﻧَّﻚ ﺃﺳﺒﻖُ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻭﺃَﻗﺮﺏُ ﺇﻟﻰ ﺭﻭﺣﻲ، ﻟﺬﻟﻚ؛ ﻓﻠﻮ ﺗُﺮﺩّ ﻫﺪﻳﺔُ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ، ﻓﻬﺪﻳﺘُﻚ لا ﺗُﺮﺩّ، ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﻤﺮﺓٍ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻘﻂ.

ﻭﺃُﺑﻴِّﻦُ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺳﺮَّ ﻗﺎﻋﺪﺗﻲ ﺗﻠﻚ ﺑﺎلآﺗﻲ:

ﻛﺎﻥ (ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ) لا ﻳﺘﺤﻤﻞ ﺃﺫﻯ ﺍﻟﻤﻦّ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ، ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻳﻔﻀّﻞ ﺍﻟﻤﻮﺕَ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻈﻞَّ ﺗﺤﺖ ﺛِﻘَﻞِ ﺍﻟﻤِﻨَّﺔِ. ﻭﻟﻢ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﻗﺎﻋﺪﺗَﻪ، ﺭﻏﻢ ﻣﻘﺎﺳﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﺸﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﻌﻨﺎﺀ. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺨﺼﻠﺔ ﺍﻟﻤﻮﺭﻭﺛﺔ ﻣﻦ (ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ) ﺇﻟﻰ ﺃﺧﻴﻚ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ ﻫﺬﺍ، ﻟﻴﺴﺖ ﺗﺰﻫّﺪﺍً ﻭلا ﺍﺳﺘﻐﻨﺎﺀً ﻣﺼﻄﻨﻌﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺑﻞ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ ﺑﻀﻌﺔ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﻭﺍﺿﺤﺔ:

ﺍلأﻭﻝ:

ﺇﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀـلاﻝ ﻳﺘﻬﻤﻮﻥ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺑﺎﺗﺨﺎﺫﻫﻢ ﺍﻟﻌﻠﻢَ ﻣﻐﻨَﻤﺎً. ﻓﻴﻬﺎﺟﻤﻮﻧﻬﻢ ﻇﻠﻤﺎً ﻭﻋﺪﻭﺍﻧﺎً ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ:  ﺇﻧﻬﻢ ﻳﺠﻌﻠﻮﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔً ﻟﻜﺴﺐ ﻣﻌﻴﺸﺘﻬﻢ  ﻓﻴﺠﺐ ﺗﻜﺬﻳﺐُ ﻫﺆلاﺀ ﺗﻜﺬﻳﺒﺎً ﻓﻌﻠﻴﺎً.

ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ:

ﻧﺤﻦ ﻣﻜﻠّﻔﻮﻥ ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ -ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴـلاﻡ- ﻓﻲ ﻧﺸﺮ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺗﺒﻠﻴﻐﻪ. ﻭﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳﺬﻛﺮ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻧﺸﺮﻭﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺃﻧﻬﻢ ﺃﻇﻬﺮﻭﺍ ﺍلاﺳﺘﻐﻨﺎﺀَ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (ﻳﻮﻧﺲ:72) .. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. ﻭﺃﻥ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (ﻳﺲ:21) ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﻳﺲ، ﺗﻔﻴﺪ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺟﻤّﺔ، ﻭﻣﻐﺰﻯ ﻋﻤﻴﻘﺎً، ﻓﻴﻤﺎ ﺗﺨﺺ ﻣﺴﺄﻟﺘﻨﺎ ﻫﺬﻩ.

   ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

ﻟﻘﺪ ﺑُﻴّﻦ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ»: «ﻳﻠﺰﻡ ﺍلإﻋﻄﺎﺀ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺍلأﺧﺬ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ». ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺪﺙ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻫﻮ ﺃﻥّ ﺍﻟﻤﻌﻄﻲ ﻏﺎﻓﻞٌ، ﻓﻴﻌﻄﻲ ﺑﺎﺳﻢ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﻴﺘﻤﻨّﻦ ﺿﻤﻨﺎً، ﺃﻭ ﺃﻥّ ﺍلآﺧﺬَ ﻏﺎﻓﻞ ﻳُﺴﻨِﺪ ﺍﻟﺸﻜﺮَ ﻭﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻟﻤﻨﻌﻢ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻳﺔ ﻓﻴﺨﻄﺊ.

ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻭﺍﻟﻘﻨﺎﻋﺔ ﻭﺍلاﻗﺘﺼﺎﺩ ﺧﺰﻳﻨﺔٌ ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻭﻛﻨـﺰٌ ﺛﻤﻴﻦ لا ﻳﻌﻮﺿﺎﻥ ﺑﺸﻲﺀ. لا ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﺳﺪّ ﺃﺑﻮﺍﺏ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺨﺰﺍﺋﻦ ﻭﺍﻟﻜﻨﻮﺯ ﺍﻟﺘﻲ لا ﺗﻨﻔﺪ ﺑﺄﺧﺬ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻓﺸﻜﺮﺍً ﻟﻠﺮﺯﺍﻕ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ ﺑﺂلاﻑ ﺍﻟﻤﺮﺍﺕ ﺇﻧﻪ ﻟﻢ ﻳُﻠﺠﺌﻨﻲ ﻣﻨﺬ ﻃﻔﻮﻟﺘﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺗﺤﺖ ﻣﻨّﺔ ﺃﺣﺪٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻓﺄﺭﺟﻮ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﻌﺘﻤﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﻛﺮﻣﻪِ ﺃﻥ ﻳُﻤﻀﻲ ﺑﻘﻴﺔَ ﻋﻤﺮﻱ ﺃﻳﻀﺎً ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ.

    ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ:

ﻟﻘﺪ ﺍﻗﺘﻨﻌﺖُ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺗﺎﻣﺔ ﻣﻨﺬ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﺳﻨﺘﻴﻦ ﺑﺄﻣﺎﺭﺍﺕٍ ﻭﺗﺠﺎﺭﺏَ ﻛﺜﻴﺮﺓ؛ ﺃﻧﻨﻲ ﻟﺴﺖ ﻣﺄﺫﻭﻧﺎً ﺑﻘﺒﻮﻝ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻫﺪﺍﻳﺎ ﺍﻟﻤﻴﺴﻮﺭﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﻮﻇﻔﻴﻦ، ﺇﺫ ﺃﺗﺄﺫﻯ ﺑﻘﺴﻢٍ ﻣﻨﻬﺎ، ﺑﻞ ﻳُﺪﻓﻊ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺫﻯ ﻟﻴﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺃﻛﻠﻬﺎ، ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻳُﺤﻮَّﻝ ﺇﻟﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﺗﻀﺮﻧﻲ. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺇﺫﻥ ﺃﻣﺮٌ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﺑﻌﺪﻡ ﺃﺧﺬ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻧﻬﻲٌ ﻋﻦ ﻗﺒﻮﻟﻬﺎ.

ﻭﻛﺬﺍ، ﻓﺈﻥ ﻓﻲّ ﺍﺳﺘﻴﺤﺎﺷﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، لا ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﻗﺒﻮﻝَ ﺯﻳﺎﺭﺓ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﻴﻦ. ﻓﻘﺒﻮﻝ ﻫﺪﺍﻳﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻳﻠﺰﻣﻨﻲ ﻗﺒﻮﻟﻲ ﺯﻳﺎﺭﺗَﻬﻢ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ لا ﺃﺭﻳﺪُﻫﺎ ﺃﺧﺬﺍً ﺑﻤﺮﺍﻋﺎﺓ ﺷﻌﻮﺭﻫﻢ. ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ لا ﺃﺣﺒّﺬﻩ.

ﺇﻧﻨﻲ ﺃﻓﻀّﻞ ﺃﻥ ﺁﻛﻞ ﻛﺴﺮﺓَ ﺧﺒﺰٍ ﻳﺎﺑﺲ، ﻭﺃﻥ ﺃَﻟﺒَﺲَ ﺛﻮﺑﺎً ﻓﻴﻪ ﻣﺎﺋﺔ ﺭﻗﻌﺔ ﻭﺭﻗﻌﺔ ﻳﻨﻘﺬﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺼﻨﻊ ﻭﺍﻟﺘﻤﻠﻖ، ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺁﻛﻞ ﺃَﻃﻴَﺐَ ﺣﻠﻮﻯ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ، ﻭﺃَﻟْﺒَﺲَ ﺃَﻓْﺨَﺮَ ﻣـلاﺑﺴﻬﻢ ﻭﺃَﺿﻄﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﻣﺸﺎﻋﺮﻫﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﻛﺮﻫﻪ.

  ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻟـلاﺳﺘﻐﻨﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺍﺑﻦ ﺣﺠﺮ ﺍﻟﻤﻮﺛﻮﻕ ﺣﺴﺐ ﻣﺬﻫﺒﻨﺎ (ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ): «ﻳُﺤﺮﻡ ﻗﺒﻮﻝُ ﻣﺎ ﻳﻮﻫَﺐ ﻟﻚ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﺼـلاﺡ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺻﺎﻟﺤﺎً».

ﻧﻌﻢ ﺇﻥ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻳﺒﻴﻊ ﻫﺪﻳﺘَﻪ ﺍﻟﺒﺨﺴﺔ ﺑﺜﻤﻦ ﺑﺎﻫﻆ، ﻟﺤﺮﺻﻪ ﻭﻃﻤﻌﻪ، ﻓﻴﺘﺼﻮﺭ ﺷﺨﺼﺎً ﻣﺬﻧﺒﺎً ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻣﺜﻠﻲ ﻭﻟﻴﺎً ﺻﺎﻟﺤﺎً، ﺛﻢ ﻳﻌﻄﻴﻨﻲ ﺭﻏﻴﻔﺎً ﻫﺪﻳﺔً. ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻋﺘﻘﺪﺕُ ﺃﻧﻨﻲ ﺻﺎﻟﺢ -ﺣﺎﺵ ﻟﻠﻪ- ﻓﻬﺬﺍ ﻋـلاﻣﺔ ﺍﻟﻐﺮﻭﺭ، ﻭﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺼـلاﺡ. ﻭﺇﻥْ ﻟﻢ ﺃﻋﺘﻘﺪ ﺻـلاﺣﻲ، ﻓﻘﺒﻮﻝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻏﻴﺮ ﺟﺎﺋﺰ ﻟﻲ.

ﻭﺃﻳﻀﺎً ﺇﻥ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﺼﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻬﺪﻳﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞَ ﺍلأﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺘﻮﺟﻬﺔ ﻟـلآﺧﺮﺓ ﻳﻌﻨﻲ ﻗﻄﻒَ ﺛﻤﺮﺍﺕٍ ﺧﺎﻟﺪﺓٍ ﻟـلآﺧﺮﺓ، ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻓﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ 

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍلأﻭﻝ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿ﻭَﺍِﻥْ ﻣِﻦْ ﺷَﻲﺀٍ ﺍِلا ﻳُﺴَﺒِّﺢُ ﺑِﺤَﻤْﺪِﻩِ﴾

    «ﺟﻮﺍﺏ ﻣﺨﺘﺼﺮ ﻋﻦ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺳﺌﻠﺔ»

    اﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍلأﻭﻝ:

ﻫﻞ ﺳﻴﺪُﻧﺎ ﺍﻟﺨﻀﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ؟ ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻓﻠِﻢَ ﻳﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻋﺪﺩٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍلأﺟﻠَّﺎﺀ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻧَّﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻥَّ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺧﻤﺲَ ﻣﺮﺍﺗﺐَ، ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺷَﻚَّ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀِ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ: ﻫﻲ ﺣﻴﺎﺗُﻨﺎ ﻧﺤﻦ؛ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻘﻴﺪﺓ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ.

ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ: ﻫﻲ ﻃﺒﻘﺔُ ﺣﻴﺎﺓ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﺨﻀﺮ ﻭﺳﻴﺪﻧﺎ ﺇﻟﻴﺎﺱ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ، ﺃﻱ ﻳﻤﻜﻨﻬﻤﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﺎ ﻓﻲ ﺃﻣﺎﻛﻦ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﺃﻥ ﻳﺄﻛـلا ﻭﻳﺸﺮﺑﺎ ﻣﺘﻰ ﺷﺎﺀﺍ. ﻓﻬﻤﺎ ﻟﻴﺴﺎ ﻣُﻀﻄﺮَّﻳﻦ ﻭﻣﻘﻴﺪﻳﻦ ﺑﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻣِﺜﻠَﻨﺎ. ﻭﻳﺮﻭﻱ ﺃَﻫﻞُ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻭﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻣﻦ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀِ ﺑﺎﻟﺘﻮﺍﺗﺮ ﺣﻮﺍﺩﺙَ ﻭﺍﻗﻌﺔً ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺗُﺜﺒﺖُ ﻭﺟﻮﺩَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺗﻨﻮّﺭﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﺇﻥَّ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﻣَﻘﺎﻣﺎً ﻳُﻌﺒَّﺮُ ﻋﻨﻪ ﺑـ «ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﺨﻀﺮ». ﻓﺎﻟﻮﻟﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻠﻎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻳﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﺨﻀﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﻭﻳﺘﻠﻘَّﻰ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺪﺭﺱ، ﻭﻟﻜﻦ ﻳُﻈﻦ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺧَﻄﺄً ﺃَﻥَّ ﺻﺎﺣﺐَ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻫﻮ ﺍﻟﺨﻀﺮ ﺑﻌﻴﻨﻪ.

ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ: ﻫﻲ ﻃﺒﻘﺔ ﺣﻴﺎﺓ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺇﺩﺭﻳﺲ ﻭﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﺍﻟﺴـلاﻡ. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺗﻜﺘﺴﺐ ﻟﻄﺎﻓﺔً ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﺠﺮﺩ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺷﺒﻴﻬﺔ ﺑﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤـلاﺋﻜﺔ؛ ﻓﻬﻤﺎ ﻳﻮﺟَﺪﺍﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺑﺠﺴﻤَﻴﻬﻤﺎ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﻴﻦ، ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺑﻠﻄﺎﻓﺔ ﺑَﺪَﻥٍ ﻣﺜﺎﻟﻲ ﻭﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔِ ﺟﺴﺪٍ ﻧﺠﻤﻲّ. ﻭﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﺃﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﻳَﻨْـﺰِﻝُ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻭﻳﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﻫﻲ ﺍلآﺗﻲ:

ﺇﻧﻪ ﺇﺯﺍﺀ ﻣﺎ ﺗُﺠﺮﻳﻪِ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔُ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻣﻦ ﺗﻴﺎﺭ ﺍلإﻟﺤﺎﺩ ﻭﺇﻧﻜﺎﺭ ﺍلأﻟﻮﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ، ﺗﺘﺼﻔﻰ ﺍﻟﻌﻴﺴﻮﻳﺔ ﻭﺗﺘﺠﺮﺩُ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺮﺍﻓﺎﺕ. ﻭﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻧﻘـلاﺑﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍلإﺳـلاﻡ، ﻳُﺠﺮِّﺩُ ﺷﺨﺺُ ﺍﻟﻌﻴﺴﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱُّ ﺳﻴﻒَ ﺍﻟﻮﺣﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻱ ﻭﻳﻘﺘﻞ ﺷﺨﺺَ ﺍلإﻟﺤﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱّ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﺸﺨﺺَ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱَّ ﻟﻠﻌﻴﺴﻮﻳﺔ ﻳﻘﺘﻞ ﺍﻟﺪَّﺟﺎﻝَ ﺍﻟﻤُﻤﺜِّﻞَ ﻟـلإﻟﺤﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ. ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﻘﺘﻞ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺍلأﻟﻮﻫﻴﺔ.

ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ: ﻫﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ، ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺑﻨﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﺃﻥ ﻟﻬﻢ ﻃﺒﻘﺔ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﻋﻠﻰ ﻭﺃﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺓ ﺍلأﻣﻮﺍﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ. ﻧﻌﻢ! ﺇﻥَّ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺿﺤّﻮﺍ ﺑﺤﻴﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺤﻖ، ﻳﻨﻌﻢُ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﻛﺮﻣﻪ ﺣﻴﺎﺓً ﺷﺒﻴﻬﺔً ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ؛ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺑـلا ﺁلاﻡ ﻭلا ﻣﺘﺎﻋﺐ ﻭلا ﻫﻤﻮﻡ؛ ﺣﻴﺚ لا ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﻣﺎﺗﻮﺍ، ﺑﻞ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﺍﺭﺗﺤﻠﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺃﻓﻀﻞ، ﻟﺬﺍ ﻳﺴﺘﻤﺘﻌﻮﻥ ﻣﺘﻌﺔ ﺗﺎﻣﺔ ﻭﻳﺘﻨﻌﻤﻮﻥ ﺑﺴﻌﺎﺩﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ؛ ﺇﺫ لا ﻳﺸﻌﺮﻭﻥ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻣﻦ ﺃﻟﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻋﻦ ﺍلأﺣﺒﺔ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻟﺪﻯ ﺍلأﻣﻮﺍﺕ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃَﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﻣﺎﺗﻮﺍ، ﺭﻏﻢ ﺃَﻥَّ ﺃﺭﻭﺍﺣَﻬﻢ ﺑﺎﻗﻴﺔٌ؛ ﻟﺬﺍ ﻓﺎﻟﻠﺬﺓُ ﻭﺍﻟﺴَّﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﺘﻤﺘﻌﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ ﻗﺎﺻﺮﺓٌ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ. ﻭﻫﺬﺍ ﻧﻈﻴﺮ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍلآﺗﻲ:

ﺷﺨﺼﺎﻥ ﺭﺃﻳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻗﺪ ﺩﺧـلا ﻗﺼﺮﺍً ﺟﻤﻴـلا ﻛﺎﻟﺠﻨَّﺔ. ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺮﺍﻩ ﻫﻮ ﺭﺅﻳﺎ. ﻓﺎﻟﻠﺬﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺤﺼﻞ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺎﻗﺼﺔً ﺟﺪﺍً، ﺇﺫ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ: ﺳﺘﺰﻭﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺍﻧﺘﺒﺎﻫﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻮﻡ. ﺃﻣﺎ ﺍلآﺧﺮ ﻓـلا ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺭﺅﻳﺎ ﻟﺬﺍ ﻳﻨﺎﻝ ﻟﺬﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻳﺴﻌﺪ ﺳﻌﺎﺩﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﺘﻤﻴﺰ ﻛﺴﺐ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺧﻴﺔ ﻋﻦ ﻛﺴﺐ ﺍلأﻣﻮﺍﺕ ﻣﻨﻬﺎ.

ﺇﻥَّ ﻧﻴﻞ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻂ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻫﻢ ﺃَﻧﻬﻢ ﺃَﺣﻴﺎﺀ ﺛﺎﺑﺖٌ ﺑﻮﻗﺎﺋﻊَ ﻭﺭﻭﺍﻳﺎﺕٍ ﻏﻴﺮِ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ. ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﺇﺟﺎﺭﺓ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺣﻤﺰﺓ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﺳﻴﺪ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ، ﻟِـﻤَﻦ ﺍﺳﺘﺠﺎﺭﻩ ﻭﻟﺠﺄَ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻗﻀﺎﺀﻩ ﻟﺤﻮﺍﺋﺠﻬﻢ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ، ﻭﺣﻤﻞَ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﻗﻀﺎﺋﻬﺎ، ﻭﺃﻣﺜﺎﻟَﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﻭﺍﻗﻌﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻧﻮَّﺭﺕْ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺃَﺛﺒﺘﺘﻬﺎ. ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻨﻲ ﺷﺨﺼﻴﺎً ﻭﻗﻌﺖ ﻟﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ:

ﻛﺎﻥ ﺍﺑﻦ ﺃﺧﺘﻲ «ﻋُﺒﻴﺪ» ﺃﺣﺪ ﻃـلاﺑﻲ، ﻗﺪ ﺍﺳﺘﺸﻬﺪ ﺑﻘﺮﺑﻲ ﺑﺪلا ﻋﻨﻲ، ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ؛ ﻓﺮﺃﻳﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﺭﺅﻳﺎ ﺻﺎﺩﻗﺔ ﻋﻨﺪﻱ: ﺃﻧﻨﻲ ﻗﺪ ﺩﺧﻠﺖ ﻗﺒﺮَﻩ ﺍﻟﺸﺒﻴﻪَ ﺑﻤﻨـﺰﻝٍ ﺗﺤﺖ ﺍلأﺭﺽ، ﺭﻏﻢ ﺃﻧﻲ ﻓﻲ ﺍلأﺳﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺪ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﺛـلاﺛﺔ ﺃَﺷﻬﺮ ﻣﻨﻪ، ﻭﺃَﺟﻬﻞُ ﻣﻜﺎﻥَ ﺩﻓﻨﻪ. ﻭﺭﺃﻳﺘُﻪ ﻓﻲ ﻃﺒﻘﺔ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ. ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃَﻧﻨﻲ ﻣﻴِّﺖٌ، ﻭﺫﻛﺮ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺑﻜﻰ ﻋﻠﻲَّ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﻭﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃَﻧﻪ ﻣﺎ ﺯﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺑَﻨﻰ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻣﻨـﺰلا ﺟﻤﻴـلا ﺗﺤﺖ ﺍلأﺭﺽ ﺣﺬﺭﺍً ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻴـلاﺀ ﺍﻟﺮﻭﺱ.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ -ﻣﻊ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺍلأﻣﺎﺭﺍﺕ- ﺃﻋﻄﺘﻨﻲ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺗﺎﻣﺔ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ.

ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ: ﻫﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻴﺔ لأﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ.

ﻧﻌﻢ، ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻫﻮ ﺗﺒﺪﻳﻞُ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﺇﻃـلاﻕُ ﺭﻭﺡ ﻭﺗﺴﺮﻳﺢٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ، ﻭﻟﻴﺲ ﺇﻋﺪﺍﻣﺎً ﻭلا ﻋﺪﻣﺎً ﻭلا ﻓﻨﺎﺀً. ﻓﺘﻤﺜُّﻞ ﺃﺭﻭﺍﺡ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻭﻇﻬﻮﺭُﻫﻢ لأﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻜﺸﻒ، ﺑﺤﻮﺍﺩﺙ لا ﺗُﻌَﺪُّ، ﻭﻋـلاﻗﺎﺕُ ﺳﺎﺋﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ ﺑﻨﺎ، ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻡ، ﻭﺇﺧﺒﺎﺭﻫﻢ ﺇﻳَّﺎﻧﺎ ﺇﺧﺒﺎﺭﺍً ﻣﻄﺎﺑﻘﺎً ﻟﻠﻮﺍﻗﻊ.. ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻬﺎ ﻣﻦ ﺍلأﺩﻟﺔ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ، ﺗﻨﻮّﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﻭﺗﺜﺒﺘﻬﺎ.

ﻭﻟﻘﺪ ﺃﺛﺒﺘﺖ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺎﺳﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ» ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺑﺪلاﺋﻞَ ﻗﺎﻃﻌﺔ ﻃﺒﻘﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻫﺬﻩ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﺗﺎﻣﺎً.

    اﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ:

ﺇﻥ ﺍلآﻳـﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿ﺍﻟﺬﻱ ﺧَﻠَﻖَ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓَ ﻟﻴﺒﻠﻮَﻛُﻢ ﺍﻳّﻜُﻢ ﺃﺣْﺴَﻦُ ﻋَﻤَـلا﴾ (ﺍﻟﻤﻠﻚ:٢) ﻭﺃﻣﺜﺎﻟَﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﺗَﻌُﺪُّ ﺍﻟﻤﻮﺕَ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎً ﻛﺎﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﺗﻌﺘﺒﺮﻩ ﻧﻌﻤﺔً ﺇﻟﻬﻴﺔ. ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤـلاﺣﻆَ ﺃَﻥَّ ﺍﻟﻤﻮﺕَ ﺍﻧﺤـلاﻝٌ ﻭﻋﺪﻡٌ ﻭﺗﻔﺴﺦ، ﻭﺍﻧﻄﻔﺎﺀ ﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﻫﺎﺩﻡ ﺍﻟﻠﺬﺍﺕ… ﻓﻜﻴﻒ ﻳﻜﻮﻥ «ﻣﺨﻠﻮﻗﺎً» ﻭﻛﻴﻒ ﻳﻜﻮﻥ «ﻧﻌﻤﺔ»؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻟﻘﺪ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍلأﻭﻝ: ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ ﺗﺴﺮﻳﺢٌ ﻭﺇﻧﻬﺎﺀٌ ﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻫﻮ ﺗﺒﺪﻳﻞُ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﺗﺤﻮﻳﻞ ﻭﺟﻮﺩ، ﻭﻫﻮ ﺩﻋﻮﺓٌ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ ﻭﻣﻘﺪﻣﺔ ﻟﻬﺎ؛ ﺇﺫ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﻲﺀ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻫﻮ ﺑﺨﻠﻖٍ ﻭﺑﺘﻘﺪﻳﺮ ﺇﻟﻬﻲ، ﻛﺬﻟﻚ ﺫﻫﺎﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻫﻮ ﺃﻳﻀﺎً ﺑﺨﻠﻖ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮ ﺇﻟﻬﻲ؛ لأﻥَّ ﻣﻮﺕَ ﺃﺑﺴﻂِ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ، ﻳُﻈﻬﺮ ﻟﻨﺎ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻭﺇﺑﺪﺍﻋﺎً ﻟﻠﺨﻠﻖ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃَﻋﻈﻢُ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻭﺃَﻧﻈﻢُ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﻤﻮﺕ ﺍلأﺛﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﺒﺬﻭﺭ ﻭﺍﻟﺤﺒﻮﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺪﻭ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﺗﻔﺴﺨﺎً ﻭﺗﺤﻠـلا ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻋﺠﻦٍ ﻟﺘﻔﺎﻋـلاﺕٍ ﻛﻴﻤﻴﺎﻭﻳﺔٍ ﻣﺘﺴﻠﺴﻠﺔٍ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ، ﻭﺍﻣﺘﺰﺍﺝٍ ﻟﻤﻘﺎﺩﻳﺮ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻥ، ﻭﺗﺮﻛﻴﺐٍ ﻭﺗﺸﻜّﻞ ﻟﻠﺬﺭﺍﺕ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﺒﻌﺾ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﺒﺼﻴﺮﺓ، ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥَّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺍﻟﺬﻱ لا ﻳُﺮﻯ، ﻭﻓﻴﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻭﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ، ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻈﻬﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﺣﻴﺎﺓ ﻧﺎﻣﻴﺔ ﻟﻠﺴﻨﺒﻞ ﻭﻟﻠﻨﺒﺎﺕ ﺍﻟﺒﺎﺳﻖ ﺍﻟﻤﺜﻤﺮ. ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥَّ ﻣﻮﺕ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﻫﻮ ﻣﺒﺪﺃُ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ، ﺃﺯﻫﺎﺭﺍً ﻭﺃﺛﻤﺎﺭﺍً.. ﺑﻞ ﻫﻮ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻋﻴﻦ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ؛ ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺇﺫﻥ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻣﻨﺘﻈﻢ ﻛﺎﻟﺤﻴﺎﺓ..

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻣﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻣﻌﺪﺓ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﻣﻮﺕٍ ﻟﺜﻤﺮﺍﺕ ﺣﻴﺔ، ﺃﻭ ﻏﺬﺍﺀ ﺣﻴﻮﺍﻧﻲ، ﻫﻮ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ ﺑﺪﺍﻳﺔٌ ﻭﻣﻨﺸﺄٌ ﻟﺼﻌﻮﺩ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻐﺬﺍﺀ ﻓﻲ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺮﺍﻗﻴﺔ. ﻓﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺇﺫﻥ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻧﺘﻈﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺓ ﺗﻠﻚ ﺍلأﻏﺬﻳﺔ.

ﻓَﻠَﺌﻦ ﻛﺎﻥ ﻣﻮﺕُ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺃَﺩﻧﻰ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎً ﻣﻨﺘﻈﻤﺎً ﺑﺤﻜﻤﺔ، ﻓﻜﻴﻒ ﺑﺎﻟﻤﻮﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﻴﺐ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺃَﺭﻗﻰ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ؟ ﻓـلا ﺷﻚ ﺃﻥَّ ﻣﻮﺗﻪ ﻫﺬﺍ ﺳﻴﺜﻤﺮ ﺣﻴﺎﺓً ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ، ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻛﺎﻟﺒﺬﺭﺓ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺔ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺒﺢ ﺑﻤﻮﺗﻬﺎ ﻧﺒﺎﺗﺎً ﺭﺍﺋﻊَ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ (ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ).

ﺃﻣﺎ ﻛﻴﻒ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻧﻌﻤﺔً؟..

ﻓﺎﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺳﻨﺬﻛﺮ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﻭﺟﻮﻩ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ ﺃَﻭﺟُﻪِ ﺍﻟﻨِّﻌﻤﺔ ﻭﺍلاﻣﺘﻨﺎﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﻟﻠﻤﻮﺕ.

ﺃﻭﻟﻬﺎ: ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺇﻧﻘﺎﺫٌ ﻟـلإﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺃَﻋﺒﺎﺀ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻣﻦ ﺗﻜﺎﻟﻴﻒ ﺍﻟﻤﻌﻴﺸﺔ ﺍﻟﻤﺜﻘﻠﺔ. ﻭﻫﻮ ﺑﺎﺏُ ﻭﺻﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻊ ﺗﺴﻌﺔ ﻭﺗﺴﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍلأﺣِﺒَّﺔ ﺍلأﻋﺰﺍﺀ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ، ﻓﻬﻮ ﺇﺫﻥ ﻧﻌﻤﺔ ﻋﻈﻤﻰ!

ﺛﺎﻧﻴﻬﺎ: ﺇﻧَّﻪ ﺧﺮﻭﺝٌ ﻣﻦ ﻗﻀﺒﺎﻥ ﺳﺠﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻤﻈﻠﻢ ﺍﻟﻀﻴﻖ ﺍﻟﻤﻀﻄﺮﺏ، ﻭﺩﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﺭﻋﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻭﻓﻲ ﻛﻨﻒ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ، ﻭﻫﻮ ﺗﻨﻌّﻢٌ ﺑﺤﻴﺎﺓ ﻓﺴﻴﺤﺔ ﺧﺎﻟﺪﺓ ﻣﺴﺘﻨﻴﺮﺓ لا ﻳﺰﻋﺠﻬﺎ ﺧﻮﻑ، ﻭلا ﻳﻜﺪﺭﻫﺎ ﺣﺰﻥ ﻭلا ﻫﻢّ.

ﺛﺎﻟﺜﻬﺎ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺸﻴﺨﻮﺧﺔ ﻭﺃَﻣﺜﺎﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﺔ ﻟﺠﻌﻞ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺻﻌﺒﺔ ﻭﻣﺮﻫﻘﺔ، ﺗﺒﻴّﻦ ﻣﺪﻯ ﻛﻮﻥ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻧﻌﻤﺔ ﺗَﻔُﻮﻕُ ﻧﻌﻤﺔَ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ. ﻓﻠﻮ ﺗﺼﻮﺭﺕ ﺃَﻥَّ ﺃﺟﺪﺍﺩَﻙ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻫﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺃَﺣﻮﺍﻝ ﻣﺆﻟﻤﺔ ﻗﺎﺑﻌﻮﻥ ﺃﻣﺎﻣﻚ ﺣﺎﻟﻴﺎً ﻣﻊ ﻭﺍﻟﺪﻳﻚ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﺑﻠﻐﺎ ﺃَﺭﺫﻝَ ﺍﻟﻌُﻤﺮِ، ﻟﻔﻬﻤﺖَ ﻣﺪﻯ ﻛﻮﻥِ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻧﻘﻤﺔ، ﻭﺍﻟﻤﻮﺕ ﻧﻌﻤﺔ. ﺑﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﻣﺪﻯ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻣﺪﻯ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﻣﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺃﻳﻀﺎً ﺑﺎﻟﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺸﺮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﺍﻟﻌﺎﺷﻘﺔ ﻟﻸ ﺯﺍﻫﻴﺮ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ، ﻋﻨﺪ ﺍﺷﺘﺪﺍﺩ ﻭﻃﺄﺓ ﺍﻟﺒَﺮْﺩِ ﺍﻟﻘﺎﺭﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

ﺭﺍﺑﻌﻬﺎ: ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﺭﺍﺣﺔ ﻟـلإﻧﺴﺎﻥ ﻭﺭﺣﻤﺔ، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻟﻠﻤﺒﺘﻠﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺮﺿﻰ ﻭﺍﻟﺠﺮﺣﻰ، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ -ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺧﻮ ﺍﻟﻨﻮﻡ- ﺭﺣﻤﺔٌ ﻭﻧﻌﻤﺔ ﻋﻈﻤﻰ ﻟﻠﻤﺒﺘﻠﻴﻦ ﺑﺒـلاﻳﺎ ﻳﺎﺋﺴﺔ ﻗﺪ ﺗﺪﻓﻌﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺍلاﻧﺘﺤﺎﺭ.

ﺃﻣﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀـلاﻝ، ﻓﺎﻟﻤﻮﺕ ﻟﻬﻢ ﻛﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﻧﻘﻤﺔٌ ﻋﻈﻤﻰ ﻭﻋﺬﺍﺏ ﻓﻲ ﻋﺬﺍﺏ، ﻛﻤﺎ ﺃﺛﺒﺘﻨﺎ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ «ﻛﻠﻤﺎﺕ» ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﻭﺫﻟﻚ ﺧﺎﺭﺝ ﺑﺤﺜﻨﺎ ﻫﺬﺍ.

    ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

ﺃﻳﻦ ﺟﻬﻨﻢ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: لا ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﻠﻪ، ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﻗﻞ ﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﻌِﻠْﻢُ ﻋﻨﺪَ ﺍﻟﻠﻪ﴾ (ﺍﻟﻤﻠﻚ:26) ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ: ﺃﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﺗﺤﺖ ﺍلأﺭﺽ. ﻓﺎﻟﻜﺮﺓ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ ﺑﺤﺮﻛﺘﻬﺎ ﺍﻟﺴﻨﻮﻳﺔ، ﺗﺨﻂ ﺩﺍﺋﺮﺓً ﺣﻮﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥٍ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﺤﺸَﺮﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻛﻤﺎ ﺑﻴﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺿﻊ ﺃﺧﺮﻯ.

ﺃﻣﺎ ﺟﻬﻨﻢ ﺗﺤﺖ ﺍلأﺭﺽ، ﻓﻴﻌﻨﻲ: ﺗﺤﺖ ﻣﺪﺍﺭﻫﺎ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ، ﻭﺃﻥ ﺳﺒﺐ ﻋﺪﻡ ﺭﺅﻳﺘِﻬﺎ ﻭﺍلإﺣﺴﺎﺱِ ﺑﻬﺎ ﻫﻮ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻧﺎﺭﺍً ﺑـلا ﻧﻮﺭ ﻭﻣﺴﺘﻮﺭﺓً ﺑﺤﺠﺎﺏ. ﻭلا ﺟﺮﻡ ﺃﻥ ﻓﻲ ﻣﺪﺍﺭ ﺟﻮلاﻥ ﺍلأﺭﺽ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﻬﻮﻟﺔ، ﻛﺜﻴﺮﺍً ﺟﺪﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ، ﻭﻫﻲ لا ﺗُﺸﺎﻫﺪ، ﻟﻔﻘﺪﻫﺎ ﺍﻟﻨﻮﺭ. ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻛﻠﻤﺎ ﺳُﺤﺐ ﻧﻮﺭُﻩ ﻳﻔﻘﺪ ﻭﺟﻮﺩَﻩ، ﻛﺬﻟﻚ ﺃﻥ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﺟﺪﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻭﺍلأﺟﺮﺍﻡ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻣﻌﺘﻤﺔ لا ﻧﺮﺍﻫﺎ ﺭﻏﻢ ﺃﻧﻬﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﺑﺼﺎﺭﻧﺎ.

    ﻭﺟﻬﻨﻢ ﺍﺛﻨﺘﺎﻥ: ﺇﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﺟﻬﻨﻢ ﺻﻐﺮﻯ، ﻭﺍلأﺧﺮﻯ ﺟﻬﻨﻢ ﻛﺒﺮﻯ.

ﻭﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻧﻮﺍﺓ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﺇﺫ ﺳﺘﻨﻘﻠﺐ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻨـﺰلا ﻣﻦ ﻣﻨﺎﺯﻟﻬﺎ.

ﻭﻣﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﺗﺤﺖ ﺍلأﺭﺽ، ﺃﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰﻫﺎ، لأﻥ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﻣﺮﻛﺰَﻫﺎ. ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍلأﺭﺽ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﺗﺘﺰﺍﻳﺪ ﺩﺭﺟﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ -ﻋﻠﻰ ﺍلأﻏﻠﺐ- ﻛﻠﻤﺎ ﺣُﻔﺮ ﻓﻲ ﺍلأﺭﺽ ﺛـلاﺛﺔ ﻭﺛـلاﺛﻮﻥ ﻣﺘﺮﺍً؛ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﺗﺒﻠﻎ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰ ﺍلأﺭﺽ ﻣﺎﺋﺘﻲ ﺃﻟﻒ ﺩﺭﺟﺔ، لأﻥ ﻧﺼﻒ ﻗﻄﺮ ﺍلأﺭﺽ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺳﺘﺔ ﺁلاﻑ ﻛﻴﻠﻮ ﻣﺘﺮ، ﺃﻱ ﻧﺎﺭُﻩ ﺃﺷﺪ ﻣﻦ ﻧﺎﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﻤﺎﺋﺘﻲ ﺩﺭﺟﺔ، ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻮﺍﻓﻖ ﻣﺎ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ.

ﻭﻗﺪ ﺃَﺩَّﺕْ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﻫﺬﻩ ﻭﻇﺎﺋﻒَ ﻛﺜﻴﺮﺓً ﺟﺪﺍً ﺗﺨﺺ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ، ﻛﻤﺎ ﺃَﺷﺎﺭﺕ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺍلأﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ.

ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍلآﺧﺮﺓ ﻓﺴﺘُﻔْﺮﻍُ ﺍلأﺭﺽُ ﺃﻫﻠَﻬﺎ ﻭﺗُﻠﻘﻲ ﺑﻬﻢ ﻓﻲ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻓﻲ ﻣﺪﺍﺭﻫﺎ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ، ﻛﻤﺎ ﺗُﺴﻠّﻢ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺟﻮﻓﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﻨﻢ ﺻﻐﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨﻢ ﻛﺒﺮﻯ ﺑﺄﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﻞ ﺟـلاﻟﻪ. ﺃﻣﺎ ﻗﻮﻝ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺃﺋﻤﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ: «ﺇﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﺳﻮﻑ ﺗُﺨﻠﻖ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ»، ﻓﻬﻮ ﺧَﻄﺄٌ ﻭﻏﺒﺎﺀٌ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ، ﻧﺎﺷﺊٌ ﻣﻦ ﻋﺪﻡ ﺍﻧﺒﺴﺎﻃﻬﺎ ﺍﻧﺒﺴﺎﻃﺎً ﺗﺎﻣﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻧﻜﺸﺎﻓﻬﺎ ﺍﻧﻜﺸﺎﻓﺎً ﺗﺎﻣﺎً ﺑﻤﺎ ﻳﻮﺍﻓﻖ ﺃﻫﻞَ ﺍلأﺭﺽ. ﺛﻢ ﺇﻥ ﺭﺅﻳﺔَ ﻣﻨﺎﺯﻝ ﻋﺎﻟﻢ ﺍلآﺧﺮﺓ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺭﺓ ﻋﻨﺎ ﺑﺴﺘﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻧﺎ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻭﺇﺭﺍﺀﺗﻬﺎ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ لا ﺗﺤﺼﻞ ﺇلا ﺑﺘﺼﻐﻴﺮ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻛﻠِّﻪ (ﺃﻱ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍلآﺧﺮﺓ) ﻭﺟﻌﻠِﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﻭلاﻳﺘﻴﻦ. ﺃﻭ ﺑﺘﻜﺒﻴﺮ ﻋﻴﻮﻧﻨﺎ ﺑﺤﺠﻢ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻛﻲ ﻧﻌﺮﻑ ﺃﻣﺎﻛﻨﻬﺎ ﻭﻧﻌﻴّﻨﻬﺎ. ﻓﺎﻟﻤﻨﺎﺯﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﻋﺎﻟﻢ ﺍلآﺧﺮﺓ لا ﺗُﺮﻯ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻧﺎ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ. ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ.

ﻭﻟﻜﻦ ﻳُﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺃﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﺍلآﺧﺮﺓ ﻟﻬﺎ ﻋـلاﻗﺔ ﻣﻊ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ، ﻓﻘﺪ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺷﺪﺓ ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﺼﻴﻒ ﺃﻧﻬﺎ «ﻣﻦ ﻓﻴﺢ ﺟﻬﻨﻢ». ﻓﺠﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺇﺫﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ لا ﺗُﺮﻯ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺨﺎﻓﺘﺔ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ، ﻭﻟﻜﻦ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﻨﻮﺭ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ «ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ» ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻤﺪﺍﺭ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ ﻟﻸ ﺭﺽ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﻭﻛّﻠﺖ ﺟﻬﻨﻢَ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰ ﺍلأﺭﺽ، ﻓﺘﺆﺩﻱ ﺑﻬﺎ ﺑﻌﺾ ﻭﻇﺎﺋﻔﻬﺎ. ﻭﺃﻥ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ ﻭﺍﺳﻊٌ ﺟﺪﺍً، ﻓﺄﻳﻨﻤﺎ ﻭﺟّﻬﺖ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔُ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﺟﻬﻨﻢ ﻓﻬﻲ ﺗﺴﺘﻘﺮ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﻗﺪﻳﺮﺍً ﺫﺍ ﺟـلاﻝ، ﻭﺣﻜﻴﻤﺎً ﺫﺍ ﻛﻤﺎﻝ، ﺍﻟﻤﺎﻟﻚ لأﻣﺮ «ﻛﻦ ﻓﻴﻜﻮﻥ» ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺑﻂ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﺑﺎلأﺭﺽ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻭﻓﻖ ﻧﻈﺎﻡ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺸﺎﻫَﺪ، ﻭﺭﺑﻂ ﺍلأﺭﺽَ ﺑﺎﻟﺸﻤﺲ ﺑﻌﻈﻤﺔ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﻓﻖ ﻧﻈﺎﻡ، ﻭﺳﻴّﺮ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻣﻊ ﺳﻴﺎﺭﺍﺗﻬﺎ ﺑﻌﻈﻤﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ، ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻣﻘﺎﺭﺑﺔ ﻟﺴﺮﻋﺔ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺴﻨﻮﻳﺔ، ﻳﺠﺮﻳﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺷﻤﺲ ﺍﻟﺸﻤﻮﺱ (ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺽ) ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡَ ﺍﻟﻤﺘﻸ ﻟﺌﺔ ﻛﺎﻟﻤﺼﺎﺑﻴﺢ، ﺷﻮﺍﻫﺪ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔً ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻤﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ، ﻣُﻈْﻬِﺮﺍً ﺑﻬﺬﺍ ﺭﺑﻮﺑﻴﺔً ﺟﻠﻴﻠﺔً ﻭﻋﻈﻤﺔَ ﻗﺪﺭﺓ ﻗﺎﺩﺭﺓ، لا ﻳُﺴﺘﺒﻌَﺪ ﻋﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﺣﻜﻤﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮِ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﻋﻦ ﻋﻈﻤﺔِ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﺳﻠﻄﺎﻥِ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﺧﺰﺍﻥ ﻣﻌﻤﻞ ﺍلإﺿﺎﺀﺓ، ﻭﻳُﺸﻌﻞ ﺑﻬﺎ ﻧﺠﻮﻡ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺍﻟﻨﺎﻇﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍلآﺧﺮﺓ، ﻭﻳﻤﺪّﻫﺎ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺎﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻭﺍﻟﻘﻮﺓ، ﺃﻱ ﻳﺒﻌﺚ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻭﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻣﻦ ﺟﻬﻨﻢ، ﻭﻳﺮﺳﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻨﺔ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻨﻮﺭ- ﻧﻮﺭﺍً ﻭﺿﻴﺎﺀً. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺟﻬﻨﻢ ﻣﺴﻜﻨﺎً لأﻫﻞ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻭﺳﺠﻨﺎً ﻟﻬﻢ.

ﻭﻛﺬﺍ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺎﻃﺮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻀﻢ ﺷﺠﺮﺓً ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻫﺎﺋﻠﺔً ﻛﺎﻟﺠﺒﻞ ﻓﻲ ﺑﺬﻳﺮﺓ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻛﺎﻟﺨﺮﺩﻝ، لا ﻳُﺴﺘﺒﻌَﺪ ﻋﻦ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﻋﻦ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﺤﻔﻆ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻓﻲ ﺑﺬﺭﺓ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺮﺓ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ.

ﻧﺤﺼﻞ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ: ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺟﻬﻨﻢ ﺛﻤﺮﺗﺎﻥ ﻣﻦ ﻏﺼﻦ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﺨﻠﻖ، ﻗﺪ ﺗﺪﻟّﺘﺎ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺑﺪ، ﻭﻣﻮﺿﻊ ﺍﻟﺜﻤﺮﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻐﺼﻦ.

ﻭﺃﻧﻬﻤﺎ ﻧﺘﻴﺠﺘﺎﻥ ﻟﺴﻠﺴﻠﺔ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻫﺬﻩ، ﻭﻣﺤﻞ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻃﺮﻓَﻲ ﺍﻟﺴﻠﺴﻠﺔ، ﺍﻟﺴﻔﻠﻴﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺍﻟﺜﻘﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺍلأﺳﻔﻞ، ﻭﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍلأﻋﻠﻰ.

ﻭﺃﻧﻬﻤﺎ ﻣﺨﺰﻧﺎﻥ ﻟﺴﻴﻞ ﺍﻟﺸﺆﻭﻥ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺻﻴﻞ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ. ﻭﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺨﺰﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﺴﺐ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻤﺤﺎﺻﻴﻞ، ﺍﻟﻔﺎﺳﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺃﺳﻔﻠﻪ، ﻭﺍﻟﺠﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺃﻋـلاﻩ.

ﻭﺃﻧﻬﻤﺎ ﺣﻮﺿﺎﻥ ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﺘﻤﻮﺟﺔ ﻭﺍﻟﺠﺎﺭﻳﺔ ﻧﺤﻮ ﺍلأﺑﺪ. ﻭﻣﺤﻞ ﺍﻟﺤﻮﺽ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﺳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺴﻴﻞ ﻭﺗﺠﻤﻌﻪ. ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺧﺒﺜَﻪ ﻭﻗﺬﺍﺭﺗﻪ ﻓﻲ ﺍلأﺳﻔﻞ، ﻃﻴﺒﺎﺗِﻪ ﻭﻧﻘﻴّﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺍلأﻋﻠﻰ.

ﻭﺃﻧﻬﻤﺎ ﻣﻮﺿﻌﺎﻥ ﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﻠﻄﻒ ﻭﺍﻟﻘﻬﺮ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻟﻌﻈﻤﺔ، ﻭﻣﻮﺿﻊ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺃﻱ ﻣﻮﺿﻊ ﻛﺎﻥ. ﻭﻳﻔﺘﺢ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦُ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻭﺍﻟﻘﻬﺎﺭ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻣﻮﺿﻊَ ﺗﺠﻠﻴﻪ ﺃﻳﻨﻤﺎ ﺷﺎﺀ.

ﺃﻣﺎ ﻭﺟﻮﺩُ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺟﻬﻨﻢ، ﻓﻘﺪ ﺃُﺛﺒﺖ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮﺓ» ﻭ«ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻣﻨﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﻭ«ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺎﺳﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﻫﻨﺎ:

ﺇﻥَّ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺜﻤﺮﺓ ﻗﻄﻌﻲٌ ﻭﻳﻘﻴﻦ ﻛﻘﻄﻌﻴﺔ ﻭﻳﻘﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻐﺼﻦ.. ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﻳﻘﻴﻦ ﻛﻴﻘﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺴﻠﺴﻠﺔ.. ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺨﺰﻥ ﻳﻘﻴﻦ ﻛﻴﻘﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺤﺎﺻﻴﻞ.. ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺤﻮﺽ ﻳﻘﻴﻦ ﻛﻴﻘﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻨﻬﺮ.. ﻭﻭﺟﻮﺩ ﻣﻮﺿﻊ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻳﻘﻴﻦ ﻛﻴﻘﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻟﻘﻬﺮ.

    اﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ:

ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻱ ﻟﻠﻤﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﻠﺐَ ﺇﻟﻰ ﻋﺸﻖ ﺣﻘﻴﻘﻲ، ﻓﻬﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﻠﺐ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻱ ﻟﻠﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻤﻠﻪ ﺃﻛﺜﺮُ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻧﻌﻢ، ﺇﺫﺍ ﺷﺎﻫﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﺷﻖ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻱ ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ، ﻗﺒﺢَ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻭﺩﻣﺎﻣﺔَ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﺟﻪ. ﻓﺄَﻋْﺮَﺽَ ﻋﻨﻪ، ﻭﺑَﺤَﺚَ ﻭﺗَﺤﺮَّﻯ ﻋﻦ ﻣﺤﺒﻮﺏ ﺑﺎﻕ لا ﻳﺰﻭﻝ. ﻭﻭﻓَّﻘﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻠﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻬَﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﻴﻦ، ﻭﻫﻤﺎ ﻣﺮﺁﺓ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﻭﻣﺰﺭﻋﺔ ﺍلآﺧﺮﺓ، ﺍﻧﻘﻠﺐ ﺣﻴﻨﺌﺬٍ ﺍﻟﻌﺸﻖُ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻱ ﻏﻴﺮُ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺇﻟﻰ ﻋﺸﻖ ﺣﻘﻴﻘﻲ. ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺸﺮﻁ ﺃَﻟَّﺎ ﻳﻠﺘﺒﺲ ﻋﻠﻴﻪ، ﺩﻧﻴﺎﻩُ ﺍﻟﺰﺍﺋﻠﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺮﺓ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺤﻴﺎﺗﻪ، ﺑﺎﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ؛ ﺇﺫ ﻟﻮ ﻧﺴﻲَ ﻧﻔﺴَﻪ ﻧﺴﻴﺎﻥَ ﺃَﻫﻞِ ﺍﻟﻀـلاﻟﺔ ﻭﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻭﺧﺎﺽَ ﻓﻲ ﻏِﻤﺎﺭ ﺁﻓﺎﻕ ﺍﻟﺪُّﻧﻴﺎ ﻭﻇَﻦَّ ﺩﻧﻴﺎﻩُ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻛﺎﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ، ﻓﻌﺸِﻘَﻬﺎ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻨﻘﻊ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻳﻐﺮﻕ. ﺇﻟّﺎ ﻣَﻦ ﺃَﻧﺠَﺘْﻪُ ﻳﺪُ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻧﺠﺎﺓً ﺧﺎﺭﻗﺔً ﻟﻠﻌﺎﺩﺓ.

ﻓﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ ﺍلآﺗﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻮّﺭ ﻟﻚ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ:

ﻫَﺐْ ﺃَﻧﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﺍلأﺭﺑﻌﺔ ﺩﺧﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺔ، ﻋﻠﻰ ﺟﺪﺭﺍﻧﻬﺎ ﺍلأﺭﺑﻌﺔ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻛﺒﺮَ ﺍﻟﺤﺎﺋﻂ. ﻓﻌﻨﺪﺋﺬٍ ﺗﺼﺒﺢ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﺧﻤﺲَ ﻏﺮﻑٍ. ﺇﺣﺪﺍﻫﺎ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻋﻤﻮﻣﻴﺔ، ﻭﺍلأﺭﺑﻌﺔ ﺍلأﺧﺮﻯ ﻣﺜﺎﻟﻴﺔ ﻭﺧﺼﻮﺻﻴﺔ. ﻭﻛﻞ ﻣﻨﺎ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺒﺪّﻝ ﺷﻜﻞَ ﻏﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻭﻫﻴﺌﺘَﻬﺎ ﻭﻟﻮﻧﻬﺎ ﺑﻮﺳﺎﻃﺔ ﻣﺮﺁﺗﻪ. ﻓﻠﻮ ﺻﺒﻐﻨﺎﻫﺎ ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ ﺍلأﺣﻤﺮ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗُﺮﻱ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔَ ﺣﻤﺮﺍﺀ ﻭﻟﻮ ﺻﺒﻐﻨﺎﻫﺎ ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ ﺍلأﺧﻀﺮ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﺮﻳﻬﺎ ﺧﻀﺮﺍﺀ.. ﻫﻜﺬﺍ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﻄﻲ ﻟﻠﻐﺮﻓﺔ ﺃﻭﺿﺎﻋﺎً ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﺑﺎﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻓﻴﻬﺎ، ﺑﻞ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﺃﻭ ﻗﺒﻴﺤﺔ، ﺃﻭ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻧﺮﻏﺐ ﻓﻴﻪ، ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ لا ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﻐﻴّﺮ ﻭﻧﺒﺪﻝ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﻭﻳﺴﺮ. ﻓﺄﺣﻜﺎﻡُ ﺍﻟﻐﺮﻓﺘﻴﻦ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺘﺎﻥ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺘﺎ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﺘﺤﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ. ﻓﺄﻧﺖ ﺑﺘﺤﺮﻳﻚ ﺇﺻﺒﻊ ﻳﻤﻜﻨﻚ ﺗﺨﺮﻳﺐ ﻏﺮﻓﺘﻚ، ﺑﻴﻨﻤﺎ لا ﻳﻤﻜﻨﻚ ﺗﺤﺮﻳﻚ ﺣﺠﺮ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﻭﻟﻮ ﻗﻴﺪَ ﺃﻧﻤﻠﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻬﻲ ﻣﻨـﺰﻝٌ ﺟﻤﻴﻞ ﻣﺰﻳّﻦ، ﻭﺣﻴﺎﺓ ﻛﻞ ﻣﻨﺎ ﻣﺮﺁﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻭﻟﻜﻞ ﻣﻨﺎ ﺩﻧﻴﺎﻩ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ. ﻭﻟﻜﻞ ﻣﻨﺎ ﻋﺎﻟﻤﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﻪ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﻋﻤﻮﺩ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﻭﻣﺮﻛﺰﻫﺎ ﻭﺑﺎﺑﻬﺎ، ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﻭﻋﺎﻟﻤﻨﺎ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﺻﺤﻴﻔﺔٌ، ﻭﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﻗﻠﻢٌ، ﺗُﻜﺘَﺐ ﺑﻮﺳﺎﻃﺘﻪ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗُﻨﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﺻﺤﻴﻔﺔ ﺃﻋﻤﺎﻟﻨﺎ. ﻓﺈﻥ ﺃﺣﺒﺒﻨﺎ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ، ﺛﻢ ﺷﺎﻫﺪﻧﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺯﺍﺋﻠﺔً ﻓﺎﻧﻴﺔ لا ﻗﺮﺍﺭ ﻟﻬﺎ ﻛﺤﻴﺎﺗﻨﺎ -لأﻧﻬﺎ ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻓﻮﻗﻬﺎ- ﻭﺷﻌﺮﻧﺎ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ، ﻭﺃﺩﺭﻛﻨﺎﻩ، ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻣﺤﺒﺘُﻨﺎ ﻧﺤﻮﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﺒﺔ ﻧﻘﻮﺵ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻠﻬﺎ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻟﻬﺎ. ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺗﻨﺘﻘﻞ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﺒﺔ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ.

ﺛﻢ ﺇﻧﻨﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺩﺭﻛﻨﺎ ﺃﻥ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻣﺰﺭﻋﺔٌ ﻣﺆﻗﺘﺔ ﻟـلآﺧﺮﺓ ﻭﺍﻟﺠﻨﺔ، ﻭﺣﻮّﻟﻨﺎ ﺃﺣﺎﺳﻴﺴَﻨﺎ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪﺓ ﻭﻣﺸﺎﻋﺮﻧﺎ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﻧﺤﻮﻫﺎ ﻛﺎﻟﺤﺮﺹ ﻭﺍﻟﻄﻠﺐ ﻭﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟِﻬﺎ، ﺇﻟﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺰﺭﻋﺔ ﻭﺛﻤﺮﺍﺗﻬﺎ ﻭﺳﻨﺎﺑﻠﻬﺎ، ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﻓﻮﺍﺋﺪﻫﺎ ﺍلأﺧﺮﻭﻳﺔ. ﻳﻨﻘﻠﺐ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺸﻖُ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻱ ﺇﻟﻰ ﻋﺸﻖ ﺣﻘﻴﻘﻲ. ﻭﺑﺨـلاﻑ ﻫﺬﺍ ﻧﻜﻮﻥ ﻣﻤﻦ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺣﻘﻬﻢ ﴿ﻧَﺴﻮُﺍ ﺍﻟﻠﻪ ﻓَﺎَﻧْﺴﺎﻫﻢ ﺍَﻧْﻔُﺴَﻬُﻢْ ﺍُﻭﻟﺌِﻚَ ﻫُﻢُ ﺍﻟْﻔﺎﺳِﻘُﻮﻥَ﴾ (ﺍﻟﺤﺸﺮ:19). ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﻨﺴﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻳﻐﻔﻞ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻟﻢ ﻳﻔﻜﺮ ﺑﺰﻭﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ، ﻭﺣﺴِﺐَ ﺩﻧﻴﺎﻩ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔً ﻛﺎﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ، ﻧﺎﺳﻴﺎً ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻋﺎﺩّﺍً ﻧﻔﺴﻪ ﺧﺎﻟﺪﺍً ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺴﻜﻦ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﺗﻤﺴﻚ ﺑﻬﺎ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺣﻮﺍﺳﻪ ﻭﻣﺸﺎﻋﺮﻩ ﻳﻐﺮﻕ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﻨﺘﻬﻲ ﺃﻣﺮﻩ. ﻓﺘﻜﻮﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔُ ﻭﺑﺎلا ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻋﺬﺍﺑﺎً ﺃﻟﻴﻤﺎ، لأﻧﻬﺎ ﺗﻮﻟﺪ ﺷﻔﻘﺔً ﻭﺭﻗّﺔَ ﻗﻠﺐٍ ﻳﺎﺋﺲٍ ﻳﺄﺱَ ﺍﻟﻴﺘﻴﻢ، ﻓﻴﻘﺎﺳﻲ ﺍلأﻟﻢ ﻣﻦ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺣﺘﻰ ﻳﺴﺘﺸﻌﺮ ﺃﻟﻢَ ﺍﻟﺮﻗﺔ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻣﻤﺎ ﻳﺼﻴﺐ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕِ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔَ ﺍﻟﻤﻌﺮَّﺿﺔَ ﻟﺼﻔﻌﺎﺕ ﺍﻟﺰَّﻭﺍﻝ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻕ، ﻭﻳﺠﺪ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻜﺘﻮﻑَ ﺍلأﻳﺪﻱ ﺇﺯﺍﺀﻫﺎ ﻓﻴﺘﺠﺮﻉُ ﺍلأﻟﻢ ﻓﻲ ﻳﺄﺱ ﻣﺮﻳﺮ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍلأﻭﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺠﻰ ﻣﻦ ﺷِﺒﺎﻙ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺠﺪ ﺑﻠﺴﻤﺎً ﺷﺎﻓﻴﺎً ﺇﺯﺍﺀ ﺷﺪﺓ ﺃﻟﻢ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﺗﻠﻚ، ﺇﺫ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﻓﻲ ﻣﻮﺕ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻓﻲ ﺯﻭﺍﻝ ﻣَﻦ ﻳﺘﺄﻟﻢ لأﻭﺿﺎﻋﻬﻢ، ﺑﻘﺎﺀَ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﺃﺭﻭﺍﺣِﻬﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻞ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕٍ ﺩﺍﺋﻤﺔ لأﺳﻤﺎﺀٍ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻟﺬﺍﺕٍ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﺑﺎﻗﻴﺔ ﺧﺎﻟﺪﺓ. ﻭﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﺗﻨﻘﻠﺐ ﺷﻔﻘﺘُﻪ ﺇﻟﻰ ﺳﺮﻭﺭ ﺩﺍﺋﻢ، ﻭﻳﺸﺎﻫﺪ ﻭﺭﺍﺀ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮّﺿﺔ ﻟﻠﻔﻨﺎﺀ ﻭﺍﻟﺰﻭﺍﻝ، ﻧﻘﺸﺎً ﻭﺇﺗﻘﺎﻧﺎً ﻭﺗﺠﻤﻴـلا ﻭﺗﺰﻳﻴﻨﺎً ﻭﺇﺣﺴﺎﻧﺎً ﻭﺗﻨﻮﻳﺮﺍً ﺩﺍﺋﻤﻴﺎً، ﻳُﺸﻌﺮﻩ ﺑﺠﻤﺎﻝ ﻣﻨـﺰّﻩ ﻭﺣُﺴﻦ ﻣﻘﺪﺱ، ﺣﺘﻰ ﻳﺮﻯ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝَ ﻭﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻧﻤﻄﺎً ﻟﺘﺰﻳﻴﺪ ﺍﻟﺤُﺴﻦ ﻭﺗﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﻭﺗﺸﻬﻴﺮ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻟﺬﺗﻪ ﻭﺷﻮﻗَﻪ ﻭﺇﻋﺠﺎﺑﻪ.

 ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ

 ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺳﻲ 

ﺍﻟﻠﻮﺍﻣﻊ

ﺍﻟﻠﻮﺍﻣﻊ

   ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﻫـلاﻝ ﺻﻮﻡ ﻭﻫـلاﻝ ﺍﻟﻌﻴﺪ

   ﺃﺯﺍﻫﻴﺮ ﺗﻔﺘﺤﺖ ﻋﻦ ﻧﻮﻯ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﺩﻳﻮﺍﻥ ﺷﻌﺮ ﺇﻳﻤﺎﻧﻲ ﻟﻄـلاﺏ ﺍﻟﻨﻮﺭ

ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ

   ﻭﻫﻲ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺛـلاﺙ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﻧﺎﻓﺬﺓ

     ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﻫﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ» ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭﻫﻲ

«ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ» ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (ﻓﺼﻠﺖ:53)

    ﺳﺆﺍﻝ: ﻧﺮﺟﻮ ﺃﻥ ﺗﻮﺿﺢ ﻟﻨﺎ ﺗﻮﺿﻴﺤﺎ ﻣﺠﻤـلا ﻭﻣﺨﺘﺼﺮﺍ، ﻣﺎ ﻓﻲ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍلآﻳﺘﻴﻦ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺩلاﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻭﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﺃﻭﺻﺎﻓﻪ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﻭﺷﺆﻭﻧﻪ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ، ﺳﻮﺍﺀ ﺃﻛﺎﻥ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺪلاﺋﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍلأﺻﻐﺮ ﺃﻭ ﺍلأﻛﺒﺮ، ﺃﻱ ﻓﻲ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺃﻭ ﺍﻟﻜﻮﻥ. ﻓﻠﻘﺪ ﺃﻓﺮﻁ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻭﻥ ﻭﺗﻤﺎﺩﻭﺍ ﻓﻲ ﻏﻴّﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﺑﺪﺅﻭﺍ ﻳﺠﺎﻫﺮﻭﻥ ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ: ﺇﻟﻰ ﻣﺘﻰ ﻧﺮﻓﻊ ﺃﻛﻔّﻨﺎ ﻭﻧﺪﻋﻮ: «ﻭﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻗﺪﻳﺮ»؟.

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻥ ﻣﺎ ﻛُﺘِﺐَ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻣﻦ ﺛـلاﺙ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ «ﻛﻠﻤﺔ»، ﻣﺎ ﻫﻲ ﺇلا ﺛـلاﺙ ﻭﺛـلاﺛﻮﻥ ﻗﻄﺮﺓ ﺗﻘﻄّﺮﺕ ﻣﻦ ﻓﻴﺾ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ. ﻳﻤﻜﻨﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﺠﺪﻭﺍ ﻣﺎ ﻳُﻘﻨﻌﻜﻢ ﺑﻤﺮﺍﺟﻌﺘﻬﺎ. ﺃﻣﺎ ﻫﻨﺎ ﻓﺴﻨﺸﻴﺮ ﻣﺠﺮﺩ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺭﺷﺤﺎﺕِ ﻗﻄﺮﺓٍ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ. ﻓﻨﻤﻬّﺪ ﻟﻬﺎ ﺑﻤﺜﺎﻝ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻠﻚ ﻗﺪﺭﺓ ﻣﻌﺠﺰﺓ ﻭﻣﻬﺎﺭﺓ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺒﻨﻲ ﻗﺼﺮﺍ ﻋﻈﻴﻤﺎ ﻓـلا ﺷﻚ ﺃﻧﻪ ﻗﺒﻞ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻳﺮﺳﻲ ﺃﺳُﺴَﻪ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﻣﺘﻘﻦ، ﻭﻳﻀﻊ ﻗﻮﺍﻋﺪَﻩ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻭﻳﻨﺴّﻘﻪ ﺗﻨﺴﻴﻘﺎ ﻳـلاﺋﻢ ﻟﻤﺎ ﻳُﺒﻨﻰ لأﺟﻠﻪ ﻣﻦ ﻏﺎﻳﺎﺕ ﻭﻣﺎ ﻳُﺮﺟﻰ ﻣﻨﻪ ﻣﻦ ﻧﺘﺎﺋﺞ. ﺛﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺑﺘﻘﺴﻴﻤﻪ ﻭﺗﻔﺼﻴﻠﻪ ﺑﻤﺎ ﻟﺪﻳﻪ ﻣﻦ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻭﺇﺑﺪﺍﻉ ﺇﻟﻰ ﺃﻗﺴﺎﻡ ﻭﺩﻭﺍﺋﺮ ﻭﺣُﺠﺮﺍﺕ، ﺛﻢ ﻧﺮﺍﻩ ﻳﻨﻈﻢ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺠﺮﺍﺕ ﻭﻳﺰﻳّﻨﻬﺎ ﺑﺮﻭﺍﺋﻊ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ، ﺛﻢ ﻳﻨﻮّﺭ ﻛﻞ ﺭﻛﻦ ﻣﻦ ﺃﺭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﺑﻤﺼﺎﺑﻴﺢ ﻛﻬﺮﺑﺎﺋﻴﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﺛﻢ لأﺟﻞ ﺗﺠﺪﻳﺪ ﺇﺣﺴﺎﻧﻪ ﻭﺇﻇﻬﺎﺭ ﻣﻬﺎﺭﺗﻪ ﻧﺮﺍﻩ ﻳﺠﺪﺩ ﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﻭﻳﺒﺪّﻟﻬﺎ ﻭﻳﺤﻮّﻟﻬﺎ. ﺛﻢ ﻳﺮﺑﻂ ﺑﻜﻞ ﺣُﺠﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺠﺮﺍﺕ ﻫﺎﺗﻔﺎ ﺧﺎﺻﺎ ﻳﺘﺼﻞ ﺑﻤﻘﺎﻣﻪ، ﻭﻳﻔﺘﺢ ﻣﻦ ﻛﻞٍ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﺎﻓﺬﺓً ﻳُﺮﻯ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻘﺎﻣُﻪ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ.

ﻭﻋﻠﻰ ﻏﺮﺍﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ -ﻭﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺍلأﻋﻠﻰ- ﻓﺎﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ، ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻪ ﺃﻟﻒ ﺍﺳﻢ ﻭﺍﺳﻢ ﻣﻦ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﺃﻣﺜﺎﻝ: ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﺍﻟﻌﺪﻝ ﺍﻟﺤَﻜَﻢ، ﻭﺍﻟﻔﺎﻃﺮ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ، ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻴﺲ ﻛﻤﺜﻠﻪ ﺷﻲﺀ. ﺃﺭﺍﺩ، ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻧﺎﻓﺬﺓ، ﺧﻠﻖَ ﺷﺠﺮﺓِ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ، ﻭﺇﻳﺠﺎﺩَ ﻗﺼﺮ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ.. ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍلأﻛﺒﺮ.. ﻓﻮﺿﻊ ﺃﺳﺲَ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻭﺃﺻﻮﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ﻓﻲ ﺳﺘﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﺑﺪﺳﺎﺗﻴﺮِ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﻭﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻋﻠﻤﻪ ﺍلأﺯﻟﻲ. ﺛﻢ ﺻﻮَّﺭﻩ ﻭﺃﺣﺴﻦَ ﺻُﻮَﺭﺗﻪ ﺑﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ ﻭﻓﺼّﻠﻪ ﺗﻔﺼﻴـلا ﺩﻗﻴﻘﺎ ﺇﻟﻰ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻭﻓﺮﻭﻉ ﻋﻠﻮﻳﺔ ﻭﺳﻔﻠﻴﺔ. ﺛﻢ ﻧﻈّﻢ ﻛﻞ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻭﻛﻞ ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻭﺍلإﺣﺴﺎﻥ. ﺛﻢ ﺯﻳّﻦ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻭﻛﻞ ﻋﺎﻟﻢ، ﺑﻤﺎ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻝ -ﻓﺰﻳّﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻣﺜـلا ﺑﺎﻟﻨﺠﻮﻡ ﻭﺟﻤّﻞ ﺍلأﺭﺽ ﺑﺎلأﺯﺍﻫﻴﺮ- ﺛﻢ ﻧﻮّﺭ ﻣﻴﺎﺩﻳﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻭﺁﻓﺎﻕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﺛﻢ ﺃﻣﺪّ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﺘﻐﻴﺜﻮﻥ ﺑﻪ ﻣﻤﺎ ﻳـلاﻗﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﻣﻀﺎﻳﻘﺎﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ، ﻓﺘَﻮﺟَّﻪ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺑﺎﺳﻢ «ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ»، ﺃﻱ ﺇﻧﻪ ﻭﺿﻊ ﻓﻲ ﺛﻨﺎﻳﺎ ﻗﻮﺍﻧﻴﻨﻪ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻭﺩﺳﺎﺗﻴﺮﻩ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺍلإﺣﺴﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻭﺍلإﻏﺎﺛﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻭﺍﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻣﺎ ﻳﻤﻜّﻦ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﺟَّﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﻴﻦ ﻭﻳﺴﺄﻟﻪ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﺎﺟﻪ. ﻭﻓَﺘَﺢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﻨﺰﻝ، ﻭﻣﻦ ﻛﻞ ﻃﺒﻘﺔ، ﻭﻣﻦ ﻛﻞ ﻋﺎﻟﻢ، ﻭﻣﻦ ﻛﻞ ﻃﺎﺋﻔﺔ، ﻭﻣﻦ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ، ﻭﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻧﻮﺍﻓﺬ ﺗﺘﻄﻠﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺗﻈﻬﺮﻩ، ﺃﻱ ﺗُﺒﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩﻩ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻓﺄﻭﺩﻉ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻗﻠﺐ ﻫﺎﺗﻔﺎ ﻳﺘﺼﻞ ﺑﻪ.

ﻭﺑﻌﺪ، ﻓﺴﻮﻑ لا ﻧﻘﺤﻢ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻓﻴﻤﺎ لا ﻃﺎﻗﺔ ﻟﻨﺎ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺑﺤﺚ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻮﺍﻓﺬ ﺍﻟﺘﻲ لا ﺗﻌﺪ ﻭلا ﺗﺤﺼﻰ، ﺑﻞ ﻧﺤﻴﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ، ﺇلا ﻣﺎ ﻧﺸﻴﺮ ﻣﻦ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﻣﺠﻤﻠﺔ ﻓﻘﻂ ﺇﻟﻰ ﺛـلاﺙ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﻣﻨﻬﺎ، ﺗﺄﻟّﻘﺖ ﻣﻦ ﻟﻤﻌﺎﺕ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻴﻦ» ﺃﻭ «ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻴﻦ» ﻭﻗﺪ ﺣﺼﺮﻧﺎﻫﺎ ﻓﻲ ﺛـلاﺙٍ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﺗﺒﺮﻛﺎ ﺑﺎلأﺫﻛﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺄﺗﻲ ﻋﻘﺐ ﺍﻟﺼﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ. ﻭﻧﺪﻉ ﺇﻳﻀﺎﺣﺎﺗِﻬﺎ ﺍﻟﻤﻔﺼّﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﺍلأﺧﺮﻯ.

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍلأﻭﻟﻰ

ﻧﺸﺎﻫﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻓﺘﻘﺎﺭﺍ ﺇﻟﻰ ﺣﺎﺟﺎﺕٍ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻭﻣﻄﺎﻟﺐ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ لا ﺗﺤﺼﻰ.. ﻭﺇﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﺗُﺴﺎﻕُ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ لا ﺗﺤﺘﺴﺐ، ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺐ ﺗﺘﺮﻯ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻛﻞ ﻓﻲ ﻭﻗﺘﻪ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺐ.. ﻋﻠﻤﺎ ﺑﺄﻥّ ﺃﻳﺪﻱ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺗﻘﺼﺮ ﻋﻦ ﺑﻠﻮﻍ ﺃﺩﻧﻰ ﺣﺎﺟﺎﺗﻬﺎ ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺃﻭﺳﻊ ﻏﺎﻳﺎﺗﻬﺎ ﻭﻣﻘﺎﺻﺪﻫﺎ.. ﻓﺈﻥ ﺷﺌﺖَ ﻓﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻚ ﺗﺠﺪْﻫﺎ ﻣﻐﻠﻮﻟﺔَ ﺍﻟﻴﺪﻳﻦ ﺇﺯﺍﺀ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﻠﺰﻡ ﺣﻮﺍﺳَّﻚ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، ﺃﻭ ﻳﺸﺒﻊ ﺭﻏﺒﺎﺗﻚ ﺍﻟﺒﺎﻃﻨﺔ.. ﻓﻘﺲ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻚ ﻧﻔﻮﺱَ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ، ﻭﺗﺄﻣﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﺠﺪ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻛﺎﺋﻦ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺸﻬﺪ ﺑﻔَﻘﺮﻩ ﻭﺣﺎﺟﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﻘﻀﻴّﺔ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺣﻮﻝ ﻣﻨﻪ ﻭلا ﻗﻮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺸﻴﺮ ﺑﻬﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻛﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﻤﺠﻤﻮﻋﻪ ﻛﺪلاﻟﺔ ﺿﻮﺀ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻭﻳﺒﻴّﻦ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻨﺼﻒ ﺃﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻜﺮﻡ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺪﺑﻴﺮ.

ﻓﻤﺎ ﺃﺑﻐﺾَ ﺟﻬﻠَﻚ.. ﻭﺃﻟﻌﻦَ ﻏﻔﻠﺘَﻚ.. ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺠﺎﻫﻞ ﺍﻟﻐﺎﻓﻞ ﺍﻟﻤﻜﺎﺑﺮ.. ﻛﻴﻒ ﺗﻔﺴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺤﻜﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﺒﺼﻴﺮﺓ ﻭﺍﻟﺮﺣﻴﻤﺔ؟! ﺃﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺼﻤﺎﺀ؟ ﺃﻡ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻌﻤﻴﺎﺀ؟ ﺃﻡ ﺑﺎﻟﻤﺼﺎﺩﻓﺔ ﺍﻟﻌﺸﻮﺍﺀ؟ ﺃﻡ ﺑﺎلأﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪﺓ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰﺓ؟

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺘﺮﺩﺩ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺍﻟﺘﺸﺨﺺ ﻭﺗﺤﺎﺭ ﺑﻴﻦ ﻃﺮﻕ ﺍلإﻣﻜﺎﻧﺎﺕ ﻭﺍلاﺣﺘﻤﺎلاﺕ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻫﻴﺔ، ﺇﺫﺍ ﺑﻬﺎ ﺗُﻤﻨﺢ ﺻﻮﺭﺓً ﻣﻤﻴﺰﺓ ﻟﻬﺎ، ﻏﺎﻳﺔً ﻓﻲ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ..

ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌـلاﻣﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﺭﻗﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﻛُﻞِّ ﺇﻧﺴﺎﻥ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌـلاﻣﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻴّﺰﻩ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺟﻨﺴﻪ، ﻭﺃﻣﻌﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻤﺎ ﺃﻭﺩﻉ ﻓﻴﻪ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺑﺪﻳﻌﺔ ﻣﻦ ﺣَﻮَﺍﺱَّ ﻇﺎﻫﺮﺓٍ ﻭﻣﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻃﻨﺔ.. ﺃلا ﻳﺜﺒﺖ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﺁﻳﺔ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻟـلأﺣﺪﻳﺔ؟

ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻭﺟﻪ ﻳﺪﻝ -ﺑﻤﺌﺎﺕ ﺍﻟﺪلاﺋﻞ- ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺻﺎﻧﻊٍ ﺣﻜﻴﻢ، ﻭﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻓﻤﺠﻤﻮﻉُ ﺍلأﻭﺟﻪ ﺃﻳﻀﺎ، ﻭﻓﻲ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ ﻛﺎﻓﺔ ﺗﺒﻴّﻦ ﻟﻠﺒﺼﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺃﻧﻬﺎ ﺁﻳﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻟﻠﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍلأﺣﺪ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﻜِﺮ.. ﺃﺗﻘﺪِﺭ ﺃﻥ ﺗﺤﻴﻞَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌـلاﻣﺎﺕ ﻭﺍلأﺧﺘﺎﻡ ﺍﻟﺘﻲ لا ﺗﻘﻠَّﺪ، ﺃﻭ ﺃﻥ ﺗﺴﻨﺪ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻟـلأﺣﺪ ﺍﻟﺼﻤﺪ ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﻤﻮﻋﻬﺎ.. ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮ ﺑﺎﺭﺋﻬﺎ ﺍﻟﻤﺼﻮﺭ؟

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

ﺇﻥّ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ، ﻭﻃﻮﺍﺋﻒ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ، ﺍﻟﻤﻨﺘﺸﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍلأﺭﺽ ﻫﻲ ﺃﻛﺜﺮُ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﻧﻮﻉ ﻭﻃﺎﺋﻔﺔ، (حاشية) ﺑﻞ ﺇﻥ ﻋﺪﺩ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﻗﺴﻢ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ  ﺧـلاﻝ ﺳﻨﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ  ﻫﻮ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﻨﺬ ﺁﺩﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ ﺇﻟﻰ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ. ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﺟﻴﺶ ﻫﺎﺋﻞ ﻋﻈﻴﻢ، ﻓﻨﺮﻯ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻟﻪ ﺭﺯﻗُﻪ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍلآﺧﺮ ﻭﺻﻮﺭﺗُﻪ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﻳﻨﺔ، ﻭﺃﺳﻠﺤﺘُﻪ ﺍﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ ﻭﻣـلاﺑﺴﻪ ﺍﻟﻤﺘﻤﻴﺰﺓ، ﻭﺗﺪﺭﻳﺒﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻭﺗﺴﺮﻳﺤﻪ ﺍﻟﻤﺘﻔﺎﻭﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ.. ﻭﺗﺠﺮﻱ ﻫﺬﻩ ﻛﻠُّﻬﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺎﻡ ﻣﺘﻘﻦ، ﻭﻭﻓﻖ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺩﻗﻴﻖ. ﻓﺈﺩﺍﺭﺓُ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﺗﺮﺑﻴﺔ ﺃﻓﺮﺍﺩﻩ، ﺩﻭﻧﻤﺎ ﻧﺴﻴﺎﻥ لأﺣﺪٍ ﻭلا ﺍﻟﺘﺒﺎﺱ، ﻟﻬﻲ ﺁﻳﺔ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﻟﻠﻮﺍﺣﺪ ﺍلأﺣﺪ.

ﻓﻤﻦ ﺫﺍ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻤﺪَّ ﻳﺪَ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍلإﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺓ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻣﺎﻟﻜﻬﺎ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺬﻱ لا ﺣﺪّ ﻟﻘﺪﺭﺗﻪ، ﻭلا ﺣﺪﻭﺩَ ﻟﻌﻠﻤﻪ، ﻭلا ﻧﻬﺎﻳﺔَ ﻟﺤﻜﻤﺘﻪ! ﺫﻟﻚ لأﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﻭﺗﺮﺑﻴﺔ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﺘﺪﺍﺧﻠﺔ ﺑﺒﻌﻀﻬﺎ ﻭﺍلأﻣﻢ ﺍﻟﻤﻜﺘﻨﻔﺔ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ، ﺩﻓﻌﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ، ﻳﻌﺠﺰ ﻛﻠﻴﺎ ﻋﻦ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺧﻠﻖ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﺎ، ﺇﺫ ﻟﻮ ﺣﺼﻠﺖ ﻣﺪﺍﺧﻠﺘﻪ ﻓﻲ ﺃﻱ ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻈَﻬَﺮ ﺃﺛﺮُﻩ، ﻭﺑﺎﻥ ﺍﻟﻨﻘﺺُ ﻭﺍﻟﻘﺼﻮﺭ ﴿ﻓَﺎﺭْﺟِﻊِ ﺍﻟْﺒَﺼَﺮَ ﻫَﻞْ ﺗَﺮﻯ ﻣِﻦْ ﻓُﻄُﻮﺭ﴾ (ﺍﻟﻤﻠﻚ:٣)

ﻓـلا ﻓﻄﻮﺭ ﻭلا ﻧﻘﺺ، ﺇﺫﻥ ﻓـلا ﺷﺮﻳﻚ.

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ

ﻫﻲ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔُ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍلأﺩﻋﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﻄﻠﻘﺔ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﺒﺬﻭﺭ، ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﺣﺘﻴﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ، ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﺿﻄﺮﺍﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﻐﻴﺜﻴﻦ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ..

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥّ ﺍلاﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﻫﺬﻩ ﺍلأﺩﻋﻴﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩﺓ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻓﻌﻠﻴﺔً، ﺑﺎﺩﻳﺔ ﺃﻣﺎﻣﻨﺎ، ﻧﺸﺎﻫﺪﻫﺎ ﺭﺃﻱَ ﺍﻟﻌﻴﻦ.

ﻓﻜﻤﺎ ﻳﺸﻴﺮ ﻛُﻞّ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﻟﻰ  ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ  ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ، ﻓﺈﻥ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺗﻠﻚ ﺍلاﺳﺘﺠﺎﺑﺎﺕ ﺗﺪﻝ ﺑﺎﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﻭﺑﻤﻘﻴﺎﺱ ﺃﻭﺳﻊ ﻭﺃﻋﻈﻢ ﻋﻠﻰ ﺧﺎﻟﻖ ﺭﺣﻴﻢ ﻛﺮﻳﻢ ﻣﺠﻴﺐ، ﻭﺗﻮﺟِّﻪ ﺍلأﻧﻈﺎﺭ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ.

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ

ﺇﺫﺍ ﺃﻣﻌﻨﺎ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ، ﻧﺸﺎﻫﺪﻫﺎ ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﻳﺪ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻟﺘﻮّﻫﺎ، ﻭﺑﺮﺯﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺑﺮﻭﺯﺍ ﻓﺠﺎﺋﻴﺎ.. ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺮﻛﺒﺔ ﺁﻧﻴﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﻋَﺠﻞٍ ﺑﺴﻴﻄﺔَ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺐ ﻭﻣﺸﻮّﻫﺔ ﺍﻟﺸﻜﻞ، ﻭﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺇﺗﻘﺎﻥ، ﻧﺮﺍﻫﺎ ﺗُﺨﻠَﻖُ ﻓﻲ ﺃﺗﻘﻦ ﺻﻨﻌﺔ ﻭﺃﺑﺪﻋِﻬﺎ؛ ﻫﺬﺍ ﺍلإﺗﻘﺎﻥ ﻭﺍلإﺑﺪﺍﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻓﺎﺋﻘﺔً. ﻭﻧﺮﺍﻫﺎ ﻓﻲ ﺃﺭﻭﻉ ﻧﻘﺶ ﻭﺃﺩﻕ ﺻﻮﺭﺓ؛ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﻋﺔ ﻭﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺻﺒﺮ ﻋﻈﻴﻢ ﻭﺯﻣﻦ ﻣﺪﻳﺪ. ﻭﻧﺮﺍﻫﺎ ﻓﻲ ﺯﻳﻨﺔ ﻓﺎﺧﺮﺓ ﻭﺟﻤﺎﻝ ﺃﺧّﺎﺫ؛ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺰﻳﻨﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﺍﻟﻠﺬﺍﻥ ﻳﺴﺘﺪﻋﻴﺎﻥ ﺁلاﺕ ﺗﺠﻤﻴﻞ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ، ﻭﻭﺳﺎﺋﻞ ﺯﻳﻨﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ.

ﻓﻬﺬﺍ ﺍلإﺗﻘﺎﻥُ ﺍﻟﻤﻌﺠِﺰ، ﻭﺍﻟﺼﻮﺭﺓُ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ، ﻭﺍﻟﻬﻴﺄﺓ ﺍﻟﻤﻨﺴﻘﺔ، ﻭﺍلإﺑﺪﺍﻉ ﺍلآﻧﻲ، ﻛﻞّ ﻣﻨﻪ ﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ. ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﻤﻮﻋﻪ ﻳﺒﻴّﻦ ﺑﻮﺿﻮﺡ «ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ» ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻳﺒﻴﻦ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ ﺭﺑّﻪ، ﺍﻟﺤﺎﺋﺮُ ﻓﻲ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ..ﻫﻴَّﺎ.. ﺑﻤﺎﺫﺍ ﺗﻮﺿِّﺢ ﻫﺬﺍ ﺍلأﻣﺮ ﻭﺗﻔﺴﺮﻩ؟ ﺃﻓﺘﻔﺴﺮﻩ ﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰﺓ ﺍﻟﺒﻠﻴﺪﺓ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﺔ؟ ﺃﻡ ﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﻘﺘﺮﻑ ﺑﺠﻬﻠﻚ ﺧﻄﺄ لا ﺣﺪﻭﺩ ﻟﻪ، ﻓﺘﻘﻠﺪ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔَ ﺻﻔﺎﺕ ﺍلأﻟﻮﻫﻴﺔ، ﻭﺗﻨﺴﺐ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺠﺔ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕِ ﻗﺪﺭﺓِ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﺍﻟﻤﻨﺰّﻩ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻧﻘﺺ ﻭﻋﻴﺐ، ﻓﺘﺮﺗﻜﺐ ﺃﻟﻒَ ﻣﺤﺎﻝٍ ﻭﻣﺤﺎﻝ.

   ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ

﴿ﺍِﻥّ ﻓﻲ ﺧَﻠْﻖِ ﺍﻟﺴَّﻤﻮﺍﺕِ ﻭﺍلاﺭﺽِ ﻭَﺍﺧْﺘِـلاﻑِ ﺍﻟَّﻴْﻞ ﻭَﺍﻟﻨَّﻬﺎﺭِ ﻭَﺍﻟﻔُﻠْﻚِ ﺍﻟّﺘﻰ ﺗَﺠْﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﺒَﺤﺮِ ﺑﻤَﺎ ﻳَﻨْﻔَﻊُ ﺍﻟﻨَّﺎﺱَ ﻭَﻣﺂ ﺍَﻧَﺰَﻝَ ﺍﻟﻠﻪ ﻣِﻦَ ﺍﻟﺴَّﻤﺂﺀِ ﻣِﻦْ ﻣﺂﺀٍ ﻓَﺎﺣﻴﺎ ﺑِﻪِ ﺍلاﺭﺽَ ﺑَﻌْﺪَ ﻣَﻮْﺗِﻬَﺎ ﻭَﺑَﺚَّ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻛُﻞِّ ﺩَﺁﺑﺔٍ ﻭَﺗَﺼْﺮﻳﻒِ ﺍﻟﺮِّﻳﺎﺡِ ﻭَﺍﻟﺴّﺤَﺎﺏِ ﺍﻟﻤُﺴﺨَّﺮِ ﺑَﻴْﻦَ ﺍﻟﺴَﻤَﺂﺀِ ﻭﺍلاﺭﺽِ لاﻳﺎﺕٍ ﻟِﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﻌﻘِﻠﻮُﻥَ﴾ (ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ:164)

ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺒﻴﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻓﻬﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺟﺪﺍ ﺗﻄﻞ ﻋﻠﻰ ﺍلاﺳﻢ ﺍلأﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ. ﻭﺯﺑﺪﺓ ﺧـلاﺻﺘﻬﺎ: ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻋﻠﻮﻳّﻬﺎ ﻭﺳﻔﻠﻴّﻬﺎ، ﺗﺪﻝ ﺑﺄﻟﺴﻨﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺃﻱ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻮﺑﻴﺔ ﺻﺎﻧﻊٍ ﺣﻜﻴﻢٍ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻛﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

ﺇﻥ ﺟﺮﻳﺎﻥ ﺍلأﺟﺮﺍﻡ ﻓﻲ  ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ  ﺑﻤﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻟﺒﻠﻮﻍ ﻏﺎﻳﺎﺕ ﺟﻠﻴﻠﺔ، ﻭﻧﺘﺎﺋﺞَ ﺳﺎﻣﻴﺔ -ﺑﺘﻘﺮﻳﺮ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﻧﻔﺴﻪ- ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺇﻟﻪٍ ﻗﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺟـلاﻝ ﻭﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ.

ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺤﻮلاﺕ ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﻤﺔ ﻓﻲ «ﺍلأﺭﺽ» ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻫَﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺳﻢ ﻟﺤﺼﻮﻝ ﻣﻨﺎﻓﻊ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻭﻣﺼﺎﻟﺢ ﺷﺘﻰ -ﺑﺘﻘﺮﻳﺮ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ- ﺇﻧﻤﺎ ﺗﺪﻝ ﺩلاﻟﺔ ﻭﺍﺿﺤﺔ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻜﻢ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ، ﻭﺗﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ «ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ» ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤـلأ ﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺒﺤﺮ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳُﺮﺳﻞ ﺭﺯﻕُ ﻛُﻞٍّ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻭﺗُﻜﺴﻰ ﺑﺄﺛﻮﺍﺏ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ، ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻭﺗُﺠﻬّﺰ ﺑﺤﻮﺍﺱ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ، ﺑﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ.. ﻳﺸﻴﺮ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ، ﻭﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﻤﻮﻋﻬﺎ ﻛﻜﻞ ﻳﺪﻝ ﻣﻌﺎ ﻭﺑﻤﻘﻴﺎﺱ ﻭﺍﺳﻊ ﺟﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻤﺔ ﺍلأﻟﻮﻫﻴﺔ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ.

ﻭﻛﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻓﻲ «ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ» ﺍﻟﻤﻮﺯﻭﻧﺔ ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻔﺮﺵ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺍﻟﺒﺴﺎﺗﻴﻦ ﻭﺍﻟﺰﺭﻭﻉ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺑﻤﺎ ﺗﺤﻤﻞ ﻣﻦ ﺃﺯﺍﻫﻴﺮ ﺟﻤﻴﻠﺔ، ﻭﻣﺎ ﺗﻨﺘﺞ ﻫﺬﻩ ﺍلأﺯﺍﻫﻴﺮ ﻣﻦ ﺛﻤﺎﺭ ﻣﻮﺯﻭﻧﺔ، ﻭﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﻣﻦ ﻧﻘﻮﺵ ﺭﺍﺋﻌﺔ، ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻛـلا ﻣﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ﻳﺪﻝ ﻋﻞ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﻓﺈﻥ ﻣﺠﻤﻮﻋَﻬﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﺟﻤﺎﻝ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ «ﺍﻟﻘﻄﺮﺍﺕ» ﺍﻟﻤﺴﺨﺮﺓ ﻟﺤِﻜَﻢٍ ﻏﺰﻳﺮﺓ، ﻭﻟﻐﺎﻳﺎﺕ ﺳﺎﻣﻴﺔ، ﻭﻣﻨﺎﻓﻊَ ﺟﻠﻴﻠﺔ، ﻭﻓﻮﺍﺋﺪ ﺟﻤّﺔً، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗُﺮﺳﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺴُّﺤﺐ ﺍﻟﺜﻘﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﻠﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﺍلأﺭﺽ، ﺗﺪﻝ ﺑﻌﺪﺩ ﺍﻟﻘﻄﺮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﺗﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﻛﻤﺎ ﺃﻥ «ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ» ﺍﻟﺮﺍﺳﻴﺎﺕ، ﻭﻣﺎ ﻓﻲ ﺃﺟﻮﺍﻓﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﺩﻥ، ﻭﻣﺎ ﻟﻜﻞٍ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻮﺍﺹ، ﻭﻣﺎ ﺍﺩّﺧﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻏﺎﻳﺎﺕ ﺷﺘﻰ، ﻭﺍﻟﻤﻌﺪّﺓ ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﻋﺪﺓ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ﻭﺑﻤﺠﻤﻮﻋﻬﺎ ﻣﻌﺎ، ﺗﺪﻝ ﺩلاﻟﺔ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻢّ ﺍﻟﺮﻭﺍﺳﻲ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻭﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺃﻧﻮﺍﻉ «ﺍلأﺯﺍﻫﻴﺮ» ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﻤﻨﺜﻮﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘـلاﻝ ﻭﺍﻟﺮﻭﺍﺑﻲ ﻭﺍﻟﺼﺤﺎﺭﻯ، ﻭﻗﺪ ﺃﺿﻔﻰ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺒﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﻛُﻞّ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻭﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﻤﻮﻋﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻴﻢ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺃﻧﻮﺍﻉ «ﺍلأﻭﺭﺍﻕ» ﻭﺃﺷﻜﺎﻟﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﺴﻘﺔ، ﻭﺍﻫﺘﺰﺍﺯﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺠﺬﺍﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍلأﺷﺠﺎﺭ ﻭﺍلأﻋﺸﺎﺏ ﻛﺎﻓﺔ ﺗﺸﻬﺪ ﺑﻌﺪﺩ ﺍلأﻭﺭﺍﻕ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ «ﻧﻤﻮ ﺍلأﺟﺴﺎﻡ» ﺑﺨﻄﻮﺍﺕ ﻫﺎﺩﻓﺔ ﻣﻄﺮﺩﺓ، ﻭﺗﺠﻬﻴﺰ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺄﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍلأﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟﻤﺘﻮﺟﻬﺔ ﻣﻌﺎ ﺇﻟﻰ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ، ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺗﻮﺟُّﻪ ﺷﻌﻮﺭﻱ، ﻳﺠﻌﻞ ﻛﻞ ﺟﺴﻢ ﻧﺎﻡٍ ﺑﺄﺟﺰﺍﺋﻪ ﻭﻣﺠﻤﻮﻋﻪ، ﻳﺸﻬﺪ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻭﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻭﻳﺪﻝ ﺩلاﻟﺔ ﺃﻋﻈﻢ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ، ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ، ﻭﺻﻨﻌﺘﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ، ﻭﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺇﻳﺪﺍﻉَ «ﺍﻟﻨﻔﺲ» ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﺪ، ﻭﺗﻤﻜﻴﻦَ «ﺍﻟﺮﻭﺡ» ﻣﻦ ﻛﻞ ﻛﺎﺋﻦ ﺣﻴﻮﺍﻧﻲ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻭﺗﺴﻠﻴﺤَﻪ ﺑﺄﺳﻠﺤﺔ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ، ﻭﺗﺰﻭﻳﺪَﻩ ﺑﺄﻋﺘﺪﺓ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﻛﺎﻣﻞ، ﻭﺗﻮﺟﻴﻬَﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﻬﻤﺎﺕ ﺟﻠﻴﻠﺔ، ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻣﻪ ﻓﻲ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻳﺸﻴﺮ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﺑﻌﺪﺩ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺑﻞ ﺑﻌﺪﺩ ﺃﺟﻬﺰﺗﻬﺎ ﻭﺃﻋﻀﺎﺋﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻳﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﻤﻮﻋﻬﺎ ﺍﻟﻜﻠﻲ )ﻳﺪﻝ ﺩلاﻟﺔ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﺎﻝ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ «ﺍلإﻟﻬﺎﻣﺎﺕ» ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗُﺮﺷﺪ ﻗﻠﻮﺏَ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺗُﻔﻘِّﻬﻬﺎ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ، ﻭﺗُﻌﻠّﻢ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ﺍلاﻫﺘﺪﺍﺀ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﺎﺟﻪ ﻣﻦ ﺣﺎﺟﺎﺕ.. ﻫﺬﻩ ﺍلإﻟﻬﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﺑﺄﻧﻮﺍﻋﻬﺎ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺗُﺸﻌِﺮُ ﻛُﻞَّ ﺫﻱ ﺑﺼﻴﺮﺓ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺭﺏ ﺭﺣﻴﻢ ﻭﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ «ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ» ﺍﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ ﻭﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ -ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻨﺔ- ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻨﻲ ﺍلأﺯﺍﻫﻴﺮَ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺑﺴﺘﺎﻥ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻭﻛﻮﻥَ ﻛﻞ ﺣﺎﺳﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻔﺘﺎﺣﺎ ﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍﻟﻢ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ، ﺗﺪﻝ ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺻﺎﻧﻊ ﺣﻜﻴﻢ ﻋﻠﻴﻢ، ﻭﺧﺎﻟﻖ ﺭﺣﻴﻢ، ﻭﺭﺯﺍﻕ ﻛﺮﻳﻢ، ﻭﺗﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻭﺍﺣﺪﻳﺘﻪ ﻭﺃﺣﺪﻳﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﻮﺍﻓﺬ ﺍلاﺛﻨﺘﺎ ﻋﺸﺮﺓ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺗﻤﺜﻞ ﻭﺟﻬﺎ ﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻓﺘﺪﻝ ﺑﺎﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ ﻟﻮﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﻟﻮﺍﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪﻳﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻭﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﻜﺬّﺏ ﺍﻟﺸﻘﻲ!.. ﻛﻴﻒ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﺴﺪَّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﺳَﻌَﺔَ ﺍلأﺭﺽ.. ﺑﻞ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﺳﻌﺔَ ﻣﺪﺍﺭﻫﺎ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ.؟! ﻭﺑﺄﻱ ﺷﻲﺀ ﻳﻤﻜﻨﻚ ﺃﻥ ﺗﻄﻔﺊ ﻣﻨﺒﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﺴﺎﻃﻊ ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ؟. ﻭﺑﺄﻱ ﺳﺘﺎﺭ ﻣﻦ ﺳﺘﺎﺋﺮ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻳﻤﻜﻨﻚ ﺃﻥ ﺗﺨﻔﻴﻪ..؟!

ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ

ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺫﻳﻞ ﻳﻮﺿﺢ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺜﺎﻣﻨﺔ ﻣﻦ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ». ﻭﻫﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ لأﻭﻝ ﻟﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺧﻤﺴﺔ ﻭﺧﻤﺴﻴﻦ ﻟﺴﺎﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺸﺎﻫﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺃﺷﻴﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﻟﺔ «ﻗﻄﺮﺓ ﻣﻦ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ» وﻫﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺰﺍﺧﺮﺓ ﻟـلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ:٢٢) ﻟﺒﺴَﺖ ﺛﻮﺏَ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ.

   ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍلأﻭﻝ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ:٢٢)

«لا ﺇِﻟَﻪَ ﺇِلا ﺍﻟﻠﻪ ﻭَﺣﺪَﻩُ لا ﺷَﺮﻳﻚَ ﻟَﻪُ ﻟَﻪُ ﺍﻟْﻤُﻠﻚُ ﻭَﻟَﻪُ ﺍﻟْﺤَﻤﺪُ ﻳُﺤﻴِﻲ ﻭَﻳُﻤِﻴﺖُ ﻭَﻫُﻮَ ﺣَﻲّ لا ﻳَﻤُﻮﺕُ ﺑِﻴَﺪِﻩِ ﺍﻟْﺨَﻴﺮ ﻭَﻫُﻮَ ﻋَﻠَﻰ ﻛُﻞِّ ﺷَﻲْﺀٍ ﻗَﺪِﻳﺮ ﻭَﺇﻟَﻴﻪِ ﺍﻟْﻤَﺼِﻴﺮُ».

    ﻛﻨﺖ ﻗﺪ ﺑَﻴَّﻨﺖُ ﻓﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﻟﻴﺎﻟﻲ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ؛ ﺃﻥّ ﻓﻲ ﻛﻞٍّ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻤﻞ ﺍلإﺣﺪﻯ ﻋﺸﺮﺓ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜـلاﻡ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪﻱ ﺑﺸﺎﺭﺓ ﺳﺎﺭﺓ، ﻭﻣﺮﺗﺒﺔ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ. ﻭﻗﺪ ﺑﺴﻄﺖ ﺍﻟﻜـلاﻡ ﺑﺴﻄﺎ ﻳﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﻟﺘﻮﺿﻴﺢ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺟﻤﻠﺔ «لا ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ» ﻭﺣﺪَﻫﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻥٍ ﺟﻤﻴﻠﺔ؛ ﻭﺫﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﻣﺤﺎﻭﺭﺓ ﺗﻤﺜﻴﻠﻴﺔ ﻭﻣﻨﺎﻇﺮﺓ ﺍﻓﺘﺮﺍﺿﻴﺔ، ﻭﺍﺗﺨﺎﺫ ﻟﺴﺎﻥِ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺔ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ. ﻭﺃﺩﺭﺝُ ﺍلآﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺓ ﺇﺳﻌﺎﻓﺎ ﻟﻄﻠﺐ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍلأﻋﺰﺍﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻴﻨﻮﻧﻨﻲ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻲ، ﻭﻧﺰﻭلا ﻋﻨﺪ ﺭﻏﺒﺔ ﺭﻓﻘﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﻧﻈﺮﺍ ﻟﻄﻠﺒﻬﻢ. ﻭﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍلآﺗﻲ:

ﻧﻔﺘﺮﺽ ﺷﺨﺼﺎ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﺸﺮﻛﺎﺀَ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻮﻫﻤُﻬﻢ ﺟﻤﻴﻊُ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﻀـلاﻝ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻋﺒَﺪﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪﻳﻦ ﺑﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ. ﻭﻧﻔﺮﺽ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻔﺘﺮَﺽ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺑﺎ ﻟﺸﻲﺀ ﻣﻦ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺪّﻋﻲ ﺍﻟﺘﻤﻠّﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻪ!

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻘﺪ ﻗﺎﺑﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺃﻭلا ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﺻﻐﺮ ﺷﻲﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﺭﺓ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺇﻧﻪ ﺭﺑّﻬﺎ ﻭﻣﺎﻟﻜﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ!

ﻓﺄﺟﺎﺑﺘﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺬﺭﺓُ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺑﻠُﻐﺔِ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺩَﻋﺔ ﻓﻴﻬﺎ: ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺅﺩﻱ ﻭﻇﺎﺋﻒَ ﻭﺃﻋﻤﺎلا لا ﻳﺤﺼﺮﻫﺎ ﺍﻟﻌﺪّ. ﻓﺄﺩﺧﻞُ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺼﻨﻮﻉ ﻋﻠﻰ ﺍﺧﺘـلاﻑ ﺃﻧﻮﺍﻋﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﻨﺖ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻋﻠﻤﺎ ﻭﺍﺳﻌﺎ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﻇﺎﺋﻒ ﻭﺻﺎﺣﺐَ ﻗﺪﺭﺓٍ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﺗﻮﺟّﻪ ﺟﻤﻴﻌَﻬﺎ، ﻭﻟﻚ ﺣﻜﻢ ﻧﺎﻓﺬ ﻭﻫﻴﻤﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﺨﻴﺮﻱ ﻭﺗﻮﺟﻴﻬﻲ ﻣﻊ ﺃﻣﺜﺎﻟﻲ (حاشية) ﻧﻌﻢ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻣﺘﺤﺮﻙ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺐ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺳﻜﺔ ﺍﻟﺼﻤﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﻃﺎﺑﻌﻬﺎ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻀﻢ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﻣﺎﻛﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﻮﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﺿﻤﻦ ﻣُﻠﻚ ﻣﺎﻟﻜﻪ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ.. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﻛﻨﺔ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻓﻬﻲ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺃﺧﺘﺎﻡ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﻣﻮﺿﻌﻪ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺻﺎﻧﻌﻪ ﻭﻣﻜﺘﻮﺏ ﻣﻨﻪ. ﺃﻱ ﺇﻥ ﻛﻞ ﻧﺒﺎﺕ، ﻭﻛﻞ ﺛﻤﺮ، ﻫﻮ ﺧﺘﻢ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ، ﻭﺳﻜﺔ ﻭﺣﺪﺓ، ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻮﺍﺿﻌﻪ ﻭﺃﻭﻃﺎﻧﻪ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻟﺼﺎﻧﻌﻪ ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ.

 ﻭﺍﻟﺨـلاﺻﺔ: ﺃﻥ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻳﺴﻴﻄﺮ ﺑﺤﺮﻛﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ لا ﻳﻘﺒﺾ ﺯﻣﺎﻡ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺑﻴﺪﻩ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺑﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺭﺓ. ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺘﺠﻮﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ.. ﻭﻛﺬﺍ ﻟﻮ ﻛﻨﺖ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﺣﻘﻴﻘﻴﺎ ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻧﺎ ﺟﺰﺀ ﻣﻨﻬﺎ، ﻛﺎﻟﻜﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺤﻤﺮ، ﻭﺗﺘﺼﺮﻑَ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﻡ ﺗﺎﻡ.. ﻓﻠﻚَ ﺃﻥ ﺗﺪّﻋﻲَ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻋﻠﻲّ، ﻭﺗُﺴﻨﺪ ﺃﻣﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮ ﺧﺎﻟﻘﻲ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ.. ﻭﺇلا ﻓﺎﺳﻜﺖ! ﺇﺫ لا ﺗﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﺘﺪﺧﻞَ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻲ ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺃﻧﻚ لا ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺭﺑﺎ ﻟﻲ؛ لأﻥ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻭﻇﺎﺋﻔﻨﺎ ﻭﺃﻋﻤﺎﻟﻨﺎ ﻭﺣﺮﻛﺎﺗﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﺘﻘﻦ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻦ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻣَﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺫﺍ ﺣﻜﻤﺔٍ ﻣﻄﻠﻘﺔٍ ﻭﻋﻠﻢ ﻣﺤﻴﻂ، ﻓﻠﻮ ﺗﺪﺧّﻞ ﻏﻴﺮُﻩ لأﻓﺴﺪ. ﻓﺄﻧّﻰ ﻟﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺃﻥ ﺗﻤﺪّ ﺇﺻﺒﻌﻚ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻨﺎ ﻭﺃﻧﺖ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪ ﺍلأﻋﻤﻰ ﺍلأﺳﻴﺮُ ﺑﻴﺪ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻓﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﺎﻭﻳﻴﻦ!

ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﻮﻥ: «ﺇﺫﻥ ﻛُﻮﻧﻲ ﻣﺎﻟﻜﺔً ﻟﻨﻔﺴﻚ، ﻓَﻠِﻢَ ﺗﻘﻮﻟﻴﻦ ﺇﻧﻚ ﺗﻌﻤﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﻏﻴﺮﻙ؟»

ﻓﺄﺟﺎﺑﺘﻪ ﺍﻟﺬﺭﺓ: «ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻟﻲ ﻋﻘﻞ ﺟﺒﺎﺭ ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﻭﻋﻠﻢ ﻣﺤﻴﻂ ﻛﻀﻮﺋﻬﺎ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻛﺤﺮﺍﺭﺗﻬﺎ ﻭﺣﻮﺍﺱ ﻭﻣﺸﺎﻋﺮُ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻛﺎلأﻟﻮﺍﻥ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ ﻓﻲ ﺿﻴﺎﺋﻬﺎ ﻭﻭﺟﻪ ﻣﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﺃﺳﻴﺢ ﻓﻴﻪ ﻭﻋﻴﻦ ﻧﺎﻇﺮﺓ ﻭﻛـلاﻡ ﻧﺎﻓﺬ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺃﺗﻮﺟﻪ ﺇﻟﻴﻪ.. ﺭﺑﻤﺎ ﻛﻨﺖُ ﺃﺗﻐﺎﺑﻰ ﻣﺜﻠَﻚ ﻓﺄﺩّﻋﻲ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﻴﺔ ﻟﻨﻔﺴﻲ!. ﺗﻨﺢَّ ﻋﻨﻲ ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻚ ﻣﻮﺿﻊ ﻓﻴﻨﺎ».

ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺌﺲ ﺩﺍﻋﻴﺔُ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺭﺓ. ﻗﺎﺑﻞ ﻛﺮﻳﺔً ﺣﻤﺮﺍﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻡ، ﻋﻠّﻪ ﻳﻈﻔﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺸﻲﺀ. ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﻭﻟﻐﺔِ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻣﻨﻄﻖِ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ: «ﺃﻧﺎ ﻟﻚِ ﺭﺏ ﻭﻣﺎﻟﻚ!»

ﻓﺮﺩّﺕ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﺔُ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ: «ﺇﻧﻨﻲ ﻟﺴﺖُ ﻭﺣﻴﺪﺓً ﻣﻨﻔﺮﺩﺓ، ﻓﺄﻧﺎ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻲ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻓﻲ ﺟﻴﺶ ﺍﻟﺪﻡ ﺍﻟﻜﺜﻴﻒ، ﻧﻈﺎﻣُﻨﺎ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻭﻇﺎﺋﻔُﻨﺎ ﻣﻮﺣﺪﺓ، ﻧﺴﻴﺮ ﺗﺤﺖ ﺇﻣﺮﺓ ﺁﻣﺮٍ ﻭﺍﺣﺪ. ﻓﺈﻥ ﻛﻨﺖ ﺗﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻤﻠﻚ ﺯﻣﺎﻡَ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻡ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻲ، ﻭﻟﻚ ﺣﻜﻤﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﺤﻜﻤﺎﻥ ﺳﻴﻄﺮﺗَﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﺧـلاﻳﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺠﻮﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻧُﺴﺘﺨﺪَﻡ لإﻧﺠﺎﺯ ﻣﻬﻤﺎﺕٍ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻜﻞ ﺣﻜﻤﺔ ﻭﺍﻧﺘﻈﺎﻡ، ﻓﻬﺎﺗﻬﺎ. ﻓﻠﺮﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﻟﺪﻋﻮﺍﻙ ﻣﻌﻨﻰ. ﻭﻟﻜﻨﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ لا ﺗﻤﻠﻚ ﺳﻮﻯ ﻗﻮﺓٍ ﻋﻤﻴﺎﺀ ﻭﻃﺒﻴﻌﺔٍ ﺻﻤﺎﺀ، ﻓـلا ﺗﻘﺪِﺭُ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻨﺎ ﻭﻟﻮ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺫﺭﺓ، ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺍﺩّﻋﺎﺀ ﺍﻟﺘﻤﻠّﻚ ﻋﻠﻴﻨﺎ؛ لأﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺩﻗﻴﻖ ﻭﺻﺎﺭﻡ ﺇﻟﻰ ﺣﺪّ لا ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺤﻜُﻤﻨﺎ ﺇلا ﻣﻦ ﻳﺮﻯ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻭﻳﺴﻤﻊُ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻭﻳﻌﻠﻢُ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻭﻳﻔﻌﻞُ ﻣﺎ ﻳﺸﺎﺀ. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﺎﺳﻜﺖ. ﺇﺫ لا ﺗﺪﻉُ ﻭﻇﺎﺋﻔُﻨﺎ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔُ ﻭﺩﻗﺘُﻬﺎ ﻭﻧﻈﺎﻣُﻬﺎ ﻣﺠﺎلا ﻟﻨﺎ ﻟﻨﺴﻤﻊ ﻫﺬﺭَﻙ..» ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺗﻄﺮﺩﻩ ﺍﻟﻜﺮﻳﺔُ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ.

ﻭﻟﻤّﺎ ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺑﻐﻴﺘَﻪ ﻓﻴﻬﺎ. ﺫﻫﺐ ﻓﻘﺎﺑﻞ ﺧﻠﻴﺔً ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ: «ﻟﻢ ﺃﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺃُﺳﻤﻊَ ﺩﻋﻮﺍﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺬﺭﺓ، ﻭلا ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ، ﻓﻠﻌﻠّﻲ ﺃﺟﺪ ﻣﻨﻚ ﺃﺫﻧﺎ ﺻﺎﻏﻴﺔ؛ لأﻧﻚ ﻟﺴﺖِ ﺇلا ﺣُﺠﻴﺮﺓ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺣﺎﻭﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ! ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﺈﻧﻨﻲ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﻌﻚ. ﻓﻜﻮﻧﻲ ﻣﺼﻨﻮﻋﺘﻲ ﻭﻣﻤﻠﻮﻛﺘﻲ ﺣﻘﺎ!»

ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ ﺍﻟﺨﻠﻴﺔ ﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ: «ﺇﻧﻨﻲ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍ ﺣﻘﺎ، ﻭﻟﻜﻦْ ﻟﻲ ﻭﻇﺎﺋﻒُ ﺟﻠﻴﻠﺔٌ ﻭﺟﺴﻴﻤﺔ، ﻭﻟﻲ ﻋـلاﻗﺎﺕ ﻭﺭﻭﺍﺑﻂ ﻭﺛﻴﻘﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ ﺟﺪﺍ ﻣﻊ ﺟﻤﻴﻊ ﺧـلاﻳﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ. ﻓﻠﻲ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﻣﺘﻘﻨﺔ ﻣﻊ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺪﻣﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺷﺮﺍﻳﻴﻦ ﻭﺃﻭﺭﺩﺓ ﻭﺃﻋﺼﺎﺏ ﻣﺤﺮّﻛﺔ ﻭﺣﺴﻴﺔ، ﻭﻣﻊ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻈّﻢ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻛﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺠﺎﺫﺑﺔ ﻭﺍﻟﺪﺍﻓﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﻟّﺪﺓ ﻭﺍﻟﻤﺼﻮّﺭﺓ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ. ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻋﻠﻢ ﻭﺍﺳﻊ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﺗﻨﺸﺊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺮﻭﻕ ﻭﺍلأﻋﺼﺎﺏ ﻭﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺩَﻋﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺗﻨﺴّﻘﻬﺎ ﻭﺗﺴﺘﺨﺪﻣُﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻬﻤﺎﺗﻬﺎ.. ﻭﻛﺬﺍ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻚ ﺣﻜﻤﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻥ ﺃﺧﻮﺍﺗﻲ ﻣﻦ ﺧـلاﻳﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻛﻠِّﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺸﺎﺑﻪ ﻓﻲ ﺍلإﺗﻘﺎﻥ ﻭﺍﻟﺮﻭﻋﺔ ﺍﻟﻨﻮﻋﻴﺔ، ﻓﻬﻴﺎ ﺃﻇﻬﺮﻫﺎ. ﺛﻢ ﺍﺩّﻉ ﺑﺄﻧﻚ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺻﻨﻌﻲ. ﻭﺇلا ﻓﺎﻏﺮﺏ ﻋﻨﺎ. ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺤﻤﺮ ﺗﺰﻭﺩﻧﻲ ﺑﺎلأﺭﺯﺍﻕ، ﻭﺍﻟﻜﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺒﻴﺾ ﺗﺪﺍﻓﻊ ﻋﻨﻲ ﺗﺠﺎﻩ ﺍلأﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﻤﺔ. ﻓﻠﻲَ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺟﺴﺎﻡ، لا ﺗﺸﻐﻠﻨﻲ ﻋﻨﻬﺎ. ﻓﺈﻥّ ﻋﺎﺟﺰﺍ ﻗﺎﺻﺮﺍ ﺃﻋﻤﻰ ﻣﺜﻠَﻚ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺣﻖُّ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻨﺎ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺃﺑﺪﺍ؛ لأﻥ ﻓﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤُﺤﻜﻢ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ (حاشية) ﺇﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻗﺪ ﺧﻠﻖ ﺟﺴﻢ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺔ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﻣﻨﺴﻘﺔ ﻭﻣﻨﺘﻈﻤﺔ ﺟﺪﺍ. ﻓﻘﺴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﻭﻕ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺘﻠﻐﺮﺍﻑ ﻭﺍﻟﺘﻠﻔﻮﻥ، ﻭﻗﺴﻢ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺍلأﻧﺎﺑﻴﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺄﺗﻲ ﺑﺎﻟﻤﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻨﺎﺑﻴﻊ ﻓﻴﺴﻴﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻡ، ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺒﺎﻋﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ.. ﻭﺍﻟﺪﻡ ﻧﻔﺴﻪ ﻗﺪ ﺧﻠﻖ ﻓﻴﻪ ﻗﺴﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﺎﺕ، ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﺇﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﺍﻟﻜﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺤﻤﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﺘﻮﺯﻳﻊ ﺍلأﺭﺯﺍﻕ ﺇﻟﻰ ﺣﺠﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﺒﺪﻥ، ﻓﺘﻮﺻﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﺭﺯﺍﻗﻬﺎ ﺑﻘﺎﻧﻮﻥ ﺇﻟﻬﻲ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﻘﻮﻡ ﻣﻮﻇﻔﻮ ﺍلأﺭﺯﺍﻕ ﻭﺗﺠّﺎﺭﻫﺎ ﺑﺎﻟﺘﻮﺯﻳﻊ. ﻭﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍلآﺧﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻜﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺒﻴﺾ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﻗﻞ ﻋﺪﺩﺍ ﻣﻦ ﺍلأﻭﻟﻰ، ﻭﺗﻘﻮﻡ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺗﺠﺎﻩ ﺍلأﻣﺮﺍﺽ ﻣﺘﺨﺬﺓ ﻭﺿﻌﺎ ﺳﺮﻳﻌﺎ ﻋﺠﻴﺒﺎ ﺑﻨﻮﻋﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﺭﺍﻥ ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺔ -ﻛﺎﻟﻤﺮﻳﺪ ﺍﻟﻤﻮﻟﻮﻱ- ﺣﺎﻟﻤﺎ ﺗﺪﺧﻞ ﺣﻮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ.. ﺃﻣﺎ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺍﻟﺪﻡ ﻓﻠﻪ ﻭﻇﻴﻔﺘﺎﻥ ﻋﺎﻣﺘﺎﻥ: ﺍلأﻭﻟﻰ: ﺗﻌﻤﻴﺮ ﺍﻟﺤﺠﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﻬﺪﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺗﺮﻣﻴﻤﻬﺎ.. ﻭﺍلأﺧﺮﻯ: ﺗﻨﻈﻴﻒ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺑﺠﻤﻊ ﺍﻟﻨﻔﺎﻳﺎﺕ ﻭﺃﻧﻘﺎﺽ ﺍﻟﺨـلاﻳﺎ.

 ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻗﺴﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﻭﻕ ﺃﻳﻀﺎ، ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﺍﻟﺸﺮﺍﻳﻴﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻨﻘﻞ ﺍﻟﺪﻡ ﺍﻟﺼﺎﻓﻲ ﻭﺗﻮﺯﻳﻌﻪ، ﻓﻬﻲ ﺑﺤﻜﻢ ﻣﺠﺎﺭﻱ ﺍﻟﺪﻡ ﺍﻟﻨﻘﻲ ﺍﻟﺼﺎﻓﻲ.. ﻭﺍلآﺧﺮ: ﻫﻮ ﻣﺠﺎﺭﻱ ﺍﻟﺪﻡ ﺍﻟﻔﺎﺳﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻨﻔﺎﻳﺎﺕ ﺍﻟﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍلأﻧﻘﺎﺽ، ﻭﻳﺄﺗﻲ ﺑﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺋﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﺘﻨﻔﺲ.

 ﺇﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻗﺪ ﺧﻠﻖ ﻋﻨﺼﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ: ﺍلآﺯﻭﺕ، ﻭﺍلآﺧﺮ: ﻣﻮﻟﺪ ﺍﻟﺤﻤﻮﺿﺔ (ﺍلأﻭﻛﺴﺠﻴﻦ) ﻓﻬﺬﺍ ﺍلأﺧﻴﺮ ﻣﺎ ﺇﻥ ﻳـلاﻣﺲ ﺍﻟﺪﻡ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺘﻨﻔﺲ ﺣﺘﻰ ﻳﺠﺬﺏ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻮّﺙ ﺍﻟﺪﻡ ﻣﺤﻮلا ﺇﻳﺎﻩ ﺇﻟﻰ ﻣﺎﺩﺓ ﺳﺎﻣﺔ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ «ﺣﺎﻣﺾ ﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ» (ﺛﻨﺎﺋﻲ ﺃﻭﻛﺴﻴﺪ ﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ) ﻭﺑﻬﺬﺍ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﺘﻨﻘﻴﺔ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﺗﺼﻔﻴﺘﻪ، ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻳﻀﻤﻦ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﻐﺮﻳﺰﻳﺔ ﻟﻠﺠﺴﻢ. ﺫﻟﻚ لأﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻗﺪ ﻭﻫﺐ ﻟﻤﻮﻟﺪ ﺍﻟﺤﻤﻮﺿﺔ ﻭﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ ﻋـلاﻗﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ (ﺍلأﻟﻔﺔ ﺍﻟﻜﻴﻤﻴﺎﻭﻳﺔ) ﺑﺤﻴﺚ ﻣﺎ ﺇﻥ ﻳﻘﺘﺮﺑﺎﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﻤﺘﺰﺟﺎ ﻣﻌﺎ ﺑﻘﺎﻧﻮﻥ ﺇﻟﻬﻲ، ﻓﺘﺘﻮﻟﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍلاﻣﺘﺰﺍﺝ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﻋﻠﻤﺎ، ﺇﺫ ﺍلاﻣﺘﺰﺍﺝ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﺣﺘﺮﺍﻕ.

 ﻭﺣﻜﻤﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮ ﻫﻲ ﻣﺎ ﻳﺄﺗﻲ: ﺇﻥ ﻟﺬﺭﺍﺕ ﻛﻞ ﻋﻨﺼﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ، ﻓﺄﺛﻨﺎﺀ ﺍلاﻣﺘﺰﺍﺝ، ﺗﻤﺘﺰﺝ ﺍﻟﺤﺮﻛﺘﺎﻥ ﻣﻌﺎ ﻭﺗﺘﺤﺮﻙ ﺍﻟﺬﺭﺗﺎﻥ ﺣﺮﻛﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﺗﻈﻞ ﺣﺮﻛﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻌﻠﻘﺔ، ﺳﺎﺋﺒﺔ، ﻓﺘﻨﻄﻠﻖ، ﺑﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﺣﺮﺍﺭﺓ. ﻭﻣﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺗﻮﻟﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﻭﻣﻘﺮﺭ. ﻭﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮ، ﻓﻜﻤﺎ ﺗﺘﺤﻘﻖ ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻟﻐﺮﻳﺰﻳﺔ ﺑﻬﺬﺍ ﺍلاﻣﺘﺰﺍﺝ ﺍﻟﻜﻴﻤﻴﺎﻭﻱ، ﻳﺘﺼﻔﻰ ﺍﻟﺪﻡ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳُﺴﻠﺐ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ.

 ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﻨﻘﻲ ﺍﻟﺸﻬﻴﻖ ﻣﺎﺀ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﻳﺸﻌﻞ ﻧﺎﺭ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺰﻓﻴﺮ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺜﻤﺮ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﻄﻮﻗﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻢ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ، ﻓﺴﺒﺤﺎﻥ ﻣﻦ ﺗﺤﻴﺮ ﻓﻲ ﺻﻨﻌﻪ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ. ﻣﺎ ﻟﻮ ﻳﺤﻜﻤﻨﺎ ﻏﻴﺮُ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻟﻔﺴﺪ ﻧﻈﺎﻣُﻨﺎ ﻭﺍﻧﻔﺮﻁ ﻋﻘﺪُﻧﺎ».

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﺌﺲ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻠﻴﺔ ﻛﺬﻟﻚ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻗﺎﺑﻞ ﺟﺴﻢَ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﻮﻥ، ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﺎﺀ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻀﺎﻟﺔ: «ﺃﻧﺖ ﻣُﻠﻜﻲ. ﻓﺄﻧﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﺻﻨﻌﺘُﻚ، ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍلأﻗﻞ ﻟﻲ ﺣﻆ ﻓﻴﻚ!»

ﻓﺮﺩّ ﻋﻠﻴﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﺴﻢُ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻲ ﺑﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻴﻪ: «ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪﻋﻲ ﻋﻠﻢ ﻭﺍﺳﻊ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺟﺴﺎﻡ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻲ، ﻟﻮﺿﻊِ ﺍﻟﻌـلاﻣﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﺭﻗﺔ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﻫﻨﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻃﺎﺑﻊُ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﺧﺘﻢُ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ.. ﻭﻛﺬﺍ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻚ ﺛﺮﻭﺓ ﻃﺎﺋﻠﺔ ﻭﺣﺎﻛﻤﻴﺔ ﻣﻬﻴﻤﻨﺔ ﺗﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﻣﺨﺎﺯﻥ ﺃﺭﺯﺍﻗﻲ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﺍﻟﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ.. ﻭﻛﺬﺍ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻚ ﺣﻜﻤﺔ لا ﺣﺪّ ﻟﻬﺎ ﻭﻗﺪﺭﺓٌ لا ﻣﻨﺘﻬﻰ ﻟﻬﺎ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﻤﻜّﻦ ﺍﻟﻠﻄﺎﺋﻒَ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺍﻗﻴﺔ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻣﻦ ﺭﻭﺡٍ ﻭﻗﻠﺐٍ ﻭﻋﻘﻞ ﻓﻲ ﺑﻮﺩﻗﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻣﺜﻠﻲ، ﻭﺗﺴﻴّﺮﻫﺎ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺑﺎﻟﻐﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ، ﻓﺄﺭﻧﻴﻬﺎ ﺛﻢ ﺍﺩّﻉ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻟﻲ، ﻭﺇلا ﻓﺎﺳﻜﺖ. ﻓﺈﻥ ﺻﺎﻧﻌﻲ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻋﻠﻴﻢ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ، ﺑﺼﻴﺮ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ، ﺑﺸﻬﺎﺩﺓِ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍلأﻛﻤﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻴّﺮﻧﻲ، ﻭﺑﺪلاﻟﺔِ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻲ، ﻓـلا ﻳﻘﺪﺭُ ﻋﺎﺟﺰ ﻭﺿﺎﻝ ﻣﺜﻠُﻚ ﺃﻥ ﻳﻤﺪّ ﺇﺻﺒﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺻﻨﻌﺘﻪ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ ﺃﺑﺪﺍ ﻭلا ﺃﻥ ﻳﺘﺪﺧّﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻟﻮ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺫﺭﺓ».

ﻓﺎﻧﺼﺮﻑ ﺩﺍﻋﻴﺔُ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﺃﻥ ﻳﺠﺪ ﻣﻮﺿﻌﺎ ﻟﻠﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ، ﻓﻘﺎﺑﻞَ ﻧﻮﻉَ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ، ﻓﺤﺎﻭﺭ ﻧﻔﺴﻪ ﻗﺎﺋـلا: «ﺭﺑﻤﺎ ﺃﺟﺪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﻤﺘﺸﺎﺑﻜﺔ ﺍﻟﻤﺘﻔﺮﻗﺔ ﻣﻮﺿﻌﺎ، ﻓﺄﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻓﻄﺮﺗﻬﻢ ﻭﻭﺟﻮﺩﻫﻢ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥُ ﺑﻀـلاﻟﻪ ﻓﻲ ﺃﻓﻌﺎﻟﻬﻢ ﺍلاﺧﺘﻴﺎﺭﻳﺔ ﻭﺷﺆﻭﻧِﻬﻢ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ. ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﺃﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺃﺟﺮﻱ ﺣُﻜﻤﻲ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﻢ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻃﺮﺩﻧﻲ ﻫﻮ ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺧـلاﻳﺎ».

ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺧﺎﻃﺐ ﻧﻮﻉَ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺼﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻀﺎﻟﺔ ﺃﻳﻀﺎ: «ﺃﻧﺘﻢ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺗﺒﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻓﻮﺿﻰ، ﻓـلا ﺃﺭﻯ ﻧﻈﺎﻣﺎ ﻳﻨﻈّﻤﻜﻢ، ﻓﺄﻧﺎ ﻟﻜﻢ ﺭﺏ ﻭﻣﺎﻟﻚ، ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍلأﻗﻞ ﻟﻲ ﺣﺼﺔ ﻓﻴﻜﻢ».

ﻓﺮﺩّ ﻋﻠﻴﻪ ﺣﺎلا ﻧﻮﻉُ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ: «ﺇﻥ ﻛﻨﺖ -ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ- ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻗﺪﺭﺓً ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗُﻠﺒﺲ ﺍﻟﻜﺮﺓَ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ ﺣﻠّﺔ ﻗﺸﻴﺒﺔً ﻣﻠﻮﻧﺔ ﺑﺄﻟﻮﺍﻥٍ ﺯﺍﻫﻴﺔ ﻣﻨﺴﻮﺟﺔٍ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺑﺨﻴﻮﻁ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﻣﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﻧﻮﻉ، ﺍﻟﺸﺒﻴﻬﺔ ﺑﻨﻮﻋﻨﺎ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻲ، ﻭﺗﻜﻮﻥ ﺑﻮﺳﻌِﻬﺎ ﻧﺴﺞُ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺴﺎﻁ ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺵ ﻋﻠﻰ ﺍلأﺭﺽ ﻣﻦ ﺧﻴﻮﻁ ﻣﺌﺎﺕ ﺍلأﻟﻮﻑ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻓﻲ ﺃﺑﺪﻉ ﻧﻘﺶٍ ﻭﺃﺟﻤﻠِﻪ.. ﻭﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺧﻠﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺴﺎﻁ ﺍﻟﺮﺍﺋﻊ، ﻭﺗﺠﺪّﺩﻩ ﺩﻭﻣﺎ ﻭﺑﺤﻜﻤﺔ ﺗﺎﻣﺔ! ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻚ ﻗﺪﺭﺓ ﻣﺤﻴﻄﺔ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻛﻬﺬﻩ، ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﻛﺮﺓ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺤﻦ ﻣﻦ ﺛﻤﺎﺭﻫﺎ، ﻭﺗﺪﺑِّﺮ ﺷﺆﻭﻥَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺤﻦ ﺑﺬﻭﺭُﻩ، ﻓﺘﺮﺳﻞَ ﺑﻤﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻟﻮﺍﺯﻡَ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻗﻄﺎﺭ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻛﻠﻪ.. ﻭﺇﻥ ﻛﻨﺖ -ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ- ﺗﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻗﺘﺪﺍﺭ ﻳﺨﻠﻖ ﻋـلاﻣﺎﺕِ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻴّﺰﺓ ﺍﻟﻤﻮﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﻫﻨﺎ، ﻭﻓﻲ ﺃﻣﺜﺎﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺎﻟﻔﻴﻦ ﻭﺍلآﺗﻴﻦ.. ﻓﺈﻥ ﻛﻨﺖَ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻓﻠﺮﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻚ ﺣﻖُّ ﺍﺩّﻋﺎﺀ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻲّ. ﻭﺇلا ﻓﺎﺧﺮﺱ! ﻭلا ﺗﻘﻞ ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺃﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻥ ﻫﺆلاﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺒﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﺧﺘـلاﻁ ﻭﺗﺸﺎﺑﻚ، ﺇﺫ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡُ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﺗﻤِّﻪ. ﻭﺗﻠﻚ ﺍلأﻭﺿﺎﻉُ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻈﻨﻬﺎ ﻓﻮﺿﻰ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﺳﺘﻨﺴﺎﺥ ﻟﻠﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﻭﻓﻖ ﺍﻟﻘَﺪﺭ ﺍلإﻟﻬﻲ. ﻓﻠﺌﻦ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡُ ﺩﻗﻴﻘﺎ ﻓﻲ ﺃﺩﻧﻰ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻛﺎﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻭﻳﺮﻓﺾ ﺃﻱَّ ﺗﺪﺧّﻞٍ ﻛﺎﻥ، ﻓﻜﻴﻒ ﺑﻨﺎ ﻭﻧﺤﻦ ﻓﻲ ﻗﻤﺔ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ؟ ﺃﻟﻴﺲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺪﻭ ﺍﺧﺘـلاﻃﺎ ﻭﻓﻮﺿﻰ ﻫﻮ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺭﺑﺎﻧﻴﺔ ﺣﻜﻴﻤﺔ؟ ﺃﻓﻴﻤﻜﻦ ﻟﻠﺬﻱ ﻣﻜّﻦ ﺧﻴﻮﻁَ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺒﺴﺎﻁ، ﻛﻞ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻌﻪ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺐ، ﻭﻓﻲ ﺃﻱ ﺟﺰﺀٍ ﻭﻃﺮﻑ ﻛﺎﻥ، ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻏﻴﺮَ ﺻﺎﻧﻌِﻪ، ﻏﻴﺮَ ﺧﺎﻟﻘِﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ، ﻓﻬﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥَ ﺧﺎﻟﻖُ ﺍﻟﻨﻮﺍﺓ ﻏﻴﺮَ ﺧﺎﻟﻖِ ﺛﻤﺮﺗِﻬﺎ؟ ﻭﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﺎﻟﻖُ ﺍﻟﺜﻤﺮﺓ ﻏﻴﺮَ ﺧﺎﻟﻖ ﺷﺠﺮﺗﻬﺎ؟ ﻭﻟﻜﻨﻚ ﺃﻋﻤﻰ لا ﺗﺒﺼﺮ! ﺃلا ﺗﺮﻯ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕِ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻲ ﻭﺧﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﻓﻲ ﻓﻄﺮﺗﻲ؟ ﻓﺈﻥ ﺍﺳﺘﻄﻌﺖَ ﺃﻥ ﺗﺸﺎﻫﺪﻫﺎ، ﻓﺴﺘﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺧﺎﻟﻘﻲ لا ﻳﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ ﻭلا ﻳﺼﻌﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻣﺮ، ﻭلا ﻳﻌﺠﺰﻩ ﺷﻲﺀ، ﻳﺪﻳﺮ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡَ ﺑﻴُﺴﺮ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ، ﻭﻳﺨﻠﻖ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊَ ﺍﻟﺸﺎﺳﻊ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﺧﻠﻖ ﺯﻫﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺩﺭﺝ ﻓﻬﺮﺱَ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﻣﺎﻫﻴﺘﻲ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﻡ ﺩﻗﻴﻖ، ﺃﻓﻴﻤﻜﻦ ﻟﻌﺎﺟﺰٍ ﺃﻋﻤﻰ ﻣﺜﻠِﻚ ﺃﻥ ﻳﺤﺸﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻴﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺇﺑﺪﺍﻉ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻭﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ.. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﺎﺳﻜﺖْ ﻭﺍﺻﺮﻑْ ﻭﺟﻬَﻚ ﻋﻨﻲ.. ﻓﻴﻤﻀﻰ ﻣﻄﺮﻭﺩﺍ.

ﺛﻢ ﻳﺬﻫﺐُ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺴﺎﻁ ﺍﻟﺰﺍﻫﻲ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺵ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺍﻟﺤُﻠّﺔ ﺍﻟﻘﺸﻴﺒﺔ ﺍﻟﻤﺰﻳّﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻟﺒﺴﺖ، ﻓﺨﺎﻃﺒَﻪ ﺑﺎﺳﻢ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﻭﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ: «ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻧﻚ، ﻓﺄﻧﺎ ﺇﺫﻥ ﻣﺎﻟﻚ ﻟﻚ ﻭﻟﻲ ﺣﻆ ﻓﻴﻚ ﻓﻲ ﺍلأﻗﻞ».

ﻭﻋﻨﺪ ﺫﻟﻚ ﺗﻜﻠﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺴﺎﻁُ ﺍﻟﻤﺰﺭﻛﺶ، ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻠﺔُ ﺍﻟﻘﺸﻴﺒﺔ (حاشية) ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺴﻴﺞ ﺫﻭ ﺣﻴﻮﻳﺔ، ﻓﻬﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻫﺘﺰﺍﺯ ﻣﻨﺘﻈﻢ ﺇﺫ ﺗﺘﺒﺪﻝ ﻧﻘﻮﺷﻪ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻭﺑﺤﻜﻤﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻭﺗﻨﺎﺳﻖ ﺗﺎﻡ، ﻭﺫﻟﻚ ﺇﻇﻬﺎﺭﺍ ﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻟﻨﺴّﺎﺟﻪ ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ ﻓﻲ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ. ﻭﺧﺎﻃﺒﺎ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻤﻮﺩَﻋﺔ ﻓﻴﻬﻤﺎ: «ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻚ ﻗﺪﺭﺓ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﻭﺇﺗﻘﺎﻥ ﺑﺪﻳﻊ ﻳﺠﻌـلاﻧﻚ ﺗﻨﺴﺞ ﺟﻤﻴﻊَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒُﺴﻂ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺷﺔ ﻭﺍﻟﺤُﻠﻞ ﺍﻟﺒﻬﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﻠﻊُ ﻋﻠﻰ ﺍلأﺭﺽ ﺑﻌﺪﺩ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ ﻭﺍﻟﺴﻨﻴﻦ ﺛﻢ ﺗﻨﺰﻋﻬﺎ ﻋﻨﻬﺎ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﺗﺎﻡ ﻭﺗﻨﺸﺮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺒﻞ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺗﺨﻴﻂ ﻣﺎ ﺗُﺨﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺣُﻠﻞ ﺯﺍﻫﺮﺓ ﺑﻨﻘﻮﺷﻬﺎ ﻭﺗﻔﺼّﻞ ﺗﺼﺎﻣﻴﻤَﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﻘَﺪﺭ.. ﻭﻛﺬﺍ ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻟﻴَﺪٍ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﺫﺍﺕ ﻗﺪﺭﺓ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﻤﺘﺪ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﺧﻠﻖ ﺍلأﺭﺽ ﺇﻟﻰ ﺩﻣﺎﺭﻫﺎ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﺍلأﺯﻝ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺑﺪ، ﻓﺘﺠﺪّﺩ ﻭﺗﺒﺪّﻝ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﻟُﺤﻤﺔ ﺑﺴﺎﻃﻲ ﻫﺬﺍ ﻭﺳﺪﺍﻩ.. ﻭﻛﺬﺍ ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻘﺒﺾ ﻋﻠﻰ ﺯﻣﺎﻡ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻠﺒﺴﻨﺎ ﻭﺗﻜﺘﺴﻲ ﺑﻨﺎ ﻭﺗﺘﺴﺘﺮ.. ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺎﺩّﻉ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻲَّ.. ﻭﺇلا ﻓﺎﺧﺮﺝ ﻣﺬﻣﻮﻣﺎ ﻣﺪﺣﻮﺭﺍ ﻣﻦ ﺍلأﺭﺽ. ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻚ ﻣﻘﺎﻡ ﻫﻨﺎ؛ ﺇﺫ ﻓﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﺃﺧﺘﺎﻡ ﺍلأﺣﺪﻳﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﻣَﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺟﻤﻴﻊُ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻓﻲ ﻗﺒﻀﺔ ﺗﺼﺮﻓﻪ ﻭﻟﻢ ﻳﺮَ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺷﺆﻭﻧِﻬﺎ ﺩﻓﻌﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﺃﻥ ﻳﻌﻤﻞ ﺃﻣﻮﺭﺍ لا ﺗُﺤﺪ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺣﺎﺿﺮﺍ ﻭﺭﻗﻴﺒﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﻣﻨﺰّﻫﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﺍﻟﺰﻣﺎﻥ.. لا ﻳﺘﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻟﻨﺎ ﺃﺑﺪﺍ، ﺑﻞ لا ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭﻧﺎ ﻣﻄﻠﻘﺎ. ﺃﻱ ﻣَﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻟﻘﺪﺭﺓٍ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻭﺣﻜﻤﺔٍ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻭﻋﻠﻢ ﻣﻄﻠﻖ، لا ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺤﻜﻢ ﻓﻴﻨﺎ ﻭﻳﺪَّﻋﻲ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔَ ﻋﻠﻴﻨﺎ».

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻣﺨﺎﻃﺒﺎ ﻧﻔﺴَﻪ: «لأﺫﻫﺐْ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍلأﺭﺿﻴﺔ ﻋﻠَّﻨﻲ ﺃﺳﺘﻐﻔﻠُﻬﺎ ﻭﺃﺟﺪُ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻮﺿﻌﺎ..» ﻓﺘﻮﺟَّﻪَ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻗﺎﺋـلا ﻟﻬﺎ (حاشية) ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ: ﺇﻥ ﺍﻟﺬﺭﺓ ﺗﺤﻴﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪّﻋﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ، ﻭﻫﺬﻩ ﺗﺤﻴﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻠﻴﺔ، ﻭﻫﺬﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺴﻢ، ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﺤﻴﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻲ، ﻭﺍﻟﻨﻮﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻠّﺔ ﺍﻟﻤﻨﺴﻮﺟﺔ ﻣﻦ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻠﺒﺴﻬﺎ ﺳﻄﺢ ﺍلأﺭﺽ، ﻭﺗﺤﻴﻠﻪ ﺣﻠّﺔ ﺳﻄﺢ ﺍلأﺭﺽ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺭﺽ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻭﻫﺬﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ.. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﻘﻮﻝ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ: ﺍﻧﺼﺮﻑ ﻋﻨّﺎ.. ﻓﻠﻮ ﺍﺳﺘﻄﻌﺖ ﺃﻥ ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻫﻮ ﻓﻮﻗﻲ ﻓﺤﺎﻭﻝ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻲّ، ﻭﺇلا ﻓﺄﻧﺖ ﻋﺎﺟﺰ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻋﻠﻲّ. ﻓﺈﺫﻥ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻨﻔﺬ ﺃﻣﺮﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻛﺎﻓﺔ لا ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﺬﻩ ﻋﻠﻰ ﺫﺭﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ. ﺑﺎﺳﻢ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ: «ﺇﻥّ ﺩﻭﺭﺍﻧﻚِ ﻫﻜﺬﺍ ﺩﻭﻥ ﻗﺼﺪ ﻳﺸﻒُّ ﻋﻦ ﺃﻧّﻚ ﺳﺎﺋﺒﺔ ﺩﻭﻥ ﻣﺎﻟﻚ. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻧﻲ ﻃﻮﻉَ ﺃﻣﺮﻱ!»

ﻓﺮﺩَّﺕْ ﻋﻠﻴﻪ ﺍلأﺭﺽُ ﺑﺼﻴﺤﺔ ﻛﺎﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻣﻨﻜﺮﺓً ﺩﻋﻮﺍﻩ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻀﻤَﺮﺓ ﻓﻴﻬﺎ: «لا ﺗﻬﺬﺭْ ﺃﻳﻬﺎ ﺍلأﺣﻤﻖ ﺍلأﺑﻠﻪ!. ﻛﻴﻒ ﺃﻛﻮﻥ ﻫﻤـلا ﺑـلا ﻣﺎﻟﻚ ﻭﻣﻮﻟﻰ! ﻓﻬﻞ ﺭﺃﻳﺖ ﻓﻲ ﺛﻮﺑﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻟﺒﺴُﻪ ﺧﻴﻄﺎ ﻭﺍﺣﺪﺍ ﻓﻘﻂ ﻧﺸﺎﺯﺍ ﺑﻐﻴﺮ ﺣﻜﻤﺔٍ ﻭﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺇﺗﻘﺎﻥ! ﺣﺘﻰ ﺗﺰﻋﻢ ﺃﻥّ ﺣﺒﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻏﺎﺭﺑﻲ ﻭﺃﻧﻨﻲ ﺑـلا ﻣﻮﻟﻰ ﻭلا ﻣﺎﻟﻚ؟ ﺍﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺣﺮﻛﺎﺗﻲ ﻓﺤﺴﺐ، ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺣﺮﻛﺘﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﻳﺔ (حاشية) ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻧﺼﻒ ﻗﻄﺮ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻣﺎﺋﺔ ﻭﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻛﻴﻠﻮﻣﺘﺮﺍ، ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﺓ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﻤﺴﺎﻓﺔ ﺧﻤﺲ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ. ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺳﻴﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺴﺎﻓﺔَ ﺧﻤﺲٍ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔٍ ﻓﻲ ﺳﻨﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻘﻂ، ﻣﻨﺠِﺰﺓً ﻭﻇﺎﺋﻔﻲ ﺍﻟﻤُﻠْﻘﺎﺓ ﻋﻠﻲَّ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻥ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ.. ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻚ ﺣﻜﻤﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻓﺘُﺴﻴّﺮ ﻭﺗُﺠﺮﻱ ﻣﻌﻲ ﺭﻓﻘﺎﺋﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺸﺮ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺃﻓـلاﻛﻬﺎ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ، ﻭﺗﺨﻠﻖُ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﺍﻟﻤﻨﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻗﺎﺋﺪُﻧﺎ ﻭﺇﻣﺎﻣُﻨﺎ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻄﻨﺎ ﻭﺇﻳﺎﻫﺎ ﺟﺎﺫﺑﺔُ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻓﺘﺪﻳﺮُﻧﺎ ﻭﺗﺠﺮﻱ ﺑﻨﺎ ﺃﻧﺎ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﺗﺎﻡ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ. ﻧﻌﻢ، ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻚ ﻗﺪﺭﺓ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻣﻮﺭ ﺍﻟﺠﺴﺎﻡ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮﻫﺎ ﻓﺎﺩّﻉ ﺑﺪﻋﻮﺍﻙ. ﻭﺇلا ﻓﺎﺗﺮﻙْ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻬﺬﻳﺎﻥ ﺍﻟﻤﻔﺮﻁ، ﻭﺳُﺤﻘﺎ ﻟﻚ ﻓﻲ ﺟﻬﻨﻢ ﻭﺑﺌﺲ ﺍﻟﻤﺼﻴﺮ، ﻓـلا ﺗﺸﻐﻠﻨﻲ ﻋﻦ ﻣﻬﻤﺎﺗﻲ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ. ﺇﺫ ﺇﻥّ ﻣﺎ ﻓﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺍﺋﻊ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻖ ﺍﻟﻤﻬﻴﺐ ﻭﺍﻟﺘﺴﺨﻴﺮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻳﺪﻝ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻭﺍﻟﻰ ﺍﻟﺸﻤﻮﺱ ﻃﻮﻉَ ﺃﻣﺮ ﺻﺎﻧﻌﻨﺎ ﻭﻣﺴﺨّﺮﺓ ﻟﻪ. ﺇﺫ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﻨﻈّﻢ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓَ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﻭﻳﺰّﻳﻦ ﺛﻤﺮﺍﺗِﻬﺎ ﻓﺈﻧّﻪ ﺑﺎﻟﺴﻬﻮﻟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻳﻨﻈّﻢ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺑﺴﻴﺎﺭﺍﺗﻬﺎ. ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺫﻭ ﺍﻟﺠـلاﻝ ﻭﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺫﻭ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ».

ﺛﻢ ﻳﺘﻮﺟّﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﻟﻪ ﻣﻮﺿﻊَ ﻗﺪﻡ ﻓﻲ ﺍلأﺭﺽ ﻓَﺤَﺎﻭﺭَ ﻧﻔﺴَﻪ ﻗﺎﺋـلا: «ﺇﻥّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺷﻲﺀ ﻋﻈﻴﻢ، ﻟﻌﻠّﻲ ﺃﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺛﻐﺮﺓً ﺃﻣﺮﺭ ﻓﻴﻬﺎ ﺩﻋﻮﺍﻱ ﻭﺃﺳﺨّﺮ ﺑﺪﻭﺭﻱ ﺍلأﺭﺽ ﻛﺬﻟﻚ».

ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺃﺿﺎﻟﻴﻞ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻧﻴﺔ، ﻭﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺍﻟﻤﺠﻮﺱ: «ﺃﻧﺖِ ﻳﺎ ﺷﻤﺲُ ﺳﻠﻄﺎﻧﺔُ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺃﻧﺖ ﺣﺘﻤﺎ ﻣﺎﻟﻜﺔ ﻟﻨﻔﺴﻚ، ﻭﺗﺘﺼﺮﻓﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻛﻴﻒ ﺗﺸﺎﺋﻴﻦ».

ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻮﺭ ﺇﺟﺎﺑَﺘﻪ ﺍﻟﺸﻤﺲُ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ: «ﻛـلا ﻭﺃﻟﻒ ﻣﺮﺓ ﻛـلا.. ﺑﻞ ﻟﺴﺖُ ﺇلا ﻣﺄﻣﻮﺭﺓً ﻣﻄﻴﻌﺔ ﻣﺴﺨﺮﺓ ﺑﻮﻇﻴﻔﺔِ ﺗﻨﻮﻳﺮ ﻣﺴﺘﻀﺎﻑ ﺳﻴﺪﻱ. ﻓﻠﺴﺖ ﻣﺎﻟﻜﺔً ﻟﻨﻔﺴﻲ ﺃﺑﺪﺍ ﺑﻞ ﻟﺴﺖُ ﻣﺎﻟﻜﺔً ﺣﺘﻰ ﻟﺠﻨﺎﺡ ﺫﺑﺎﺑﺔ ﻣُﻠﻜﺎ ﺣﻘﻴﻘﻴﺎ، لأﻥ ﻓﻲ ﺟﺴﻢ ﺍﻟﺬﺑﺎﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻔﻴﺴﺔ، ﻛﺎﻟﻌﻴﻦ ﻭﺍلأﺫﻥ ﻭﻣﻦ ﺑﺪﺍﺋﻊ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ، ﻣﺎ لا ﺃﻣﻠﻜﻪ ﻗﻂ ﻭﻣﺎ ﻫﻮ ﺧﺎﺭﺝ ﻋﻦ ﻃﻮﻗـي» ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﻮﺑّﺦ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ.

ﻓﻴﻨﺒﺮﻯ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻗﺎﺋـلا ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺘﻐﻄﺮﺳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻔﺮﻋﻨﺔ: «ﻣﺎ ﺩﻣﺖِ ﻟﺴﺖِ ﻣﺎﻟﻜﺔً ﻟﻨﻔﺴﻚ، ﺑﻞ ﺧﺎﺩﻣﺔ، ﻓﺈﺫﻥ ﺃﻧﺖ ﻣﻤﻠﻮﻛﺔ ﻟﻲ ﻭﺗﺤﺖ ﺗﺼﺮﻓﻲ ﺑﺎﺳﻢ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ».

ﻓﺮﺩّﺕ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺸﻤﺲُ ﺭﺩﺍ ﻗﻮﻳﺎ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﻗﺎﺋﻠﺔ: «ﺇﻧﻤﺎ ﺃﻧﺎ ﺃﻛﻮﻥ ﻣﻤﻠﻮﻛﺔً ﻟﻤﻦ ﺧﻠﻖ ﻧﺠﻮﻣﺎ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻲ، ﻭﺃﺳﻜﻨَﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﻤﺎﺋﻪ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺣﻜﻤﺔ، ﻭﺃﺩﺍﺭﻫﺎ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﻫﻴﺒﺔ، ﻭﺯﻳّﻨﻬﺎ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺯﻳﻨﺔ».

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺑﺪﺃ ﻳﺤﺪّﺙ ﻧﻔﺴَﻪ: «ﺇﻥ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻣﺨﺘﻠﻄﺔ ﻣﺰﺩﺣﻤﺔ، ﻭﻫﻲ ﻣﺸﺘَّﺘﺔ ﻣﺘﺒﺎﻋﺪﺓ ﺑﻌﻀُﻬﺎ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ، ﻓﻠﻌﻠّﻲ ﺃﺟﺪ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻮﺿﻌﺎ ﺑﺎﺳﻢ ﻣﻮﻛﻠﻲ ﻓﺄﻇﻔﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺸﻲﺀ.. ﻓﻴﺪﺧﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ».

ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﺼﺎﺑﺌﺔ ﻋُﺒّﺎﺩ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺑﺎﺳﻢ ﺍلأﺳﺒﺎﺏ ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺷﺮﻛﺎﺋﻪ ﻭﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻄﺎﻏﻴﺔ: «ﺃﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ! ﺇﻥّ ﺣُﻜﺎﻣﺎ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﻳﺘﺤﻜﻤﻮﻥ ﻓﻴﻜﻢ ﻟﺸﺪﺓ ﺗﺸﺘﺘﻜﻢ ﻭﺗﺒﻌﺜﺮﻛﻢ».

ﻓﺄﺟﺎﺑﺘﻪ ﻧﺠﻤﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻧﻴﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ: ﻣﺎ ﺃﺷﺪَّ ﺑـلاﻫﺘَﻚ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﺍلأﺣﻤﻖ. ﺃلا ﺗﺮﻯ ﻋـلاﻣﺔَ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻭﻃﻐﺮﺍﺀ ﺍلأﺣﺪﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﻫﻨﺎ، ﺃلا ﺗﻔﻬﻤﻬﺎ؟. ﺃلا ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻧﻈﻤﺘﻨﺎ ﺍﻟﺮﺍﻗﻴﺔ ﻭﻗﻮﺍﻧﻴﻦَ ﻋﺒﻮﺩﻳﺘﻨﺎ ﺍﻟﺼﺎﺭﻣﺔ؟ ﺃﺗﻈﻨﻨﺎ ﺑـلا ﻧﻈﺎﻡ؟

ﻓﻨﺤﻦ ﻣﺨﻠﻮﻗﻮﻥ ﻋﺒﻴﺪﺍ ﻟﻮﺍﺣﺪٍ ﺃﺣﺪٍ ﻳﻤﺴﻚ ﻓﻲ ﻗﺒﻀﺘﻪ ﺃﻣﻮﺭَﻧﺎ ﻭﺃﻣﻮﺭ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺑﺤﺮُﻧﺎ، ﻭﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕِ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺷﺠﺮﺗُﻨﺎ، ﻭﻓﻀﺎﺀَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺴﻴﺮُﻧﺎ. ﻓﻨﺤﻦ ﺷﻮﺍﻫﺪُ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻛﺎﻟﻤﺼﺎﺑﻴﺢ ﺍﻟﻤﻨﻴﺮﺓ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﻬﺮﺟﺎﻧﺎﺕ ﻧﺒﻴّﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻭﻧﺤﻦ ﺑﺮﺍﻫﻴﻦُ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻧﻌﻠﻦ ﻋﻦ ﺳﻠﻄﻨﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ، ﻓﻜﻞ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻨﺎ ﺧَﺪَﻣَﺔ ﻋﺎﻣﻠﻮﻥ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﻮﻥ ﻧﺪﻝّ ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻤﺔ ﺳﻠﻄﻨﺘﻪ، ﻓﻲ ﻣﻨﺎﺯﻝ ﻋﻠﻮﻳﺔ ﺳﻔﻠﻴﺔ ﺩﻧﻴﻮﻳﺔ ﺑﺮﺯﺧﻴﺔ ﺃﺧﺮﻭﻳﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻧﻨﺎ ﻣﻌﺠﺰﺓ ﺑﺎﻫﺮﺓ ﻣﻦ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕ ﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍلأﺣﺪ.. ﻭﺛﻤﺮﺓ ﻳﺎﻧﻌﺔ ﻟﺸﺠﺮﺓ ﺍﻟﺨﻠﻘﺔ.. ﻭﺑﺮﻫﺎﻥ ﻣﻨﻮﺭ ﻟﻠﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔ.. ﻓﻨﺤﻦ ﻟﻠﻤـلاﺋﻜﺔ ﻣﻨﺰﻝ ﻭﻃﺎﺋﺮﺓ ﻭﻣﺴﺠﺪ.. ﻭﻟﻠﻌﻮﺍﻟِﻢ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﻣﺼﺒﺎﺡ ﻭﺷﻤﺲ.. ﻭﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﻨﺔ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﺷﺎﻫﺪ.. ﻭﻟﻔﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﻗﺼﺮِﻩ ﺯﻳﻨﺔ ﻭﺯﻫﺮﺓ.. ﻭﻛﺄﻧﻨﺎ ﺃﺳﻤﺎﻙ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﺗﺴﺒﺢ ﻓﻲ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ.. ﻭﻋﻴﻦ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ. (حاشية) ﻓﻨﺤﻦ ﻣﺸﺎﻫﺪﻭ ﻣﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ، ﻭﺍﻟﻤﺸﻴﺮﻭﻥ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﺑﻞ ﻧﺠﻌﻞ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ ﻳﺸﺎﻫﺪﻭﻧﻬﺎ ﺑﺈﻋﺠﺎﺏ.. ﺃﻱ ﻛﺄﻥ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻋﺠﺎﺋﺐ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﺍلأﺭﺽ ﺑﻤﺎ لا ﻳﺤﺪّ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻋﻴﻮﻥ.. ﻓﺎﻟﻨﺠﻮﻡ ﻛﻤـلاﺋﻜﺔ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺤﺸﺮ ﺍﻟﻌﺠﺎﺋﺐ، ﻭﻣﻌﺮﺽ ﺍﻟﻐﺮﺍﺋﺐ، ﺑﻞ ﺗﺴﺘﻘﻄﺐ ﺃﻧﻈﺎﺭ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺇﻟﻴﻬﺎ. ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻛـلا ﻣﻨّﺎ ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻓﻲ ﻣﺠﻤﻮﻋﻨﺎ ﺳﻜﻮﺗﺎ ﻓﻲ ﺳﻜﻮﻥ.. ﻭﺣﺮﻛﺔً ﻓﻲ ﺣﻜﻤﺔ.. ﻭﺯﻳﻨﺔً ﻓﻲ ﻫﻴﺒﺔ.. ﻭﺍﺳﺘﻮﺍﺀَ ﺧﻠﻘﺔٍ ﻓﻲ ﺍﻧﺘﻈﺎﻡ.. ﻭﺇﺗﻘﺎﻥَ ﺻﻨﻌﺔٍ ﻓﻲ ﻣﻮﺯﻭﻧﻴﺔ. ﻟﻬﺬﺍ ﻧﺸﻬﺪ ﺑﺄﻟﺴﻨﺔٍ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺻﺎﻧﻌﻨﺎ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﺑﺄﺣﺪﻳﺘﻪ ﻭﺻﻤﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻭﺻﺎﻑ ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ ﻭﺟـلاﻟﻪ ﻭﻧُﻌﻠﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺃﺷﻬﺎﺩ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ.. ﺃﻓَﺒﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﺗﺘﻬﻤﻨﺎ ﻭﻧﺤﻦ ﺍﻟﻌﺒﻴﺪ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮﻭﻥ ﺍﻟﻤﻄﻴﻌﻮﻥ ﺍﻟﻤﺴﺨَّﺮﻭﻥ ﺑﺄﻧﻨﺎ ﻓﻲ ﻓﻮﺿﻰ ﻭﺍﺧﺘـلاﻁ ﻭﻋﺒﺚ، ﺑﻞ ﺑـلا ﻣﻮﻟﻰ ﻭﻣﺎﻟﻚ؟ ﻓﺈﻧﻚ لا ﺷﻚ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﺘﺄﺩﻳﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﺗﻬﺎﻣﻚ ﻫﺬﺍ.. ﻓﺘﺮﺟُﻢ ﻧﺠﻤﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺪَّﻋﻲ ﻓﺘﻄﺮﺣُﻪ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﺇﻟﻰ ﻗﻌﺮ ﺟﻬﻨﻢَ ﻭﺑﺌﺲ ﺍﻟﻤﺼﻴﺮ. ﻭﺗﻘﺬﻑُ ﻣﻌﻪ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔَ ﻭﻣﺪّﻋﻴﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﺍﺩﻱ ﺍلأﻭﻫﺎﻡ (حاشية) ﻭﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻫﻮﺕ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔُ ﻧﺪﻣﺖ ﻋﻤّﺎ ﻓﻌﻠﺖ ﻓﺘﺎﺑﺖ، ﻭﻋﻠﻤﺖ ﺃﻥ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﻘﺒﻮﻝُ ﻭﺍلاﻧﻔﻌﺎﻝ، لا ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﻭﺍﻟﻔﻌﻞ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺗﻌﻤﻞ ﻭﻓﻘﺎ ﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﺸﻴﺌﺘﻪ ﻓﻬﻲ ﻛﺪﻓﺘﺮ ﻟﻠﻘﺪﺭ ﺍلإﻟﻬﻲ، ﺩﻓﺘﺮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﺒﺪﻳﻞ ﻭﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ، ﻭﺑﻤﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﻣﻨﻬﺞ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ. ﻭﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ ﺷﺮﻳﻌﺔ ﻓﻄﺮﻳﺔ ﻟﻠﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠـلاﻝ. ﻭﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻗﻮﺍﻧﻴﻨﻪ.. ﻓﻘﺒﻠﺖ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔُ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔُ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍلاﻧﻘﻴﺎﺩ، ﻭﺗﺴﻤّﺖ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ. ﻭﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻓﺔَ ﺇﻟﻰ ﺑﺌﺮ ﺍﻟﻌﺪﻡ، ﻭﺍﻟﺸﺮﻛﺎﺀَ ﺇﻟﻰ ﻇﻠﻤﺎﺕ ﺍلاﻣﺘﻨﺎﻉ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻝ، ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔَ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﻠﺪﻳﻦ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﻔﻞ ﺳﺎﻓﻠﻴﻦ.

ﻓﺘﺮﺗّﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﺠﻤﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻛﻠِّﻬﺎ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ:٢٢) ﻣﻌﻠﻨﺔ ﺃﻥ لا ﻣﺠﺎﻝ ﻟﺸﺮﻳﻚ ﻗﻂ ﻭلا ﺣﺪّ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺃﺩﻧﻰ ﺷﻲﺀ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭﺍ ﻣﻦ ﺟﻨﺎﺡ ﺫﺑﺎﺑﺔ ﺇﻟﻰ ﻗﻨﺎﺩﻳﻞ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ.

﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

 ﺍَﻟﻠّﻬﻢَّ ﺻَﻞِّ ﻭَﺳَﻠِّﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪٍ ﺳِﺮَﺍﺝ ﻭَﺣﺪَﺗِﻚَ ﻓِﻲ ﻛَﺜﺮَﺓِ ﻣَﺨْﻠُﻮﻗَﺎﺗِﻚَ ﻭَﺩَلاﻝ ﻭَﺣﺪَﺍﻧِﻴَّﺘِﻚَ ﻓِﻲ ﻣَﺸﻬَﺮِ ﻛَﺎﺋِﻨَﺎﺗِﻚَ ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺁﻟِﻪِ ﻭَﺻَﺤْﺒِﻪِ ﺍَﺟْﻤَﻌِﻴﻦَ.

ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ

   ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ

      تـﻧﺒﻴﻪ:

   ﺇﻥ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺗﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺃﺻﻮﻝِ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﻭﺃﺭﻛﺎﻧﻪ، ﻓﻬﻲ ﻧﻮﺭ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺿﻮﺀﻩ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﺭ ﺍلأﺭﻛﺎﻥ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ. ﻓـلا ﺗُﻘﺎﻡ ﺍﻟﺤﺠﺞُ لإﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻟﻠﻤﻠﺤﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﻨﻜﺮﻳﻦ لأﺭﻛﺎﻥ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ، ﺑﻞ لا ﻳُﺬﻛَﺮ ﺃﺻـلا ﻟﻤﻦ لا ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺟﻞّ ﻭﻋـلا ﻭلا ﻳﺼﺪِّﻕ ﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﺃﻭ ﻳﻨﻜﺮ ﺍﻟﻤـلاﺋﻜﺔ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ، ﺇلا ﺑﻌﺪ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺗﻠﻚ ﺍلأﺭﻛﺎﻥ ﻟﻬﻢ ﻣُﻘَﺪﻣﺎ؛ ﻟﺬﺍ ﺳﻨﺠﻌﻞ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦَ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺎﻭَﺭَﺗْﻪ ﺍﻟﺸﻜﻮﻙُ ﻭﺍلأﻭﻫﺎﻡُ ﻓﺎﺳﺘﺒﻌﺪ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝَ، ﻣﻮﺿﻊَ ﺧﻄﺎﺑﻨﺎ، ﻓﻨﺒﻴّﻦ ﻟﻪ ﻣﺎ ﻳﻔﻴﺪﻩ ﻭﻳﺸﻔﻴﻪ ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ. ﻭﻟﻜﻦ ﻧﻠﺤﻆُ ﺑﻴﻦ ﺁﻭﻧﺔٍ ﻭﺃﺧﺮﻯ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺮﻗّﺐ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﺍلاﺳﺘﻤﺎﻉ ﻭﻧﺴﺮﺩ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻜـلاﻡ ﺃﻳﻀﺎ ﻣﺎ ﻳﻔﻴﺪﻩ.

   ﻭﻟﻘﺪ ﺫُﻛِﺮَﺕ ﻟﻤﻌﺎﺕ ﻣﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ، ﻓﺎﺳﺘﻤﺪﺩﻧﺎ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔَ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ -ﻣﻊ ﺇﺻﺮﺍﺭ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍلأﺣﺒﺔ- ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻔﺮﻗﺔ ﻭﺭﺑﻄﻬﺎ ﻣﻊ ﺃﺻﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﻔﺴِﻬﺎ ﻟﺠﻌﻠﻬﺎ ﻣﺮﺁﺓً ﺗﻌﻜﺲ ﺩﻓﻌﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻛﻤﺎلاﺕ ﺟﻤﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (ﺍلإﺳﺮﺍﺀ:١)

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (ﺍﻟﻨﺠﻢ:4-18)

ﻧﺬﻛﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺰﻳﻨﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻟـلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺍﻟﻤﺘﺼﺪﺭﺓ، ﺭﻣﺰَﻳﻦ ﺍﺛﻨﻴﻦ ﻓﻘﻂ، ﻭﻫﻤﺎ ﺭﻣﺰﺍﻥ ﻳﺴﺘﻨﺪﺍﻥ ﺇﻟﻰ ﺩﺳﺘﻮﺭ ﺑـلاﻏﻲ ﻓﻲ ﺿﻤﻴﺮ ﴿ﺇﻧَّﻪُ﴾ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻌـلاﻗﺘﻬﻤﺎ ﺑﻤﺴﺄﻟﺘﻨﺎ ﻫﺬﻩ، ﺑﻤﺜﻞ ﻣﺎ ﺑﻴﻨّﺎﻫﻤﺎ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﻟﺔ  ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ .

ﺇﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳُﺨﺘِﻢ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﺃﻋـلاﻩ ﺑـ ﴿ﺇﻧَّﻪُ ﻫُﻮَ ﺍﻟﺴَّﻤِﻴْﻊُ ﺍﻟﺒَﺼِﻴﺮُ﴾ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻌﺪ ﺫﻛﺮﻩ ﺇﺳﺮﺍﺀ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ صلى الله عليه وسلم ﻣﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ، ﺃﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍلأﻗﺼﻰ، ﻭﻣﻨﺘﻬﺎﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﻮﺭﺓُ ﺍﻟﻨﺠﻢ.

ﻓﺎﻟﻀﻤﻴﺮُ ﻓﻲ ﴿ﺇﻧَّﻪُ﴾ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم.

ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺭﺍﺟﻌﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم، ﻓﺈﻥ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺒـلاﻏﺔ ﻭﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﺳﻴﺎﻕ ﺍﻟﻜـلاﻡ ﺗﻔﻴﺪﺍﻥ، ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ، ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻲ ﻭﺍﻟﻌﺮﻭﺝ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻧﻪ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺳَﻤِﻊ ﻭﺷﺎﻫَﺪَ ﻛﻞَّ ﻣﺎ لاﻗﻰ ﺑَﺼَﺮُﻩ ﻭﺳﻤﻌُﻪ ﻣﻦ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺑﺪﺍﺋﻊِ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﺭﺗﻘﺎﺋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻟـلأﺳﻤﺎﺀ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﺇﻟﻰ ﺳﺪﺭﺓ ﺍﻟﻤﻨﺘﻬﻰ، ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻥ ﻗﺎﺏَ ﻗﻮﺳﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﺩﻧﻰ. ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻝّ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻫﻲ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﻣﻔﺘﺎﺡٍ ﻟﺴﻴﺎﺣﺔٍ ﻛﻠّﻴﺔٍ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻟﻌﺠﺎﺋﺐ ﺍﻟﺼﻨﻌﺔ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ.

ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻀﻤﻴﺮ ﺭﺍﺟﻌﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﻫﻜﺬﺍ: ﺇﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺩﻋﺎ ﻋﺒﺪَﻩ ﺇﻟﻰ ﺣﻀﻮﺭﻩ ﻭﺍﻟﻤﺜﻮﻝِ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻪ ﻟﻴﻨﻴﻂَ ﺑﻪ ﻣﻬﻤﺔً ﻭﻳﻜﻠّﻔﻪ ﺑﻮﻇﻴﻔﺔ، ﻓﺄﺳﺮﻱَ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍلأﻗﺼﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺠﻤﻊُ ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ، ﻭﺑﻌﺪ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﻠﻘﺎﺀ ﻣﻌﻬﻢ ﻭﺇﻇﻬﺎﺭﻩ ﺑﺄﻧﻪ ﺍﻟﻮﺍﺭﺙُ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ لأﺻﻮﻝ ﺃﺩﻳﺎﻥِ ﺟﻤﻴﻊ ﺍلأﻧﺒﻴﺎﺀ. ﺳَﻴَّﺮﻩ ﻓﻲ ﺟﻮﻟﺔٍ ﺿﻤﻦ ﻣُﻠﻜﻪ ﻭﺳﻴﺎﺣﺔٍ ﺿﻤﻦ ﻣﻠﻜﻮﺗﻪ، ﺣﺘﻰ ﺃﺑﻠَﻐﻪ ﺳﺪﺭﺓَ ﺍﻟﻤﻨﺘﻬﻰ ﻓﻜﺎﻥ ﻗﺎﺏ ﻗﻮﺳﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﺩﻧﻰ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻴﺮ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻌﺮﺍﺟﺎ ﺟﺰﺋﻴﺎ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻋُﺮِﺝ ﺑﻪ ﻋﺒﺪ، ﺇلا ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻳﺤﻤﻞ ﺃﻣﺎﻧﺔً ﻋﻈﻴﻤﺔً ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻭﻣﻌﻪ ﻧﻮﺭ ﻣﺒﻴﻦ ﻳُﻨﻴﺮ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﻳﺒﺪّﻝ ﻣﻌﻨﻰ ﻣـلاﻣِﺤَﻬﺎ ﻭﻳﺼﺒﻐﻬﺎ ﺑﺼﺒﻐﺘﻪ، ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﺃﻥ ﻟﺪﻳﻪ ﻣﻔﺘﺎﺣﺎ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻔﺘﺢ ﺑﻪ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺍلأﺑﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﺍﻟﻤﻘﻴﻢ.

ﻓـلأﺟﻞ ﻛﻞّ ﻫﺬﺍ ﻳﺼﻒ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻧﻔﺴَﻪ ﺑـ ﴿ﺇﻧَّﻪُ ﻫُﻮَ ﺍﻟﺴَّﻤِﻴْﻊُ ﺍﻟﺒَﺼِﻴﺮُ﴾ ﻛﻲ ﻳُﻈﻬِﺮ ﺃﻥ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍلأﻣﺎﻧﺔ ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻔﺘﺎﺡ، ﻣﻦ ﺍﻟﺤِﻜَﻢ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﻣﺎ ﻳﺸﻤﻞ ﻋﻤﻮﻡَ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻭﻳﻌﻢّ ﺟﻤﻴﻊَ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ، ﻭﻳﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻜﻮﻥ ﺃﺟﻤﻊ.

ﻫﺬﺍ ﻭﺇﻥ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺳﺲ:

ﺃﻭﻟﻬﺎ: ﻣﺎ ﺳﺮُّ ﻟﺰﻭﻡ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ؟ ﺛﺎﻧﻴﻬﺎ: ﻣﺎ ﺣﻘﻴﻘﺔُ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ؟ ﺛﺎﻟﺜﻬﺎ: ﻣﺎ ﺣﻜﻤﺔُ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ؟ ﺭﺍﺑﻌﻬﺎ: ﻣﺎ ﺛﻤﺮﺍﺕُ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻭﻓﻮﺍﺋﺪﻩ؟

   ﺍلأﺳﺎﺱ ﺍلأﻭﻝ

   ﺳﺮُّ ﻟﺰﻭﻡ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺿﺮﻭﺭﺗﻪ

    ﻳُﻘﺎﻝ ﻣﺜـلا: ﺇﻥّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻨﺰّﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺃﻗﺮﺏُ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ، ﻛﻤﺎ ﺗﻨﺺُّ ﻋﻠﻴﻪ ﺍلآﻳﺔُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ﻕ:16) ﺣﺘﻰ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻛﻞُّ ﻭﻟﻲّ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﺑﻞ ﺭﺑَّﻪ ﻭﻳﻨﺎﺟﻴﻪ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ… ﻓﻠِﻢَ ﻳﻮﻓَّﻖ ﻛﻞُّ ﻭﻟﻲٍّ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺎﺟﺎﺗﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻮلاﻳﺔُ ﺍلأﺣﻤﺪﻳﺔ ﺗُﻮﻓّﻖ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺳﻴﺮٍ ﻣﺪﻳﺪ ﻭﺳﻴﺎﺣﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﺍﺝ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻧﻘﺮّﺏ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮَّ ﺍﻟﻐﺎﻣﺾ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺑﺬﻛﺮِ ﻣﺜﺎﻟَﻴﻦ ﺍﺛﻨﻴﻦ، ﻓﺎﺳﺘﻤﻊ ﺇﻟﻴﻬﻤﺎ، ﻭﻫﻤﺎ ﻣﺬﻛﻮﺭﺍﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻋﺸﺮﺓ ﻟﺪﻯ ﺑﻴﺎﻥ ﺳﺮّ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ.

ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍلأﻭﻝ

ﺇﻥ ﻟﻠﺴﻠﻄﺎﻥ ﻧﻮﻋَﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﻟﻤﺔ ﻭﺍﻟﻤﻘﺎﺑﻠﺔ، ﻭﻃﺮﺍﺯﻳﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻭﺍﻟﻜـلاﻡ ﻭﺍﻟﺘﻜﺮﻳﻢ ﻭﺍلاﻟﺘﻔﺎﺕ.

ﺍلأﻭﻝ: ﻣﻜﺎﻟﻤﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻮﺳﺎﻃﺔ ﻫﺎﺗﻒٍ ﺧﺎﺹ، ﻣﻊ ﺃﺣﺪ ﺭﻋﺎﻳﺎﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ، ﻓﻲ ﺃﻣﺮٍ ﺟﺰﺋﻲ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺣﺎﺟﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻪ.

ﻭﺍلآﺧﺮ: ﻣﻜﺎﻟﻤﺔ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﺴﻠﻄﻨﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻭﺑﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﺨـلاﻓﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﻭﺑﺼﻔﺔ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ؛ ﺑﺄﻣﺮٍ ﺭﻓﻴﻊ ﻛﺮﻳﻢ ﻳُﻈﻬﺮ ﻋﻈﻤﺘَﻪ ﻭﻳﺒﻴّﻦ ﻫﻴﺒﺘَﻪ، ﻳﻘﺼﺪ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﺸﺮَ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍلآﻓﺎﻕ. ﻓﻬﻲ ﻣﻜﺎﻟﻤﺔ ﺗﺠﺮﻱ ﻣﻊ ﺃﺣﺪ ﻣﺒﻌﻮﺛﻴﻪ ﻣﻤّﻦ ﻟﻪ ﻋـلاﻗﺔ ﻣﻊ ﺗﻠﻚ ﺍلأﻣﻮﺭ، ﺃﻭ ﻣﻊ ﺃﺣﺪِ ﻛﺒﺎﺭ ﻣﻮﻇﻔﻴﻪ ﻣﻤﻦ ﻟﻪ ﻋـلاﻗﺔ ﻣﻊ ﺗﻠﻚ ﺍلأﻭﺍﻣﺮ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ -ﻭﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺍلأﻋﻠﻰ- ﻓﺈﻥ ﺧـلاﻕ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻣﺎﻟﻚَ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻭﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ، ﻭﺍﻟﺤﺎﻛﻢَ ﺍلأﺯﻟﻲ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻟﻪ ﻃﺮﺍﺯﺍﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﻟﻤﺔ ﻭﺍلاﻟﺘﻔﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻜﺮﻳﻢ:

ﺍلأﻭﻝ: ﺟﺰﺋﻲ ﻭﺧﺎﺹ ﻭﺍلآﺧﺮ: ﻛﻠّﻲ ﻭﻋﺎﻡ.

ﻓﺎﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ ﻣﻈﻬﺮ ﺭﻓﻴﻊ ﺳﺎﻡٍ ﻟﻠﻮلاﻳﺔ ﺍلأﺣﻤﺪﻳﺔ ﻇﻬﺮَ ﺑﻜﻠﻴﺔٍ ﺗﻔﻮﻕُ ﺟﻤﻴﻊَ ﺍﻟﻮلاﻳﺎﺕ ﻭﺑﺮﻓﻌﺔٍ ﻭﻋﻠﻮٍ ﻳﺴﻤﻮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ؛ ﺇﺫ ﺇﻧﻪ ﺗﺸﺮّﻑ ﺑﻤﻜﺎﻟﻤﺔِ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻣﻨﺎﺟﺎﺗِﻪ ﺑﺎﺳﻢ ﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﻭﺑﻌﻨﻮﺍﻥِ ﺧﺎﻟﻖ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ.

ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ

ﺭﺟﻞ ﻳُﻤﺴﻚ ﻣﺮﺁﺓً ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺸﻤﺲ. ﻓﺎﻟﻤﺮﺁﺓ ﺗﻠﺘﻘﻂ، ﺣﺴﺐ ﺳَﻌَﺘﻬﺎ، ﻧﻮﺭﺍ ﻭﺿﻴﺎﺀً ﻳﺤﻤﻞ ﺍلأﻟﻮﺍﻥ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻤﺲ. ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺫﺍ ﻋـلاﻗﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺑﻨﺴﺒﺔ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، ﻭﻳُﻤﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻔﻴﺪ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﻭﺟّﻬﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻏﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﻣَﺸﺘﻠﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﺍﻟﻤﺴﻘّﻒ، ﺑﻴﺪَ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩﺗﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﻮﺀ ﺗﻨﺤﺼﺮ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﻗﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺗﻌﻜﺴﻪ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﻋِﻈَﻢ ﺍﻟﺸﻤﺲ.

ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺭﺟﻞ ﺁﺧﺮ ﻳَﺪَﻉ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓَ، ﻭﻳﺠﺎﺑﻪ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ، ﻭﻳﺸﺎﻫﺪ ﻫﻴﺒﺘَﻬﺎ ﻭﻳُﺪﺭﻙ ﻋﻈﻤﺘﻬﺎ، ﺛﻢ ﻳﺼﻌﺪ ﻋﻠﻰ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻝ ﺟﺪﺍ ﻭﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺷﻌﺸﻌﺔ ﺳﻠﻄﺎﻧِﻬﺎ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ ﺍﻟﻤﻬﻴﺐ، ﻭﻳﻘﺎﺑﻠﻬﺎ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﺩﻭﻥ ﺣﺠﺎﺏ. ﺛﻢ ﻳﺮﺟﻊ ﻭﻳﻔﺘﺢ ﻣﻦ ﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﻣﻦ ﻣﺸﺘﻠﻪ ﺍﻟﻤﺴﻘّﻒ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻧﻮﺍﻓﺬَ ﻭﺍﺳﻌﺔً ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﺃﻋﺎﻟﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﻓﻴُﺠﺮﻱ ﺣﻮﺍﺭﺍ ﻣﻊ ﺍﻟﻀﻴﺎﺀ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭﻳﻨﺎﺟﻴﻬﺎ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺆﻧﺴﺔ ﺍﻟﻤﻜﻠﻠﺔ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﻭﺍلاﻣﺘﻨﺎﻥ، ﻭﻳﻨﺎﺟﻲ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻗﺎﺋـلا: «ﺇﻳﻪِ ﻳﺎ ﺷﻤﺲُ! ﻳﺎ ﻣﻦ ﺗﺮﺑﻌﺖِ ﻋﻠﻰ ﻋﺮﺵ ﺟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ! ﻳﺎ ﻟﻄﻴﻔﺔَ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﺯﻫﺮﺍﺀﻫﺎ! ﻳﺎ ﻣﻦ ﺃﺿﻔَﻴﺖ ﻋﻠﻰ ﺍلأﺭﺽ ﺑﻬﺠﺔً ﻭﻧﻮﺭﺍ ﻭﻣﻨﺤﺖِ ﺍلأﺯﻫﺎﺭَ ﺍﺑﺘﺴﺎﻣﺔً ﻭﺳﺮﻭﺭﺍ! ﻟﻘﺪ ﻣﻨﺤﺖِ ﺍﻟﺪﻑﺀ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻣﻌﺎ ﻟﺒﻴﺘﻲ ﻭﻣﺸﺘﻠﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﻛﻤﺎ ﻭﻫﺒﺖِ ﺍﻟﻨﻮﺭَ ﻟﻠﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻟﺪﻑﺀ ﻟـلأﺭﺽ»  ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺻﺎﺣﺐُ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ لا ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻨﺎﺟﻲ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﻭﻳﺤﺎﻭﺭَﻫﺎ ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺓ، ﺇﺫ ﺇﻥّ ﺁﺛﺎﺭ ﺿﻮﺀ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﺑﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﻗﻴﻮﺩِﻫﺎ، ﻭﻣﺤﺼﻮﺭﺓ ﺑﺤﺴﺐ ﻗﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺑِﻬﺎ ﻟﻠﻀﻮﺀ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳَﻈﻬﺮ ﺗﺠﻠﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺍلأﺣﺪ ﺍﻟﺼﻤﺪ ﺟﻞّ ﺟـلاﻟُﻪ، ﻭﻫﻮ ﻧﻮﺭُ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍلأﺭﺽ ﻭﺳﻠﻄﺎﻥُ ﺍلأﺯﻝ ﻭﺍلأﺑﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺑﺼﻮﺭﺗﻴﻦ، ﺗﺘﻀﻤﻨﺎﻥ ﻣﺮﺍﺗﺐَ لا ﺣﺪّ ﻟﻬﺎ.

ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍلأﻭﻟﻰ: ﻇﻬﻮﺭ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺑﺮﺑﺎﻁ ﺭﺑﺎﻧﻲ ﻭﺍﻧﺘﺴﺎﺏٍ ﺇﻟﻴﻪ، ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥ ﻟﻜﻞِّ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺣﻈﻮﺓ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍلأﺯﻟﻲ، ﻭﻟﻪ ﻣﺤﺎﻭﺭﺓ ﻭﻣﻨﺎﺟﺎﺓ ﻣﻌﻪ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﺰﺋﻴﺔً ﺃﻡ ﻛﻠﻴﺔً، ﺣﺴﺐ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ ﻭﻭﻓﻖَ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﺼﻔﺎﺕ، ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺳﻴﺮﻩ ﻭﺳﻠﻮﻛﻪ ﻟﺪﻯ ﻃﻴِّﻪ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ. ﻓﺪﺭﺟﺎﺕُ ﺍﻟﻐﺎﻟﺒﻴﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻟﻠﻮلاﻳﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﺋﺮﺓ ﻓﻲ ﻇـلاﻝ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﻭﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﻭﻣﺮﺍﺗﺒﻬﺎ ﻧﺎﺑﻌﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ.

ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺗﺠﻞٍ ﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ لأﺳﻤﻰ ﻓﺮﺩٍ ﻓﻲ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻭﺃﻓﻀﻠِﻬﻢ ﻃﺮﺍ، ﺗﺠﻠﻴﺎ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺟﻞّ ﻭﻋـلا ﻭﺑﺄﻋﻈﻢ ﻣﺮﺗﺒﺔٍ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ؛ ﻟﻜﻮﻥ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻗﺎﺩﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍلأﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﻤﺘﻈﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻛﺎﻓﺔ ﺩﻓﻌﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓِ ﺭﻭﺣِﻪ، ﺇﺫ ﻫﻮ ﺃﻧﻮﺭُ ﺛﻤﺮﺍﺕ ﺷﺠﺮﺓِ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﺃﺟﻤﻌُﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻭﺍلاﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ.

ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻫﻮ ﺳﺮُّ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺍلأﺣﻤﺪﻱ، ﺑﺤﻴﺚ ﺗﻜﻮﻥ ﻭلاﻳﺘُﻪ ﻣﺒﺪﺃً ﻟﺮﺳﺎﻟﺘﻪ. ﺍﻟﻮلاﻳﺔُ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻞ ﻭﺗﻤﻀﻲ ﻓﻴﻪ، ﻛﺎﻟﺮﺟﻞ ﺍلأﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ، ﺑﻴﻨﻤﺎ لا ﻇﻞَّ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ، ﺑﻞ ﺗﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﺣﺪﻳﺔ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓً، ﻛﺎﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝُ ﻓـلأﻧﻪ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﻟﻠﻮلاﻳﺔ ﺍلأﺣﻤﺪﻳﺔ ﻭﻣﺮﺗﺒﺘُﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ، ﻓﻘﺪ ﺍﺭﺗﻘﺖ ﻭﺍﻧﻘﻠﺒﺖ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ.

ﻓﺒﺎﻃﻦُ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻭلاﻳﺔ؛ ﺇﺫ ﻗﺪ ﻋﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺨَﻠﻖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ. ﻭﻇﺎﻫﺮُ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺭﺳﺎﻟﺔ؛ ﺇﺫ ﻳﺄﺗﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨَﻠﻖ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ. ﻓﺎﻟﻮلاﻳﺔُ ﺳﻠﻮﻙ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻘﺮﺏِ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﻫﻲ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺯﻣﺎﻥٍ ﻭﺇﻟﻰ ﻃﻲّ ﻣﺮﺍﺗﺐَ ﻛﺜﻴﺮﺓ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔُ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﻋﻈﻢُ ﻧﻮﺭ، ﻓﻬﻲ ﻣﺘﻮﺟﻬﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﻜﺸﺎﻑ ﺳﺮ ﺍلأﻗﺮﺑﻴﺔ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ؛ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻜﻔﻴﻪ ﻟﺤﻈﺔ ﺧﺎﻃﻔﺔ ﻭﺁﻥ ﺳﻴّﺎﻝ. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻭﺭﺩَ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﻣﺎ ﻳﻔﻴﺪ ﺃﻧﻪ ﺭﺟﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻝ.

ﻭﺍلآﻥ ﻧﻮﺟّﻪ ﻛـلاﻣَﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪ ﺍﻟﺠﺎﻟﺲ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻡ ﺍلاﺳﺘﻤﺎﻉ، ﻓﻨﻘﻮﻝ: ﻣﺎﺩﺍﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢُ ﺷﺒﻴﻬﺎ ﺑﻤﻤﻠﻜﺔٍ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ، ﻭﺑﻤﺪﻳﻨﺔٍ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻖ، ﻭﺑﻘﺼﺮٍ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺰﻳﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﻓـلاﺑﺪ ﺃﻥّ ﻟﻪ ﺣﺎﻛﻤﺎ، ﻣﺎﻟﻜﺎ، ﺻﺎﻧﻌﺎ. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺎﻟﻚَ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻭﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻣﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺫﻭ ﻧﻈﺮٍ ﻛﻠّﻲ ﻭﺫﻭ ﻋـلاﻗﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﺑﺤﻮﺍﺳِﻪ ﻭﻣﺸﺎﻋِﺮﻩ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺼﺮ.. ﻓـلاﺑﺪ ﺃﻥّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﻋـلاﻗﺔ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻗﻮﻳﺔ، ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻚ ﻟﻠﻨﻈﺮ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ، ﻭلاﺷﻚ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﻣﻌﻪ ﺧﻄﺎﺏ ﻗﺪﺳﻲ ﻭﺗﻮﺟّﻪ ﻋﻠﻮﻱ.

ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻣﺤﻤﺪﺍ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺍلأﻣﻴﻦ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺃﻇﻬﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌـلاﻗﺔ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﻣَﻦ ﺗﺸﺮّﻓﻮﺍ ﺑﻬﺎ ﻣﻨﺬ ﺯﻣﻦ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺁﺩﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ، ﺑﺄﻋﻈﻢ ﺻﻮﺭﺓ ﻭﺃﺟـلاﻫﺎ، ﺑﺸﻬﺎﺩﺓ ﺁﺛﺎﺭﻩ، ﺃﻱ ﺑﺤﺎﻛﻤﻴﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻧﺼﻒ ﺍﻟﻤﻌﻤﻮﺭﺓ ﻭﺧُﻤﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻭﺗﺒﺪﻳﻠﻪ ﺍﻟﻤـلاﻣﺢ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻟﻠﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﺗﻨﻮﻳﺮﻩ ﻟﻬﺎ.. ﻟﺬﺍ ﻓﻬﻮ ﺃﻟﻴَﻖُ ﻭﺃﺟﺪﺭُ ﻣَﻦ ﻳﺘﺸﺮﻑ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺜﻞ ﺃﻋﻈﻢَ ﻣﺮﺗﺒﺔٍ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌـلاﻗﺔ.