اللمعة الثانية

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ:83)

  ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓُ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺎﺩﻯ ﺑﻬﺎ ﺭﺍﺋﺪُ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ ﺳﻴﺪُﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻣﺠﺮّﺑﺔٌ، ﻭﺫﺍﺕُ ﻣﻔﻌﻮﻝ ﻣﺆﺛّﺮ، ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﻘﺘﺒﺲ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻭﻧﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﺟﺎﺗﻨﺎ: «ﺭﺏِّ ﺇﻧﻲ ﻣﺴﻨﻲ ﺍﻟﻀﺮ ﻭﺃﻧﺖ ﺃﺭﺣﻢ ﺍﻟﺮﺍﺣﻤﻴﻦ».

ﻭﻗﺼﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ، ﻧﻠﺨﺼﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

ﺇﻧﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻇﻞ ﺻﺎﺑﺮﺍً ﺭﺩﺣﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻳﻜﺎﺑﺪ ﺃﻟَﻢَ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﺍﻟﻌﻀﺎﻝ، ﺣﺘﻰ ﺳﺮﺕ ﺍﻟﻘﺮﻭﺡُ ﻭﺍﻟﺠﺮﻭﺡُ ﺇﻟﻰ ﺟﺴﻤﻪ ﻛﻠﻪ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﺻﺎﺑﺮﺍً ﺟﻠﺪﺍً ﻳﺮﺟﻮ ﺛﻮﺍﺑَﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻲ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ. ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﺃﺻﺎﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﺪﺍﻥُ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺟﺮﻭﺣﻪ ﻗﻠﺒَﻪ ﻭﻟﺴﺎﻧَﻪ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻫﻤﺎ ﻣﺤﻞُّ ﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﻮﺿﻊُ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ، ﺗﻀﺮّﻉ ﺇﻟﻰ ﺭﺑّﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻟﺮﻗﻴﻘﺔ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ﺧﺸﻴﺔ ﺃﻥْ ﻳﺼﻴﺐ ﻋﺒﺎﺩﺗَﻪ ﺧﻠﻞٌ، ﻭﻟﻢ ﻳﺘﻀﺮﻉ ﺇﻟﻴﻪ ﻃﻠﺒﺎً ﻟﻠﺮﺍﺣﺔ ﻗﻂ. ﻓﺎﺳﺘﺠﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻠﻲ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﺍﻟﺰﻛﻴﺔ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔً ﺧﺎﺭﻗﺔ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩ، ﻭﻛﺸﻒ ﻋﻨﻪ ﺿﺮَّﻩ ﻭﺃﺣﺴﻦَ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔَ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﻭﺃﺳﺒﻎَ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻟﻄﺎﻑَ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻌﻤﻴﻤﺔ.

ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺧﻤﺲ ﻧﻜﺎﺕ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ

ﺇﻧﻪ ﺇﺯﺍﺀ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺠﺮﻭﺡ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺎﺑﺖ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏَ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺗﻮﺟﺪ ﻓﻴﻨﺎ ﺃﻣﺮﺍﺽٌ ﺑﺎﻃﻨﻴﺔ ﻭﻋﻠﻞٌ ﺭﻭﺣﻴﺔ ﻭﺃﺳﻘﺎﻡٌ ﻗﻠﺒﻴﺔ، ﻓﻨﺤﻦ ﻣﺼﺎﺑﻮﻥ ﺑﻜﻞّ ﻫﺬﺍ. ﻓﻠﻮ ﺍﻧﻘﻠﺒﻨﺎ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﺑﺒﺎﻃﻦ ﻭﺑﺎﻃﻨﺎً ﺑﻈﺎﻫﺮ، ﻟﻈﻬﺮﻧﺎ ﻣُﺜﻘَﻠﻴﻦ ﺑﺠﺮﻭﺡٍ ﻭﻗﺮﻭﺡ ﺑﻠﻴﻐﺔ، ﻭﻟَﺒَﺪَﺕ ﻓﻴﻨﺎ ﺃﻣﺮﺍﺽٌ ﻭﻋﻠﻞٌ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻤﺎ ﻋﻨﺪ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ: ﻛﻞَّ ﻣﺎ ﺗﻜﺴﺒﻪ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ ﻣﻦ ﺇﺛﻢ، ﻭﻛﻞَّ ﻣﺎ ﻳﻠﺞ ﺇﻟﻰ ﺃﺫﻫﺎﻧﻨﺎ ﻣﻦ ﺷﺒﻬﺔ، ﻳﺸﻖّ ﺟﺮﻭﺣﺎً ﻏﺎﺋﺮﺓً ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ، ﻭﻳﻔﺠّﺮ ﻗﺮﻭﺣﺎً ﺩﺍﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺭﻭﺍﺣﻨﺎ.. ﺛﻢ ﺇﻥ ﺟﺮﻭﺡَ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻬﺪّﺩ ﺣﻴﺎﺗَﻪ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮﺓ ﺑﺨﻄﺮ، ﺃﻣﺎ ﺟﺮﻭﺣُﻨﺎ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻧﺤﻦ ﻓﻬﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺣﻴﺎﺗَﻨﺎ ﺍﻷﺧﺮﻭﻳﺔ ﺍﻟﻤﺪﻳﺪﺓ ﺑﺨﻄﺮ.. ﻓﻨﺤﻦ ﺇﺫﻥ ﻣﺤﺘﺎﺟﻮﻥ ﺃﺷﺪ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻷﻳﻮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺑﺄﺿﻌﺎﻑِ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﺣﺎﺟﺘﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺇﻟﻴﻬﺎ. ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻳﺪﺍﻥ ﺍﻟﻤﺘﻮﻟﺪﺓ ﻣﻦ ﺟﺮﻭﺣﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﺻﺎﺑﺖ ﻗﻠﺒَﻪ ﻭﻟﺴﺎﻧَﻪ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻮﺳﺎﻭﺱ ﻭﺍﻟﺸﻜﻮﻙ -ﻧﻌﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ- ﺍﻟﻤﺘﻮﻟﺪﺓ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﻦ ﺟﺮﻭﺣﻨﺎ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺍﻵﺛﺎﻡ ﻭﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﺗﺼﻴﺐ ﺑﺎﻃﻦَ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺴﺘﻘﺮُّ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﺘﺰﻋﺰﻉُ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥَ ﻓﻴﻪ، ﻭﺗﻤﺲّ ﺍﻟﻠﺴﺎﻥَ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺘﺮﺟﻢ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﺘُﺴﻠﺒﻪ ﻟﺬﺓَ ﺍﻟﺬﻛﺮ ﻭﻣﺘﻌﺘَﻪ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﺗﻨﻔّﺮﻩ ﻣﻦ ﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﺗُﺴﻜﺘﻪ ﻛﻠﻴﺎً.

ﻧﻌﻢ، ﺍﻹﺛﻢُ ﻳﺘﻮﻏﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﻳﻤﺪّ ﺟﺬﻭﺭَﻩ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ، ﻭﻣﺎ ﻳﻨﻔﻚ ﻳﻨﻜُﺖُ ﻓﻴﻪ ﻧﻜﺘﺎً ﺳﻮﺩﺍﺀ ﺣﺘﻰ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺇﺧﺮﺍﺝ ﻧﻮﺭ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻣﻨﻪ، ﻓﻴﺒﻘﻰ ﻣﻈﻠﻤﺎً ﻣﻘﻔﺮﺍً، ﻓﻴﻐﻠﻆ ﻭﻳﻘﺴﻮ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺇﺛﻢ ﻭﺧﻄﻴﺌﺔٍ ﻃﺮﻳﻘﺎً ﻣﺆﺩﻳﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻔﺮ، ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳُﻤﺢَ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﺛﻢ ﻓﻮﺭﺍً ﺑﺎﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺩﻭﺩﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ، ﺑﻞ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺔ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﺗﻌﺾ ﺍﻟﻘﻠﺐَ ﻭﺗﺆﺫﻳﻪ.

ﻭﻟﻨﻮﺿﺢ ﺫﻟﻚ ﺑﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

  ﻣﺜﻼ: ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺗﻜﺐ ﺳﺮﺍً ﺇﺛﻤﺎً ﻳُﺨﺠَﻞ ﻣﻨﻪ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺴﺘﺤﻲ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻃﻼﻉ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﻠﻴﻪ، ﻳﺜﻘُﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺟﻮﺩُ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻴﺎﺕ، ﻭﻳﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺇﻧﻜﺎﺭﻫﻢ ﺑﺄﻣﺎﺭﺓ ﺗﺎﻓﻬﺔ.

ﻣﺜﻼ: ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﺘﺮﻑ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺗُﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﻋﺬﺍﺏ ﺟﻬﻨﻢ. ﺇﻥْ ﻟﻢ ﻳﺘﺤﺼّﻦ ﺗﺠﺎﻫﻬﺎ ﺑﺎﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭ، ﻓﻤﺎ ﺇﻥْ ﻳﺴﻤﻊ ﻧﺬﻳﺮَ ﺟﻬﻨﻢ ﻭﺃﻫﻮﺍﻟَﻬﺎ ﻳﺮﻏﺐ ﻣﻦ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ ﻓﻲ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ، ﻓﻴﺘﻮﻟﺪ ﻟﺪﻳﻪ ﺟﺮﺃﺓٌ ﻹﻧﻜﺎﺭ ﺟﻬﻨﻢ ﻣﻦ ﺃﻣﺎﺭﺓ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺃﻭ ﺷﺒﻬﺔ ﺗﺎﻓﻬﺔ.

 ﻣﺜﻼ: ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾَ ﻭﻻ ﻳﺆﺩﻱ ﻭﻇﻴﻔﺔَ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺣﻖ ﺍﻷﺩﺍﺀ ﻭﻫﻮ ﻳﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ ﺗﻮﺑﻴﺦ ﺁﻣﺮﻩ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﻟﺘﻘﺎﻋﺴﻪ ﻋﻦ ﻭﺍﺟﺐ ﺑﺴﻴﻂ، ﻓﺈﻥّ ﺗﻜﺎﺳﻠﻪ ﻋﻦ ﺃﺩﺍﺀ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾ ﺇﺯﺍﺀ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﻤﻜﺮﺭﺓ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻳﻮﺭﺛﻪ ﺿِﻴﻘﺎً ﺷﺪﻳﺪﺍً ﻭﻇﻠﻤﺔً ﻗﺎﺗﻤﺔً ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻪ، ﻭﻳﺴﻮﻗُﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻀﻴﻖُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﺘﻔﻮّﻩ ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺿﻤﻨﺎً: «ﻟﻴﺘﻪ ﻟﻢ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ!» ﻭﺗﺜﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔُ ﻓﻴﻪ ﺍﻹﻧﻜﺎﺭَ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﺸﻢّ ﻣﻨﻪ ﻋﺪﺍﺀً ﻣﻌﻨﻮﻳﺎً ﺗﺠﺎﻩ ﺃﻟﻮﻫﻴﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ!، ﻓﺈﺫﺍ ﻣﺎ ﻭﺭﺩﺕ ﺷﺒﻬﺔٌ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺣﻮﻝ ﻭﺟﻮﺩﻩ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺩﻟﻴﻞ ﻗﺎﻃﻊ. ﻓﻴﻨﻔﺘﺢ ﺃﻣﺎﻣَﻪ ﺑﺎﺏٌ ﻋﻈﻴﻢٌ ﻟﻠﻬﻼﻙ ﻭﺍﻟﺨﺴﺮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺒﻴﻦ. ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﺪﺭﻙ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻘﻲ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺟﻌﻞ ﻧﻔﺴﻪ -ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻹﻧﻜﺎﺭ- ﻫﺪﻓﺎً ﻟﻀﻴﻖ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﺃﺭﻫﺐَ ﻭﺃﻓﻈﻊَ ﺑﻤﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻀﻴﻖ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺗﻜﺎﺳﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻛﻤﻦ ﻳﻔﺮّ ﻣﻦ ﻟﺴﻊ ﺑﻌﻮﺿﺔ ﺇﻟﻰ ﻋﺾ ﺣﻴﺔ!

ﻓﻠﻴُﻔﻬَﻢ ﻓﻲ ﺿﻮﺀ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺜﻠﺔ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺳﺮّ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ﺍﻟﻤﻄﻔﻔﻴﻦ:14).

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻭُﺿّﺢ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭ: ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺣﻖ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﻭﺍﻟﻤﺮﺽ ﺑﺜﻼﺛﺔ ﻭﺟﻮﻩ:

ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻷﻭﻝ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﺎ ﺃﻟﺒﺴَﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ ﻣﻦ ﻟﺒﺎﺱ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﻌﺘﻪ ﺍﻟﻤُﺒﺪﻋﺔ، ﺣﻴﺚ ﺧﻠﻘﻪ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﻧﻤﻮﺫﺝ (ﻣﻮﺩﻳﻞ) ﻳﻔﺼّﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﺒﺎﺱَ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻳﺒﺪّﻟُﻪ ﻭﻳﻘﺼُّﻪ ﻭﻳﻐﻴّﺮُﻩ، ﻣﺒﻴﻨﺎً ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻷﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ. ﻓﻤﺜﻠﻤﺎ ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ﺍﺳﻢُ «ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ» ﺍﻟﻤﺮﺽَ، ﻓﺈﻥ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺮﺯﺍﻕ» ﺃﻳﻀﺎً ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﺠﻮﻉَ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻬﻮ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﺎﻟﻚُ ﺍﻟﻤُﻠﻚ ﻳﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﻣُﻠﻜﻪ ﻛﻴﻒ ﻳﺸﺎﺀ.

ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺗﺘﺼﻔّﻰ ﺑﺎﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻭﺍﻟﺒﻼﻳﺎ، ﻭﺗﺘﺰﻛّﻰ ﺑﺎﻷﻣﺮﺍﺽ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﺋﺐ، ﻭﺗﺠﺪ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭﺗﺘﻘﻮﻯ ﻭﺗﺘﺮﻗﻰ ﻭﺗﺴﻤﻮ ﻭﺗﺜﻤﺮ ﻭﺗﻨﺘﺞ ﻭﺗﺘﻜﺎﻣﻞ ﻭﺗﺒﻠﻎ ﻫﺪﻓَﻬﺎ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﻟﻬﺎ، ﻓﺘﺆﺩﻱ ﻣﻬﻤﺘَﻬﺎ ﺍﻟﺤﻴﺎﺗﻴﺔ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓُ ﺍﻟﺮﺗﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻀﻰ ﻋﻠﻰ ﻧﺴﻖ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﺗﻤﺮ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺍﺵ ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ، ﻓﻬﻲ ﺃﻗﺮﺏُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺷﺮّ ﻣﺤﺾٌ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺧﻴﺮٌ ﻣﺤﺾ. ﺑﻞ ﻫﻲ ﺗُﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻡ.

ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺃﻥَّ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻫﺬﻩ ﻣﺎ ﻫﻲ ﺇﻟّﺎ ﻣﻴﺪﺍﻥُ ﺍﺧﺘﺒﺎﺭ ﻭﺍﺑﺘﻼﺀ، ﻭﻫﻲ ﺩﺍﺭُ ﻋﻤﻞ ﻭﻣﺤﻞ ﻋﺒﺎﺩﺓ، ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻣﺤﻞَّ ﺗﻤﺘّﻊ ﻭﺗﻠﺬﺫ ﻭﻻ ﻣﻜﺎﻥ ﺗﺴﻠّﻢ ﺍﻷﺟﺮﺓ ﻭﻧﻴﻞ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ.

ﻓﻤﺎﺩﺍﻣﺖ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺩﺍﺭَ ﻋﻤﻞ ﻭﻣﺤﻞَّ ﻋﺒﺎﺩﺓ، ﻓﺎﻷﻣﺮﺍﺽُ ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻋﺪﺍ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺑﺸﺮﻁ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻼﺋﻤﺔً ﺟﺪﺍً ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﺑﻞ ﻣﻨﺴﺠﻤﺔً ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻣﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻬﺎ ﺗﻤﺪ ﺍﻟﻌﻤﻞَ ﺑﻘﻮﺓ ﻭﺗﺸﺪّ ﻣﻦ ﺃﺯﺭ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﺘﺸﻜّﻲ ﻣﻨﻬﺎ، ﺑﻞ ﻳﺠﺐ ﺍﻟﺘﺤﻠﻲ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽَ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﺋﺐ ﺗﺤﻮّﻝ ﻛﻞَّ ﺳﺎﻋﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺼﺎﺏ ﻋﺒﺎﺩﺓً ﻟﻴﻮﻡ ﻛﺎﻣﻞ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻗﺴﻤﺎﻥ: ﻗﺴﻢ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ﻭﻗﺴﻢ ﺳﻠﺒﻲ..

ﻓﺎﻟﻘﺴﻢ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻌﻠﻮﻡ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻵﺧﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺒﻼﻳﺎ ﻭﺍﻟﻀﺮ ﻭﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺗﺠﻌﻞ ﺻﺎﺣﺒَﻬﺎ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻌَﺠﺰﻩ ﻭﺿَﻌﻔﻪ، ﻓﻴﻠﺘﺠﺊ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ، ﻭﻳﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻳﻠﻮﺫ ﺑﻪ، ﻓﻴﺆﺩﻱ ﺑﻬﺬﺍ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺧﺎﻟﺼﺔ. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﺧﺎﻟﺼﺔٌ ﺯﻛﻴّﺔٌ ﻻ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀُ ﻗﻂ. ﻓﺈﺫﺍ ﻣﺎ ﺗﺠﻤّﻞ ﺍﻟﻤﺼﺎﺏُ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ ﻭﻓﻜّﺮ ﻓﻲ ﺛﻮﺍﺏ ﺿﺮّﻩ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺟﻤﻴﻞِ ﺃﺟﺮﻩ ﻋﻨﺪﻩ، ﻭﺷﻜَﺮ ﺭﺑَّﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﺗﺤﻮﻟﺖ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﻛﻞُّ ﺳﺎﻋﺔ ﻣﻦ ﺳﺎﻋﺎﺕ ﻋﻤﺮﻩ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻳﻮﻡٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻓﻴﻐﺪﻭ ﻋﻤﺮُﻩ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮ ﺟﺪﺍً ﻣﺪﻳﺪﺍً ﻃﻮﻳﻼ، ﺑﻞ ﺗﺘﺤﻮﻝ -ﻋﻨﺪ ﺑﻌﻀﻬﻢ- ﻛﻞُّ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺩﻗﺎﺋﻖ ﻋﻤﺮﻩ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻳﻮﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻛﻨﺖُ ﺃﻗﻠﻖ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺃﺻﺎﺏ ﺃﺣﺪ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﻭﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺍﺣﻤﺪ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮ» ﺑﻤﺮﺽ ﺧﻄﻴﺮ، ﻓﺨﻄﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻣﺎ ﻳﺄﺗﻲ: «ﺑﺸّﺮﻩ، ﻫﻨّﺌﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﻞَّ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺩﻗﺎﺋﻖ ﻋﻤﺮﻩ ﺗﻤﻀﻲ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻳﻮﻡٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ».. ﺣﻘﺎً ﺇﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺸﻜﺮ ﺭﺑَّﻪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻣﻦ ﺛﻨﺎﻳﺎ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺑﻴﻨّﺎ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻓﻜّﺮ ﻛﻞُّ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻓﻴﻤﺎ ﻣﻀﻰ ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻓﺴَﻴﺮﺩُ ﺇﻟﻰ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﻟﺴﺎﻧﻪ «ﻭﺍ ﺃﺳﻔﺎﻩ»، ﺃﻭ: «ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ». ﺃﻱ ﺇﻣﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﺘﺄﺳﻒ ﻭﻳﺘﺤﺴﺮ، ﺃﻭ ﻳﺤﻤﺪ ﺭﺑَّﻪ ﻭﻳﺸﻜﺮﻩ. ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﻘﻄّﺮ ﺍﻷﺳﻒ ﻭﺍﻷﺳﻰ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻵﻻﻡ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﻠﺬﺍﺋﺬ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻭﻓﺮﺍﻗﻬﺎ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺯﻭﺍﻝَ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﺃﻟَﻢٌ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﺗﻮﺭﺙ ﻟﺬﺓٌ ﺯﺍﺋﻠﺔٌ ﻃﺎﺭﺋﺔٌ ﺁﻻﻣﺎً ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ، ﻓﺎﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻳُﻌﺼِﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻷﻟَﻢَ ﻭﻳُﻘﻄّﺮ ﻣﻨﻪ ﺍﻷﺳﻒ ﻭﺍﻷﺳﻰ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻠﺬﺓُ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺪﺍﺋﻤﺔ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻵﻻﻡ ﺍﻟﻤﺆﻗﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﻀﺎﻫﺎ ﺍﻟﻤﺮﺀ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﻔﺎﺋﺘﺔ، ﺗﺠﻌﻞ ﻟﺴﺎﻧَﻪ ﺫﺍﻛﺮﺍً ﺑﺎﻟﺤﻤﺪ ﻭﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.. ﻫﺬﻩ ﺣﺎﻟﺔٌ ﻓﻄﺮﻳﺔ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻬﺎ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ، ﻓﺈﺫﺍ ﻣﺎ ﻓﻜﺮ ﺍﻟﻤﺼﺎﺏ -ﻋﻼﻭﺓ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ- ﺑﻤﺎ ﺃﺩّﺧﺮ ﻟﻪ ﺭﺑُّﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﻦ ﺛﻮﺍﺏٍ ﺟﻤﻴﻞ ﻭﺟﺰﺍﺀٍ ﺣَﺴﻦ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﻭﺗﺄﻣﻞَ ﻓﻲ ﺗﺤﻮُّﻝ ﻋﻤﺮﻩ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮ ﺑﺎﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﻣﺪﻳﺪ ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺍﻧﺘﺎﺑﻪ ﻣﻦ ﺿُﺮّ ﻭﺣﺪﻩ، ﺑﻞ ﻳﺮﻗﻰ ﺃﻳﻀﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﺮﺿﺎ ﺑﻘَﺪَﺭﻩ، ﻓﻴﻨﻄﻠﻖ ﻟﺴﺎﻧُﻪ ﺣﺎﻣﺪﺍً ﺭﺑَّﻪ ﻭﻗﺎﺋﻼ: «ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻞِّ ﺣﺎﻝ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﻀﻼﻝ».

ﻭﻟﻘﺪ ﺳﺎﺭ ﻣﺜﻼ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ: «ﻣﺎ ﺃﻃﻮﻝَ ﺯﻣﻦَ ﺍﻟﻨﻮﺍﺋﺐ!». ﻧﻌﻢ، ﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻲ ﻋُﺮﻑِ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻇﻨِّﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻃﻮﻳﻞ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺿﻴﻖ ﻭﺃﻟَﻢ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﻃﻮﻳﻞٌ ﻣﺪﻳﺪ ﻛﺎﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ ﺑﻤﺎ ﻳُﺜﻤﺮ ﻣﻦ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺣﻴﺎﺗﻴﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ

ﻟﻘﺪ ﺑﻴﻨّﺎ ﻓﻲ «ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ»: ﺃﻥَّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻥْ ﻟﻢ ﻳﺸﺘّﺖ ﻣﺎ ﻭﻫَﺒﻪ ﺍﻟﺒﺎﺭﺉ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﻮﺓِ ﺍﻟﺼﺒﺮ، ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻌﺜﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺷﻌﺎﺏ ﺍﻷﻭﻫﺎﻡ ﻭﺍﻟﻤﺨﺎﻭﻑ، ﻓﺈﻥّ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﺎﻓﻴﺔً ﻟﻠﺜﺒﺎﺕ ﺣﻴﺎﻝ ﻛﻞ ﻣﺼﻴﺒﺔ ﻭﺑﻼﺀ، ﻭﻟﻜﻦ ﻫﻴﻤﻨﺔَ ﺍﻟﻮﻫﻢ ﻭﺳﻴﻄﺮﺓَ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺍﻻﻏﺘﺮﺍﺭَ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺩﺍﺋﻤﺔ.. ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺖّ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﺻﺒﺮﻩ ﻭﺗﻔﺮﻳﻘﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺁﻻﻡ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﻣﺨﺎﻭﻑ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻓﻼ ﻳﻜﻔﻴﻪ ﻣﺎ ﺃﻭﺩﻋﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻤّﻞ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﺑﻪ ﻭﺍﻟﺜﺒﺎﺕ ﺩﻭﻧﻪ، ﻓﻴﺒﺪﺃ ﺑﺒﺚ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺣﺘﻰ ﻛﺄﻧﻪ ﻳﺸﻜﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻠﻨﺎﺱ، ﻣﺒﺪﻳﺎً ﻣﻦ ﻗﻠﺔ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭﻧﻔﺎﺩﻩ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺍﻟﺠﻨﻮﻥ. ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺤﻖ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺠﺰﻉ ﺟﺰﻋَﻪ ﻫﺬﺍ ﺃﺑﺪﺍً؛ ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻣﻦ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ -ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ ﺑﺎﻟﺒﻼﺀ- ﻓﻘﺪ ﺫﻫﺐ ﻋﺴﺮُﻩ ﻭﻣﺸﻘﺘُﻪ ﻭﺗﺮﻙَ ﺭﺍﺣﺘَﻪ، ﻭﻗﺪ ﺯﺍﻝ ﺗﻌﺒُﻪ ﻭﺃﻟَﻤُﻪ ﻭﺗﺮﻙ ﻟﺬﺗَﻪ، ﻭﻗﺪ ﺫﻫﺐ ﺿﻨﻜُﻪ ﻭﺿﻴﻘُﻪ ﻭﺛﺒﺖ ﺃﺟﺮُﻩ، ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺇﺫﻥ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﻣﻨﻪ، ﺑﻞ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺸﻮﻕ ﻭﻟﻬﻔﺔ. ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻻﻣﺘﻌﺎﺽُ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﻭﺍﻟﺴﺨﻂ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻞ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺭﺑﻂُ ﺃﻭﺍﺻﺮ ﺍﻟﺤﺐ ﺑﻬﺎ؛ ﻷﻥ ﻋﻤﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﻋﻤﺮﺍً ﺳﻌﻴﺪﺍً ﺑﺎﻗﻴﺎً ﻣﺪﻳﺪﺍً ﺑﻤﺎ ﻳﻌﺎﻧﻲ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻼﺀ. ﻓﻤﻦ ﺍﻟﺒﻼﻫﺔ ﻭﺍﻟﺠﻨﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﺒﺪﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺻﺒﺮﻩ ﻭﻳﻬﺪﺭﻩ ﺑﺎﻷﻭﻫﺎﻡ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻀﺖ ﻭﺍﻵﻻﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﻟّﺖ. ﺃﻣﺎ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﻘﺒﻠﺔ، ﻓﺤﻴﺚ ﺇﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺄﺕ ﺑﻌﺪُ ﻭﻣﺠﻬﻮﻟﺔٌ ﻣﺒﻬﻤﺔ، ﻓﻤﻦ ﺍﻟﺤﻤﺎﻗﺔ ﺍﻟﺘﻔﻜﺮُ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻵﻥ ﻭﺍﻟﺠﺰﻉُ ﻋﻤّﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺼﻴﺐ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﻭﺑﻼﺀ. ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﺣﻤﺎﻗﺔٌ ﺃﻥ ﻳﺄﻛﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺒﺰ ﻭﻳﺸﺮﺏ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻟﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺼﻴﺒَﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﻭﺍﻟﻌﻄﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺪ ﺃﻭ ﺑﻌﺪ ﻏﺪ، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﺄﻟّﻢ ﻭﺍﻟﺘﻀﺠﺮُ ﻣﻦ ﺍﻵﻥ ﻟﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳُﺒﺘﻠﻰ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﺍﺽ ﻭﻣﺼﺎﺋﺐ ﻫﻲ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻌﺪﻡ، ﻭﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﺠﺰﻉ ﻧﺤﻮﻫﺎ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺒﺮﺭ ﻭﺍﺿﻄﺮﺍﺭ، ﻫﻮ ﺑﻼﻫﺔٌ ﻭﺣﻤﺎﻗﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﺪٍّ ﺗﺴﻠﺐ ﺍﻟﻌﻄﻒَ ﻋﻠﻰ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﻭﺍﻹﺷﻔﺎﻕ ﻋﻠﻴﻪ. ﻓﻮﻕ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻇﻠﻢ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻨﻔﺴﻪ.

ﺍﻟﺨﻼﺻﺔ: ﺇﻥ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔَ، ﻓﺎﻟﺸﻜﻮﻯ ﺗﺰﻳﺪ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔَ ﻭﺗﺴﻠﺐ ﺍﻟﺘﺮﺣﻢ ﻭﺍﻹﺷﻔﺎﻕَ ﻋﻠﻰ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ.

ﻟﻘﺪ ﺍﺑﺘُﻠﻰ ﺭﺟﻞ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻦ ﻣﺪﻳﻨﺔ «ﺃﺭﺿﺮﻭﻡ» ﺑﻤﺮﺽ ﺧﻄﻴﺮ ﻭﺑﻴﻞ، ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﻓﺬﻫﺒﺖُ ﺇﻟﻰ ﻋﻴﺎﺩﺗﻪ ﻭﺑﺚَّ ﻟﻲ ﺷﻜﻮﺍﻩ:

– ﻟﻢ ﺃﺫُﻕ ﻃﻌﻢَ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻣﻨﺬ ﻣﺎﺋﺔ ﻳﻮﻡ.

ﺗﺄﻟﻤﺖُ ﻟﺸﻜﻮﺍﻩ ﺍﻷﻟﻴﻤﺔ ﻫﺬﻩ، ﻭﻟﻜﻦ ﺗﺬﻛﺮﺕُ ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﻗﻠﺖ:

– «ﺃﺧﻲ! ﺇﻥ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﺎﺋﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﻭﻟّﺖ ﻭﻣﻀﺖ ﻓﻬﻲ ﺍﻵﻥ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻣﺎﺋﺔ ﻳﻮﻡ ﻣُﺴﺮِّﺓ ﻣﻔﺮﺣﺔ ﻟﻚ، ﻓﻼ ﺗﻔﻜﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻻ ﺗﺸﻚُ ﻣﻨﻬﺎ، ﺑﻞ ﺍﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺯﻭﺍﻟﻬﺎ ﻭﺫﻫﺎﺑﻬﺎ، ﻭﺍﺷﻜﺮ ﺭﺑﻚ ﻋﻠﻴﻬﺎ. ﺃﻣﺎ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﻘﺒﻠﺔ ﻓﻸﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺄﺕِ ﺑﻌﺪُ، ﻓﺘﻮﻛّﻞ ﻋﻠﻰ ﺭﺣﻤﺔ ﺭﺑﻚ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻭﺍﻃﻤﺌﻦ ﺇﻟﻴﻬﺎ. ﻓﻼ ﺗﺒﻚِ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗُﻀﺮَﺏ، ﻭﻻ ﺗﺨﻒ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺷﻲﺀ، ﻭﻻ ﺗﻤﻨﺢ ﺍﻟﻌﺪﻡَ ﺻﺒﻐﺔَ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ. ﺍﺻﺮﻑ ﺗﻔﻜﻴﺮﻙ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ، ﻓﺈﻥ ﻣﺎ ﺗﻤﻠﻜﻪ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﺗﻜﻔﻲ ﻟﻠﺜﺒﺎﺕ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ. ﻭﻻ ﺗﻜﻦ ﻣﺜﻞَ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻷﺣﻤﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﺷﺘّﺖ ﻗﻮﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻳﻤﻴﻨﺎً ﻭﺷﻤﺎﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻟﺘﺤﻘﺖ ﻣﻴﺴَﺮﺓُ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺇﻟﻰ ﺻﻔﻮﻑ ﻣﻴﻤﻨﺔ ﺟﻴﺸﻪ ﻓﺄﻣﺪَّﺗْﻬﺎ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﺗﻚُ ﻣﻴﻤﻨﺔُ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﻣﺘﻬﻴﺌﺔ ﻟﻠﺤﺮﺏ ﺑﻌﺪ.. ﻓﻤﺎ ﺇﻥ ﻋﻠِﻢ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﻣﻨﻪ ﻫﺬﺍ ﺣﺘﻰ ﺳﺪّﺩ ﻗﻮﺓً ﺿﺌﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻭﻗﻀﻰ ﻋﻠﻰ ﺟﻴﺸﻪ.

ﻓﻴﺎ ﺃﺧﻲ ﻻ ﺗﻜﻦ ﻛﻬﺬﺍ، ﺑﻞ ﺣﺸِّﺪ ﻛﻞ ﻗﻮﺍﻙ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﻓﻘﻂ، ﻭﺗﺮﻗَّﺐ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ، ﻭﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺛﻮﺍﺏ ﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻭﺗﺪﺑّﺮ ﻓﻲ ﺗﺤﻮﻳﻞ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﻟﻌﻤﺮﻙ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﻣﺪﻳﺪ ﺑﺎﻕ، ﻓﻘﺪِّﻡ ﺍﻟﺸﻜﺮَ ﺍﻟﻮﺍﻓﺮ ﺍﻟﻤﺴﺮّ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻠﻲ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺍﻟﻤﺮﻳﺮﺓ».

ﺍﻧﺸﺮﺡ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﺍﻧﺒﺴﻄﺖ ﺃﺳﺎﺭﻳﺮُﻩ ﺣﺘﻰ ﺷﺮﻉ ﺑﺎﻟﻘﻮﻝ: «ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ. ﻟﻘﺪ ﺗﻀﺎﺀﻝ ﺃﻟﻤﻲ ﻛﺜﻴﺮﺍً».

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ

ﻭﻫﻲ ﺛﻼﺙ ﻣﺴﺎﺋﻞ

ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪّ ﻣﺼﻴﺒﺔً ﺣﻘﺎً ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣُﻀﺮﺓٌ ﻓﻌﻼ، ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﻴﺐ ﺍﻟﺪﻳﻦ. ﻓﻼﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺍﻻﻧﻄﺮﺍﺡ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻪ ﻭﺍﻟﺘﻀﺮﻉ ﺇﻟﻴﻪ ﺩﻭﻥ ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐُ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻤﺲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻬﻲ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﻟﻴﺴﺖ ﺑﻤﺼﺎﺋﺐَ، ﻷﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻨﻬﺎ:

ﺗﻨﺒﻴﻪٌ ﺭﺣﻤﺎﻧﻲ ﻳﺒﻌﺜﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺪﻩ ﻟﻴﻮﻗﻈَﻪ ﻣﻦ ﻏﻔﻠﺘﻪ، ﺑﻤﺜﻞ ﺗﻨﺒﻴﻪ ﺍﻟﺮﺍﻋﻲ ﻟﺸﻴﺎﻫﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﻣﺮﻋﺎﻫﺎ، ﻓﻴﺮﻣﻴﻬﺎ ﺑﺤﺠﺮ، ﻭﺍﻟﺸﻴﺎﻩ ﺑﺪﻭﺭﻫﺎ ﺗﺸﻌﺮ ﺃﻥ ﺭﺍﻋﻴﻬﺎ ﻳﻨﺒﻬﻬﺎ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺤﺠﺮ ﻭﻳﺤﺬّﺭﻫﺎ ﻣﻦ ﺃﻣﺮ ﺧﻄﻴﺮ ﻣﻀﺮ، ﻓﺘﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﻋﺎﻫﺎ ﺑﺮﺿﻰ ﻭﺍﻃﻤﺌﻨﺎﻥ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﺍﺋﺐُ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﺗﻨﺒﻴﻪ ﺇﻟﻬﻲ، ﻭﺇﻳﻘﺎﻅ ﺭﺣﻤﺎﻧﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻵﺧﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻓﻬﻮ ﻛﻔﺎﺭﺓٌ ﻟﻠﺬﻧﻮﺏ.

ﻭﻗﺴﻢ ﺁﺧﺮ ﺃﻳﻀﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻫﻮ ﻣﻨﺤﺔٌ ﺇﻟﻬﻴﺔ ﻟﺘﻄﻤﻴﻦ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺇﻓﺮﺍﻍ ﺍﻟﺴﻜﻴﻨﺔ ﻓﻴﻪ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺪﻓﻊ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﻴﺐ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ، ﻭﺇﺷﻌﺎﺭﻩ ﺑﻌﺠﺰﻩ ﻭﻓﻘﺮﻩ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺟﺒﻠﺘﻪ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺎﺏ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﺮﺽ -ﻓﻜﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﺁﻧﻔﺎ- ﻓﻬﻲ ﻟﻴﺴﺖ ﺑﻤﺼﻴﺒﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﻟﻄﻒٌ ﺭﺑﺎﻧﻲ ﻷﻧﻪ ﺗﻄﻬﻴﺮٌ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﻭﻏﺴﻞٌ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺃﺩﺭﺍﻥ ﺍﻟﺨﻄﺎﻳﺎ، ﻛﻤﺎ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ: (ﻣَﺎ ﻣِﻦْ ﻣُﺴْﻠِﻢٍ ﻳُﺼِﻴﺒُﻪُ ﺃَﺫًﻯ، ﺇِﻟَّﺎ ﺣَﺎﺕَّ ﺍﻟﻠﻪ ﻋَﻨْﻪُ ﺧَﻄَﺎﻳَﺎﻩُ، ﻛَﻤَﺎ ﺗَﺤَﺎﺕُّ ﻭَﺭَﻕُ ﺍﻟﺸَّﺠَﺮِ).

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺃﻳﻮﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻟﻢ ﻳﺪﻉُ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﺟﺎﺗﻪ ﻷﺟﻞ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺗﻄﻤﻴﻨﺎً ﻟﺮﺍﺣﺘﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻃﻠﺐ ﻛﺸﻒَ ﺍﻟﻀﺮ ﻣﻦ ﺭﺑﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻤﺮﺽُ ﻣﺎﻧﻌﺎً ﻟﺬﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﺴﺎﻧﺎً، ﻭﺣﺎﺋﻼ ﻟﻠﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﻗﻠﺒﺎً. ﻓﻄﻠﺐ ﺍﻟﺸﻔﺎﺀ ﻷﺟﻞ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻮﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔً ﻛﺎﻣﻠﺔ. ﻓﻴﺠﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﺃﻳﻀﺎً ﺃﻥ ﻧﻘﺼﺪ -ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ- ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﻧﻘﺼﺪ: ﺷﻔﺎﺀَ ﺟﺮﻭﺣﻨﺎ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺷﺮﻭﺧﻨﺎ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏ ﺍﻵﺛﺎﻡ ﻭﺍﻗﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ، ﻭﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺤُﻮﻝ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽُ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺩﻭﻥ ﻗﻴﺎﻣﻨﺎ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻓﻨﺘﻀﺮﻉ ﺇﻟﻴﻪ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﺑﻜﻞ ﺫﻝ ﻭﺧﻀﻮﻉ ﻭﻧﺴﺘﻐﻴﺜﻪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺒﺪﺭ ﻣﻨﺎ ﺃﻱُّ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﺃﻭ ﺷﻜﻮﻯ، ﺇﺫ ﻣﺎﺩﻣﻨﺎ ﺭﺍﺿﻴﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﺑﺮﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ ﻓﻌﻠﻴﻨﺎ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻭﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺑﻤﺎ ﻳﻤﻨﺤﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻟﻨﺎ ﺑﺮﺑﻮﺑﻴﺘﻪ.. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﻣﺊ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻰ ﻗﻀﺎﺋﻪ ﻭﻗﺪَﺭﻩ، ﻭﺇﻇﻬﺎﺭِ ﺍﻟﺘﺄﻓﻒ ﻭﺍﻟﺘﺤﺴﺮ، ﻓﻬﻲ ﺃﺷﺒﻪ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﻨﻘﺪٍ ﻟﻠﻘﺪﺭ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ ﻭﺍﺗﻬﺎﻡٍ ﻟﺮﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ.. ﻓﻤﻦ ﻳﻨﻘﺪ ﺍﻟﻘﺪﺭَ ﻳﺼﺮﻋﻪ ﻭﻣَﻦ ﻳﺘﻬﻢ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔَ ﻳُﺤﺮﻡ ﻣﻨﻬﺎ. ﺇﺫ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﻴﺪ ﺍﻟﻤﻜﺴﻮﺭﺓ ﻟﻠﺜﺄﺭ ﻳﺰﻳﺪﻫﺎ ﻛﺴﺮﺍً، ﻓﺈﻥ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺍﻟﻤﺒﺘﻠﻰ ﻣﺼﻴﺒﺘﻪ ﺑﺎﻟﺸﻜﻮﻯ ﻭﺍﻟﺘﻀﺠﺮ ﻭﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻭﺍﻟﻘﻠﻖ ﺗﻀﺎﻋﻒ ﺍﻟﺒﻼﺀ.

ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﻛﻠﻤﺎ ﺍﺳﺘﻌﻈﻤﺖَ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻋﻈُﻤَﺖ، ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺍﺳﺘﺼﻐﺮﺗَﻬﺎ ﺻﻐُﺮﺕ. ﻓﻤﺜﻼ: ﻛﻠﻤﺎ ﺍﻫﺘﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﺮﺍﺀﻯ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻭﻫْﻢ ﻟﻴﻼ ﻳﻀﺨﻢ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻩ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﻫﻤﻠﻪ ﻳﺘﻼﺷﻰ. ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺗﻌﺮﺽ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻮﻛﺮ ﺍﻟﺰﻧﺎﺑﻴﺮ ﺍﺯﺩﺍﺩ ﻫﺠﻮﻣُﻬﺎ ﻭﺇﺫﺍ ﺃﻫﻤﻠﻬﺎ ﺗﻔﺮﻗﺖ.

ﻓﺎﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﻠﻤﺎ ﺗﻌﺎﻇﻤﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻫﺘﻢ ﺑﻬﺎ ﻭﻗﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﺴﺮﺑﺖ ﻣﻦ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﺳﺘﻘﺮﺕ ﻓﻴﻪ، ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﺗﺘﻨﺎﻣﻰ ﻣﺼﻴﺒﺔٌ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺗﻜﻮﻥ ﺭﻛﻴﺰﺓً ﻟﻠﻤﺎﺩﻳﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﺘﺴﺘﻤﺮ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻭﺗﻄﻮﻝ. ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﺃﺯﺍﻝ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺍﻟﻘﻠﻖَ ﻭﺍﻟﻮﻫﻢ ﻣﻦ ﺟﺬﻭﺭﻩ ﺑﺎﻟﺮﺿﺎ ﺑﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺑﺎﻟﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ ﺭﺣﻤﺘﻪ، ﺗﻀﻤﺤﻞ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔُ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴﺎً ﻭﺗﺬﻫﺐ، ﻛﺎﻟﺸﺠﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻮﺕ ﻭﺗﺠﻒ ﺃﻭﺭﺍﻗُﻬﺎ ﺑﺎﻧﻘﻄﺎﻉ ﺟﺬﻭﺭﻫﺎ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻋﺒّﺮﺕُ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻳﻮﻣﺎً ﺑﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺑﻼﺀٌ.

ﺩﻋﻬﺎ ﻳﺎ ﻣﺴﻜﻴﻦ ﻭﺗﻮﻛﻞْ.

ﻧﺠﻮﺍﻙَ ﻟﻠﻮﻫﺎﺏِ ﻓﺴَﻠِّﻢ.

ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻟﻜﻞُّ ﻋﻄﺎﺀ. 

ﻭﺇﺫﺍ ﺍﻟﻜﻞُّ ﺻﻔﺎﺀ.

ﻓﺒﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ، ﺩﻧﻴﺎﻙ ﻣﺘﺎﻫﺎﺕٌ ﻭﺧﻮﻑ!

ﺃﻓﻴﺸﻜﻮ ﻣَﻦ ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻫﻠﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﻛﻞَّ ﺍﻟﺮﺍﺳﻴﺎﺕ ﺣﺒﺔَ ﺭﻣﻞٍ ﺿﺌﻴﻠﺔ؟

ﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺑﻼﺀٌ ﻓﻲ ﺑﻼﺀ.

ﻭﺃﺛﺎﻡٌ ﻓﻲ ﺃﺛﺎﻡ ﻭﻋﻨﺎﺀ

ﺃﻧﺖ ﺇﻥْ ﺗَﺒْﺴُﻢ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺒﻼﺀ.

ﻋﺎﺩﺕ ﺍﻷﺭﺯﺍﺀُ ﺗﺬﻭﻱ ﻭﺗﺬﻭﺏ.

ﺗﺤﺖ ﺷﻤﺲ ﺍﻟﺤﻖ ﺣﺒّﺎﺕِ ﺑَﺮَﺩ

ﻓﺈﺫﺍ ﺩﻧﻴﺎﻙ ﺑَﺴﻤﺔ،

ﺑﺴﻤﺔٌ ﻣﻦ ﺛﻐﺮﻫﺎ ﻳﻨﺴﺎﺏُ ﻳﻨﺒﻮﻉُ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ.

ﺑﺴﻤﺔٌ ﻧﺸﻮﻯ ﺑﺈﺷﺮﺍﻕ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ.

ﺑﺴﻤﺔٌ ﺣﻴﺮﻯ ﺑﺄﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ.

ﻧﻌﻢ..!ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺨﻔﻒ ﺣﺪَّﺓ ﺧﺼﻤﻪ ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻟﻪ ﺑﺎﻟﺒِﺸﺮ ﻭﺍﻻﺑﺘﺴﺎﻣﺔ، ﻓﺘﺘﻀﺎﺀﻝ ﺳَﻮﺭﺓ ﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ ﻭﺗﻨﻄﻔﺊ ﻧﺎﺭُ ﺍﻟﺨﺼﻮﻣﺔ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﺗﻨﻘﻠﺐ ﺻﺪﺍﻗﺔً ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﺔً، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﺑﺎﻟﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﻳُﺬﻫِﺐُ ﺃﺛﺮﻩ.

ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ:

ﺃﻥ ﻟﻜﻞ ﺯﻣﺎﻥ ﺣُﻜﻤَﻪ، ﻭﻗﺪ ﻏﻴّﺮ ﺍﻟﺒﻼﺀُ ﺷﻜﻠَﻪ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻫﺬﺍ، ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺒﻼﺀُ ﺑﻼﺀً ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺩﻭﻣﺎً، ﺑﻞ ﺇﺣﺴﺎﻧﺎً ﺇﻟﻬﻴﺎً ﻭﻟﻄﻔﺎً ﻣﻨﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ. ﻭﺃﺭﻯ ﺍﻟﻤﺒﺘﻠﻴﻦ ﺑﺎﻟﻀﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻣﺤﻈﻮﻇﻴﻦ ﺳﻌﺪﺍﺀ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻟّﺎ ﻳﻤﺲ ﺩﻳﻨَﻬﻢ، ﻓﻼ ﻳﻮﻟﺪ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﻭﺍﻟﺒﻼﺀ ﻋﻨﺪﻱ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻠﻬﻤﺎ ﻣﻀﺮَّﻳﻦ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻱ ﺣﺘﻰ ﺃُﻋﺎﺩﻳﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﻳﻮﺭﺛﺎﻧﻨﻲ ﺍﻹﺷﻔﺎﻕ ﻭﺍﻟﺘﺄﻟﻢ ﻋﻠﻰ ﺻﺎﺣﺒﻬﻤﺎ، ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﺃﺗﺎﻧﻲ ﺷﺎﺏ ﻣﺮﻳﺾ ﺇﻟّﺎ ﻭﺃﺭﺍﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﺭﺗﺒﺎﻃﺎً ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻪ ﺑﺎﻟﺪﻳﻦ، ﻭﺃﻛﺜﺮ ﺗﻌﻠﻘﺎً ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺎﻵﺧﺮﺓ.. ﻓﺄﻓﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﺑﺤﻖ ﻫﺆﻻﺀ ﻟﻴﺲ ﺑﻼﺀ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﻧﻌﻤﺔٌ ﻣﻦ ﻧﻌﻤﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻌﺪ ﻭﻻ ﺗﺤﺼﻰ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﻳﻤﺪ ﺻﺎﺣﺒَﻪ ﺑﻤﻨﺎﻓﻊ ﻏﺰﻳﺮﺓ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻷﺧﺮﻭﻳﺔ ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﺿﺮﺑﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﻳﻤﺲ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺰﺍﺋﻠﺔ ﺑﺸﻲﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﻗﺪ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺃﻥ ﻳﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﻣﺮﺿﻪ ﻣﻦ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺎﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪ ﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﻳﻨﺠﺮﻑ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻔﺎﻫﺔ ﺑﻄﻴﺶ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻭﻧﺰﻭﺍﺗﻪ ﻭﺑﺎﻟﺴﻔﺎﻫﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ.

ﺧﺎﺗﻤﺔ

ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﺩﺭﺝ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﺠﺰﺍً ﻻ ﺣﺪ ﻟﻪ، ﻭﻓﻘﺮﺍً ﻻ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻪ، ﺇﻇﻬﺎﺭﺍً ﻟﻘﺪﺭﺗﻪ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻭﺇﺑﺮﺍﺯﺍً ﻟﺮﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ. ﻭﻗﺪ ﺧﻠﻘﻪ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﺄﻟﻢ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺤﺼﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﺘﻠﺬﺫ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ، ﺇﻇﻬﺎﺭﺍً ﻟﻠﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﻷﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ. ﻓﺄﺑﺪﻋﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﻣﺎﻛﻨﺔ ﻋﺠﻴﺒﺔ ﺗﺤﻮﻱ ﻣﺌﺎﺕ ﺍﻵﻻﺕ ﻭﺍﻟﺪﻭﺍﻟﻴﺐ، ﻟﻜﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺁﻻﻣﻬﺎ ﻭﻟﺬﺍﺋﺬﻫﺎ ﻭﻣﻬﻤﺘﻬﺎ ﻭﺛﻮﺍﺑﻬﺎ ﻭﺟﺰﺍﺅﻫﺎ، ﻓﻜﺄﻥ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻛﺒﻴﺮ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﺃﻛﺜﺮُﻫﺎ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻋﺎﻟﻢ ﺃﺻﻐﺮ، ﻭﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺭ ﻧﺎﻓﻌﺔ -ﻛﺎﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻠﺬﺍﺋﺬ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ- ﺗﺪﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻭﺗﺴﻮﻕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺎﻛﻨﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻮﻇﺎﺋﻔﻬﺎ ﻣﻦ ﻋﺪﺓ ﺟﻬﺎﺕ، ﺣﺘﻰ ﻳﻐﺪﻭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﻛﺄﻧﻪ ﻣﺎﻛﻨﺔ ﺷﻜﺮ. ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻭﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﻭﺍﻵﻻﻡ ﻭﺳﺎﺋﺮ ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻬﻴﺠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺮﻛﺔ، ﺗﺴﻮﻕ ﺍﻟﺪﻭﺍﻟﻴﺐَ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﺎﻛﻨﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻭﺗﺜﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﻣﻜﻤﻨﻬﺎ ﻓﺘﻔﺠّﺮ ﻛﻨﻮﺯَ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍﻟﻀﻌﻒ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﺍﻟﻤﻨﺪﺭﺟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ. ﻓﻼ ﺗﻤﻨﺢ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ ﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺎﺭﺉ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﻭﺍﺣﺪ، ﺑﻞ ﺗﺠﻌﻠﻪ ﻳﻠﺘﺠﺊ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻳﺴﺘﻐﻴﺜﻪ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﻛﻞ ﻋﻀﻮ ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺋﻪ. ﻭﻛﺄﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻌﻠﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﺭﺽ ﻳﻐﺪﻭ ﻗﻠﻤﺎً ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺁﻻﻑ ﺍﻷﻗﻼﻡ، ﻓﻴﻜﺘﺐ ﻣﻘﺪّﺭﺍﺕ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺻﺤﻴﻔﺔ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻮﺡ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻲ، ﻭﻳﻨﺴﺞ ﻟﻮﺣﺔً ﺭﺍﺋﻌﺔ ﻟﻸﺳﻤﺎﺀ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻭﻳﺼﺒﺢ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﻋﺼﻤﺎﺀ ﻭﻟﻮﺣﺔ ﺇﻋﻼﻥ.. ﻓﻴﺆﺩﻱ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﻓﻄﺮﺗﻪ.

اللمعة الأولى

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ:87)

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ:83)

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ:129)

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:173)

 (ﻻ ﺣﻮﻝَ ﻭﻻ ﻗﻮﺓَ ﺇﻟّﺎ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌَﻠﻲِّ ﺍﻟﻌَﻈﻴﻢِ)

(ﻳﺎ ﺑَﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒَﺎﻗﻲ.. ﻳﺎ ﺑَﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ)

 ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (ﻓﺼﻠﺖ:٤٤)

    ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ «ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺤﺎﺩﻱ ﻭﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻦ» ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺳﺖ ﻟﻤﻌﺎﺕ ﺗﺒﻴﻦ ﻛﻞٌّ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﻮﺭﺍً ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﺭٍ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻟﻠﻜﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻘﺮﺍﺀﺗﻬﺎ ﺛﻼﺛﺎً ﻭﺛﻼﺛﻴﻦ ﻣﺮﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻭﻗﺖ ﻓﻀﺎﺋﻞُ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﻭﺍﻟﻌﺸﺎﺀ.

   ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ

ﺇﻥَّ ﻣﻨﺎﺟﺎﺓ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺘّﻰ -ﻋﻠﻰ ﻧﺒﻴﻨﺎ ﻭﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ- ﻫﻲ ﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﻭﺃﺭﻭﻋِﻬﺎ، ﻭﻣﻦ ﺃﺑﻠﻎِ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻭﻗﺒﻮﻟﻪ.

ﺗﺘﻠﺨﺺ ﻗﺼﺘُﻪ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﺑﺄﻧﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻗﺪ ﺃُﻟﻘﻲَ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻓﺎﻟﺘﻘﻤﻪ ﺍﻟﺤﻮﺕُ، ﻭﻏﺸﻴَﺘْﻪ ﺃﻣﻮﺍﺝُ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻬﺎﺋﺠﺔُ، ﻭﺃﺳﺪﻝ ﺍﻟﻠﻴﻞُ ﺍﻟﺒﻬﻴﻢ ﺳﺘﺎﺭَﻩ ﺍﻟﻤﻈﻠﻢَ ﻋﻠﻴﻪ. ﻓﺪﺍﻫَﻤَﺘﻪ ﺍﻟﺮﻫﺒﺔُ ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﺍﻧﻘﻄﻌﺖ ﺃﻣﺎﻣَﻪ ﺃﺳﺒﺎﺏُ ﺍﻟﺮﺟﺎﺀ ﻭﺍﻧﺴﺪﺕ ﺃﺑﻮﺍﺏُ ﺍﻷﻣﻞ.. ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻤﻨﺎﺟﺎﺗﻪ ﺍﻟﺮﻗﻴﻘﺔ ﻭﺗﻀﺮﻋﻪ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﺍﻟﺰﻛﻲ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ:87) ﻳُﺼﺒﺢ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻭﺍﺳﻄﺔَ ﻧﺠﺎﺓ ﻭﻭﺳﻴﻠﺔ ﺧﻼﺹ.

ﻭﺳﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻫﻮ ﺃﻥَّ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻗﺪ ﻫَﻮﺕ ﻛﻠﻴﺎً ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻤﺮﻋﺐ، ﻭﺳﻘﻄﺖ ﻧﻬﺎﺋﻴﺎً ﻓﻠﻢ ﺗﺤﺮّﻙ ﺳﺎﻛﻨﺎً ﻭﻟﻢ ﺗﺘﺮﻙ ﺃﺛﺮﺍً، ﺫﻟﻚ ﻷﻥَّ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﺬﻩ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ، ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻨﻔُﺬُ ﻗﺪﺭﺗُﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻮﺕ، ﻭﺗﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻭﺗﺴﺘﻮﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻭﺟﻮّ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ؛ ﺣﻴﺚ ﺇﻥَّ ﻛﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﺍﻟﺤﺎﻟﻚ ﻭﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻬﺎﺋﺞ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ ﻗﺪ ﺍﺗﻔﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﻘﻀﺎﺽ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻼ ﻳُﻨﺠﻴﻪ ﺳﺒﺐٌ، ﻭﻻ ﻳﺨﻠّﺼﻪ ﺃﺣﺪٌ، ﻭﻻ ﻳﻮﺻﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺳﺎﺣﻞ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺑﺄﻣﺎﻥ، ﺇﻟّﺎ ﻣَﻦ ﺑﻴﺪﻩ ﻣﻘﺎﻟﻴﺪ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻭﺯﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ ﻣﻌﺎً، ﻭﻣَﻦ ﻳﺴﺨّﺮ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﺗﺤﺖ ﺃﻣﺮﻩ.. ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻠﻖُ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ﺗﺤﺖ ﺧﺪﻣﺘﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺭﻫﻦ ﺇﺷﺎﺭﺗﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻟﺮﻫﻴﺐ، ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻨﻔﻌﻮﻧﻪ ﺑﺸﻲﺀ!.

ﺃﺟﻞ ﻻ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻟﻸﺳﺒﺎﺏ ﻗﻂ.. ﻓﻤﺎ ﺇﻥ ﺭﺃﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺃﻟّﺎ ﻣﻠﺠﺄ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻩ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﻠﻮﺍﺫ ﺇﻟﻰ ﻛﻨﻒ ﻣﺴﺒّﺐ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ، ﺍﻧﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﺳﺮُّ ﺍﻷﺣﺪﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺴﺎﻃﻊ، ﺣﺘﻰ ﺳﺨّﺮﺕْ ﻟﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓُ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﺍﻟﻠﻴﻞَ ﻭﺍﻟﺒﺤﺮَ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕَ ﻣﻌﺎً، ﺑﻞ ﺗﺤﻮّﻝ ﻟﻪ ﺑﻨﻮﺭ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﺑﻄﻦُ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﺍﻟﻤﻈﻠﻢ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺟﻮﻑَ ﻏﻮﺍﺻﺔ ﺃﻣﻴﻨﺔ ﻫﺎﺩﺋﺔ ﺗﺴﻴﺮ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺤﺮُ ﺍﻟﻬﺎﺋﺞ ﺑﺎﻷﻣﻮﺍﺝ ﺍﻟﻤﺘﻼﻃﻤﺔ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺍﻟﻤﺘﻨﺰّﻩ ﺍﻵﻣﻦ ﺍﻟﻬﺎﺩﺉ، ﻭﺍﻧﻘﺸﻌﺖ ﺍﻟﻐﻴﻮﻡُ ﻋﻦ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ -ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ- ﻭﻛﺸﻒ ﺍﻟﻘﻤﺮُ ﻋﻦ ﻭﺟﻬﻪ ﺍﻟﻤﻨﻴﺮ ﻛﺄﻧﻪ ﻣﺼﺒﺎﺡ ﻭﺿﻲﺀ ﻳﺘﺪﻟﻰ ﻓﻮﻕ ﺭﺃﺳﻪ..

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻏﺪﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕُ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻬﺪّﺩﻩ ﻭﺗُﺮﻋﺒﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺻﻮﺏٍ ﻭﺗﻀﻴّﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺨﻨﺎﻕ، ﻏﺪﺕ ﺍﻵﻥ ﺗُﺴﻔﺮ ﻟﻪ ﻋﻦ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺼﺪﺍﻗﺔ، ﻭﺗﺘﻘﺮﺏ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺎﻟﻮﺩّ ﻭﺍﻟﺤﻨﺎﻥ، ﺣﺘﻰ ﺧﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﺷﺎﻃﺊ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﻭﺷﺎﻫﺪَ ﻟُﻄﻒ ﺍﻟﺮﺏ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﺗﺤﺖ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﻴَﻘﻄﻴﻦ.

ﻓﻠﻨﻨﻈﺮ ﺑﻨﻮﺭ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ.. ﻓﻨﺤﻦ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﻣﺨﻴﻒ ﻭﻣﺮﻋﺐ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ:

ﻟﻴﻠَﻨﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﻴّﻢ ﻋﻠﻴﻨﺎ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ.. ﻓﻤﺴﺘﻘﺒﻠُﻨﺎ ﺇﺫﺍ ﻧﻈﺮﻧﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻳﺒﺪﻭ ﻣﻈﻠﻤﺎً ﻣﺨﻴﻔﺎً، ﺑﻞ ﻫﻮ ﺃﺣﻠﻚ ﻇﻼﻣﺎً ﻭﺃﺷﺪ ﻋﺘﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺑﻤﺎﺋﺔ ﻣﺮﺓ.

ﻭﺑﺤﺮَﻧﺎ، ﻫﻮ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ، ﻓﻜﻞ ﻣﻮﺟﺔ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﺝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺘﻼﻃﻢ ﺗﺤﻤﻞ ﺁﻻﻑ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﺰ، ﻓﻬﻮ ﺇﺫﻥ ﺑﺤﺮ ﻣﺮﻋﺐ ﺭﻫﻴﺐ ﺑﻤﺎﺋﺔ ﺿﻌﻒ ﺭﻫﺒﺔ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺃُﻟﻘﻲ ﻓﻴﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ.

ﻭﺣﻮﺗَﻨﺎ، ﻫﻮ ﻣﺎ ﻧﺤﻤﻠﻪ ﻣﻦ ﻧﻔﺲ ﺃﻣﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ، ﻓﻬﻲ ﺣﻮﺕ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻠﺘﻘﻢ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﺍﻷﺑﺪﻳﺔ ﻭﻳَﻤﺤَﻘَﻬﺎ. ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻮﺕُ ﺃﺷﺪ ﺿﺮﺍﻭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺑﺘﻠﻊ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ؛ ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﻘﻀﻲ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﻣﺪُﻫﺎ ﻣﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺣﻮﺗُﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺇﻓﻨﺎﺀ ﻣﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻼﻳﻴﻦ ﻣﻦ ﺳﻨﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺧﺎﻟﺪﺓ ﻫﻨﻴﺌﺔ ﺭﻏﻴﺪﺓ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﻫﺬﻩ ﺣﻘﻴﻘﺔَ ﻭﺿﻌﻨﺎ، ﻓﻤﺎ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺇﺫﻥ ﺇﻟّﺎ ﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺀ ﺑﺴﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺍﻟﺴﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﻫﺪﻳﻪ، ﻣُﻌﺮﺿﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺟﻤﻴﻌﺎً، ﻣُﻘﺒﻠﻴﻦ ﻛﻠﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻨﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺴﺒّﺐ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻣﺘﻮﺟﻬﻴﻦ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﻘﻠﻮﺑﻨﺎ ﻭﺟﻮﺍﺭﺣﻨﺎ، ﻣﻠﺘﺠﺌﻴﻦ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻗﺎﺋﻠﻴﻦ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﻣﺪﺭﻛﻴﻦ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺃﻥْ ﻗﺪ ﺍﺋﺘﻤﺮ ﻋﻠﻴﻨﺎ -ﺑﺴﺒﺐ ﻏﻔﻠﺘﻨﺎ ﻭﺿﻼﻟﻨﺎ- ﻣﺴﺘﻘﺒﻠُﻨﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺗﻘﺒﻨﺎ، ﻭﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻤﻨﺎ، ﻭﻧﻔﻮﺳُﻨﺎ ﺍﻷﻣّﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻴﻦ ﺟﻨﺒﻴﻨﺎ، ﻣﻮﻗﻨﻴﻦ ﻛﺬﻟﻚ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﺃﻥ ﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﺎ ﻣﺨﺎﻭﻑَ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺃﻭﻫﺎﻣﻪ، ﻭﻻ ﻳﺰﻳﻞ ﻋﻨﺎ ﺃﻫﻮﺍﻝ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻣﺼﺎﺋﺒﻬﺎ، ﻭﻻ ﻳُﺒﻌﺪ ﻋﻨﺎ ﺃﺿﺮﺍﺭ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻷﻣّﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ ﻭﺩﺳﺎﺋﺴﻬﺎ، ﺇﻟّﺎ ﻣَﻦ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞُ ﺗﺤﺖ ﺃﻣﺮﻩ، ﻭﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺗﺤﺖ ﺣُﻜﻤﻪ، ﻭﺃﻧﻔﺴُﻨﺎ ﺗﺤﺖ ﺇﺩﺍﺭﺗﻪ.

ﺗُﺮﻯ ﻣَﻦ ﻏﻴﺮُ ﺧﺎﻟﻖ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺿﻴﻦ ﻳﻌﺮﻑ ﺧﻠﺠﺎﺕ ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ، ﻭﻣَﻦ ﻏَﻴﺮُﻩ ﻳﻌﻠﻢ ﺧﻔﺎﻳﺎ ﺻﺪﻭﺭﻧﺎ، ﻭﻣَﻦ ﻏَﻴﺮُﻩ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻟﻨﺎ ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻭﻣَﻦ ﻏﻴﺮُﻩ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﺬﻧﺎ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺃﻟﻮﻑ ﺃﻣﻮﺍﺝ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻤﺘﻼﻃﻤﺔ ﺑﺎﻷﺣﺪﺍﺙ؟!. ﺣﺎﺵَ ﻟﻠﻪ ﻭﻛﻠّﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻨﺎ ﻣﻨﺞٍ ﻏﻴﺮُﻩ ﻭﻣﺨﻠّﺺٌ ﺳﻮﺍﻩ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻮﻻ ﺇﺭﺍﺩﺗُﻪ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﻭﻟﻮﻻ ﺃﻣﺮُﻩ ﺍﻟﻤﻬﻴﻤﻦ ﻟَﻤﺎ ﺗﻤﻜّﻦ ﺷﻲﺀٌ ﺃﻳﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻭﻛﻴﻔﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻤﺪ ﻳﺪَﻩ ﻟﻴﻐﻴﺚ ﺃﺣﺪﺍً ﺑﺸﻲﺀ!.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﻫﺬﻩ ﺣﻘﻴﻘﺔَ ﻭﺿﻌﻨﺎ ﻓﻤﺎ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﻧﺮﻓﻊ ﺃﻛﻒّ ﺍﻟﻀﺮﺍﻋﺔ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﺘﻮﺳﻠﻴﻦ، ﻣﺴﺘﻌﻄﻔﻴﻦ ﻧﻈﺮَ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﺇﻟﻴﻨﺎ، ﺇﻗﺘﺪﺍﺀً ﺑﺴﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺨّﺮﺕ ﺍﻟﺤﻮﺕَ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻛﺄﻧﻪ ﻏﻮﺍﺻﺔ ﺗﺴﻴﺮ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻭﺣﻮّﻟﺖ ﺍﻟﺒﺤﺮَ ﻣﺘﻨﺰّﻩٍ ﺟﻤﻴﻞٍ، ﻭﺃﻟﺒَﺴﺖ ﺍﻟﻠﻴﻞَ ﺟﻠﺒﺎﺏ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﻮﺿﻲﺀ ﺑﺎﻟﺒﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﻃﻊ. ﻓﻨﻘﻮﻝ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.. ﻓﻨﻠﻔﺖ ﺑﻬﺎ ﻧﻈﺮَ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻨﺎ ﺑﻘﻮﻟﻨﺎ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ ﻭﻧﻠﻔﺘﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﺑﻜﻠﻤﺔ: ﴿ﺳُﺒْﺤﺎﻧَﻚَ﴾ ﻭﻧﺮﺟﻮﻫﺎ ﺃﻥ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﻭﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﺑﺠﻤﻠﺔ: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﻛﻲ ﻳﻌﻢّ ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻨﺎ ﻧﻮﺭ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺿﻴﺎﺀ ﺑﺪﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﻳﻨﻘﻠﺐ ﺭﻋﺐُ ﻟﻴﻠﻨﺎ ﻭﺩﻫﺸﺘُﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﻦ ﺍﻷﻧﺲ ﻭﻃﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﺍﻟﺒﻬﺠﺔ. ﻭﻟﺘﻨﺘﻬﻲ ﻣﻬﻤﺔُ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﻭﻧﺨﺘﺘﻢ ﻭﻇﻴﻔﺘَﻬﺎ ﺑﺎﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺷﺎﻃﺊ ﺍﻷﻣﻦ ﻭﺍﻷﻣﺎﻥ ﺩﺧﻮﻻ ﻓﻲ ﺭﺣﺎﺏ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﺃﻋﺪّﻫﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻓﻨﺒﺤﺮ ﺑﻬﺎ ﻋﺒﺎﺏ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻓﻮﻕ ﺃﻣﻮﺍﺝ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ ﻭﺍﻟﻘﺮﻭﻥ ﺍﻟﺤﺎﻣﻠﺔ ﻟﺠﻨﺎﺋﺰ ﻻ ﻳﺤﺼﺮﻫﺎ ﺍﻟﻌﺪ، ﻭﻳﻘﺬﻓﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺑﺘﺒﺪﻝ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺗﻨﺎﻭﺑﻬﻤﺎ ﺍﻟﺪﺍﺋﺒﻴﻦ ﻓﻲ ﺩﻧﻴﺎﻧﺎ ﻭﺃﺭﺿﻨﺎ. ﻓﻨﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺍﻟﺮﻫﻴﺐ ﺑﻤﻨﻈﺎﺭ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺒﺎﻫﺮ، ﻭﺇﺫﺍ ﻫﻮ ﻣﻨﺎﻇﺮ ﻣﺘﺒﺪّﻟﺔ، ﻣﺘﺠﺪﺩﺓ، ﻳُﺤَﻮِّﻝ ﺗﺠﺪُّﺩُﻫﺎ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺣﺸﺔ ﺍﻟﺮﻫﻴﺒﺔ ﺍﻟﻨﺎﺑﻌﺔ ﻣﻦ ﻫﺒﻮﺏ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻒ ﻭﺣﺪﻭﺙ ﺍﻟﺰﻻﺯﻝ ﻟﻠﺒﺤﺮ ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺮٍ ﺗﻘْﻄﺮ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻌﺒﺮﺓُ، ﻭﻳﺒﻌﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻠﻪ. ﻓﺘﺴﺘﻀﻲﺀ ﻭﺗﺘﺄﻟﻖ ﺑﺒﻬﺠﺔِ ﺍﻟﺘﺠﺪﺩ ﻭﻟﻄﺎﻓﺔِ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪ. ﻓﻼ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻧﻔﻮﺳُﻨﺎ ﺍﻷﻣّﺎﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻗﻬﺮﻧﺎ، ﺑﻞ ﻧﻜﻮﻥ ﻧﺤﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻧﻘﻬﺮُﻫﺎ ﺑﻤﺎ ﻣﻨَﺤﻨﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴﺮ ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ، ﺑﻞ ﻧﻤﺘﻄﻴﻬﺎ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﺒﺜﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ. ﻓﺘُﺼﺒِﺢ ﺍﻟﻨﻔﺲُ ﺍﻷﻣّﺎﺭﺓ ﻃﻮﻉَ ﺇﺭﺍﺩﺗﻨﺎ، ﻭﺗﻐﺪﻭ ﻭﺳﻴﻠﺔً ﻧﺎﻓﻌﺔ ﻭﻭﺳﺎﻃﺔَ ﺧﻴﺮ ﻟﻠﻔﻮﺯ ﺑﺤﻴﺎﺓ ﺧﺎﻟﺪﺓ.

  اﻟﺨﻼﺻﺔ: ﺇﻥَّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻳﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻤّﻰ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻛﻤﺎ ﻳﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ ﺯﻟﺰﻟﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﻫﺰّﺍﺗﻬﺎ، ﻭﻳﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ ﺯﻟﺰﺍﻝ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻋﻨﺪ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ. ﻭﻳﺨﺎﻑ ﻣﻦ ﺟﺮﺛﻮﻣﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻛﻤﺎ ﻳﺨﺎﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺬﻧﺒﺎﺕ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻷﺟﺮﺍﻡ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ. ﻭﻳﺤﺐ ﺑﻴﺘَﻪ ﻭﻳﺄﻧﺲ ﺑﻪ ﻛﻤﺎ ﻳﺤﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ. ﻭﻳﻬﻮﻯ ﺣﺪﻳﻘﺘﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﻭﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﺸﺘﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ ﻭﻳﺘﻮﻕ ﺇﻟﻴﻬﺎ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻡ ﺃﻣﺮُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻼ ﻣﻌﺒﻮﺩَ ﻟﻪ ﻭﻻ ﺭﺏَّ ﻭﻻ ﻣﻮﻟﻰ ﻭﻻ ﻣﻨﺠﻰً ﻭﻻ ﻣﻠﺠﺄ ﺇﻟّﺎ ﻣَﻦ ﺑﻴﺪﻩ ﻣﻘﺎﻟﻴﺪُ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﻭﺯﻣﺎﻡ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﺠﺮﺍﺕ، ﻭﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﺗﺤﺖ ﺣُﻜﻤﻪ، ﻃﻮﻉَ ﺃﻣﺮﻩ.. ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﻣﺎﺳﺔ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺭﺋﻪ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﺘﻀﺮﻉ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻗﺘﺪﺍﺀً ﺑﺴﻴﺪﻧﺎ ﻳﻮﻧﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ. ﻓﻴﻘﻮﻝ:

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

نوى الحقائق

ﻧﻮﻯ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ

«ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﻴﺔ»

  ﺗﻮﺿﻴﺢ

ﻣﻨﺬ ﻣﺪﺓ ﻭﻋﻤﻲ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ «ﺑﺪﻳﻊ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ» ﻻ ﻳﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﻋﻘﻼ ﺑﻞ ﻗﻠﺒﺎً. ﻭﻣﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻪ ﻳﻤﻠﻴﻪ ﻋﻠﻲّ ﻭﻳﻘﻮﻝ: «ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻠﺐ، ﻓﻠﻮ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺣﺪَﻩ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣِﻠﻚ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ». ﻭﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ: «ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﻟﻴﺴﺖ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻭﺣﺪﻫﺎ، ﺑﻞ ﻣﺎ ﺍﺗﺨﺬﺗﻪ ﻭﺟﺪﺍﻧﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺲٍ ﻟﺒﻌﺾ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮ ﻗﻠﺒﻴﺔ». ﻭﻗﺪ ﺃﻣﺮﻧﻲ: «ﺍﻧﺘﺨِﺐ ﻣﺎ ﻳﺮﻭﻕ ﻟﻚ ﻣﻤﺎ ﺳﻨﺢ ﻟﻘﻠﺒﻲ». ﻓﺄﻧﺎ ﺑﺪﻭﺭﻱ ﺍﻗﺘﻄﻔﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺁﺛﺎﺭﻩ ﺍﻵﺗﻴﺔ:

ﻧﻘﻄﺔ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﻞ ﺟﻼﻟﻪ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻹﻋﺠﺎﺯ ﻓﻲ ﻣﻈﺎﻥ ﺍﻹﻳﺠﺎﺯ -ﺳﻨﻮﺣﺎﺕ -ﺷﻌﺎﻋﺎﺕ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻨﺒﻲ صلى الله عليه وسلم -ﺭﻣﻮﺯ -ﻃﻠﻮﻋﺎﺕ -ﻣﺤﺎﻛﻤﺎﺕ -ﻣﻨﺎﻇﺮﺍﺕ -ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ -ﻗﺰﻝ ﺇﻳﺠﺎﺯ.

 ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ

  (ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺍﻟﻤﻄﺒﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﻣﻄﺒﻌﺔ ﺍﻷﻭﻗﺎﻑ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺑﺎﺳﺘﺎﻧﺒﻮﻝ ﺳﻨﺔ 1337)


 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ﺍَﻟْﺤَﻤْﺪُ ﻟﻠﻪ ﺭَﺏِّ ﺍﻟْﻌَﺎﻟَﻤِﻴﻦَ ﻭَﺍﻟﺼَّﻠَﺎﺓُ ﻭَﺍﻟﺴَّﻠَﺎﻡُ ﻋَﻠَﻰ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪٍ ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺁﻟِﻪِ ﻭَﺻَﺤْﺒِﻪِ ﺃَﺟْﻤَﻌِﻴﻦَ.

  • ﻋﺼﺮٌ ﻣﺮﻳﺾ، ﻭﻋﻨﺼﺮٌ ﺳﻘﻴﻢ، ﻭﻋﻀﻮ ﻋﻠﻴﻞ، ﻭَﺻﻔَﺘُﻪ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﺗّﺒﺎﻉ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ.
  • ﻗﺎﺭﺓ ﺷﺎﺳﻌﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ، ﺭﺩﻳﺌﺔ ﺍﻟﻄﺎﻟﻊ.. ﺩﻭﻟﺔ ﻣﺸﻬﻮﺭﺓٌ ﻋﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻤﺠﺪ، ﺳﻴﺌﺔُ ﺍﻟﺤﻆ.. ﺃﻣﺔٌ ﻋﺰﻳﺰﺓ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭ، ﺑﻼ ﺭﺍﺋﺪ.. ﻭَﺻﻔﺘُﻬﺎ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﻗﺒﻀﺔً ﻗﻮﻳﺔ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﻬﺎ ﺣﻤﻞَ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻭﺍﻟﺸﻤﻮﺱ ﻭﺗﺤﺮﻳﻜﻬﺎ ﻛﺤﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﺒﺤﺔ، ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺇﺩﻋﺎﺀ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻹﻳﺠﺎﺩ؛ ﺇﺫ ﻛﻞُّ ﺷﻲﺀ ﻣﺮﺑﻮﻁ ﺑﻐﻴﺮﻩ.
  • ﺇﻥَّ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﺟﻤﻴﻊ ﺫﻭﻱ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﻻ ﻳﺜﻘﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﺜﻘﻞ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺇﺣﻴﺎﺀُ ﺣﺸﺮﺓٍ ﻭﺇﻧﺸﺎﺅﻫﺎ ﺑﻌﺪ ﺳﺒﺎﺕ ﻋﻤﻴﻖ ﻃﻮﺍﻝ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ ﺑﻤﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺍﻟﻤﻮﺕ؛ ﻷﻥ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺫﺍﺗﻴﺔ، ﻻ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﻗﻄﻌﺎً، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺨﻠﻠﻬﺎ ﺍﻟﻌﺠﺰُ،ﻭﻻ ﺗﺘﺪﺍﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﻮﺍﺋﻖُ، ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﻣﻄﻠﻘﺎً، ﻭﻛﻞُّ ﺷﻲﺀ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺳﻮﺍﺀٌ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﻠﻖ ﻋﻴﻦَ ﺍﻟﺒﻌﻮﺿﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﺃﻳﻀﺎً.
  • ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻧﻈّﻢ ﻣﻌﺪﺓ ﺍﻟﺒﺮﻏﻮﺙ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﻈّﻢ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﺸﻤﺴﻴﺔ ﺃﻳﻀﺎً.
  • ﺇﻥَّ ﻓﻲ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺇﻋﺠﺎﺯﺍً ﺑﺎﻫﺮﺍً، ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻮ ﻓﺮﺿﻨﺎ -ﻓﺮﺿﺎً ﻣﺤﺎﻻ- ﺃﻥ ﻛﻞ ﺳﺒﺐ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻓﺎﻋﻞٌ ﻣﺨﺘﺎﺭٌ، ﻣﻘﺘﺪﺭٌ، ﻟﺴﺠَﺪَﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺟﻤﻴﻌُﻬﺎ -ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺠﺰ- ﺃﻣﺎﻡ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻋﺠﺎﺯ، ﻗﺎﺋﻠﺔ: [ﺳﺒﺤﺎﻧﻚ.. ﻻ ﻗﺪﺭﺓ ﻟﻨﺎ.. ﺇﻧﻚ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ].
  • ﺇﻥَّ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻟﻢ ﺗُﻤﻨﺢ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮَ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ.. ﻫﻜﺬﺍ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﻭﺍﻟﺠﻼﻝ. ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻗﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺳﺘﺎﺭﺍً ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻱ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤُﻠﻚ.. ﻫﻜﺬﺍ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﻌﺰﺓ ﻭﺍﻟﻌﻈﻤﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﻟﺌﻼ ﺗُﺮﻯ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻳﺪُ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻣﺒﺎﺷِﺮﺓً ﻟﻸﻣﻮﺭ ﺍﻟﺨﺴﻴﺴﺔ ﻓﻲ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤُﻠﻚ.
  • ﺇﻥَّ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺤﻞ ﺗﻌﻠّﻖ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﺷﻔﺎﻓﺔٌ ﻧﺰﻳﻬﺔٌ.
  • ﺇﻥَّ ﻋﺎﻟﻢَ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺳﺘﺎﺭٌ ﻣُﺰَﺭﻛﺶ ﻣُﻠﻘﻰ ﻋﻠﻰ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ.
  • ﻳﻠﺰﻡ ﻹﻳﺠﺎﺩ ﻧﻘﻄﺔ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ، ﻗﺪﺭﺓٌ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺇﻳﺠﺎﺩَ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻛﻠﻪ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻛﻞَّ ﺣﺮﻑ ﻣﻦ ﺣﺮﻭﻑ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ -ﻻﺳﻴﻤﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺫﺍ ﺣﻴﺎﺓ- ﻟﻪ ﻭﺟﻪٌ ﻧﺎﻇﺮ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺟﻤﻠﺔٍ ﻣﻦ ﺟﻤﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﻟﻪ ﻋﻴﻦٌ ﺷﺎﺧﺼﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ.
  • ﻟﻘﺪ ﺍﺷﺘﻬﺮﺕ ﺣﺎﺩﺛﺔ: ﺃﻧﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺮﺍﻗﺒﻮﻥ ﻫﻼﻝ ﺍﻟﻌﻴﺪ، ﻭﻟﻢ ﻳﺮﻩ ﺃﺣﺪ، ﺇﺫﺍ ﺑﺸﻴﺦ ﻫَﺮِﻡ ﻳﺤﻠﻒ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﻬﻼﻝ، ﺛﻢ ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻣﺎ ﺭﺁﻩ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﻼﻻ ﺑﻞ ﺷﻌﺮﺓٌ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻣﻘﻮﺳﺔ ﻗﺪ ﺗﺪﻟﺖ ﻣﻦ ﺣﺎﺟﺒﻪ ﻓﺄﻳﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻼﻝ؟ ﻭﺃﻳﻦ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﻣﻦ ﻓﺎﻋﻞ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ؟
  • ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔُ ﻣﻄﺒﻌﺔٌ ﻣﺜﺎﻟﻴﺔ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻃﺎﺑﻌﺔً، ﻧﻘﺶٌ ﻻ ﻧﻘّﺎﺵ، ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻼﻧﻔﻌﺎﻝ ﻻ ﻓﺎﻋﻠﺔ، ﻣِﺴﻄﺮَ ﻻ ﻣَﺼﺪﺭ، ﻧﻈﺎﻡ ﻻ ﻧﻈّﺎﻡ، ﻗﺎﻧﻮﻥ ﻻ ﻗﺪﺭﺓ، ﺷﺮﻳﻌﺔ ﺇﺭﺍﺩﻳﺔ ﻻ ﺣﻘﻴﻘﺔٌ ﺧﺎﺭﺟﻴﺔ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻻﻧﺠﺬﺍﺏَ ﻭﺍﻟﺠﺬﺑﺔ ﺍﻟﻤﻐﺮﻭﺯﻳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ -ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻓﻄﺮﺓٌ ﺫﺍﺕ ﺷﻌﻮﺭ- ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ ﻣﻦ ﺟﺬﺑﺔٍ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺟﺬﺍﺑﺔ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓَ ﻻ ﺗﻜﺬﺏ، ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﻣﻴﻼﻥٌ ﻟﻠﻨﻤﻮ، ﺇﺫﺍ ﻗﺎﻝ: ﺳﺄﻧﺒﺖ، ﺳﺄُﺛﻤﺮ، ﻓﻬﻮ ﺻﺎﺩﻕ. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﻀﺔ ﻣﻴﻼﻥٌ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ، ﺇﺫﺍ ﻗﺎﻝ: ﺳﺄﻛﻮﻥ ﻓﺮﺧﺎً، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﻫﻮ ﺻﺎﺩﻕ، ﻭﺇﺫﺍ ﻗﺎﻝ ﻣﻴﻼﻥُ ﺍﻟﺘﺠﻤﺪ ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺔ ﻣﻦ ﻣﺎﺀ: ﺳﺄﺣﺘﻞ ﻣﻜﺎﻧﺎً ﺃﻭﺳﻊ ﻓﻼ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪُ -ﺭﻏﻢ ﺻﻼﺑﺘﻪ- ﺃﻥ ﻳﻜﺬّﺑﻪ. ﺑﻞ ﺇﻥّ ﺻِﺪﻕَ ﻗﻮﻟِﻪ ﻳﻔﺘّﺖ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪ، ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻴﻮﻝ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻦ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻷﺯﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﺮﻙ ﺍﻟﻨﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺃﻣﻴﺮ ﻭﺍﻟﻨﺤﻞَ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻳﻌﺴﻮﺏ، ﻻ ﺗﺘﺮﻙ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻧﺒﻲ ﺃﻳﻀﺎً، ﻭﺇﻥَّ ﺍﻧﺸﻘﺎﻕَ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻌﺠﺰﺓٌ ﺃﺣﻤﺪﻳﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ، ﻓﺎﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺃﻳﻀﺎً ﻣﻌﺠﺰﺓ ﺃﺣﻤﺪﻳﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﻟﻠﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻴﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ. ﻭﻗﺪ ﺃُﺛﺒﺘﺖ ﻭﻻﻳﺔُ ﻧﺒﻮﺗﻪ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺒﺎﻫﺮﺓ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺷﺨﺼﻴﺘُﻪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻗﺔ ﻛﺎﻟﺸﻌﻠﺔ ﺍﻟﻮﺿّﺎﺀﺓ ﻛﺎﻟﺒﺮﻕ ﻭﺍﻟﺒﺪﺭ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ.
  • ﺇﻥَّ ﻛﻠﻤﺘَﻲ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺷﺎﻫﺪﺗﺎﻥ ﺇﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺧﺮﻯ. ﻓﺎﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺑﺮﻫﺎﻥ ﻟﻤّﻲ ﻟﻠﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺑﺮﻫﺎﻥ ﺇﻧّﻲ ﻟﻸﻭﻟﻰ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻧﻮﻉٌ ﻣﻦ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺜﺮﺓ، ﻟﺬﺍ ﻓﻬﻲ ﺗﺪﻓﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ، ﻓﺎﻟﺤﻴﺎﺓُ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﻲﺀَ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻣﺎﻟﻜﺎً ﻟﻜﻞ ﺷﻲﺀ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﻭﺡَ ﻗﺎﻧﻮﻥٌ ﺫﻭ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﺎﺭﺟﻲ، ﻭﻧﺎﻣﻮﺱٌ ﺫﻭ ﺷﻌﻮﺭ، ﻭﻫﻮ ﺁﺕٍ ﻣﻦ ﻋﺎﻟَﻢ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺻﻔﺔِ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ، ﻛﺎﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺍﻟﺪﺍﺋﻤﺔ. ﻭﻗﺪ ﻛﺴَﺘْﻪ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓُ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩَ ﺍﻟﺤﺴﻲ، ﻭﺟﻌﻠﺖْ ﺳﻴﺎﻟﺔً ﻟﻄﻴﻔﺔ ﺻَﺪَﻓَﺔً ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ. ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﺃﺥٌ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻝ. ﻛﻼﻫﻤﺎ ﺩﺍﺋﻤﻲ ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ ﺁﺕٍ ﻣﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻷﻣﺮ. ﻭﻟﻮ ﺃَﻟﺒﺴﺖ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓُ ﺍﻷﺯﻟﻴﺔ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦَ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ ﻭﺟﻮﺩﺍً ﺧﺎﺭﺟﻴﺎً ﻷﺻﺒﺤﺖ ﺭﻭﺣﺎً، ﻭﻟﻮ ﻃﺮﺡَ ﺍﻟﺮﻭﺡُ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭَ، ﻷﺻﺒﺢ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﻻ ﻳﻤﻮﺕ ﺃﻳﻀﺎً.
  • ﺇﻧَّﻤﺎ ﺗُﺸﺎﻫَﺪ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺑﺎﻟﻀﻴﺎﺀ، ﻭﻳُﻌﺮﻑ ﻭﺟﻮﺩُ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻓﻜﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻛﺸّﺎﻑ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﻨﺼﺮﺍﻧﻴﺔ ﺳﻮﻑ ﺗُﻠﻘﻲ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﻭﺗﺴﺘﺴﻠﻢ ﻟﻺﺳﻼﻡ ﺳﻮﺍﺀً ﺑﺎﻻﻧﻄﻔﺎﺀ ﺃﻭ ﺑﺎﻻﺻﻄﻔﺎﺀ، ﻓﻠﻘﺪ ﺗﻤﺰﻗﺖ ﺍﻟﻨﺼﺮﺍﻧﻴﺔ ﻋﺪﺓ ﻣﺮﺍﺕ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺮﻭﺗﺴﺘﺎﻧﻴﺔ. ﻭﺗﻤﺰﻗﺖ ﺍﻟﺒﺮﻭﺗﺴﺘﺎﻧﻴﺔ ﻓﺎﻗﺘﺮﺑﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻭﻫﻲ ﺗﺘﻬﻴﺄ ﻟﻠﺘﻤﺰّﻕ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ. ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻨﻄﻔﺊ ﻭﻳﻨﺘﻬﻲ ﺃﻣﺮُﻫﺎ، ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﺠﺪ ﺗﺠﺎﻫﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖَ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻷﺳﺲ ﺍﻟﻨﺼﺮﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺤﻘّﺔ ﻭﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ، ﻓﺘﺴﺘﺴﻠﻢ. ﻭﻗﺪ ﺃﺷﺎﺭ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮّ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺑﺄﻧﻪ: ﺳﻴﻨﺰﻝ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ ﻭﻳﻌﻤﻞ ﺑﺸﺮﻳﻌﺘﻲ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻮﻕ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺗّﺒﺎﻉ ﻭﺍﻣﺘﺜﺎﻝ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﺤﻠﻰ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭُ ﻣﻦ ﻗﺪﺳﻴﺔ، ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺪﺳﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻓﻊُ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻧﻘﻴﺎﺩ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﺒﺮﻫﺎﻥ ﻭﻣﺘﺎﻧﺔ ﺍﻟﺤﺠﺔ.
  • ﺇﻥَّ ﺗﺴﻌﻴﻦ ﺑﺎﻟﻤﺎﺋﺔ ﻣﻦ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺴﻠّﻤﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ- ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻋﻤﻮﺩٌ ﻣﻦ ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﺗﻤﺜّﻞ ﻋﺸﺮﺓ ﺑﺎﻟﻤﺎﺋﺔ ﻓﻘﻂ. ﻭﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺗﺴﻌﻮﻥ ﻋﻤﻮﺩﺍً ﻣﻦ ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ ﺗﺤﺖ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﻋﺸﺮﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻦ ﺫﻫﺐ، ﻓﺎﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﻭﻣﻨﺎﻇﻴﺮ ﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺣُﺠُﺒﺎً ﻭﻇﻼﻻ ﻭﺑﺪﻳﻼ ﻋﻨﻪ.
  • ﻛﻞُّ ﻣَﻦ ﻳﻤﻠﻚ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍً ﻟﻼﺟﺘﻬﺎﺩ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺠﺘﻬﺪَ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺸﺮّﻉ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻱ ﻓﻜﺮ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﻮﻃﺔٌ ﺑﻘﺒﻮﻝ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻟﻬﺎ ﻭﺇﻟّﺎ ﻓﻬﻲ ﺑﺪﻋﺔ، ﻣﺮﺩﻭﺩﺓ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻜﻮﻧﻪ ﻣﻜﺮَّﻣﺎً ﻓﻄﺮﺓً ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﺩﻭﻣﺎً، ﻭﺃﺛﻨﺎﺀ ﺑﺤﺜﻪ ﻳﻌﺜﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻓﻴُﺨﻔﻴﻪ ﻓﻲ ﺻﺪﺭﻩ ﻭﻳﺤﻔﻈﻪ، ﻭﻗﺪ ﻳﻘﻊ ﺍﻟﻀﻼﻝُ -ﺑﻼ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻣﻨﻪ- ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺳﻪ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺗﻨﻘﻴﺒﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻓﻴﻈﻨﻪ ﺣﻘﺎً، ﻓﻴﻠﺒﺴﻪ ﻛﺎﻟﻘﻠﻨﺴﻮﺓ.
  • ﺇﻥَّ ﻟﻠﻘﺪﺭﺓ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً، ﻛﻞٌّ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﺷﻒّ ﻭﺃﻟﻄﻒُ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺮﻯ. ﻭﻫﻲ ﺗﺘﻨﻮﻉ، ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ، ﻭﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺛﻴﺮ، ﻭﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ، ﻭﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﺑﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮ.

ﻓﻔﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﺗﺼﺒﺢ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔُ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ. ﻓﺈﻥ ﻗﻠﻢَ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻳﺴﺘﻨﺴﺦ ﺳﺮّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺠﻴﺐ. ﺇﻥَّ ﺍﻻﻧﻌﻜﺎﺱ ﺇﻣﺎ ﻳﺤﻮﻱ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﺃﻭ ﻳﺤﻮﻱ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ. ﺇﻥَّ ﺗﻤﺎﺛﻴﻞ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ -ﺃﻱ ﺻﻮﺭﻫﺎ- ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺃﻣﻮﺍﺕ ﻣﺘﺤﺮﻛﺔ، ﺃﻣﺎ ﺗﻤﺎﺛﻴﻞُ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻳﺎﻫﺎ ﻓﺤﻴّﺔٌ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺇﻥْ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻋﻴﻨُﻬﺎ ﻓﻠﻴﺴﺖ ﻏﻴﺮَﻫﺎ.

  • ﺇﺫﺍ ﺍﻧﺘﻔﻀﺖ ﺍﻟﺸﻤﺲُ ﺑﺤﺮﻛﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻳﺔ، ﻓﻼ ﺗﺴﻘﻂ ﺛﻤﺎﺭُﻫﺎ، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻨﺘﻔﺾ ﻓﺈﻥ ﺛﻤﺎﺭﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺗﺴﻘﻂ ﻭﺗﺘﻔﺮﻕ.
  • ﺇﻥَّ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻇﻼﻡٌ ﻳُﻔَﺠﺮ ﻇُﻠﻤﺎً ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﻮﻫﺞ ﺑﻀﻴﺎﺀ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﻳﻤﺘﺰﺝ ﺑﻪ. ﻓﻜﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻤﺘﺰﺝ ﻧﻬﺎﺭُ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭ ﺑﻠﻴﻠﻬﺎ ﺍﻷﺳﻮﺩ (حاشية) ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺑﻴﺎﺽ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﺸﺒﻴﻪ ﺑﺎﻟﻨﻬﺎﺭ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻊ ﺳﻮﺍﺩ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﺸﺒﻴﻪ ﺑﺎﻟﻠﻴﻞ ﻓﻼ ﺗُﺒﺼﺮ ﺍﻟﻌﻴﻦ. ﻓﻼ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﺼﺮﺍً، ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﺑﺼﻴﺮﺓ ﻟﻔﻜﺮﺓ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺳُﻮﻳﺪﺍﺀ ﺍﻟﻘﻠﺐ.
  • ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺇﺫﻋﺎﻥ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻓﻬﻮ ﺟﻬﻞ، ﻷﻥ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺷﻲﺀ ﻭﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ.
  • ﺇﻥَّ ﺗﺼﻮﻳﺮ ﺍﻷﺑﺎﻃﻴﻞ ﺗﺼﻮﻳﺮﺍً ﺟﻴﺪﺍً ﺇﺿﻼﻝٌ ﻟﻸﺫﻫﺎﻥ ﺍﻟﺼﺎﻓﻴﺔ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﻌﺎﻟِﻢ ﺍﻟﻤﺮﺷﺪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻛﺎﻟﺸﺎﺓ ﻻ ﻛﺎﻟﻄﻴﺮ. ﻓﺎﻟﺸﺎﺓ ﺗُﻄﻌِﻢ ﺑَﻬْﻤَﺘﻬﺎ ﺍﻟﻠﺒﻦ ﻭﺍﻟﻄﻴﺮ ﺗﻠﻘﻢ ﻓﺮﺍﺧﻬﺎ ﺍﻟﻘﻲﺀ.
  • ﺇﻥَّ ﻭﺟﻮﺩ ﺷﻲﺀٍ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺟﺰﺍﺋﻪ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻋﺪﻣُﻪ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺟﺰﺀٍ ﻣﻨﻪ، ﻟﺬﺍ ﻳﻤﻴﻞ ﺍﻟﺸﺨﺺُ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺨﺮﻳﺐ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﻗﺪﺭﺗﻪ، ﻓﻴﺮﺗﻜﺐ ﺃﻋﻤﺎﻻ ﺳﻠﺒﻴﺔ ﺗﺨﺮﻳﺒﻴﺔ ﺑﺪﻝ ﺃﻓﻌﺎﻝٍ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﺗﻌﻤﻴﺮﻳﺔ.
  • ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﺗﻤﺘﺰﺝ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮُ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻊ ﻧﻮﺍﻣﻴﺲ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﻟﻢ ﺗﻤﺘﺰﺝ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦُ ﺍﻟﺤﻖ ﻣﻊ ﺭﻭﺍﺑﻂ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻓﻠﻦ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺜﻤﺮﺓً ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ.
  • ﻟﻘﺪ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺳﻪ ﻗﻠﻨﺴﻮﺓَ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﻟﺒﺴﺖ ﺍﻟﺨﻴﺎﻧﺔُ ﺭﺩﺍﺀَ ﺍﻟﺤَﻤﻴﺔ ﻭﺃُﻃﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﺒﻐﻲ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺮ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺗﺒﺎﺩﻟﺖ ﺍﻷﺿﺪﺍﺩُ ﺻُﻮَﺭَﻫﺎ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻊ ﻭﺣﺶٌ ﺭﻫﻴﺐ.
  • ﺇﻥَّ ﺍﻟﺘﻮﺩﺩ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺶ ﺟﺎﺋﻊ ﻻ ﻳﺜﻴﺮ ﺷﻔﻘﺘﻪ ﺑﻞ ﻳﺜﻴﺮ ﺷﻬﻴَّﺘﻪ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻳﻄﺎﻟﺐ ﺑﺄﺟﺮﺓ ﺃﻧﻴﺎﺑﻪ ﻭﺃﻇﻔﺎﺭﻩ.
  • ﻟﻘﺪ ﺃﻇﻬﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥُ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﺭﺧﻴﺼﺔ ﻭﺃﻥَّ ﺟﻬﻨﻢ ﺃﻳﻀﺎً ﻟﻴﺴﺖ ﺯﺍﺋﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ.
  • ﻗﺪ ﺻﺎﺭﺕ ﻣﺰﻳﺔُ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ ﺍﻟﺘﻮﺍﺿﻊ ﻭﺍﻟﺘﺮﺍﺣﻢ ﺳﺒﺒﺎً ﻟﻠﺘﻜﺒﺮّ ﻭﺍﻟﻐﺮﻭﺭ، ﻭﺻﺎﺭ ﻋﺠﺰُ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ ﻭﻓﻘﺮُ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﺍﻟﻤﺴﺘﺜﻴﺮﺍﻥ ﻟﻠﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﻥ ﺳﺒﺒﺎً ﻷﺳﺎﺭﺗﻬﻢ ﻭﺳﻔﺎﻟﺘﻬﻢ.
  • ﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺷﻲﺀ ﻣﺎ ﻣﺤﺎﺳﻦُ ﻭﺷﺮﻑٌ ﻓﺴﺮﻋﺎﻥ ﻣﺎ ﻳُﻬﺪﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﻭﻳُﻨﺴَﺐ ﺇﻟﻴﻬﻢ. ﺃﻣﺎ ﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﺳﻴﺌﺎﺕ ﻓﻴﻠﺼﻘﻮﻫﺎ ﺑﺎﻟﻌﻮﺍﻡ ﻭﻳﻨﺴﺒﻮﻫﺎ ﺇﻟﻴﻬﻢ.
  • ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻟﻠﻔﻜﺮ ﻏﺎﻳﺔ ﻭﻣﺜﻞٌ ﻋﻠﻴﺎ، ﺃﻭ ﻧُﺴﻴَﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ، ﺃﻭ ﺗﻨﻮﺳﻴﺖ ﺗﺤﻮﻟﺖ ﺍﻷﺫﻫﺎﻥ ﺇﻟﻰ «ﺃﻧﺎ» ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻭﺩﺍﺭﺕ ﺣﻮﻟﻬﺎ.
  • ﻟﻮ ﺗﺄﻣﻠﺖَ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﻭﺉ ﺟﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻟﺮﺃﻳﺖ: ﺃﺱ ﺃﺳﺎﺱ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﺧﺘﻼﻻﺗﻬﺎ ﻭﻓﺴﺎﺩﻫﺎ، ﻭﻣﻨﺒﻊ ﻛﻞ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺮﺫﻳﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻛﻠﻤﺘﺎﻥ ﻓﻘﻂ:

  ﺇﺣﺪﺍﻫﻤﺎ: ﺇﻥ ﺷﺒﻌﺖُ ﻓﻼ ﻋﻠﻲّ ﺃﻥ ﻳﻤﻮﺕ ﻏﻴﺮﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ.

ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺍﻛﺘﺴﺐ ﺃﻧﺖَ ﻵﻛﻞ ﺃﻧﺎ، ﻭﺍﺗﻌﺐْ ﺃﻧﺖ ﻷﺳﺘﺮﻳﺢ ﺃﻧﺎ.

ﻭﺍﻟﻘﺎﻃﻊ ﻟﻌﺮﻕ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ «ﺍﻟﺰﻛﺎﺓ». ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺄﺻﻞُ ﻭﺍﻟﺪﻭﺍﺀ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ «ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎ».

ﺇﻥَّ ﻋﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺗﺼﻴﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺑﺎ: ﻣﻤﻨﻮﻉ، ﻻ ﻳﺤﻖ ﻟﻚ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ! ﺇﻥَّ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻟﻤﺎ ﻟﻢ ﺗﺼﻎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺗﻠﻘّﺖ ﺻﻔﻌﺔ ﻗﻮﻳﺔ. ﻭﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﺗُﺼﻐﻲ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺘﻠﻘﻰ ﺻﻔﻌﺔ ﺃﻗﻮﻯ ﻭﺃﻣﺮّ.

    •  ﺇﻥَّ ﺣﺮﻭﺏَ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻭﺍﻟﺸﻌﻮﺏ -ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﻌﻀﺎً- ﺳﺘﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ﺳﺎﺣﺘﻬﺎ ﻟﺘﺤﻞ ﻣﺤﻠَّﻬﺎ ﺣﺮﻭﺏُ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ؛ ﻷﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﺮﺿﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﺳﻴﺮﺍً ﻻ ﻳﺮﺿﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﺟﻴﺮﺍً ﺃﻳﻀﺎً.
    •  ﺇﻥَّ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻠﻚ ﺇﻟﻰ ﻣﻘﺼﺪ ﻃﺮﻳﻘﺎً ﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ، ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﺎ ﻳﻌﺎﻗَﺐ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ، ﻓﺈﻥَّ ﺟﺰﺍﺀ ﻣﺤﺒﺔٍ ﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ -ﻛﻤﺤﺒﺔ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ- ﻫﻲ ﻋﺪﺍﺀ ﻏﺎﺩﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ.
    •  ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﺑﻨﻈﺮ «ﺍﻟﻘﺪﺭ» ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ «ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ» ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺍﻟﺘﻜﻠﻴﻒ، ﻓﺎﻟﺠﺒﺮ ﻭﺍﻻﻋﺘﺰﺍﻝ ﻳﺘﺼﺎﻟﺤﺎﻥ ﻫﻨﺎ.
    •  ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺣﻠُّﻪ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺰﻉ ﻓﻴﻤﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻋﻼﺟﻪ.
    • ﺇﻥَّ ﺟﺮﺍﺡ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺗﻠﺘﺌﻢ، ﺑﻴﺪ ﺃﻥ ﺟﺮﺍﺣﺎﺕ ﺍﻟﻌﺰﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺷﺮﻑ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﺳﻴﺎﺩﺗﻬﺎ ﻏﺎﺋﺮﺓ ﺟﺪﺍً.
    • ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺯﻣﺎﻥٌ؛ ﺗﺴﺒّﺐ ﻓﻴﻪ ﻛﻠﻤﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺗﻮﺭﻳﻂ ﺟﻴﺶ ﻛﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻭﻃﻠﻘﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺇﺑﺎﺩﺓ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻧﺴﻤﺔ. (حاشية) ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻃﻠﻘﺔ ﺟﻨﺪﻱ ﺃﻃﻠﻘﺖ ﻋﻠﻰ ﻭﻟﻲ ﻋﻬﺪ ﺍﻟﻨﻤﺴﺎ ﺳﺒﺒﺎً ﻓﻲ ﺇﺷﻌﺎﻝ ﻧﺎﺭ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﺫﻫﺐ ﺿﺤﻴﺘﻬﺎ ﺛﻼﺛﻮﻥ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻧﺴﻤﺔ. ﻭﺳﺘﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺃﺣﻮﺍﻝ: ﺣﺮﻛﺔٌ ﺑﺴﻴﻄﺔ -ﻋﻨﺪﺋﺬ- ﺗﺴﻤﻮ ﺑﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻋﻠﻰ ﻋﻠﻴﻴﻦ.. ﻭﻓﻌﻞٌ ﺻﻐﻴﺮ ﻳُﺮﺩﻳﻪ ﻓﻲ ﺍﺳﻔﻞ ﺳﺎﻓﻠﻴﻦ.
    • ﺇﻥَّ ﺣﺒﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺻﺪﻕٍ ﺗﺒﻴﺪ ﺑﻴﺪﺭﺍً ﻣﻦ ﺍﻷﻛﺎﺫﻳﺐ، ﻭﺇﻥ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﺑﻴﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺎﻻﺕ. ﻋﻠﻴﻚ ﺃﻥْ ﺗﺼﺪُﻕ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﺘﻜﻠﻤﻪ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﺻﻮﺍﺑﺎً ﺃﻥْ ﺗﻘﻮﻝ ﻛﻞ ﺻﺪﻕ؛ [ﺇﺫ ﻻ ﻳﻠﺰﻡ ﻣﻦ ﻟﺰﻭﻡِ ﺻﺪﻕ ﻛﻞ ﻗﻮﻝٍ ، ﻗﻮﻝُ ﻛﻞ ﺻﺪﻕ].

المكتوب الثالث والثلاثون

  ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ

  ﺭﺳﺎﻟﺔ (ﺍﻟﻨﻮﺍﻓﺬ) ﺍﻟﻤﻄﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ. ﻧﺸﺮﺕ ﺿﻤﻦ (ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ)، ﻭﻟﻢ ﺗﺪﺭﺝ ﻫﻨﺎ.

المكتوب الحادي والثلاثون

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺤﺎﺩﻱ ﻭﺍﻟﺜـلاﺛﻮﻥ

  ﻭﻗﺪ ﺍﻧﻘﺴﻢ ﺇﻟﻰ ﺇﺣﺪﻯ ﻭﺛـلاﺛﻴﻦ ﻟﻤﻌﺔ ﺿﻤّﺖ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ (ﺍﻟﻠﻤﻌﺎﺕ).

المكتوب التاسع والعشرون

هـﺫﺍ «ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ» ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺗﺴﻌﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ، ﻫﻮ ﺍلأﻭﻝ ﻣﻨﻪ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺗﺴﻊ ﻧﻜﺎﺕ.

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

  ﺃﺧﻲ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﻮﻓﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ، ﻭﺻﺎﺣﺒﻲ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﺍﻟﺠﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ!

ﺇﻧﻜﻢ ﺗﻄﻠﺒﻮﻥ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﻟﺘﻜﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺓ، ﺟﻮﺍﺑﺎً ﻋﻦ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﻬﻤﺔ، لا ﻳﺴﻤﺢ ﺑﻪ ﻭﻗﺘﻲ ﻭﺃﺣﻮﺍﻟﻲ.

ﺃﺧﻲ! ﻟﻘﺪ ﺍﺯﺩﺍﺩ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻨﺔ، ﻋﺪﺩُ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻜﺘﺒﻮﻥ «ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ» ﻭﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ. ﻭﻳﺄﺗﻲ ﺇﻟﻲّ ﺍﻟﺘﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﺎﻧﺸﻐﻞ ﺑﻪ، ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺳﺮﻳﻌﺔ ﻃﻮﺍﻝ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻟﺬﺍ ﻳﺘﺄﺧﺮ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺭﻱ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ، ﺇﺫ ﺃﺭﻯ ﺃﻥَّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﺃﻫﻢّ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺷﻬﺮﻱ ﺷﻌﺒﺎﻥ ﻭﺭﻣﻀﺎﻥ، ﺣﻴﺚ ﻟﻠﻘﻠﺐ ﺣﻆ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻭﻳﺸﺮﻉ ﺍﻟﺮﻭﺡُ ﺑﺎﻟﺤﺮﻛﺔ. ﻟﻬﺬﺍ ﺃﺅﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﻭﻗﺖ ﺁﺧﺮ ﺑﻤﺸﻴﺌﺔ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﻤﺘﻰ ﻣﺎ ﺳﻨﺢ ﻟﻠﻘﻠﺐ ﺷﻲﺀٌ ﺑﻔﻀﻞ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﺃﻛﺘﺒﻪ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً.

ﻭﺍلآﻥ ﺃﺑﻴﻦ ﺛـلاﺙ ﻧﻜﺎﺕ (حاشية) ﻭﺃﺧﻴﺮﺍً ﺗﻤﺖ ﻓﻲ ﺗﺴﻊ ﻧﻜﺎﺕ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ

«لا ﺗُﻌﺮﻑ ﺃﺳﺮﺍﺭُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻣﻌﺮﻓﺔً ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻭﻟﻢ ﻳُﺪﺭﻙ ﺍﻟﻤﻔﺴﺮﻭﻥ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ». ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﻟﻪ ﻭﺟﻬﺎﻥ. ﻭﺍﻟﻘﺎﺋﻠﻮﻥ ﺑﻪ ﻃﺎﺋﻔﺘﺎﻥ:

  ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ: ﻫﻢ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺘﺪﻗﻴﻖ. ﻓﻬﻢ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻛﻨﺰ ﻋﻈﻴﻢ لا ﻳﻨﻔﺪ، ﻭﺇﻥ ﻛﻞ ﻋﺼﺮ ﻳﺄﺧﺬ ﺣﻈَّﻪ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻘﻪ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﺘﺘﻤﺎﺕ، ﻣﻊ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺑﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻣُﺤﻜﻤﺎﺗﻪ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺃﻥْ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﻳﻤﺲ ﻣﺎ ﺧﻔﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻣﻦ ﺣﻆ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﺍلأﺧﺮﻯ.

ﻭﺣﻘﺎً ﺇﻥَّ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺗﺘﻮﺿﺢ ﺃﻛﺜﺮ ﻛﻠﻤﺎ ﻣﻀﻰ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ. ﻭلا ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﺑﺪﺍً ﺇﻟﻘﺎﺀَ ﻇﻞِّ ﺍﻟﺸﺒﻬﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺑﻴّﻨﻪ ﺍﻟﺴﻠﻒ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، لأﻧﻬﺎ ﻧﺼﻮﺹ ﻗﺎﻃﻌﺔ ﻭﺃُﺳﺲٌ ﻭﺃﺭﻛﺎﻥ لاﺑﺪ ﻣﻦ ﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﺑﻬﺎ. ﻭﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:

﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (ﺍﻟﻨﺤﻞ:103) ﻳﻮﺿﺢ ﺃﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﺿﺢ ﻣﺒﻴﻦ. ﻓﺎﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍلإﻟﻬﻲ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮﻩ ﻳﺪﻭﺭ ﺣﻮﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﻳﻘﻮّﻳﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﺠﻌﻠَﻬﺎ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﺒﺪﺍﻫﺔ. ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺭﻓﺾ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻨﺼﻮﺹ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺗﻜﺬﻳﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ (ﺣﺎﺵ ﻟﻠﻪ) ﻭﺇﻟﻰ ﺗﺰﻳﻴﻒ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم (ﺣﺎﺷﺎﻩ). ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥَّ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻨﺼﻮﺹ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻗﺪ ﺃُﺳﺘُﻘﻴﺖ ﻣﻦ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﺴﻨﺪﺓ ﻣﺘﺴﻠﺴﻠﺔ. ﺣﺘﻰ ﺇﻥ «ﺍﺑﻦَ ﺟﺮﻳﺮ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ» ﻗﺪ ﺃﻟّﻒ ﺗﻔﺴﻴﺮﻩ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻣﺴﻨِﺪﺍً ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ.

ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﻭﻫﻢ ﺃﺻﺪﻗﺎﺀٌ ﺣﻤﻘﻰ، ﻳُﻔﺴﺪﻭﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﻳُﺼﻠﺤﻮﻥ، ﺃﻭ ﺃﻧﻬﻢ ﺃﻋﺪﺍﺀٌ ﺫﻭﻭ ﺩﻫﺎﺀ ﺷﻴﻄﺎﻧﻲ، ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﺪَّﻭﺍ ﻟـلأﺣﻜﺎﻡ ﺍلإﺳـلاﻣﻴﺔ ﻭﻳﻌﺎﺭﺿﻮﺍ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻭﻳﺤﺎﻭﻟﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﺠﺪﻭﺍ ﻣﻨﻔﺬﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻮﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺳُﻮﺭٌ ﻓﻮلاﺫﻱ ﻟﺤﺼﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ -ﺣﺴﺐ ﺗﻌﺒﻴﺮﻛﻢ- ﻓﻬﺆلاﺀ ﻳﺸﻴﻌﻮﻥ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻗﻮﺍﻝ ﻟﻴﻠﻘﻮﺍ ﺍﻟﺸﺒﻬﺎﺕ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ (ﺣَﺎﺵَ ﻟﻠﻪ).

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﻟﻘﺪ ﺃﻗﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍلأﺷﻴﺎﺀ. ﻭﻓﻲ ﺍلأﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻧﻜﺎﺕ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺟﺪﺍً ﻭﺃﺳﺮﺍﺭ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً:

ﻣﻨﻬﺎ: ﺃﻥ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﻓﻲ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (ﺍﻟﺸﻤﺲ:١) ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻛﻘﺼﺮ ﻋﻈﻴﻢ ﻭﻣﺪﻳﻨﺔ ﻋﺎﻣﺮﺓ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺳﺎﺱ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ ﺍﻟﺮﺍﺋﻊ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺤﺎﺩﻳﺔ ﻋﺸﺮﺓ».

ﻭﻣﻨﻬﺎ: ﺍﻟﻘَﺴﻢ ﻓﻲ ﴿ﻳﺲ ٭ ﻭﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ﴾ (ﻳﺲ:١-٢) ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﻪ ﻗﺪﺳﻴﺔ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﺃﻧﻪ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺍلأﻫﻤﻴﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﻳُﻘﺴَﻢ ﺑﻪ.

ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﻓﻲ ﴿ﻭﺍﻟﻨﺠﻢ ﺍﺫﺍ ﻫﻮﻯ﴾ (ﺍﻟﻨﺠﻢ:١) ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻋـلاﻣﺔٌ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ ﺍلأﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻦ ﻭﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻣﻨﻌﺎً ﻟﻮﺭﻭﺩ ﺷﺒﻬﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺣﻲ ﺍلإﻟﻬﻲ. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﺴَﻢ ﻓﻲ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ:75-76)  ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﻌﻈﻤﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﻗﻌﻬﺎ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﻡ ﻣﻊ ﺿﺨﺎﻣﺘﻬﺎ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ، ﻭﺗﺪﻭﻳﺮ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺠﺴﻴﻤﺔ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ.

ﻭﻳﺬﻛّﺮ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﻓﻲ ﴿ﻭﺍﻟﺬﺍﺭﻳﺎﺕ﴾ ﻭﻓﻲ ﴿ﻭﺍﻟﻤﺮﺳـلاﺕ﴾ ﺑﺎﻟﺤِﻜَﻢ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﺗﻤﻮّﺟﺎﺕ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﺗﺼﺮﻳﻒ ﺍﻟﺮﻳﺎﺡ، ﺇﺫ ﻳﻘﺴﻢ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﺎﻟﻤـلاﺋﻜﺔ ﺍﻟﻤﺄﻣﻮﺭﻳﻦ ﺑﻮﻇﻴﻔﺔ ﺗﺼﺮﻳﻒ ﺍﻟﺮﻳﺎﺡ، ﻓﻴﻠﻔﺖ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍلأﻣﻮﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗُﻈﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺠﺮﻱ ﻣﺼﺎﺩﻓﺔً ﺗﻨﻔّﺬ ﺣِﻜَﻤﺎً ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﺗﺆﺩﻱ ﻭﻇﺎﺋﻒَ ﺟﻠﻴﻠﺔً.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻠﻜﻞ ﻣﻮﻗﻊ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﻧﻜﺘﺘﻪ ﺍﻟﺒﻠﻴﻐﺔ ﻭﻓﺎﺋﺪﺗﻪ. ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻮﻗﺖ لا ﻳﺴﻤﺢ ﻟﻨﺎ ﺑﺎﻟﺘﻔﺼﻴﻞ، ﻓﺴﻨﺸﻴﺮ ﺇﺷﺎﺭﺓً ﻣﺠﻤﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﻧﻜﺘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻜﺎﺕ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻀﻤﻨُﻬﺎ ﺍﻟﻘَﺴَﻢ ﻓﻲ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (ﺍﻟﺘﻴﻦ:١) ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﺎﻟﻘﺴَﻢ ﺑﺎﻟﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﺰﻳﺘﻮﻥ ﻋﻈﻤﺔَ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝَ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﻋﻈﻴﻢَ ﻧﻌﻤﺘﻪ، ﻓﻴﺼﺮﻑُ ﻭﺟﻪَ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺘﺮﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﻔﻞِ ﺳﺎﻓﻠﻴﻦ ﻭﻳﺤﻮّﻟﻪ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺮﺩﻱ ﻭﺍﻟﻬﺎﻭﻳﺔ، ﻣﺸﻴﺮﺍً ﺇﻟﻴﻪ ﺃﻧﻪ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ ﺃﻥ ﻳﻨﺎﻝ ﻣﺮﺍﺗﺐَ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔً ﺭﻓﻴﻌﺔ، ﺑﻞ ﻳﺘﺮﻗﻰ ﺇﻟﻰ ﺃﻋﻠﻰ ﻋﻠﻴﻴﻦ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍلإﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ.

ﺃﻣﺎ ﺗﺨﺼﻴﺺ ﺍﻟﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﺰﻳﺘﻮﻥ ﺑﺎﻟﻘَﺴَﻢ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍلأﺧﺮﻯ، ﻓﻬﻮ:

ﺇﻥَّ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻔﺎﻛﻬﺘﻴﻦ ﻧﺎﻓﻌﺘﺎﻥ ﻣﺒﺎﺭﻛﺘﺎﻥ.. ﻭﺃﻥَّ ﻓﻲ ﺧﻠﻘِﻬﻤﺎ ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻧﻌَﻢ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻳﺒﻌﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤـلاﺣﻈﺔ، لأﻥَّ ﺍﻟﺰﻳﺘﻮﻥ ﻳﺸﻜّﻞ ﺃﺳﺎﺳﺎً ﻣﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻳﺔ، ﻭﻓﻲ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ، ﻭﻓﻲ ﺗﻐﺬﻳﺔ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ. ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﺘﻴﻦ ﻣﺎ ﻳﺒﻴﻦ ﻣﻌﺠﺰﺓً ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ، ﻛﺪﺭﺝ ﺃﺟﻬﺰﺓ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﺘﻴﻦ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻭﺿﻤّﻬﺎ ﻓﻲ ﺑُﺬﻳﺮﺓ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻐﺮ. ﻛﻤﺎ ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﺎﻟﻘَﺴﻢ ﺑﻪ، ﺑﺎﻟﻨِﻌَﻢ ﺍلإﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﻃﻌﻤﻪ، ﻭﻓﻲ ﻣﻨﺎﻓﻌﻪ، ﻭﻓﻲ ﺩﻭﺍﻣﻪ، ﺧـلاﻑ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﺮﺷﺪ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ -ﺇﺯﺍﺀ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻌﻢ- ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﺤُﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺮﺩّﻳﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﻔﻞ ﺳﺎﻓﻠﻴﻦ، ﺑﺎلإﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﻘﻄّﻌﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺃﻭﺍﺋﻞ ﺍﻟﺴﻮﺭ، ﺷﻔﺮﺍﺕٌ ﺇﻟﻬﻴﺔ، ﻳﻌﻄﻲ ﺑﻬﺎ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﻌﺾ ﺍلإﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺪﻩ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭﻣﻔﺘﺎﺡُ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻔﺮﺓ، ﻟﺪﻯ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭﻟﺪﻯ ﻭﺭﺛﺘﻪ.

ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻳﺨﺎﻃﺐ ﺟﻤﻴﻊَ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻭﻗﺖ ﻭﺣﻴﻦ. ﻓﻬﻮ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﻆَّ ﻛﻞ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻋﺼﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ. ﻭﺃﻥ ﺃﺻﻔﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﻫﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻴّﻨﻬﺎ ﺍﻟﺴﻠﻒُ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﺑﻴﺎﻧﺎً ﻭﺍﺿﺤﺎً. ﻭﻗﺪ ﻭﺟﺪ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻮﻥ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕِ ﻣﻌﺎﻣـلاﺕٍ ﻏﻴﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﻄﻌﺎﺕ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ.

ﻭﻗﺪ ﺑﺤﺜﻨﺎ ﻧﺒﺬﺓً ﻋﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﻄﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ «ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍلإﻋﺠﺎﺯ» ﻓﻲ ﺃﻭﺍﺋﻞ ﺗﻔﺴﻴﺮ «ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ» ﻓﻠﻴﺮﺍﺟَﻊ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ

ﻟﻘﺪ ﺃﺛﺒﺘﺖ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ»، ﺃﻧﻪ لا ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺮﺟﻤﺔُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺗﺮﺟﻤﺔً ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭلا ﻳﻤﻜﻦ ﻗﻄﻌﺎً ﺗﺮﺟﻤﺔ ﺃﺳﻠﻮﺑﻪ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻓﻲ ﺇﻋﺠﺎﺯﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ. ﻭﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺔ ﺟﺪﺍً ﺇﻓﻬﺎﻡ ﺍﻟﺬﻭﻕ، ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺍﻟﻨﺎﺑﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍلأﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻓﻲ ﺇﻋﺠﺎﺯﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺸﻴﺮ ﻟﻠﺪلاﻟﺔ ﻓﺤﺴﺐ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﺔ ﺃﻭ ﺟﻬﺘﻴﻦ ﻣﻨﻪ. ﻭﺫﻟﻚ: ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (ﺍﻟﺮﻭﻡ:٢٢)

 ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (ﺍﻟﺰﻣﺮ:67)

﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ (ﺍﻟﺰﻣﺮ:٦)

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (ﺍلأﻋﺮﺍﻑ:54)

 ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (ﺍلأﻧﻔﺎﻝ:24)

 ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (ﺳﺒﺄ:٣)

 ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (ﺍﻟﺤﺪﻳﺪ:٦)

  ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ ﺗﻀﻊ ﻧﺼﺐَ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﺗﺼﻮﺭَ ﺣﻘﻴﻘﺔِ ﺍﻟﺨﻠّﺎﻗﻴﺔ، ﻓﻲ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺭﻓﻴﻊ ﻣﻌﺠﺰ ﻭﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺧﺎﺭﻕ ﺑﺪﻳﻊ. ﺇﺫ ﻳﺒﻴﻦ ﺃﻥَّ ﺻﺎﻧﻊَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺑﺎﻧﻲَ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﻤﻜّﻦ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﻗﻌﻬﻤﺎ، ﻳﻤﻜّﻦ ﺍﻟﺬﺭﺍﺕ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺿﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﺑﺆﺑﺆ ﻋﻴﻦ ﺍلأﺣﻴﺎﺀ ﻣﺜـلا، ﻓﻴﻤﻜّﻦ ﻛـلا ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻌﻬﺎ ﺑﺎلآﻟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ.. ﻭﺇﻧﻪ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﻨﻈﻢ ﺍﻟﺴّﻤﺎﻭﺍﺕ ﻃﺒﺎﻗﺎً ﻭﻳﻔﺘﺤﻬﺎ ﺃﺑﻮﺍﺑﺎً ﻭﻳﻨﺴﻘﻬﺎ ﺗﻨﺴﻴﻘﺎً، ﻳﻨﻈّﻢ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﻭﻳﻔﺘﺢ ﺃﻏﻄﻴﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﻤﻴﺰﺍﻥ ﺑﺎلأﺩﺍﺓ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻭﺍلآﻟﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ.. ﻭﺇﻧﻪ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺴﻤّﺮ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ، ﻳﻨﻘّﺶ ﻣﺎ لا ﻳﺤﺪ ﻣﻦ ﻧﻘﺎﻁ ﺍﻟﻌـلاﻣﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﺭﻗﺔ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻭﻳﺸﻖ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱَّ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻨﺔ، ﺑﺂﻟﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ.

ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥَّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ لأﺟﻞ ﺇﺭﺍﺀﺓ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻣﻞﺀَ ﺍﻟﺒﺼﺮ ﻭﺍﻟﺴﻤﻊ ﻭﺇﻇﻬﺎﺭ ﻣﺒﺎﺷﺮﺗﻪ ﺃﻓﻌﺎﻟَﻪ؛ ﻳﻄﺮﻕ ﺑﻜﻠﻤﺔٍ ﻣﻦ ﺁﻳﺎﺗﻪ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻃﺮﻗﺔً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺭﺓ ﻓﻴﺜﺒﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻌﻬﺎ، ﻭﻳﻄﺮﻕ ﺑﻜﻠﻤﺔٍ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﻦ ﺍلآﻳﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻃﺮﻗﺔً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﻳﺜﺒﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰﻫﺎ، ﻓﻴﺒﻴّﻦ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﻧﻴﺔَ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺍلأﺣﺪﻳﺔ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺠـلاﻝ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻌﻈﻤﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺨﻔﺎﺀ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺴﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺪﻗﺔ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻬﻴﺒﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺒُﻌﺪ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻘﺮﺏ. ﺃﻱ ﻳُﻈﻬِﺮُ ﺃﺑﻌﺪَ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺟﻤﻊ ﺍلأﺿﺪﺍﺩ -ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻌﺪّ ﻣﺤﺎلا- ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ، ﻣﺜﺒﺘﺎً ﺫﻟﻚ ﺑﺄﺑﻠﻎ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻭﺃﺭﻓﻌﻪ.

ﻭﻫﺬﺍ ﺍلأﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﺨﻀِﻊ ﺭﻗﺎﺏَ ﻓﻄﺎﺣﻞ ﺍلأﺩﺑﺎﺀ ﻓﻴﺨﺮّﻭﻥ ﻟﺒـلاﻏﺘﻪ ﺳُﺠّﺪﺍً.

ﻭﻣﺜـلًا؛ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (ﺍﻟﺮﻭﻡ:25).

ﺗﺒﻴّﻦ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻋﻈﻤﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻋﺎﻝٍ ﺭﻓﻴﻊ. ﻭﺫﻟﻚ:

ﺃﻥَّ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍلأﺭﺽ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻣﻌﺴﻜﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺃﺗﻢ ﻃﺎﻋﺔ ﻭﺍﻧﻘﻴﺎﺩ، ﻭﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﺛﻜﻨﺔ ﻟﺠﻴﺸﻴﻦ ﻋﻈﻴﻤﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺃﺗﻢ ﻧﻈﺎﻡ ﻭﺍﻧﺘﻈﺎﻡ. ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺭﺍﻗﺪﺓ ﺗﺤﺖ ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻭﺳﺘﺎﺭ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺗﻤﺘﺜﻞ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﺗﺎﻣﺔ ﻭﻃﺎﻋﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﺃﻣﺮﺍً ﻭﺍﺣﺪﺍً ﺃﻭ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﻣﻦ ﻧﻔﺦٍ ﻓﻲ ﺻُﻮﺭ، ﻟﺘﺨﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﻭﺍلاﻣﺘﺤﺎﻥ.. ﻓﺎﻧﻈﺮ ﻛﻴﻒ ﻋﺒّﺮﺕ ﺍلآﻳﺔُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﻣﻌﺠﺰ ﺭﻓﻴﻊ، ﻭﻛﻴﻒ ﺃﺷﺎﺭﺕ ﺇﻟﻰ ﺩﻟﻴﻞ ﺇﻗﻨﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﺛﻨﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺪّﻋﻰ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﺨﺮﺝ ﺍﻟﺒﺬﻭﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﺮﺕ ﻓﻲ ﺟﻮﻑ ﺍلأﺭﺽ ﻛﺎﻟﻤﻴﺘﺔ، ﻭﺍﻟﻘﻄﺮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﺸﺮﺕ ﻣﺴﺘﺘﺮﺓ ﻓﻲ ﺟﻮ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﺍﻧﺘﺸﺮﺕ ﻓﻲ ﻛﺮﺓ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ، ﻭﺗُﺤﺸَﺮ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﻡ ﻛﺎﻣﻞ ﻭﻓﻲ ﺳﺮﻋﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻓﺘﺨﺮﺝ ﺇﻟﻰ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻭﺍلاﻣﺘﺤﺎﻥ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺭﺑﻴﻊ، ﺣﺘﻰ ﺗﺘﺨﺬَ ﺍﻟﺤﺒﻮﺏُ ﻓﻲ ﺍلأﺭﺽ ﻭﺍﻟﻘﻄﺮﺍﺕُ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﻭﺍﻟﻨﺸﻮﺭ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺸﺎﻫَﺪ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍلأﻣﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍلأﻛﺒﺮ ﻭﺑﺎﻟﺴﻬﻮﻟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ. ﻭﺇﺫ ﺗُﺸﺎﻫﺪ ﻫﺬﺍ ﻫﻨﺎ، ﻓـلا ﺗﻘﺪﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺍﻟﺤﺸﺮ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻠﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﻘﻴﺴﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍلأﺧﺮﻯ ﻣﻦ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺒـلاﻏﺔ.

ﻓﻬﻞ ﻳﻤﻜﻦ -ﻳﺎ ﺗُﺮﻯ- ﺗﺮﺟﻤﺔُ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺮﺟﻤﺔً ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ؟. لا ﺷﻚ ﺃﻧﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﻤﻜﻨﺔ.

ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻭلاﺑﺪ، ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻌﻄﻰ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺇﺟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻣﺨﺘﺼﺮﺓ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﻳﻠﺰﻡ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻛﻞ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﺳﺘﺔ ﺃﺳﻄﺮ.

المكتوب الثامن والعشرون

  ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺛﻤﺎﻧﻲ ﻣﺴﺎﺋﻞ

  ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ

  ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (ﻳﻮﺳﻒ:43)

  ﺛﺎﻧﻴﺎً: ﺇﻧﻜﻢ ﺗﻄﻠﺒﻮﻥ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺭﺅﻳﺎﻛﻢ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺃﻳﺘﻤﻮﻫﺎ ﻗﺒﻞ ﺛـلاﺙ ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻭﻗﺪ ﻇﻬﺮ ﺗﻌﺒﻴﺮﻫﺎ ﻭﺗﺄﻭﻳﻠﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺛـلاﺛﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻟﻘﺎﺋﻚ ﺇﻳﺎﻱ. ﺃﻭَ ﻟﻴﺲ ﻟﻲ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﺫﻥ ﺃﻥ ﺃﻗﻮﻝ ﺇﺯﺍﺀ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻤﺒﺸِّﺮﺓ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮّ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻭﺃﻇﻬﺮ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ:

ﻧَﻪ ﺷَﺒﻢ ﻧَﻪ ﺷَﺐ ﺑَﺮﺳﺘَﻢ ﻣﻦ ﻏـلاﻡ ﺷَﻤﺴَﻢ ﺍَﺯ ﺷَﻤﺲ ﻣﻰ ﻛﻮﻳﻢ ﺧﺒﺮ

 (حاشية) ﻳﻌﻨﻲ: ﻭﺇﻧﻲ ﻏـلاﻡ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺃﺭﻭﻱ ﺣﺪﻳﺜَﻬﺎ ﻓﻤﺎ ﻟﻲ ﻭﻟﻠّﻴﻞ ﻓﺄَﺭﻭﻱ ﺣﺪﻳﺜَﻪ. المترجم

ﺁﻥ ﺧﻴﺎلاﺗﻰ ﻛﻪ ﺩﺍﻡ ﺍﻭﻟﻴﺎﺳﺖ ﻋﻜﺲ ﻣﻬﺮﻭﻳﺎﻥ ﺑﻮﺳﺘﺎﻥ ﺧﺪﺍﺳﺖ

(حاشية) ﻳﻌﻨﻲ: ﺇﻥ ﺍﻟﺨﻴﺎلاﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺷِﺮﺍﻙ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﻋﺎﻛﺴﺔ ﺗﻌﻜﺲ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺍﻟﻨﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺭﻳﺎﺽ ﺍﻟﻠﻪ. المترجم

ﻧﻌﻢ، ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﻟﻘﺪ ﺍﻋﺘﺪﻧﺎ ﺃﻥ ﻧﺘﺬﺍﻛﺮ ﻣﻌﺎً ﺩﺭﺱَ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﺤﻀﺔ، ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺑﺤﺚ ﺍﻟﺮﺅﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﺑُﻬﺎ ﻣﻔﺘﻮﺡ ﻟﻠﺨﻴﺎلاﺕ ﺑﺤﺜﺎً ﻋﻠﻤﻴﺎً لا ﻳـلاﺋﻢ ﻣﺴﻠﻚ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻣـلاﺋﻤﺔً ﺗﺎﻣﺔ. ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ، ﻧﺒﻴﻦ ﺳﺖ ﻧﻜﺎﺕ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺻﻨﻮ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﻧﺒﻴﻨﻬﺎ ﺑﻴﺎﻧﺎً ﻋﻠﻤﻴﺎً ﻣﺒﻨﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﻭﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ، ﻣﺴﺘﻨﺒﻄﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﺎﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ، ﻭﻧﻮﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍً ﻣﺨﺘﺼﺮﺍً ﻟﺮﺅﻳﺎﻙ.

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍلأﻭﻟﻰ:

ﺇﻥَّ ﺁﻳﺎﺕٍ ﻛﺜﻴﺮﺓً ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﺜﻞ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (ﺍﻟﻨﺒﺄ: ٩).. ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺁﻫﺎ ﻳﻮﺳﻒ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴـلاﻡ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﺳﺎﺱ ﻣﻬﻢ ﻟﺴﻮﺭﺓ ﻳﻮﺳﻒ- ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﺗﺴﺘﺘﺮ ﻭﺭﺍﺀ ﺣُﺠﺐٍ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻭﺍﻟﺮﺅﻳﺎ.

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﺇﻥَّ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ لا ﻳﺤﺒﺬﻭﻥ ﺍﺳﺘﺨﺮﺍﺝ ﺍﻟﻔﺄﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ. ﻭلا ﻳﻤﻴﻠﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺍلاﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ: لأﻥَّ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳﺰﺟﺮ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ ﺑﻜﺜﺮﺓ ﺯﺟﺮﺍً ﺷﺪﻳﺪﺍً، ﻭﻗﺪ ﻳﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﻤﺘﻔﺌﻞ ﺑﺎﻟﻘﺮﺁﻥ ﺗﻠﻚ ﺍلآﻳﺎﺕ ﺍﻟﺰﺍﺟﺮﺓ ﻓﺘﻮﺭﺛﻪ ﺍﻟﻴﺄﺱَ ﻭﻳﻀﻄﺮﺏ ﻗﻠﺒُﻪ ﻭﻳﻘﻠﻖ.

ﻭﻛﺬﺍ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻗﺪ ﺗﻈﻬﺮ ﺑﻤﺎ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﻴﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺷﺮﺍً ﺭﻏﻢ ﺃﻧﻬﺎ ﺧﻴﺮ، ﻓﺘﺪﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﻈﻦ ﻭﺍﻟﺴﻘﻮﻁ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺄﺱ، ﻭﻧﻘﺾِ ﻋﺮﻯ ﻗﻮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ. ﻓﻬﻨﺎﻙ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺅﻯ ﻇﺎﻫﺮُﻫﺎ ﻣﺨﻴﻒ، ﻣﻀﺮ، ﻗﺒﻴﺢ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺗﻌﺒﻴﺮﻫﺎ ﺣﺴﻦ ﺟﺪﺍً، ﻭﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﺟﻤﻴﻞ. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥَّ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ لا ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥْ ﻳﺠﺪ ﺍﻟﻌـلاﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻭﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ، ﻓﻴﻘﻠﻖ ﻭﻳﺤﺰﻥ ﻭﻳﻀﻄﺮﺏ ﺩﻭﻥ ﺩﺍﻉ.

ﻭلأﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻣﻮﺭ ﻗﻠﺖُ ﻓﻲ ﺻﺪﺭ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻛﺎلإﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﻭﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ: ﻧﻪ ﺷﺒﻢ ﻧﻪ ﺷﺐ ﺑﺮﺳﺘﻢ…

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ:

ﻟﻘﺪ ﺛﺒﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ: ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﺟﺰﺀٌ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺟﺰﺀﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﺣﻖ، ﻭﻟﻬﺎ ﻋـلاﻗﺔ ﺑﻤﻬﻤﺎﺕ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ.   ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻣﻬﻤﺔ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ﻭﻃﻮﻳﻠﺔ ﻭﻋﻤﻴﻘﺔ، ﻭﻟﻬﺎ ﻋـلاﻗﺔٌ ﺑﻮﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻟﺬﺍ ﻧﺆﺟﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﻗﺖ ﺁﺧﺮ ﺑﻤﺸﻴﺌﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻧﺴﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ.

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ:

  ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺛـلاﺛﺔ: ﺍﺛﻨﺎﻥ ﻣﻨﻬﺎ ﺩﺍﺧـلاﻥ ﺿﻤﻦ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ (ﻳﻮﺳﻒ:٤٤) ﻛﻤﺎ ﻋﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻫﻤﺎ لا ﻳﺴﺘﺤﻘﺎﻥ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻭلا ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻟﻬﻤﺎ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﻬﻤﺎ ﻣﻌﻨﻰ. ﺇﺫ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻧﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺗﺼﻮﻳﺮ ﺗﺼﻨﻌﻪ ﻗﻮﺓُ ﺧﻴﺎﻝ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺼﺎﺏ ﺑﺎﻧﺤﺮﺍﻑ ﻓﻲ ﻣﺰﺍﺟﻪ، ﻭﺗﺮﻛّﺒﻪ ﺣﺴﺐ ﻧﻮﻉ ﺫﻟﻚ ﺍلاﻧﺤﺮﺍﻑ. ﺃﻭ ﺃﻧﻬﺎ ﻧﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺗﺨﻄّﺮ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻣﺜﻴﺮﺓ، ﻗﺪ ﺭﺁﻫﺎ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻧﻬﺎﺭﺍً ﺃﻭ ﻗﺒﻞ ﻳﻮﻡ ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ ﺳﻨﺔ ﺃﻭ ﺳﻨﺘﻴﻦ. ﻓﻴﻌﺪّﻟﻬﺎ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝُ ﻭﻳﺼﻮّﺭﻫﺎ ﻭﻳﻠﺒﺴﻬﺎ ﺷﻜـلا. ﻓﻬﺬﺍﻥ ﺍﻟﻘﺴﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ لا ﻳﺴﺘﺤﻘﺎﻥ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ.

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺗﺠﺪ ﻋـلاﻗﺔً ﻟﻬﺎ ﻣﻊ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ، ﻭﺗﻔﺘﺢ ﻣﻨﻔﺬﺍً ﺇﻟﻴﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﻤﺮﺑﻮﻃﺔ ﺑﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺘﺠﻮﻟﺔ ﻓﻴﻪ، ﻭﺑﻌﺪ ﺗﻮﻗﻔﻬﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ. ﻓﺘﻨﻈﺮ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔُ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﺇﻟﻰ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﺗﺘﻬﻴﺄ ﻟﻠﻮﻗﻮﻉ، ﻭﻗﺪ ﺗـلاﻗﻲ ﺃﺣﺪ ﺟﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﻠﻮﺡ ﺍﻟﻤﺤﻔﻮﻅ ﺃﻭ ﺃﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻣﻦ ﻧﻤﺎﺫﺝ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﻘَﺪﺭ، ﻓﺘﺮﻯ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻳﺘﺼﺮﻑ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﻭﻳُﻠﺒﺴﻬﺎ ﻣـلاﺑﺲَ ﺍﻟﺼﻮﺭ. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻭﻃﺒﻘﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ. ﻓﺄﺣﻴﺎﻧﺎً ﺗﻘﻊ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻛﻤﺎ ﺭﺁﻫﺎ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺗﻈﻬﺮ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻭﺭﺍﺀ ﺳﺘﺎﺭ ﺧﻔﻴﻒ ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺗﺘﺴﺘﺮ ﺑﺴﺘﺎﺭ ﻛﺜﻴﻒ ﺳﻤﻴﻚ.

ﻭﻗﺪ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ: ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﺍﻫﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻓﻲ ﺑﺪﺀ ﺍﻟﻮﺣﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻭﺍﺿﺤﺔ ﺻﺎﺩﻗﺔ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻛﻔﻠﻖ ﺍﻟﺼﺒﺢ.

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻗﻮﺓ «ﺍﻟﺤﺲ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ» ﻭﻫﺬﺍ ﺍلإﺣﺴﺎﺱ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺟﺰﺋﻴﺎً ﺃﻭ ﻛﻠﻴﺎً، ﺑﻞ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻭﺟﺪﺕُ -ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻣﺎ- ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﺎﺳﺘﻴﻦ ﻓﻲ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻨﺔ -ﻭﻫﻤﺎ ﺣﺎﺳﺘﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﺤﺲ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ- ﻭﻫﻤﺎ ﺣﺎﺳﺔ «ﺍﻟﺴﺎﺋﻘﺔ» ﻭﺣﺎﺳﺔ «ﺍﻟﺸﺎﺋﻘﺔ» ﻛﺤﺎﺳﺘﻲ «ﺍﻟﺒﺎﺻﺮﺓ» ﻭ«ﺍﻟﺴﺎﻣﻌﺔ» ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ. ﺃﻱ؛ ﺣﺎﺳﺔ ﺗﺪﻓﻊ ﻭﺃﺧﺮﻯ ﺗﺸﻮّﻕ.

ﻭﻳﻄﻠﻖ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀـلاﻝ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﻟﺤﻤﺎﻗﺘﻬﻢ ﺧﻄﺄً ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ».. ﻛـلا .. ﺇﻧﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﺩﺍﻓﻌﺎً ﻃﺒﻴﻌﻴﺎً، ﺑﻞ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻓﻄﺮﻱ، ﻳﺴﻮﻕ ﺑﻪ ﺍﻟﻘَﺪﺭ ﺍلإﻟﻬﻲ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ.

  ﻓﻤﺜـلا: ﺍﻟﻘﻂ ﻭﻣﺎ ﺷﺎﺑﻬﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻔﻘﺪ ﺑﺼﺮَﻩ ﻳﻔﺘﺶ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﻘﺪﺭﻱ ﻋﻦ ﻧﻮﻉ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ ﻭﻳﻀﻌﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻪ ﻭﻳﺸﻔﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺽ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻨﺴﺮ ﻭﻣﺎ ﺷﺎﺑﻬﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻴﻮﺭ ﺍﻟﺠﺎﺭﺣﺔ ﺍلآﻛﻠﺔ ﻟﻠﺤﻮﻡ -ﺍﻟﻤﻮﻇﻔﺎﺕ ﺍﻟﺼﺤﻴﺎﺕ ﻟﺘﻨﻈﻴﻒ ﺳﻄﺢ ﺍلأﺭﺽ ﻣﻦ ﺟﺜﺚ ﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺍﻟﺒﺮﺍﺭﻱ- ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﻴﻮﺭ ﺗﻌﻠﻢ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺟﺜﺔِ ﺣﻴﻮﺍﻥٍ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﻳﻮﻡ، ﻭﺗﺠﺪﻫﺎ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺴَﻮﻕ ﺍﻟﻘَﺪﺭﻱ، ﻭﺑﺈﻟﻬﺎﻡ ﺍﻟﺤﺲ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺻﻐﻴﺮ ﺍﻟﻨﺤﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻤﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻟّﺎ ﻳﻮﻡ ﻭﺍﺣﺪ، ﻳﻄﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﻳﻮﻡ ﻛﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﺛﻢ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺧﻠﻴﺘﻪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻀﻴّﻊ ﺃﺛﺮﻩ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﺴَﻮﻕ ﺍﻟﻘَﺪﺭﻱ، ﻭﺑﺈﻟﻬﺎﻡ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴَﻮﻕ ﻭﺍﻟﺪﻓﻊ.

ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻗﺪ ﻣﺮّ ﺑـلا ﺷﻚ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭﺓ. ﻓﻬﻮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺬﻛﺮ ﺍﺳﻢَ ﺷﺨﺺ ﻣﺎ، ﺇﺫﺍ ﺑﺎﻟﺒﺎﺏ ﻳﻨﻔﺘﺢ ﻭﻳﺪﺧﻞ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ، ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﻗﻌﻮﺍ ﻗﺪﻭﻣَﻪ. ﺣﺘﻰ ﻗﻴﻞ ﻓﻲ ﺍلأﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﻜﺮﺩﻳﺔ:

  ﻧﺎﯤ ﮔﺮ ﺑﻴﻨﻪ ﭘﺎلاﻧﺪﺍﺭ ﻟﻰ ﻭﺭﻳﻨﻪ

  ﺃﻱ؛ ﺣﺎﻟﻤﺎ ﺗﺬﻛﺮ ﺍﻟﺬﺋﺐ، ﻫﻴﺊ ﺍﻟﻬﺮﺍﻭﺓ، ﻓﺎﻟﺬﺋﺐ ﻗﺎﺩﻡ.

ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ -ﺑﺤﺲ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ- ﺗﺸﻌﺮ ﺑﻤﺠﻲﺀ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺇﺣﺴﺎﺳﺎً ﻣﺠﻤـلا، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻌﺪﻡ ﺇﺣﺎﻃﺔ ﺷﻌﻮﺭ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺑﻪ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻳﻨﺴﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺫﻛﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺩﻭﻥ ﻗﺼﺪ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭ.

ﻭﻳﻔﺴّﺮ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﻔﺮﺍﺳﺔ ﺫﻟﻚ ﺑﻤﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ. ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻨﺪﻱ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍلإﺣﺴﺎﺱ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻓﺎﺋﻘﺔ، ﻓﺄﺭﺩﺕُ ﺃﻥ ﺃﺿﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺿﻤﻦ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻭﺃﺿﺒﻄَﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺳﺘﻮﺭ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﺃُﻭﻓّﻖ ﻭﻟﻢ ﺃﺳﺘﻄﻊ ﺫﻟﻚ. ﻭﻟﻜﻦ ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻭﺍﻟﺼـلاﺡ ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﻫﺬﺍ ﺍلإﺣﺴﺎﺱ ﻗﻮﺓ ﻭﻳﺒﻴﻦ ﺁﺛﺎﺭﺍً ﺫﺍﺕ ﻛﺮﺍﻣﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﻧﻴﻞٌ ﻟﻨﻮﻉٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﻟﻌﻮﺍﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﺫ ﻳﺮﻭﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻌﺾَ ﺍلأﻣﻮﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﻳﺮﺍﻫﺎ ﺍلأﻭﻟﻴﺎﺀ.

ﻭﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ، ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻬﻲ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻋﺎﻣﺔ ﻣﺘﻨﺰّﻩ ﺟﻤﻴﻞ، ﺭﺍﺋﻊ ﻟﺮﺅﻳﺔِ ﻣﺸﺎﻫﺪَ ﺣﻮﺍﺩﺙَ ﺭﺑﺎﻧﻴﺔ -ﻛﻤﺸﺎﻫﺪ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ- ﻭﻟﻜﻦ ﻣَﻦ ﻛﺎﻥ ﺫﺍ ﺧﻠﻖ ﺣﺴﻦ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻔﻜﺮ ﺗﻔﻜﻴﺮﺍً ﺣﺴﻨﺎً ﻓﻴﺮﻯ ﺃﻟﻮﺍﺣﺎً ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﻣﻨﺎﻇﺮ ﺣﺴﻨﺔ، ﺑﻌﻜﺲ ﺍﻟﺴﻴﺊ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺍﻟﺬﻱ لا ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﻟﺬﺍ لا ﻳﺮﻯ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﻤﻨﺎﻇﺮ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﻘﺒﻴﺤﺔ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ؛ ﻓﺎﻟﻨﻮﻡ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﺗﻄﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﻣﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ، ﻭﻫﻮ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﻃﻠﻴﻖ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺍﻟﻤﻘﻴﺪﻳﻦ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﻦ. ﻭﻳﻨﺎﻝ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺣﺘﻰ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﻭﻫﻮ ﻣﻮﺿﻊ ﺭﺍﺣﺔ ﻟﺬﻭﻱ ﺍلأﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻨﺴﺤﻘﻮﻥ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻤﺸﺎﻕ ﻭﺗﻜﺎﻟﻴﻒ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺮﻫﻘﺔ.

ﻭلأﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍلأﺳﺮﺍﺭ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ ﻳﺮﺷﺪ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺇﻟﻰ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻓﻲ ﺁﻳﺎﺕ ﻋﺪﻳﺪﺓ، ﻛﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (ﺍﻟﻨﺒﺄ:٩).

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ:

ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ: ﻟﻘﺪ ﺑﻠﻎ ﻋﻨﺪﻱ ﻣﺒﻠﻎَ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻃﻊ، ﻭﺛﺒﺖ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺗﺠﺎﺭﺑﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺗﻴﺔ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﺣﺠﺔٌ ﻗﺎﻃﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻘَﺪﺭَ ﺍلإﻟﻬﻲ ﻣﺤﻴﻂٌ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ.

ﻭﻟﻘﺪ ﺑﻠﻐﺖ ﻋﻨﺪﻱ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺅﻯ -ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ﺍﻟﻔﺎﺋﺘﺔ- ﺩﺭﺟﺔَ ﺍﻟﺜﺒﻮﺕ ﻭﺍﻟﻘﻄﻌﻴﺔ. ﺇﺫ ﻛﻨﺖ ﺃﺭﻯ ﻟﻴـلا ﺃﺑﺴﻂَ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺍﺕ، ﻭﺃﺗﻔﻪ ﺍﻟﻤﻌﺎﻣـلاﺕ، ﻭﺃﺻﻐﺮ ﺍلأﻣﻮﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﻘﻊ ﻏﺪﺍً. ﻓﻜﻨﺖ ﺃﻗﺮﺃﻫﺎ ﻟﻴـلا ﺑﻌﻴﻨﻲ، لا ﺃﺗﻜﻠﻢ ﺑﻬﺎ ﺑﻠﺴﺎﻧﻲ، ﺣﺘﻰ ﺃﻳﻘﻨﺖُ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻣﻜﺘﻮﺑﺔٌ ﻭﻣﻌﻴﻨﺔ ﻗﺒﻞ ﻣﺠﻴﺌﻬﺎ.

ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮّﺕ ﻋﻠﻲّ ﺗﺠﺎﺭﺏَ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻭﻣﻨﻔﺮﺩﺓ ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺎﺋﺔ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺑﻞ ﺃﻟﻔﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺏ، ﺣﺘﻰ ﻛﻨﺖ ﺃﺭﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﺃﺷﺨﺎﺻﺎً ﻟﻢ ﺃﻓﻜﺮ ﻓﻴﻬﻢ ﻗﻂ ﻭﻣﺴﺎﺋﻞ ﻟﻢ ﺗﺨﻄﺮ ﺑﺒﺎﻟﻲ، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﺄﻭﻟﺌﻚ ﺍلأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺭﺍﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ، ﻭﺗﺠﺮﻱ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ، ﻣﻊ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻗﻠﻴﻞ. ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺃﺻﻐﺮَ ﺣﺎﺩﺛﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻣﻘﻴﺪﺓٌ ﻭﻣﺴﺠﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘَﺪﺭ ﺍلإﻟﻬﻲ ﻗﺒﻞ ﻣﺠﻴﺌﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ، ﻓـلا ﻣﺼﺎﺩﻓﺔَ ﻗﻄﻌﺎً، ﻭﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻟﻴﺴﺖ ﺳﺎﺋﺒﺔ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻋﺸﻮﺍﺋﻴﺔ.

  اﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ:

ﺇﻥَّ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺭﺅﻳﺎﻙ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻤﺒﺸﺮﺓ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ، ﺧﻴﺮ ﻟﻨﺎ ﻭﻟﻠﻌﻤﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ، ﻭﻟﻘﺪ ﻋﺒّﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻭﻣﺎ ﺯﺍﻝ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻟﻢ ﻳﺪَﻉ ﻟﻨﺎ ﺣﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ، ﻓﻀـلا ﻋﻦ ﻇﻬﻮﺭ ﻗﺴﻢ ﻣﻦ ﺗﻌﺒﻴﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ.

ﻭﻟﻮ ﺩﻗﻘﺖَ ﺍﻟﻨﻈﺮ، ﺗﺪﺭﻙ ﺫﻟﻚ. ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺑﻌﺾٍ ﻣﻦ ﻧﻘﺎﻃﻬﺎ ﻓﻘﻂ. ﺃﻋﻨﻲ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺒﻴﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ، ﻭﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺭﺅﻳﺎﻙ ﻫﻲ ﺗﻤﺜـلاﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ. ﻭﺫﻟﻚ: ﺃﻥَّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ ﻫﻮ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍلإﺳـلاﻣﻲ ﻭﻣﺎ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺘﻪ ﻣﻦ ﻣﺴﺠﺪ ﻫﻮ ﻭلاﻳﺔ ﺍﺳﺒﺎﺭﻃﺔ، ﻭﺍﻟﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺘﻌﻔﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻁ ﺑﺎﻟﻄﻴﻦ ﻫﻮ ﻣﺴﺘﻨﻘﻊ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﺓ ﺍﻟﻤﻠﻮﺛﺔ ﺑﺎﻟﺴﻔﻪ ﻭﺍﻟﺒﺪﻉ ﻭﺍﻟﺘﻌﻄﻞ.. ﻭﺃﻧﺖ ﻗﺪ ﺳﻠِﻤﺖَ ﻣﻨﻪ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻠﻮﺙ ﺑﻔﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻮﺻﻠﺖَ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺑﺴﺮﻋﺔ، ﻭﻫﺬﻩ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻚ ﺳﺘﻈﻞ ﺳﻠﻴﻤﺎً ﻣﻌﺎﻓﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻮﺛﺎﺕ، ﻭلا ﻳﻔﺴﺪ ﻗﻠﺒُﻚ، ﻭﺗﻤﺘﻠﻚ ﺍلأﻧﻮﺍﺭَ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍلآﺧﺮﻳﻦ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻬﻢ ﺣﻤَﻠَﺔ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ: «ﺣﻘﻲ، ﺧﻠﻮﺻﻲ، ﺻﺒﺮﻱ، ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ، ﺭﺷﺪﻱ، ﺑﻜﺮ، ﻣﺼﻄﻔﻰ، ﻋﻠﻲ، ﺯﻫﺪﻱ، ﻟﻄﻔﻲ، ﺧﺴﺮﻭ، ﺭﺃﻓﺖ»، ﻭﺍﻟﻜﺮﺳﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﻫﻮ ﻗﺮﻳﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻛ«ﺑﺎﺭلا». ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﻓﻬﻮ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﺓ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻭﺳﺮﻋﺔ ﺍﻧﺘﺸﺎﺭﻫﺎ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﺼﺺ ﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻒ ﺍلأﻭﻝ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﺃُﺣﻴﻞ ﺇﻟﻴﻚ ﻣﻦ «ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ». ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺸﺒﻴﻬﺔ ﺑﺄﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟـلاﺳﻠﻜﻲ، ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺑﺚ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍلإﻳﻤﺎﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻛﺎﻓﺔ ﻭﺇﺳﻤﺎﻋِﻬﻢ ﺇﻳﺎﻩ، ﻭﺳﻴﻈﻬﺮ ﺗﻌﺒﻴﺮُﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ. ﺇﺫ ﺇﻥ ﺃﻓﺮﺍﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻨﻮﻯ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ -ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ- ﻭﺳﻴﻜﻮﻧﻮﻥ ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺷﺠﺮﺓ ﺑﺎﺳﻘﺔ، ﻭﻣﺮﺍﻛﺰ ﺑﺚ.

ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺍﻟﻤﻌﻤﻢ ﻫﻮ ﺭﻣﺰ ﻟﺸﺎﺏ ﻓﻲ ﺻﻔﻮﻑ ﺍﻟﻨﺎﺷﺮﻳﻦ ﻭﺍﻟﻄـلاﺏ، ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﺘﻜﺎﺗﻔﺎً ﻣﻊ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻳﺴﺒﻘﻪ. ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻇﻨﻪ ﺃﺣﺪَﻫﻢ ﻭﻟﻜﻦ لا ﺃﺟﺰﻡ ﺑﻪ. ﻭﺳﻴﺒﺮﺯ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺪﺍﻥ ﺑﻘﻮﺓ ﺍﻟﻮلاﻳﺔ.

ﺃﻣﺎ ﺑﻘﻴﺔ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﻓﻌﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﺃﻧﺖ ﺑﺪلا ﻣﻨﻲ.

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﻌﻜﻢ -ﺣﺪﻳﺜﺎً ﻃﻮﻳـلا- ﻟﺬﻳﺬٌ ﻭﻣﻤﺘﻊ ﻭﻣﻘﺒﻮﻝ، ﻟﺬﺍ ﺃﻃﻨﺒﺖُ ﻓﻲ ﺍﻟﻜـلاﻡ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮﺓ، ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺃﺳﺮﻓﺖ ﻓﻴﻪ، ﻭﻟﻜﻦ لأﻧﻨﻲ ﺷﺮﻋﺖ ﺑﺎﻟﺒﺤﺚ ﺑﻨﻴﺔ ﺍلإﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺁﻳﺎﺕ ﻗﺮﺁﻧﻴﺔ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻨﻮﻡ، ﺳﻴﻌﻔﻰ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺍلإﺳﺮﺍﻑ ﺇﻥ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺭﺑﻤﺎ لا ﻳﻌﺪّ ﺇﺳﺮﺍﻓﺎً.

المكتوب السابع والعشرون

ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ

ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﻳﻀﻢ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﻟﻄﻴﻔﺔ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﻋﻴﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻛﺘﺒﻬﺎ ﻣﺆﻟﻒ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺑﻌﺜﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻃـلاﺑﻪ، ﻋـلاﻭﺓ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺑﻌﺜﻬﺎ ﻃـلاﺏ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺘﺎﺫﻫﻢ، ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺑﻌﺾ، ﻳﻌﺒّﺮﻭﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻤّﺎ ﺍﺳﺘﻔﺎﺿﻮﻩ ﻣﻦ ﺃﺫﻭﺍﻕ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻟﺪﻯ ﻣﻄﺎﻟﻌﺘﻬﻢ ﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ. ﻓﺄَﺻﺒﺢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﺟﺪﺍً ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ. ﺑﺄﺭﺑﻌﺔ ﺃَﺿﻌﺎﻑ ﺣﺠﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﻠﺪ ﻟﺬﺍ ﺳﻴُﻨﺸﺮ ﻣﺴﺘﻘـلا ﺑﺎﺳﻢ «ﺍﻟﻤـلاﺣﻖ» ﻭﻫﻲ ﻣﻠﺤﻖ ﺑﺎﺭلا ﻭﻣﻠﺤﻖ ﻗﺴﻄﻤﻮﻧﻲ ﻭﻣﻠﺤﻖ ﺃﻣﻴﺮﺩﺍﻍ.