اللمعة الثانية عشرة

  ﺗﺨﺺ ﻧﻜﺘﺘﻴﻦ ﻗﺮﺁﻧﻴﺘﻴﻦ ﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺳﺆﺍﻟﻴﻦ ﺟﺰﺋﻴﻴﻦ ﺳﺄﻟﻬﻤﺎ ﺍﻷﺥ ﺭﺃﻓﺖ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒْﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

  ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﻋﻠﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ.

ﺃﺧﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺭﺃﻓﺖ ﺇﻥَّ ﺃﺳﺌﻠﺘﻚ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﻌﺼﻴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻄﻨﻲ، ﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﻣُﺤﺮﺝ ﻷﻥ ﺳﺆﺍﻟَﻴﻜﻢ -ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺓ- ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺎ ﺟﺰﺋﻴﻴﻦ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﺭﺃﻳﺘﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻦ ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ، ﻟﻤﺎ ﻟﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻊ ﻧﻜﺘﺘﻴﻦ ﻗﺮﺁﻧﻴﺘﻴﻦ، ﻭﻷﻥ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻠﺸﺒﻬﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺩ ﻣﻦ ﻋﻠﻤَﻲ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻠﻚ ﺣﻮﻝ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﺴﺒﻊ ﺍﻟﻄﺒﺎﻕ. ﻟﺬﺍ ﻧﺒﻴﻦ ﻫﻨﺎ ﺑﻴﺎﻧﺎً ﻋﻠﻤﻴﺎً ﻭﻛﻠﻴﺎً ﻭﻣﺠﻤﻼ ﻧﻜﺘﺘﻴﻦ ﻗﺮﺁﻧﻴﺘﻴﻦ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺟﺰﺋﻴﺔ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ، ﻭﺃﻧﺖ ﺑﺪﻭﺭﻙ ﺗﺄﺧﺬ ﺣﺼﺘﻚ ﻣﻨﻪ ﺇﺯﺍﺀ ﺳﺆﺍﻟَﻴﻚ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﻴﻦ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ

  ﻭﻫﻲ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻧﻘﻄﺘﻴﻦ

  ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (ﺍﻟﻌﻨﻜﺒﻮﺕ:60) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (ﺍﻟﺬﺍﺭﻳﺎﺕ:58)

ﺑﺪﻻﻟﺔ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻵﻳﺘﻴﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺘﻴﻦ؛ ﺍﻟﺮﺯﻕُ ﺑﻴﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻭﺣﺪَﻩ، ﻭﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺧﺰﻳﻨﺔ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺩﻭﻥ ﻭﺳﺎﻃﺔ. ﻓﺮﺯﻕُ ﻛﻞ ﺫﻱ ﺣﻴﺎﺓ ﺑﻌﻬﺪﺓ ﺭﺑﻪ، ﻓﻴﻠﺰﻡ ﺃﻟّﺎ ﻳﻤﻮﺕ ﺃﺣﺪٌ ﺟﻮﻋﺎً. ﻭﻟﻜﻦ ﻳﺒﺪﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﺟﻮﻋﺎً، ﺃﻭ ﻣﻦ ﻓﻘﺪﺍﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻛﺜﻴﺮﻭﻥ. ﺇﻥ ﺣﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮ ﻭﻛﺸﻒَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻮ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺘﻌﻬﺪ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﺮﺯﻕ ﻭﺗﻜﻔّﻠَﻪ ﻟﻪ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ. ﻓﻼ ﺃﺣﺪَ ﻳﻤﻮﺕ ﻣﻦ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺮﺯﻕ، ﻷﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺳﻠﻪ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺫﻭ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﺇﻟﻰ ﺟﺴﻢ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﺍﻟﺤﻲ ﻳُﺪّﺧﺮ ﻗﺴﻢٌ ﻣﻨﻪ ﺍﺣﺘﻴﺎﻃﺎً ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺔ ﺷﺤﻮﻡ ﻭﺩﻫﻮﻥ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ. ﺑﻞ ﻳُﺪّﺧﺮ ﻗﺴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﻤﺮﺳﻞ ﻓﻲ ﺯﻭﺍﻳﺎ ﺣﺠﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻛﻲ ﻳﺼﺮﻑ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﻭﺍﺟﺒﺎﺕ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻨﺪ ﻋﺪﻡ ﻣﺠﻲﺀ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ.

ﻓﺎﻟﺬﻳﻦ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﺇﺫﻥ، ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﻗﺒﻞ ﻧﻔﺎﺩ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻻﺣﺘﻴﺎﻃﻲ ﺍﻟﻤﺪّﺧﺮ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻻ ﻳﻨﺠﻢ ﻣﻦ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺮﺯﻕ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻣﻦ ﻣﺮﺽٍ ﻧﺎﺷﺊٍ ﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﻋﺎﺩﺓٍ ﺑﺴﻮﺀ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻱ ﺍﻟﻤﺪّﺧﺮ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺷﺤﻮﻡ ﻓﻲ ﺟﺴﻢ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﺍﻟﺤﻲ، ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺪﻭﻡ ﻭﻳﺴﺘﻤﺮ ﺑﻤﻌﺪﻝ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﻛﺎﻣﻼ. ﺑﻞ ﻗﺪ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺿﻌﻒ ﺫﻟﻚ، ﺇﺛﺮ ﻣﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﺳﺘﻐﺮﺍﻕ ﺭﻭﺣﺎﻧﻲ. ﺣﺘﻰ ﻛﺘﺒﺖ ﺍﻟﺼﺤﻒ -ﻗﺒﻞ ﺗﺴﻊ ﻭﺛﻼﺛﻴﻦ ﺳﻨﺔ- ﺃﻥ ﺭﺟﻼ ﻗﺪ ﻗﻀﻰ ﻣﺘﺤﺪﻳﺎً ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﻓﻲ ﺳﺠﻦ ﻟﻨﺪﻥ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺬﻭﻕ ﺷﻴﺌﺎً ﻭﻇﻞ ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺔ ﻭﻋﺎﻓﻴﺔ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻱ ﻳﺪﻭﻡ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﺑﻞ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻭﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً، ﻭﺃﻥ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﺮﺯﺍﻕ ﻇﺎﻫﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺪّ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺑﺠﻼﺀ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻳﺘﺪﻓﻖ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳُﺤﺘﺴﺐ ﻣﻦ ﺍﻷﺛﺪﺍﺀ ﻭﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻷﻛﻤﺎﻡ. ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﺳﻢ ﻳﻤﺪّ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﻭﻳﺴﻌﻔﻪ ﻭﻳﺤُﻮﻝ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺟﻮﻋﺎً ﻗﺒﻞ ﺍﻧﺘﻬﺎﺀ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻱ، ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺍﻟﻤﺘﻠﺒﺲ ﺑﺎﻟﺸﺮ ﺑﺴﻮﺀ ﻋﻤﻠﻪ.

ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﺎﻟﺬﻳﻦ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﺟﻮﻋﺎً ﻗﺒﻞ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً، ﻻ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﺑﺴﺒﺐ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻗﻄﻌﺎً، ﺑﻞ ﻣﻦ ﻋﺎﺩﺓ ﻧﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﻧﺎﺷﺊٍ ﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ، ﺇﺫ: «ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻠﻜﺎﺕ» ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻣﻄﺮﺩﺓ.

ﻓﻴﺼﺢ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺇﺫﻥ: ﺃﻧﻪ ﻻ ﻣﻮﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻧﻪ ﻣﺸﺎﻫَﺪ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻷﻧﻈﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﺗﻨﺎﺳﺒﺎً ﻋﻜﺴﻴﺎً ﻣﻊ ﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺭ ﻭﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ، ﻓﻤﺜﻼ: ﺇﻥ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻮﻟَﺪ، ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﻭﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺭ ﺷﻲﺀ، ﺳﺎﻛﻦ ﻓﻲ ﺭﺣﻢ ﺍﻷﻡ، ﻳﺴﻴﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺯﻗُﻪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺣﺘﻰ ﺇﻟﻰ ﺣﺮﻛﺔ ﺷﻔﺘﻴﻪ. ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﻔﺘﺢ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﻟﻠﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﺍﻗﺘﺪﺍﺭﺍً ﻭﻻ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍً، ﺇﻟّﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺑﻠﻴﺎﺕ، ﻭﺣﺴّﺎً ﻛﺎﻣﻨﺎً ﻓﻴﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟّﺎ ﺇﻟﻰ ﺣﺮﻛﺔ ﺇﻟﺼﺎﻕ ﻓﻤﻪ ﺑﺎﻟﺜﺪﻱ ﻓﺤﺴﺐ، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﺜﺪﻱ ﺗﺘﺪﻓﻖ ﺑﺮﺯﻕ ﻫﻮ ﺃﻛﻤﻞُ ﻏﺬﺍﺀ ﻭﺃﺳﻬﻠُﻪ ﻫﻀﻤﺎً، ﻭﺑﺄﻟﻄﻒِ ﺻﻮﺭﺓ ﻭﺃﻋﺠﺐ ﻓﻄﺮﺓ. ﺛﻢ ﻛﻠﻤﺎ ﻧﻤﺎ ﻟﺪﻳﻪ ﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺭ ﻭﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﺣﺘﺠﺐ ﻋﻨﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺮﺯﻕُ ﺍﻟﻤﻴﺴﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً، ﺣﺘﻰ ﻳﻨﻘﻄﻊ ﺍﻟﻨﺒﻊ ﻭﻳﻐﻮﺭ، ﻓﻴُﺮﺳﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺯﻗُﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﺎﻛﻦَ ﺃﺧﺮﻯ. ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻥ ﺍﻗﺘﺪﺍﺭﻩ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻟﻴﺴﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺑﻌﺪُ ﻟﺘﺘﺒﻊ ﺍﻟﺮﺯﻕ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺯﺍﻕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳﺠﻌﻞ ﺷﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻬﻤﺎ ﻣﻤﺪﺓً ﻻﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻭﻣُﺴﻌﻔﺔ ﻻﻗﺘﺪﺍﺭﻩ. ﺛﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻜﺎﻣﻞ ﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺭ ﻭﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ، ﻓﻼ ﻳﻌﺪﻭ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻧﺤﻮﻩ، ﻭﻻ ﻳﺴﺎﻕ ﺇﻟﻴﻪ، ﺑﻞ ﻳﺴﻜﻦ ﻗﺎﺋﻼ: ﺗﻌﺎﻝ ﺍﻃﻠﺒﻨﻲ، ﻓﺘﺶ ﻋﻨﻲ ﻭﺧﺬﻧﻲ.

ﻓﺎﻟﺮﺯﻕ ﺇﺫﻥ ﻣﺘﻨﺎﺳﺐ ﺗﻨﺎﺳﺒﺎً ﻋﻜﺴﻴﺎً ﻣﻊ ﺍﻻﻗﺘﺪﺍﺭ ﻭﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺕٍ ﻻ ﺍﻗﺘﺪﺍﺭ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺗﻌﻴﺶ ﺃﻓﻀﻞَ ﻭﺃﺣﺴﻦ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﺎ ﻛﻤﺎ ﺃﻭﺿﺤﻨﺎ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﻋﺪﺓ.

  ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﻟﻺﻣﻜﺎﻥ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻭﺃﻗﺴﺎﻡ ﻫﻲ: ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ ﻭﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺮﻓﻲ ﻭﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﺩﻱ. ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔُ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﺿﻤﻦ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗُﺮﺩّ ﻭﺗُﺮﻓﺾ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺿﻤﻦ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺮﻓﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻌﺠﺰﺓ، ﻭﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﺮﺍﻣﺔً ﺑﻴُﺴﺮ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻟﻬﺎ ﻧﻈﻴﺮ ﻋُﺮﻓﺎً ﻭﻗﺎﻋﺪﺓً ﻓﻼ ﺗُﻘﺒﻞ ﺇﻟّﺎ ﺑﺒﺮﻫﺎﻥ ﻗﺎﻃﻊ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ، ﻓﺈﻥ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ ﻟﻠﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺮﻭﻳﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺍﺣﻤﺪ ﺍﻟﺒﺪﻭﻱ (ﻗُﺪﺱ ﺳﺮﻩ) ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺬﻕ ﻃﻌﺎﻣﺎً ﻃﻮﺍﻝ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺿﻤﻦ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺮﻓﻲ، ﻭﺗﻜﻮﻥ ﻛﺮﺍﻣﺔً ﻟﻪ، ﺑﻞ ﺭﺑﻤﺎ ﻫﻲ ﻋﺎﺩﺓ ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻟﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﻣﺘﻮﺍﺗﺮﺓ ﺗُﻨﻘﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺍﺣﻤﺪ ﺍﻟﺒﺪﻭﻱ (ﻗُﺪﺱ ﺳﺮﻩ) ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﺳﺘﻐﺮﺍﻗﻪ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﺄﻛﻞ ﻛﻞ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﻣﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ. ﻓﺎﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻭﻗﻌﺖ ﻓﻌﻼ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺴﺖ ﺩﺍﺋﻤﺎً، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺣﺪﺛﺖ ﺑﻌﺾَ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ. ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺍﺣﺘﻤﺎﻝ ﺃﻥ ﺣﺎﻟﺘﻪ ﺍﻻﺳﺘﻐﺮﺍﻗﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺘﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﻃﻌﺎﻡ، ﻟﺬﺍ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ.

ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻳﺖ ﺣﻮﺍﺩﺙُ ﻛﺜﻴﺮﺓٌ ﻣﻮﺛﻮﻗﺔٌ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ ﻋﻦ ﺃﻭﻟﻴﺎﺀ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺍﺣﻤﺪ ﺍﻟﺒﺪﻭﻱ (ﻗُﺪﺱ ﺳﺮﻩ).

ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﻤﺪّﺧﺮ ﻳﺪﻭﻡ ﺃﻛﺜﺮَ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً -ﻛﻤﺎ ﺃﺛﺒﺘﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ- ﻭﺃﻥ ﺍﻻﻧﻘﻄﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻃﻮﺍﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﻋﺎﺩﺓً، ﻭﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺭَﻭَﺕْ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﻣﻮﺛﻮﻗﺔ ﻣﻦ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﺃﻓﺬﺍﺫ، ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻟّﺎ ﺗُﻨﻜﺮ ﻗﻄﻌﺎً.

  ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻧﺒﻴﻦ ﻣﺴﺄﻟﺘﻴﻦ ﻣﻬﻤﺘﻴﻦ.

ﻟﻤﺎ ﻋﺠﺰ ﺃﺻﺤﺎﺏُ ﻋﻠﻮﻡ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻠﻚ ﺑﻘﻮﺍﻧﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﺻﺮﺓ ﻭﺩﺳﺎﺗﻴﺮﻫﺎ ﺍﻟﻀﻴﻘﺔ ﻭﻣﻮﺍﺯﻳﻨﻬﺎ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﺃﻥ ﻳﺮﻗَﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﺸﻔﻮﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻧﺠﻮﻡ ﺁﻳﺎﺗﻪ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ، ﺑﺪﺃﻭﺍ ﻳﺤﺎﻭﻟﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻭﺇﻧﻜﺎﺭﻫﺎ ﺑﺤﻤﺎﻗﺔ ﻭﺑﻼﻫﺔ.

  ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﺗﺨﺺ ﻛﻮﻥَ ﺍﻷﺭﺽ ﺫﺍﺕ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻛﺎﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ.

ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﺒﺪﻭ ﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻏﻴﺮَ ﺫﺍﺕ ﺣﻘﻴﻘﺔ، ﻻ ﺗﻘﺒﻠﻬﺎ ﻋﻠﻮﻣُﻬﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ. ﻓﻴﺘﺨﺬﻭﻥ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺫﺭﻳﻌﺔً ﻟﻼﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ، ﻟﺬﺍ ﻧﻜﺘﺐ ﺑﻀﻊ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﻣﺨﺘﺼﺮﺓ ﺗﺨﺺ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ.

  ﺍﻷﻭﻟﻰ:

  ﺃﻭﻻ: ﺇﻥَّ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻵﻳﺔ ﺷﻲﺀٌ، ﻭﺃﻓﺮﺍﺩُ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻭﻣﺎ ﻳﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺎﺕ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ. ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﺮﺩٌ ﻣﻦ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻓﻼ ﻳُﻨﻜَﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ. ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺳﺒﻌﺔَ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﻇﺎﻫﺮﺓٍ ﻣﺼﺪّﻗﺔ ﻟﻸﻓﺮﺍﺩ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﻟﻠﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻟﻠﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻷﺭﺿﻴﻦ ﺍﻟﺴﺒﻊ.

  ﺛﺎﻧﻴﺎً: ﺇﻥ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ…﴾ (ﺍﻟﻄﻼﻕ:12) ﻻ ﺗﺬﻛﺮ ﺃﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ. ﺑﻞ ﻇﺎﻫﺮﻫﺎ ﻳﻔﻴﺪ: ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺧﻠﻖ ﺍﻷﺭﺽ ﺟﺎﻋﻼ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺴﻜﻨﺎً ﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺗﻪ ﻛﺎﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ، ﻓﻼ ﺗﻘﻮﻝ ﺍﻵﻳﺔ: ﺧﻠﻘﺖ ﺍﻷﺭﺽ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺜﻠﻴﺔ (ﻟﻠﺴﻤﺎﻭﺍﺕ) ﻓﻬﻲ ﺗﺸﺒﻴﻪ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻣﺨﻠﻮﻗﺔً ﻭﻣﺴﻜﻨﺎً ﻟﻠﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﺇﻥَّ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺴﻤﺎﻭﺍﺕ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻌﺪﻟﻬﺎ ﻭﺗﻮﺍﺯﻳﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻣﻌﺮﺽ ﻟﻠﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻﺗﺤﺪ ﻭﻣﻮﺿﻊ ﺇﺷﻬﺎﺭﻫﺎ ﻭﻣﺮﻛﺰﻫﺎ. ﻓﻬﻲ ﺑﻬﺬﺍ ﺗﻌﺪﻝ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻭﺗﻮﺍﺯﻳﻬﺎ، ﺇﺫ ﻫﻲ ﻛﺎﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻟﻠﺴﻤﺎﻭﺍﺕ، ﻛﻤﺎ ﻳﻌﺪﻝ ﻗﻠﺐُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺠﺴﺪ.

ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻓﻘﺪ ﻓُﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺃﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ:

ﺇﺫ ﺍﻷﺭﺽ ﺳﺒﻌﺔُ ﺃﻗﺎﻟﻴﻢ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺑﻤﻘﻴﺎﺱ ﻣﺼﻐﺮ.

ﺛﻢ ﻫﻲ ﺳﺒﻊُ ﻗﺎﺭﺍﺕ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ ﺑﺎﺳﻢ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ﻭﺇﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﻭﺃﻭﻗﻴﺎﻧﻮﺳﻴﺎ (ﺃﺳﺘﺮﺍﻟﻴﺎ) ﻭﺁﺳﻴﺘﻴﻦ ﻭﺃﻣﺮﻳﻜﺘﻴﻦ.

ﺛﻢ ﻫﻲ ﺳﺒﻊُ ﻗﻄﻊ ﻣﻌﺮﻭﻓﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻵﺧﺮ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ. ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﻭﺍﻟﻐﺮﺏ ﻭﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺠﻨﻮﺏ ﻣﻊ ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ.

ﺛﻢ ﻫﻲ ﺳﺒﻊُ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻣﺘﺼﻠﺔ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﻣﺮﻛﺰﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻗﺸﺮﺗﻬﺎ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﻋﻠﻤﺎً.

ﺛﻢ ﻫﻲ ﺫﺍﺕُ ﻋﻨﺎﺻﺮَ ﺳﺒﻌﺔٍ ﻣﺸﻬﻮﺭﺓ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﺑﺎﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﻤﺘﻀﻤﻨﺔ ﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﻋﻨﺼﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻫﻲ ﻣﺪﺍﺭ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ.

ﺛﻢ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﻟﻢ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ ﺍﻟﻤﺘﻜﻮﻧﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ -ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﺍﻟﻨﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﺮﺍﺏ- ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻟﻴﺪ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻥ ﻭﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ.

ﺛﻢ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﺒﻊ، ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺑﺸﻬﺎﺩﺓ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻭﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺴﺎﻛﻦ ﺍﻟﺠﻦ ﻭﺍﻟﻌﻔﺎﺭﻳﺖ ﻭﻣﻘﺮﺍﺕ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺫﻭﺍﺕ ﺷﻌﻮﺭ ﻭﺣﻴﺎﺓ.

ﺛﻢ ﺇﻧﻬﺎ ﺳﺒﻊُ ﻃﺒﻘﺎﺕٍ ﺇﺷﺎﺭﺓً ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺳﺒﻊ ﻛﺮﺍﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﺷﺒﻴﻬﺔ ﺑﻜﺮﺗﻨﺎ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ، ﻫﻲ ﻣﺴﺎﻛﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻣﻘﺮﺍﺕ ﻟﻬﺎ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﻛﺮﺓ ﺍﻷﺭﺽ ﺳﺒﻊُ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺳﺒﻊ ﻛﺮﺍﺕ ﺃﺭﺿﻴﺔ.

ﻫﻜﺬﺍ ﻓُﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ. ﻓﺈﺫﻥ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﻭﺟﻮﺩُ ﺳﺒﻊِ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻟﻸﺭﺽ ﻓﻲ ﺳﺒﻌﺔ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻌﺔ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﻭﺃﻧﻤﺎﻁ ﻣﻨﻬﺎ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻭﻫﻮ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻓﻠﻴﺲ ﺩﺍﺧﻼ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ ﺍﻟﻤﻌﺪﻭﺩﺓ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻟﻪ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ:

ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻻ ﻳُﺴﺮﻑ ﻓﻲ ﺷﻲﺀ، ﻭﻻ ﻳﺨﻠﻖ ﻋﺒﺜﺎً، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺇﻧﻤﺎ ﻭﺟﺪﺕ ﻟﺬﻭﻱ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ، ﻭﺗﺠﺪ ﻛﻤﺎﻟَﻬﺎ ﺑﺬﻭﻱ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ، ﺑﻞ ﺗﻌﻤَّﺮ ﺑﺬﻭﻱ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ، ﻟﺘﻨﻘﺬ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺚ. ﻭﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﻳﻌﻤّﺮ ﻋﻨﺼﺮَ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺤﺪ ﻣﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺸﺎﻫﺪ. ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﺍﻟﻤﺎﺀ ﻻ ﻳﺤﻮﻻﻥ ﺩﻭﻥ ﺟﻮﻻﻥ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻛﻤﺎ ﻻ ﺗﻤﻨﻊ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ ﻛﺎﻟﺘﺮﺍﺏ ﻭﺍﻟﺤﺠﺮ ﺳﻴﺮ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎﺀ ﻭﺃﺷﻌﺔ ﺭﻭﻧﺘﻜﻦ.. ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺫﺍ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻻ ﻳﺘﺮﻙ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺼﻠﺔ ﺑﺒﻌﻀﻬﺎ ﻭﻻ ﻛﻬﻮﻓﻬﺎ ﻭﻣﻴﺎﺩﻳﻨﻬﺎ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻭﻋﻮﺍﻟﻤﻬﺎ ﺧﺎﻟﻴﺔً ﺧﺎﻭﻳﺔ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﻣﺮﻛﺰﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻗﺸﺮﺗﻬﺎ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺴﻜﻨﻨﺎ.

ﻓﻼ ﺟﺮﻡ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻋﻤّﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﻮﺍﻟﻢ ﻭﺧﻠﻖ ﻟﻬﺎ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺕٍ ﺫﻭﺍﺕ ﺷﻌﻮﺭ ﻳﻨﺎﺳﺒﻬﺎ ﻭﻳﻼﺋﻤﻬﺎ ﻭﺃﺳﻜﻨﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﺟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﻒَ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﻭﺃﺻﻠﺒﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻛﺎﻟﺒﺤﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻤﻚ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﻴﺮ. ﺑﻞ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﺍﻟﻤﺮﻋﺒﺔ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻷﺭﺽ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮﺓ ﻛﻨﺴﺒﺔ ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺇﻟﻴﻨﺎ، ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻴﺎﺕ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮﺓ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺕٌ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ، ﻓﺎﻟﻨﺎﺭ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﺎﻟﻨﻮﺭ ﻟﻬﻢ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ:

ﻟﻘﺪ ﺫُﻛﺮ ﻓﻲ «ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ» ﻣﺜﺎﻝ ﺣﻮﻝ ﺗﺼﻮﻳﺮﺍﺕ ﺧﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺑﻴّﻨﻬﺎ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﻋﺠﺎﺋﺐ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﺧﻼﺻﺘﻪ:

ﺃﻥ ﻛﺮﺓ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﺬﺭﺓٌ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻲ ﻛﺸﺠﺮﺓ ﺿﺨﻤﺔ ﺗﻀﺎﺭﻉ ﻋﻈﻤﺘُﻬﺎ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﺮﺯﺥ، ﻓﻤﺸﺎﻫﺪﺓُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻌﻔﺎﺭﻳﺖ ﻓﻲ ﻛﺮﺓ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﻤﺴﺎﻓﺔ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺸﺎﻫﺪﺗﻬﻢ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﺑﺬﺭﺓ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﺗﻈﺎﻫﺮٌ ﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﻓﺮﻭﻋﻬﺎ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪﺓ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ.

ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻃﺒﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ -ﻻ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻟﻬﺎ ﻇﺎﻫﺮﺍً- ﻣﻦ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﻗﺪ ﺣﺎﺯﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺁﺧﺮ، ﺃﻻ ﻳﺼﺢ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ ﺇﺫﻥ ﺇﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻫﻲ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺗﻘﺎﺑﻞ ﺳﺒﻊ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ؟. ﻓﺎﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺸﻴﺮ ﺑﺈﻳﺠﺎﺯ ﻣﻌﺠِﺰ، ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻭﺗﻨﺒّﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺈﻇﻬﺎﺭﻫﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﻣﻜﺎﻓﺌﺔً ﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ.

  ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (ﺍﻹﺳﺮﺍﺀ:٤٤) ﻭ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ:29)

ﻫﺎﺗﺎﻥ ﺍﻵﻳﺘﺎﻥ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺳﺒﻊٌ. ﻧﺮﻯ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺴﺐ ﺍﺧﺘﺼﺎﺭ ﻣﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ «ﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻹﻋﺠﺎﺯ» ﺍﻟﺬﻱ ﺃُﻟّﻒ ﻓﻲ ﺟﺒﻬﺔ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﺇﺫ ﺟﺎﺀﺕ ﻓﻴﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻹﺟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺭ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺑﺴﺒﺐ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺤﺮﺏ.

ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻗﺪ ﺗﺼﻮﺭﺕ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺴﻊُ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ، ﻓﺰﺍﺩﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ، ﺍﻟﻌﺮﺵ ﻭﺍﻟﻜﺮﺳﻲ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﻳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻉ، ﻓﻜﺎﻥ ﺗﺼﻮﻳﺮﺍً ﻋﺠﻴﺒﺎً ﻟﻬﺎ. ﻭﻟﻘﺪ ﺍﺳﺘﻮﻟﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻃﻮﺍﻝ ﻋﺼﻮﺭ ﻣﺪﻳﺪﺓ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻌﺎﺑﻴﺮ ﺍﻟﺮﻧﺎﻧﺔ ﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﺣﻜﻤﺎﺋﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻣﻔﺴﺮﻳﻦ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﺍﺿﻄﺮﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺇﻣﺎﻟﺔ ﻇﻮﺍﻫﺮ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻣﺬﻫﺒﻬﻢ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯّ ﺇﻟﻰ ﺇﺳﺪﺍﻝ ﺳﺘﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻣﺎ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﺍﻟﻤﺴﻤﺎﺓ ﺑﺎﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﺘﻘﻮﻝ ﺑﻤﺎ ﻳﻔﻴﺪ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺇﺯﺍﺀ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪّﻋﻴﻪ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻏﻴﺮُ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻼﺧﺘﺮﺍﻕ ﻭﺍﻻﻟﺘﺌﺎﻡ. ﻓﻘﺪ ﻓﺮّﻁ ﻫﺆﻻﺀ ﻛﻤﺎ ﺃﻓﺮﻁ ﺃﻭﻟﺌﻚ. ﻭﻋﺠﺰ ﺍﻻﺛﻨﺎﻥ ﻋﻦ ﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﻴﺎﻧﺎً ﺷﺎﻓﻴﺎً.

ﺃﻣﺎ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﺪﻉ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﻭﺍﻟﺘﻔﺮﻳﻂ ﻣﺘﺨﺬﺓ ﺍﻟﺤﺪ ﺍﻟﻮﺳﻂ، ﻓﻬﻲ ﺗﻘﻮﻝ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺟﻞ ﺟﻼﻟﻪ ﺧﻠﻖ ﺳﺒﻊَ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﻃﺒﺎﻗﺎً، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻓﻬﻲ ﺗﺴﺒﺢ ﻭﺗﺴﺒّﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻛﺎﻷﺳﻤﺎﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ. ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ: (ﺇﻥَّ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻣﻮﺝ ﻣﻜﻔﻮﻑ) ﺃﻱ ﻛﺒﺤﺮ ﺍﺳﺘﻘﺮﺕ ﺃﻣﻮﺍﺟُﻪ. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﺜﺒﺘﻬﺎ ﺑﺴﺒﻊ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﻭﺑﺴﺒﻌﺔ ﻭﺟﻮﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ﻭﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﺷﺪﻳﺪ:

ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺇﻧﻪ ﻗﺪ ﺛﺒﺖ ﻋﻠﻤﺎً ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ «ﺣﻜﻤﺔ» ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻀﺎﺀ ﺍﻟﻮﺳﻴﻊ ﻣﻤﻠﻮﺀٌ ﺑﻤﺎﺩﺓ ﺗُﺴﻤﻰ ﺍﻷﺛﻴﺮ، ﻭﻟﻴﺲ ﺧﺎﻟﻴﺎً ﻓﺎﺭﻏﺎً ﻻ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻪ.

  ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺇﻧﻪ ﺛﺎﺑﺖ ﻋﻠﻤﺎً ﻭﻋﻘﻼ ﺑﻞ ﻣﺸﺎﻫﺪﺓً؛ ﺃﻥ ﺭﺍﺑﻄﺔ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻷﺟﺮﺍﻡ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ -ﻛﺎﻟﺠﺎﺫﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﺍﻓﻌﺔ- ﻭﻧﺎﺷﺮﺓَ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻭﻧﺎﻗﻠﺘَﻬﺎ -ﻛﺎﻟﻀﻴﺎﺀ ﻭﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﻭﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎﺀ- ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﻀﺎﺀ ﻣﺎﻟﺌﺔ ﻟﻪ.

  ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ: ﺇﻧﻪ ﺛﺎﺑﺖ ﺑﺎﻟﺘﺠﺎﺭﺏ ﺇﻥَّ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻷﺛﻴﺮ -ﻣﻊ ﺑﻘﺎﺋﻬﺎ ﺃﺛﻴﺮﺍً- ﻟﻬﺎ ﺃﻧﻤﺎﻁ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻜﺎﻝ ﻭﻟﻬﺎ ﺻﻮﺭ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻛﺴﺎﺋﺮ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ، ﻓﻜﻤﺎ ﻳﺤﺼﻞ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ: ﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﻭﺍﻟﺴﺎﺋﻠﺔ ﻭﺍﻟﺼﻠﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻛﺎﻟﺒﺨﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﺜﻠﺞ، ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﻣﺎﻧﻊ ﻋﻘﻼ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺳﺒﻌﺔُ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﻣﻦ ﻣﺎﺩﺓ ﺃﺛﻴﺮﻳﺔ، ﻭﻻ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻴﻪ.

  ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ: ﺇﻧﻪ ﻟﻮ ﺃُﻧﻌﻢ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺍﻷﺟﺮﺍﻡ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﻳُﺮﻯ ﻓﻲ ﻃﺒﻘﺎﺗﻬﺎ ﺗﺨﺎﻟﻒٌ، ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻮﻱ ﺩﺭﺏ ﺍﻟﺘﺒﺎﻧﺔ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫَﺪ ﻛﺴﺤﺎﺏٍ، ﻻ ﺗﺸﺒﻪ ﻃﺒﻘﺔَ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺒﺘﺔ، ﺣﺘﻰ ﻛﺄﻥ ﻧﺠﻮﻡ ﻃﺒﻘﺔ ﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺛﻤﺎﺭٌ ﻧﺎﺿﺠﺔ ﻣﻜﺘﻤﻠﺔ ﻛﻔﻮﺍﻛﻪ ﺍﻟﺼﻴﻒ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻧﺠﻮﻡٌ ﻻ ﺗﺤﺪ ﻟﺪﺭﺏ ﺍﻟﺘﺒﺎﻧﺔ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﻛﺴﺤﺎﺏ ﺗﻨﻌﻘﺪ ﻣﺠﺪﺩﺍً ﻭﺗﺘﻜﺎﻣﻞ. ﻭﻃﺒﻘﺔ ﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻻ ﺗﺸﺒﻪ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﺸﻤﺴﻴﺔ ﺑﺤﺪﺱ ﺻﺎﺩﻕ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳُﺪﺭَﻙ ﺑﺎﻟﺤﺪﺱ ﻭﺍﻟﺤﺲ ﺗﺨﺎﻟﻒ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ.

  ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ: ﻟﻘﺪ ﺛﺒﺖ ﺣﺪﺳﺎً ﻭﺣﺴّﺎً ﻭﺍﺳﺘﻘﺮﺍﺀً ﻭﺗﺠﺮﺑﺔ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻭﻗﻊ ﺍﻟﺘﺸﻜﻞ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﺗﺘﻮﻟﺪ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﺄﺧﺬ ﺃﺷﻜﺎﻻ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻭﻃﺒﻘﺎﺕ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ.

ﻓﻤﺜﻼ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺗﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﺸﻜﻼﺕ ﻓﻲ ﻣﻌﺪﻥ ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ ﻳﺘﻮﻟﺪ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺮﻣﺎﺩُ ﻭﺍﻟﻔﺤﻢ ﻭﺍﻷﻟﻤﺎﺱ. ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﺗﺒﺪﺃ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺑﺎﻟﺘﺸﻜﻞ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺟﻤﺮﺍً ﻭﻟﻬﺒﺎً ﻭﺩﺧﺎﻧﺎً. ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳُﻤﺰَﺝ ﻣﻮﻟﺪ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﻣﻮﻟﺪ ﺍﻟﺤﻤﻮﺿﺔ ﻳﺘﺸﻜﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﺜﻠﺞ ﻭﺍﻟﺒﺨﺎﺭ.

ﻳﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻭﻗﻊ ﺍﻟﺘﺸﻜﻞُ ﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓٍ ﻣﺎ ﺗﻨﻘﺴﻢ ﺇﻟﻰ ﻃﺒﻘﺎﺕٍ، ﻟﺬﺍ ﻓﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﻔﺎﻃﺮﺓ ﻟﻤﺎ ﺷﺮﻋﺖ ﺑﺎﻟﺘﺸﻜﻴﻞ ﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻷﺛﻴﺮ ﺧﻠﻘﺖ ﻣﻨﻬﺎ ﺳﺒﻌﺔَ ﺃﻧﻮﺍﻉٍ ﻣﻦ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻛﻤﺎ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.

ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ: ﺇﻥَّ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓَ ﺗﺪﻝ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﻋﻠﻰ ﺗﻌﺪﺩﻫﺎ، ﻓﺎﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺇﺫﻥ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓٌ ﻗﻄﻌﺎً، ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺨﺒﺮَ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ: ﻫﻲ ﺳﺒﻌﺔ، ﻓﻬﻲ ﺳﺒﻌﺔ.

  ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﺘﻌﺎﺑﻴﺮ: ﺳﺒﻌﺔ، ﻭﺳﺒﻌﻴﻦ ﻭﺳﺒﻌﻤﺎﺋﺔ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟَﻬﺎ ﺗﻔﻴﺪ ﺍﻟﻜﺜﺮﺓَ ﻓﻲ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﺃﻱ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻀﻢ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊَ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻃﺒﻘﺎﺕٌ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً.

ﺣﺎﺻﻞ ﺍﻟﻜﻼﻡ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﺧﻠﻖ ﺳﺒﻊَ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﻃﺒﺎﻗﺎً ﻣﻦ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻷﺛﻴﺮ، ﻭﺳﻮّﺍﻫﺎ ﻭﻧﻈّﻤﻬﺎ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﻋﺠﻴﺐ ﺩﻗﻴﻖ، ﻭﺯﺭﻉ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ. ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺧﻄﺎﺑﺎً ﺃﺯﻟﻴﺎً ﻟﻠﺠﻦ ﻭﺍﻹﻧﺲ ﺑﻄﺒﻘﺎﺗﻬﻢ ﻛﺎﻓﺔً، ﻓﻜﻞ ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺗﺄﺧﺬ ﺇﺫﻥ ﺣﺼﺘَﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺁﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻛﻞُّ ﺁﻳﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﺗُﺸﺒﻊ ﺃﻓﻬﺎﻡَ ﻛﻞِّ ﻃﺒﻘﺔٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺃﻱ ﻟﻜﻞ ﺁﻳﺔٍ ﻣﻌﺎﻥ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺿﻤﻨﺎً ﻭﺇﺷﺎﺭﺓ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺳﻌﺔَ ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺷﻤﻮﻝَ ﻣﻌﺎﻧﻴﻪ ﻭﺇﺷﺎﺭﺍﺗﻪ، ﻭﻣﺮﺍﻋﺎﺗﻪ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺃﻓﻬﺎﻡ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﻋﺎﻣﺔ ﻭﻣﺪﺍﺭﻛِﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﺩﻧﻰ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﺺ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺁﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﻭﺟﻪٌ ﻣﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ.

ﻭﻷﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﻓﻘﺪ ﻓَﻬﻤﺖْ ﺳﺒﻊُ ﻃﺒﻘﺎﺕٍ ﺑﺸﺮﻳﺔ ﺳﺒﻊَ ﻃﺒﻘﺎﺕٍ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ:﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾  ﻛﺎﻵﺗﻲ:

ﻳﻔﻬﻢ ﺫﻭﻭ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺍﻟﻘﺎﺻﺮ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻧﻬﺎ: ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﺍﻟﻨﺴﻴﻤﻴﺔ.

ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﻏﺘﺮﻭﺍ ﺑﻌﻠﻢ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﻳﻔﻬﻤﻮﻧﻬﺎ: ﺍﻟﻨﺠﻮﻡَ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ ﺑﺎﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﻣﺪﺍﺭﺍﺗﻬﺎ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻨﺎﺱ.

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻳﻔﻬﻤﻬﺎ: ﺳﺒﻊَ ﻛﺮﺍﺕٍ ﺳﻤﺎﻭﻳﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺷﺒﻴﻬﺔٍ ﺑﺄﺭﺿﻨﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻘﺮ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ.

ﻭﺗﻔﻬﻤﻬﺎ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ: ﺳﺒﻊَ ﻣﻨﻈﻮﻣﺎﺕ ﺷﻤﺴﻴﺔ ﺃُﻭﻻﻫﺎ ﻣﻨﻈﻮﻣﺘُﻨﺎ ﻫﺬﻩ ﻭﺍﻧﻘﺴﺎﻡَ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﺸﻤﺴﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ.

ﻭﻃﺎﺋﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺗﻔﻬﻤﻬﺎ: ﺍﻧﻘﺴﺎﻡَ ﺗﺸﻜﻼﺕ ﺍﻷﺛﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺳﺒﻊ ﻃﺒﻘﺎﺕ.

ﻭﻃﺒﻘﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﻭﺍﻟﻔﻬﻢ، ﺗﻔﻬﻢ: ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ ﻛﻠَّﻬﺎ، ﺍﻟﻤﺮﺻّﻌﺔَ ﺑﺎﻟﻨﺠﻮﻡ ﻟﻴﺴﺖ ﺇﻟّﺎ ﺳﻤﺎﺀ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺳﺖ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻮﻗﻬﺎ ﻻ ﺗُﺮﻯ.

ﻭﻃﺒﻘﺔ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻫﻢ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ ﺫﻭﻭ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﻋﺎﻝٍ ﻻ ﻳﺮﻭﻥ ﺍﻧﺤﺼﺎﺭ ﺳﺒﻊ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﺳﺒﻊُ ﺳﻤﺎﻭﺍﺕ ﺗﺴﻘّﻒ ﻭﺗﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻌﻮﺍﻟﻢ ﺍﻷﺧﺮﻭﻳﺔ ﻭﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻔﻲ ﻛﻠﻴﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻣﻌﺎﻥٍ ﺃﺧﺮﻯ ﻛﺜﻴﺮﺓٌ ﺟﺰﺋﻴﺔ ﺟﺪﺍً ﺷﺒﻴﻬﺔٌ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺃﻓﻬﺎﻡ ﺳﺒﻊِ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻓﻜﻞٌ ﻳﺴﺘﻔﻴﺾ ﺑﻘﺪﺭ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ ﻣﻦ ﻓﻴﺾ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻳﺄﺧﺬ ﺭﺯﻗَﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺮﺓ.

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺤﻮﻱ ﻣﻌﺎﻧﻲَ ﻣﺼﺪّﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪ، ﻓﺈﻥ ﺇﻧﻜﺎﺭَ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻴﻦ ﺍﻟﻤﺤﺮﻭﻣﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺟﺤﻮﺩَ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﺍﻟﻤﺨﻤﻮﺭﻳﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ، ﻭﺍﺗﺨﺎﺫَ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﻜﺎﺭ ﻭﺳﻴﻠﺔَ ﺗﻌﺮﺽٍ ﻷﻣﺜﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ، ﺇﻥ ﻫﻮ ﺇﻟّﺎ ﻛﺮﻣﻲ ﺍﻟﺼﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﺳﺪﻱ ﺍﻟﻤﺰﺍﺝ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡَ ﺍﻟﻌﻮﺍﻟﻲ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ ﺑﻐﻴﺔَ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﺫﻟﻚ:

ﻷﻥَّ ﻣﻌﻨﻰً ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﺻﺪﻗﺎً ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﺪﻗﺎً ﻭﺻﻮﺍﺑﺎً، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺃﻥ ﻓﺮﺩﺍً ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ﻻﻭﺟﻮﺩَ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺇﻟّﺎ ﻓﻲ ﺃﻟﺴﻨﺔِ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻳﺼﺢ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺩﺍﺧﻼ ﺿﻤﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ، ﺭﻋﺎﻳﺔً ﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ. ﻓﻜﻴﻒ ﻭﻧﺤﻦ ﻧﺮﻯ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﺟﺪﺍً ﻣﻦ ﺃﻓﺮﺍﺩﻩ ﺻﺪﻗﺎً ﻭﺣﻘﻴﻘﺔً.

ﺃﻻ ﺗﺮﻯ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻤﻐﻤﻮﺭﻳﻦ ﺑﺴُﻜﺮ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻟﻔﻠﻚِ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻨﺼﻔﻮﻥ، ﻛﻴﻒ ﻳﻘﻌﻮﻥ ﻓﻲ ﺧﻄﺄ ﻓﻴﻐﻤﻀﻮﻥ ﻋﻴﻮﻧَﻬﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺣﻖٌ ﻭﺣﻘﻴﻘﺔٌ ﻭﺻﺪﻕ، ﻓﻼ ﻳﺮﻭﻥ ﻣﺼﺪِّﻗﺎﺕ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً، ﻭﻳﺘﻮﻫﻤﻮﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻵﻳﺔ ﻣﻨﺤﺼﺮﺍً ﻓﻲ ﻓﺮﺩٍ ﺧﻴﺎﻟﻲ ﻋﺠﻴﺐ. ﻓﺮﺷﻘﻮﺍ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ، ﻓﺎﺭﺗﺪﺕ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻭﺳِﻬﻢ ﻓﻜﺴﺮﺗْﻬﺎ، ﻓﻔﻘﺪﻭﺍ ﺻﻮﺍﺑَﻬﻢ ﻭﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ.

  ﻣﺤﺼﻞ ﺍﻟﻜﻼﻡ: ﻟﻤﺎ ﻋﺠﺰ ﺃﺭﺑﺎﺏُ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﺓ ﻛﺎﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﺍﻟﺠﻦ، ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺴﺒﻊ ﻭﺍﻷﺭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺴﺒﻌﺔ، ﺟﻬﻠﻮﺍ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻥٍ. ﻓﻴﺨﺒﺮﻭﻥ ﺃﺣﻜﺎﻣﺎً ﻛﺎﺫﺑﺔً ﺧﺎﻃﺌﺔ. ﻓﻴﻨﺰﻝ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻭﺳﻬﻢ ﺷﻬﺎﺏٌ ﺭﺻﺪٌ ﻣﻦ ﻧﺠﻮﻡ ﺗﻠﻚ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺑﺎﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻓﺘﺤﺮﻗﻬﻢ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻧﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺮﻗﻲُّ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺑﻔﻠﺴﻔﺔ ﻓﻼﺳﻔﺔ ﻳﺤﻤﻠﻮﻥ ﺃﻓﻜﺎﺭﺍً ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺔ ﺧﺒﻴﺜﺔ. ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺩُ ﺇﻟﻰ ﻧﺠﻮﻡ ﺗﻠﻚ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺑﻤﻌﺮﺍﺝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻄﻴﺮﺍﻥ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﺠﻨﺎﺡ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻹﺳﻼﻡ.

 ﺍﻟﻠّﻬﻢَّ ﺻَﻞِّ ﻋﻠﻰ ﺷﻤﺲ ﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﻗﻤﺮ ﻓﻠﻚ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﻋﻠﻰ ﺁﻟﻪ ﻭﺻﺤﺒﻪ ﻧﺠﻮﻡ ﺍﻟﻬﺪﻯ ﻟﻤﻦ ﺍﻫﺘﺪﻯ.

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

 ﺍﻟﻠّﻬﻢ ﻳﺎ ﺭﺏ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺿﻴﻦ ﺯﻳّﻦ ﻗﻠﻮﺏ ﻛﺎﺗﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﺭﻓﻘﺎﺋﻪ ﺑﻨﺠﻮﻡ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ… ﺁﻣﻴﻦ.

اللمعة الحادية عشرة

(ﻣﺮﻗﺎﺓ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺗﺮﻳﺎﻕ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﺒﺪﻋﺔ)

ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ «ﻣﻨﻬﺎﺝ ﺍﻟﺴﻨﺔ» ﻭﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻫﻮ «ﻣﺮﻗﺎﺓ ﺍﻟﺴﻨﺔ».

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ:128-129)

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:31).

ﺳﻨﺒﻴﻦ «ﺇﺣﺪﻯ ﻋﺸﺮﺓ» ﻧﻜﺘﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ، ﺑﻴﺎﻧﺎً ﻣﺠﻤﻼ، ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﻣﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻀﻤﻨﻬﺎ ﻫﺎﺗﺎﻥ ﺍﻵﻳﺘﺎﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺘﺎﻥ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ

ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم: (ﻣﻦ ﺗﻤﺴﻚ ﺑﺴﻨﺘﻲ ﻋﻨﺪ ﻓﺴﺎﺩ ﺃﻣﺘﻲ ﻓﻠﻪ ﺃﺟﺮ ﻣﺎﺋﺔ ﺷﻬﻴﺪ). ﺃﺟﻞ، ﺇﻥَّ ﺍﺗﺒﺎﻉَ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻟﻬﻮ ﺣﺘﻤﺎً ﺫﻭ ﻗﻴﻤﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ، ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﺇﺗﺒﺎﻋﻬﺎ ﻋﻨﺪ ﺍﺳﺘﻴﻼﺀ ﺍﻟﺒﺪﻉ ﻭﻏﻠﺒﺘﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﻟﻪ ﻗﻴﻤﺔً ﺃﻋﻠﻰ ﻭﺃﺳﻤﻰ، ﻭﺑﺎﻷﺧﺺ ﻋﻨﺪ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻷﻣﺔ، ﺇﺫ ﺗُﺸﻌﺮ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺃﺑﺴﻂ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺑﺘﻘﻮﻯ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻭﺇﻳﻤﺎﻥ ﻗﻮﻱ ﺭﺍﺳﺦ؛ ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻻﺗّﺒﺎﻉَ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻋﻈﻢ صلى الله عليه وسلم، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﺬﻛﺮ ﺍﻟﻨﺎﺷﺊ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﺗﺒﺎﻉ ﻳﻨﻘﻠﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﺤﻀﺎﺭ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ، ﺑﻞ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻗﺎﺋﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﺗُﺮﺍﻋﻰ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺴﻨﺔُ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺃﺑﺴﻂُ ﺍﻟﻤﻌﺎﻣﻼﺕ ﺍﻟﻌﺮﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺼﺮﻓﺎﺕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ -ﻛﺂﺩﺍﺏ ﺍﻷﻛﻞ ﻭﺍﻟﺸﺮﺏ ﻭﺍﻟﻨﻮﻡ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ- ﺇﻟﻰ ﻋﻤﻞ ﺷﺮﻋﻲ ﻭﻋﺒﺎﺩﺓ ﻣُﺜﺎﺏٌ ﻋﻠﻴﻬﺎ؛ ﻷﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻼﺣﻆ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم، ﻓﻴﺘﺼﻮﺭ ﺃﻧﻪ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﺄﺩﺏ ﻣﻦ ﺁﺩﺍﺏ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻭﻳﺘﺬﻛﺮ ﺃﻧﻪ صلى الله عليه وسلم ﺻﺎﺣﺐُ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻳﺘﻮﺟﻪ ﻗﻠﺒُﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻴﻐﻨﻢ ﺳﻜﻴﻨﺔً ﻭﺍﻃﻤﺌﻨﺎﻧﺎً ﻭﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻲ ﺿﻮﺀ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻓﺈﻥ ﻣﻦ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔِ ﺍﻟﺴَّﻨﻴﺔ ﻋﺎﺩﺗَﻪ، ﻓﻘﺪ ﺣﻮّﻝ ﻋﺎﺩﺍﺗِﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺎﺩﺍﺕ، ﻭﻳﻤﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﻋﻤﺮَﻩ ﻛﻠَّﻪ ﻣﺜﻤﺮﺍً، ﻭﻣُﺜﺎﺑﺎً ﻋﻠﻴﻪ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﻟﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﺃﺣﻤﺪ ﺍﻟﻔﺎﺭﻭﻗﻲ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ: «ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﻗﻄﻊ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ، ﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺃﺳﻄﻊ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻭﺃﺭﻗﺎﻫﻢ ﻭﺃﻟﻄﻔَﻬﻢ ﻭﺁﻣﻨَﻬﻢ ﻭﺃﺳﻠﻤَﻬﻢ ﻫﻢ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺗﺨﺬﻭﺍ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻟﻠﻄﺮﻳﻘﺔ، ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀُ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﻳﻈﻬﺮﻭﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﻬﺎﺀﺍً ﻭﺍﺣﺘﺸﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﻟﺴﺎﺋﺮ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ».

ﻧﻌﻢ ﺇﻥَّ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﻣﺠﺪﺩَ ﺍﻷﻟﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻳﻨﻄﻖ ﺑﺎﻟﺤﻖ، ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﺘﻤﺴﻚ ﺑﺎﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻭﻳﺘﺨﺬﻫﺎ ﺃﺳﺎﺳﺎً ﻟﻪ، ﻟﻬﻮ ﺃﻫﻞٌ ﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﺴﻌﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻌﻴﺪُ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﺣﺎﻟﺔ «ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ» ﺍﺭﺗﺞَّ ﻋﻘﻠﻲ ﻭﻗﻠﺒﻲ ﻭﺗﺪﺣﺮﺟﺎ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺇﺯﺍﺀ ﺇﻋﺼﺎﺭ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﺭﻫﻴﺐ، ﻓﻘﺪ ﺷﻌﺮﺕُ ﻛﺄﻧﻬﻤﺎ ﻳﺘﺪﺣﺮﺟﺎﻥ ﻫﺒﻮﻃﺎً ﺗﺎﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﺮﻳﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺜﺮﻯ ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺻﻌﺪﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺜﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺜﺮﻳﺎ، ﻭﺫﻟﻚ ﻻﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻤﺮﺷﺪ، ﻭﻟﻐﺮﻭﺭ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻷﻣﺎﺭﺓ.

ﻓﺸﺎﻫﺪﺕُ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺃﻥ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺑﻞ ﺣﺘﻰ ﺃﺑﺴﻂَ ﺁﺩﺍﺑﻬﺎ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻣﺆﺷﺮ ﺍﻟﺒﻮﺻﻠﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﻦ ﺍﺗﺠﺎﻩَ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻔﻦ. ﻭﻛﻞٌّ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻣﻔﺘﺎﺡ ﻣﺼﺒﺎﺡ ﻳﻀﻲﺀ ﻣﺎ ﻻ ﻳُﺤﺼﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ ﺍﻟﻤﻀﺮﺓ.

ﻭﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﺭﻯ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺃﺭﺯﺡُ ﺗﺤﺖ ﺿﻐﻂ ﻣﻀﺎﻳﻘﺎﺕٍ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻭﺗﺤﺖ ﺃﻋﺒﺎﺀِ ﺃﺛﻘﺎﻝٍ ﻫﺎﺋﻠﺔ، ﺇﺫﺍ ﺑﻲ ﺃﺷﻌﺮ ﺑﺨﻔﺔ ﻛﻠﻤﺎ ﺗﺘﺒﻌﺖُ ﻣﺴﺎﺋﻞَ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ، ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺤﻤﻞ ﻋﻨﻲ ﺟﻤﻴﻊَ ﺍﻷﺛﻘﺎﻝ ﻭﺗﺮﻓﻊ ﻋﻦ ﻛﺎﻫﻠﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻋﺒﺎﺀ. ﻓﻜﻨﺖ ﺃﻧﺠﻮ ﺑﺎﺳﺘﺴﻼﻡ ﺗﺎﻡ ﻟﻠﺴﻨﺔ ﻣﻦ ﻫﻤﻮﻡ ﺍﻟﺘﺮﺩﺩ ﻭﺍﻟﻮﺳﺎﻭﺱ ﻣﺜﻞ: «ﻫﻞ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻣﺼﻠﺤﺔ؟ ﺗُﺮﻯ ﻫﻞ ﻫﻮ ﺣﻖ؟». ﻭﻛﻨﺖ ﺃﺭﻯ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﻛﻔﻔﺖُ ﻳﺪﻱ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺗﺸﺘﺪ ﻣﻮﺟﺎﺕُ ﺍﻟﻤﻀﺎﻳﻘﺎﺕ ﻭﺗﻜﺜﺮ، ﻭﺍﻟﻄﺮﻕُ ﺍﻟﻤﺠﻬﻮﻟﺔ ﺗﺘﻮﻋّﺮ ﻭﺗﻐﻤﺾ، ﻭﺍﻷﺣﻤﺎﻝُ ﺗﺜﻘﻞ.. ﻭﺃﻧﺎ ﻋﺎﺟﺰٌ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔِ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﻧﻈﺮﻱ ﻗﺼﻴﺮ، ﻭﺍﻟﻄﺮﻳﻖُ ﻣﻈﻠﻤﺔٌ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﺷﻌﺮ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﺍﻋﺘﺼﻤﺖُ ﺑﺎﻟﺴﻨﺔ، ﻭﺗﻤﺴﻜﺖُ ﺑﻬﺎ، ﺗﺘﻨﻮﺭ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖُ ﻣﻦ ﺃﻣﺎﻣﻲ، ﻭﺗﻈﻬﺮ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻃﺮﻳﻖٌ ﺁﻣﻨﺔ ﺳﺎﻟﻤﺔ ﻭﺍﻷﺛﻘﺎﻝُ ﺗﺨﻒ ﻭﺍﻟﻌﻘﺒﺎﺕ ﺗﺰﻭﻝ.

ﻧﻌﻢ، ﻫﻜﺬﺍ ﺃﺣﺴﺴﺖ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﻓﺼﺪّﻗﺖُ ﺣُﻜﻢَ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ

ﻏﻤﺮﺗﻨﻲ -ﻓﻲ ﻓﺘﺮﺓ ﻣﺎ- ﺣﺎﻟﺔٌ ﺭﻭﺣﻴﺔ ﻧﺒﻌﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ «ﺭﺍﺑﻄﺔ ﺍﻟﻤﻮﺕ» ﻭﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻘﻀﻴﺔ «ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺣﻖ»، ﻭﻣﻦ ﻃﻮﻝ ﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﺑﺰﻭﺍﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﻓﻨﺎﺋﻪ. ﻓﺮﺃﻳﺖ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﻋﺎﻟَﻢ ﻋﺠﻴﺐ، ﺇﺫ ﻧﻈﺮﺕُ ﻓﺈﺫﺍ ﺃﻧﺎ ﺟﻨﺎﺯﺓٌ ﻭﺍﻗﻔﺔ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ ﺛﻼﺙِ ﺟﻨﺎﺋﺰَ ﻣﻬﻤﺔ ﻭﻋﻈﻴﻤﺔ:

ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺍﻟﺠﻨﺎﺯﺓُ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻟﻤﺠﻤﻮﻉ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻬﺎ ﺍﺭﺗﺒﺎﻁٌ ﺑﺤﻴﺎﺗﻲ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎﺗﺖْ ﻭﻣﻀﺖ ﻭﺩﻓﻨﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ.. ﻭﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﺇﻟّﺎ ﻛﺸﺎﻫﺪِ ﻗﺒﺮِﻫﺎ ﻣﻮﺿﻮﻉٌ ﻋﻠﻰ ﺟﺜﺘﻬﺎ.

ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺟﻨﺎﺯﺓٌ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﻄﻮﻱ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻗﺎﻃﺒﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎﺗﺖ ﻭﺩُﻓﻨﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻊ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ.. ﻭﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﺇﻟّﺎ ﻧﻘﻄﺔ ﺗﻤﺤﻰ ﻋﺎﺟﻼ ﻭﻧﻤﻠﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺗﻤﻮﺕ ﺳﺮﻳﻌﺎً ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺷﺎﻫﺪ ﻗﺒﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺠﻨﺎﺯﺓ.

ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ: ﺍﻟﺠﻨﺎﺯﺓُ ﺍﻟﻀﺨﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻄﻮﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ، ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻣﻮﺗﻪ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﺃﻣﺮ ﻣﺤﻘَّﻖ ﻻ ﻣﻨﺎﺹ ﻣﻨﻪ، ﻓﻘﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻱ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻵﻥ، ﻓﺄﺧﺬﺕ ﺍﻟﺤﻴﺮﺓُ ﺟﻮﺍﻧﺐ ﻧﻔﺴﻲ، ﻭﺑُﻬﺖُّ ﻣﻦ ﻫﻮﻝ ﺳَﻜﺮﺍﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺠﻨﺎﺯﺓ ﺍﻟﻤﻬﻮﻟﺔ، ﻭﺑﺪﺕ ﻭﻓﺎﺗﻲ  -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺁﺗﻴﺔٌ ﻻ ﻣﺤﺎﻝ- ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺗﺤﺪﺙ ﺍﻵﻥ، ﻓﺄﺩﺍﺭﺕ ﺟﻤﻴﻊُ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻭﺟﻤﻴﻊُ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﻇﻬﺮﻫﺎ ﻟﻲ ﻭﻣﻀﺖ، ﻭﺗﺮﻛﺘﻨﻲ ﻭﺣﻴﺪﺍً ﻓﺮﻳﺪﺍً، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺟﺎﺀﺕ ﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا… ﴾. ﻭﺃﺣﺴﺴﺖ ﻛﺄﻥ ﺭﻭﺣﻲ ﺗُﺴﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪ ﻧﺤﻮ ﺍﻷﺑﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺗﺨﺬ ﺻﻮﺭﺓَ ﺑﺤﺮ ﻋﻈﻴﻢ ﻻ ﺳﺎﺣﻞ ﻟﻪ.. ﻭﻛﺎﻥ ﻻﺑﺪ ﻣﻦ ﺇﻟﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺧﻀﻢّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻃﻮﻋﺎً ﺃﻭ ﻛﺮﻫﺎً.

ﻭﺑﻴﻨﻤﺎ ﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻫﻮﻝ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ، ﻭﺍﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻳﻌﺼِﺮ ﻗﻠﺒﻲ، ﺇﺫﺍ ﺑﻤَﺪﺩ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ. ﻓﻤﺪّﺗﻨﻲ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﺣﺘﻰ ﻏﺪﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔُ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺳﻔﻴﻨﺔ ﺃﻣﺎﻥ ﻓﻲ ﻣُﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺍﻻﻃﻤﺌﻨﺎﻥ. ﻓﺪﺧﻠﺖ ﺍﻟﺮﻭﺡُ ﺁﻣﻨﺔً ﻣﻄﻤﺌﻨﺔ ﻓﻲ ﺣﻤﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ.. ﻭﻓﻬﻤﺖُ ﻓﻲ ﺣﻴﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﻌﻨﻰً ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ. ﻓﻠﻘﺪ ﻭﺟﺪﺕُ ﻓﻴﻪ ﺳﻠﻮﺍﻧﺎً ﻟﺮﻭﺣﻲ، ﺣﻴﺚ ﻭﻫﺐ ﻟﻲ ﺍﻻﻃﻤﺌﻨﺎﻥ ﻭﺍﻟﺴﻜﻴﻨﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم: «ﺇﺫﺍ ﺗﻮﻟﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻋﻦ ﺳﻤﺎﻉ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﺃﻋﺮﺿﻮﺍ ﻋﻦ ﺷﺮﻳﻌﺘﻚ ﻭﺳﻨﺘﻚ، ﻓﻼ ﺗﺤﺰﻥ ﻭﻻ ﺗﻐﺘﻢ، ﻭﻗﻞ ﺣﺴﺒﻲ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﻬﻮ ﻭﺣﺪَﻩ ﻛﺎﻑٍ ﻟﻲ، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺗﻮﻛﻞ ﻋﻠﻴﻪ؛ ﺇﺫ ﻫﻮ ﺍﻟﻜﻔﻴﻞ ﺑﺄﻥ ﻳﻘﻴّﺾَ ﻣَﻦ ﻳﺘﺒﻌﻨﻲ ﺑﺪﻻ ﻣﻨﻜﻢ، ﻓﻌﺮﺷُﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ، ﻓﻼ ﺍﻟﻌﺎﺻﻮﻥ ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻬﺮﺑﻮﺍ ﻣﻨﻪ، ﻭﻻ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻴﻨﻮﻥ ﺑﻪ ﻳﻈﻠﻮﻥ ﺑﻐﻴﺮ ﻣَﺪﺩٍ ﻭﻋﻮﻥٍ ﻣﻨﻪ».

ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﻬﺬﺍ، ﻓﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻳﻘﻮﻝ: «ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻳﺎ ﻣﻦ ﻳﺘﻮﻟﻰ ﻗﻴﺎﺩﺓَ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺇﺭﺷﺎﺩَﻩ؛ ﻟﺌﻦ ﻭﺩّﻋﺘﻚ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕُ ﻛﻠُّﻬﺎ ﻭﺍﻧﻌﺪﻣﺖ ﻭﻣﻀﺖْ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ.. ﻭﺇﻥ ﻓﺎﺭﻗَﺘﻚ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀُ ﻭﺟﺮﺕ ﺇﻟﻰ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﻮﺕ.. ﻭﺇﻥ ﺗﺮﻛﻚ ﺍﻟﻨﺎﺱُ ﻭﺳﻜﻨﻮﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ.. ﻭﺇﻥ ﺃﻋﺮﺽ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻭﻟﻢ ﻳﺼﻐﻮﺍ ﺇﻟﻴﻚ ﻭﺗﺮﺩَّﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻠﻤﺎﺕ.. ﻓﻼ ﺗُﺒﺎﻝ ﺑﻬﻢ، ﻭﻻ ﺗَﻐﺘﻢ، ﻭﻗﻞ: ﺣﺴﺒﻲ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻜﺎﻓﻲ، ﻓﺈﺫ ﻫﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ ﻓﻜﻞ ﺷﻲﺀ ﻣﻮﺟﻮﺩ.. ﻭﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ، ﻓﺈﻥ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺮﺍﺣﻠﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﺬﻫﺒﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻡ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻨﻄﻠﻘﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻟﺮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﺳﻴﺮﺳﻞ ﺑﺪﻻ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻌﺪ ﻭﻻ ﻳﺤﺼﻰ ﻣﻦ ﺟﻨﻮﺩﻩ ﺍﻟﻤﺠﻨﺪﻳﻦ.. ﻭﺇﻥ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﻜﻨﻮﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ ﻟﻢ ﻳﻔﻨَﻮﺍ ﺃﺑﺪﺍً، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻨﺘﻘﻠﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺁﺧﺮ، ﻭﺳﻴﺒﻌﺚُ ﺑﺪﻻ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻮﻇﻔﻴﻦ ﺁﺧﺮﻳﻦ ﻳﻌﻤﺮﻭﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻳﺸﻐﻠﻮﻥ ﻣﺎ ﺧﻼ ﻣﻦ ﻭﻇﺎﺋﻔﻬﺎ.. ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳُﺮﺳﻞ ﻣﻦ ﻳُﻄﻴﻌﻪ ﻭﻳﺴﻠﻚ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ ﺑﺪﻻ ﻣﻤﻦ ﻭﻗﻌﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺍﻫﺒﻴﻦ..»

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻷﻣﺮ ﻫﻜﺬﺍ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻜﻔﻴﻞُ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﻛﻴﻞ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺒﺪﻳﻞ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻭﻟﻦ ﺗﻌﻮّﺽ ﺟﻤﻴﻊُ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻋﻨﻪ، ﻭﻟﻦ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﺪﻳﻼ ﻋﻦ ﺗﻮﺟّﻪ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﺗﻮﺟﻬﺎﺕ ﻟﻄﻔﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻟﻌﺒﺎﺩﻩ..

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻧﻘﻠﺒﺖ ﺻﻮﺭُ ﺍﻟﺠﻨﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺍﻋﺘﻨﻲ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﺷﻜﻞ ﺁﺧﺮ ﻣﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻷﻧﺲ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﻫﻮ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺗﺘﻬﺎﺩﻯ ﺟﻴﺌﺔً ﻭﺫﻫﺎﺑﺎً ﻓﻲ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﻛﺒﺮﻯ، ﺇﻧﻬﺎﺀً ﻟﺨﺪﻣﺎﺕ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ، ﻭﺇﺷﻐﺎﻻ ﻟﻮﺍﺟﺒﺎﺕ ﻣﺠﺪَّﺩﺓ ﺩﺍﺋﻤﺔ، ﻋﺒﺮ ﺭﺣﻠﺔ ﺫﺍﺕ ﺣﻜﻤﺔ، ﻭﺟﻮﻟﺔ ﺫﺍﺕ ﻋﺒﺮﺓ، ﻭﺳﻴﺎﺣﺔ ﺫﺍﺕ ﻣﻬﺎﻡ، ﻓﻲ ﻇِﻞ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻼﻝ، ﻭﺿﻤﻦ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ

ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:31) ﺗﻌﻠﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺇﻋﻼﻧﺎً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﻋﻦ ﻣﺪﻯ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻭﻣﺪﻯ ﺿﺮﻭﺭﺗﻬﺎ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺃﻗﻮﻯ ﻗﻴﺎﺱٍ ﻭﺃﺛﺒﺘُﻪ ﻣﻦ ﻗﺴﻢ ﺍﻟﻘﻴﺎﺱ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻲ، ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﻴﺔ، ﺇﺫ ﻳﺮﺩ ﻓﻴﻪ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ: «ﺇﺫﺍ ﻃﻠﻌﺖ ﺍﻟﺸﻤﺲُ ﻓﺴﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ». ﻭﻳﺮﺩ ﻣﺜﺎﻻ ﻟﻠﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ: «ﻃﻠﻌﺖ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻓﺎﻟﻨﻬﺎﺭ ﺇﺫﻥ ﻣﻮﺟﻮﺩ». ﻭﻳﺮﺩ ﻣﺜﺎﻻ ﻟﻠﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ: «ﻻ ﻧﻬﺎﺭ ﻓﺎﻟﺸﻤﺲ ﺇﺫﻥ ﻟﻢ ﺗﻄﻠﻊ». ﻓﻬﺎﺗﺎﻥ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺘﺎﻥ -ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ- ﺛﺎﺑﺘﺘﺎﻥ ﻭﻗﺎﻃﻌﺘﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، ﻓﺘﻘﻮﻝ: ﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﻟﺪﻳﻜﻢ ﻣﺤﺒﺔُ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﻼﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻻﺗﺒﺎﻉ ﻟ«ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻠﻪ». ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﺍﺗﺒﺎﻉ، ﻓﻠﻴﺲ ﻟﺪﻳﻜﻢ ﺇﺫﻥ ﻣﺤﺒﺔُ ﺍﻟﻠﻪ. ﺇﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺤﺒﺔٌ ﺣﻘﺎً ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻮﻟﺪ ﺣﺘﻤﺎً ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻟ«ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻠﻪ».

ﺃﺟﻞ، ﺇﻥ ﻣﻦ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻳُﻄﻌﻪ. ﻭﻻ ﺭﻳﺐ ﺃﻥ ﺃﻗﺼﺮَ ﻃﺮﻳﻖ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺃﻛﺜﺮَﻫﺎ ﻗﺒﻮﻻ ﻟﺪﻳﻪ، ﻭﺃﻗﻮﻣﻬﺎ ﺍﺳﺘﻘﺎﻣﺔً -ﺿﻤﻦ ﻃﺮﻕ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﺍﻟﻤﺆﺩﻳﺔ ﺇﻟﻴﻪ- ﻟﻬﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻠﻜﻬﺎ ﻭﺑﻴﻨﻬﺎ ﺣﺒﻴﺐُ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻸ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺑﻨﻌَﻤﻪ ﻭﺁﻻﺋﻪ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺪﻯ، ﺑﺪﻳﻬﻲ -ﺑﻞ ﺿﺮﻭﺭﻱ- ﺃﻥ ﻳﻄﻠﺐ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻣﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺗﺠﺎﻩ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨِﻌﻢ.

ﻭﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺯﻳّﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﻥَ ﺑﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺻﻨﻌﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪ، ﺳﻴﺠﻌﻞ ﺑﺎﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭُ ﺍﻟﻤﻤﺘﺎﺯ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﺎﺏ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﻣﺨﺎﻃَﺒﺎ ﻟﻪ، ﻭﺗﺮﺟﻤﺎﻧﺎ ﻷﻭﺍﻣﺮﻩ، ﻭﻣﺒﻠّﻐﺎً ﻟﻌﺒﺎﺩﻩ، ﻭﺇﻣﺎﻣﺎً ﻟﻬﻢ.

ﻭﺇﻥ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺫﺍ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻌﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻣُﻈﻬﺮﺍً ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﻌﺪ ﻭﻻ ﻳﺤﺼﻰ ﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ ﺳَﻴﻬﺐُ ﺑﺎﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﻟﻤﻦ ﻫﻮ ﺃﺟﻤﻊُ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻟﺒﺪﺍﺋﻊ ﺻﻨﻌﺘﻪ، ﻭﺃﻛﻤﻞُ ﻣَﻦ ﻳُﻈﻬﺮ ﻣﺎ ﻳﺤﺒُّﻪ ﻭﻳﺮﻳﺪ ﺇﻇﻬﺎﺭﻩ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻝٍ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﻭﺃﺳﻤﺎﺀ ﺣﺴﻨﻰ.. ﺳَﻴﻬﺐُ ﻟﻪ ﺃﻛﻤﻞَ ﺣﺎﻟﺔ ﻟﻠﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺟﺎﻋﻼ ﻣﻨﻪ ﺃﺳﻮﺓ ﺣﺴﻨﺔ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ﻭﻳﺤﺜﻬﻢ ﻻﺗﺒﺎﻋﻪ، ﻟﻴُﻈﻬﺮَ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻣﺎ ﻳﻤﺎﺛﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ.

ﺍﻟﺨﻼﺻﺔ: ﺃﻥ ﻣﺤﺒﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﺴﺘﻠﺰﻡ ﺍﺗﺒﺎﻉَ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻭﺗﻨﺘﺠُﻪ. ﻓﻄﻮﺑﻰ ﻟﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﺣﻈُّﻪ ﻭﺍﻓﺮﺍً ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﺗﺒﺎﻉ. ﻭﻭﻳﻞ ﻟﻤﻦ ﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺣﻖ ﻗﺪﺭﻫﺎ ﻓﻴﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﻉ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ

ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم: (ﻛُﻞ ﺑِﺪﻋﺔ ﺿﻼﻟﺔ ﻭﻛﻞ ﺿﻼﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ)، ﺃﻱ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻛﻤﻠﺖْ ﻗﻮﺍﻋﺪُ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﻐﺮﺍﺀ ﻭﺩﺳﺎﺗﻴﺮُ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ، ﻭﺃﺧﺬﺕ ﺗﻤﺎﻡَ ﻛﻤﺎﻟﻬﺎ، ﺑﺪﻻﻟﺔ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﴿ﺍﻟﻴﻮﻡَ ﺃﻛﻤﻠﺖُ ﻟﻜُﻢ ﺩﻳﻨَﻜُﻢ﴾ (ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ:٣) ﻓﺈﻥ ﻋﺪﻡ ﺍﺳﺘﺤﺴﺎﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺑِﻤُﺤﺪَﺛﺎﺕ ﺍﻷﻣﻮﺭ، ﺃﻭ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻉ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻌﺮ ﻛﺄﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﻧﺎﻗﺼﺔ -ﺣﺎﺵ ﻟﻠﻪ- ﺿﻼﻝٌ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻣﺴﺘﻘﺮ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﻨﺎﺭ.

ﺇﻥ ﻟﻠﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻣﺮﺍﺗﺐ:

ﻗﺴﻢٌ ﻣﻨﻬﺎ «ﻭﺍﺟﺐ» ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺮﻛُﻪ، ﻭﻫﻮ ﻣﺒﻴﻦٌ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﻐﺮﺍﺀ ﻣﻔﺼﻼ، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤُﺤﻜﻤﺎﺕ ﺃﻱ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺑﺄﻳﺔ ﺟﻬﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻥ ﺗﺘﺒﺪﻝ.

ﻭﻗﺴﻢ ﻣﻨﻬﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ «ﺍﻟﻨﻮﺍﻓﻞ»، ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺪﻭﺭﻩ ﻗﺴﻤﺎﻥ:

ﻗﺴﻢ ﻣﻨﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ، ﻭﻫﻲ ﻣﺒﻴّﻨﺔٌ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻭﺗﻐﻴﻴﺮُ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺑﺪﻋﺔٌ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻵﺧﺮ ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ «ﺍﻵﺩﺍﺏ» ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ، ﻭﻣﺨﺎﻟﻔﺘُﻬﺎ ﻻ ﺗﺴﻤﻰ ﺑﺪﻋﺔً، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺿﺔ ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻫﺎ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﺄﺩﺏ ﺑﺎﻷﺩﺏ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ. ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﻫﻮ ﺍﺗﺒﺎﻉُ ﺃﻓﻌﺎﻝِ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ ﺑﺎﻟﺘﻮﺍﺗﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌُﺮﻑ ﻭﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻣﻼﺕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ، ﻛﻜﺜﻴﺮٍ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﻦ ﻗﻮﺍﻋﺪَ ﺃﺩﺏ ﺍﻟﻤﺨﺎﻃﺒﺔ ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻷﻛﻞ ﻭﺍﻟﺸﺮﺏ ﻭﺍﻟﻨﻮﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻤﻌﺎﺷﺮﺓ. ﻓﻤَﻦْ ﻳﺘﺤﺮَّ ﺃﻣﺜﺎﻝَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ «ﺍﻵﺩﺍﺏ» ﻭﻳﺘﺒﻌﻬﺎ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺤﻮﻝ ﻋﺎﺩﺍﺗﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺎﺩﺍﺕ، ﻭﻳﺴﺘﻔﻴﺾ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﺫﻟﻚ ﺍﻷﺩﺏ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ، ﻷﻥ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓَ ﺃﺑﺴﻂِ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﻭﺃﺻﻐﺮِﻫﺎ ﺗﺬﻛّﺮ ﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻋﻈﻢ صلى الله عليه وسلم ﻣﻤﺎ ﻳﺴﻜﺐ ﺍﻟﻨﻮﺭَ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻠﺐ.

ﺇﻥَّ ﺃﻫﻢ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻫﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﻋﻼﻣﺎﺕِ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺸﻌﺎﺋﺮ، ﺇﺫ ﺍﻟﺸﻌﺎﺋﺮ ﻫﻲ ﻋﺒﺎﺩﺓٌ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺُّ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ؛ ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻗﻴﺎﻡ ﻓﺮﺩ ﺑﻬﺎ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻛﻠﻪ، ﻓﺈﻥ ﺗﺮﻛﻬﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔَ ﻛﻠﻬﺎ ﻣﺴﺆﻭﻟﺔ. ﻓﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻌﺎﺋﺮ ﻳُﻌﻠﻦ ﻋﻨﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﺃﺭﻓﻊُ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗﻨﺎﻟﻬﺎ ﺃﻳﺪﻱ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﻭﺃﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾِ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻨﻮﺍﻓﻞ.

ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺃﻣﺮﻫﺎ ﻟﻬﻲ ﺃﺩﺏٌ ﻋﻈﻴﻢ، ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺇﻟّﺎ ﻭﺗﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺃﺩﺏ ﻭﻧﻮﺭ ﻋﻈﻴﻢ. ﻭﺻﺪﻕ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻝ: (ﺃﺩّﺑﻨﻲ ﺭﺑﻲ ﻓﺄﺣﺴﻦ ﺗﺄﺩﻳﺒﻲ). ﻧﻌﻢ، ﻓﻤﻦ ﻳﻤﻌﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻭﻳﺤﻂ ﻋﻠﻤﺎً ﺑﺎﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ، ﻳﺪﺭﻙ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﺃﻥَّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ ﺟﻤﻊ ﺃﺻﻮﻝَ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﻭﻗﻮﺍﻋﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﺣﺒﻴﺒﻪ صلى الله عليه وسلم. ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﻬﺠﺮ ﺳُﻨﺘﻪ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﻭﻳﺠﺎﻓﻴﻬﺎ ﻓﻘﺪ ﻫﺠﺮ ﻣﻨﺎﺑﻊَ ﺍﻷﺩﺏ ﻭﺃﺻﻮﻟﻪ، ﻓﻴﺤﺮﻡ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻦ ﺧﻴﺮ ﻋﻈﻴﻢ، ﻭﻳﻈﻞ ﻣﺤﺮﻭﻣﺎً ﻣﻦ ﻟﻄﻒ ﺍﻟﺮﺏ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﺳﻮﺀ ﺃﺩﺏ ﻭﺑﻴﻞ. ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻣﺼﺪﺍﻕ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ:

  ﺑِﻰ ﺃَﺩَﺏْ ﻣَﺤْﺮُﻭﻡْ ﺑَﺎﺷَﺪْ ﺃَﺯْ ﻟُﻄْﻒِ ﺭَﺏْ.

ﺳﺆﺍﻝ: ﻛﻴﻒ ﻧﺘﺄﺩﺏ ﻣﻊ ﻋﻠّﺎﻡ ﺍﻟﻐﻴﻮﺏ، ﺍﻟﺒﺼﻴﺮ ﺍﻟﻌﻠﻴﻢ، ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﺎﻻﺕٍ ﺗﺪﻋﻮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﺠﻞ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺧﻔﺎﺅﻫﺎ ﻋﻨﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ، ﻭﻻ ﺍﻟﺘﺴﺘﺮ ﻣﻨﻪ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺳﺘﺮُ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﻜﺮﻫﺔ ﺃﺣﺪُ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﺩﺏ؟.

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ:

 ﺃﻭﻻ: ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﻳﻈﻬﺮ ﺻﻨﻌﺘﻪ ﺇﻇﻬﺎﺭﺍً ﺟﻤﻴﻼ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺗﻪ، ﻭﻳﺄﺧﺬ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﻜﺮَﻫﺔ ﺗﺤﺖ ﺃﺳﺘﺎﺭ ﻭﺣُﺠﺐ، ﻭﻳﺰﻳّﻦ ﻧِﻌَﻤﻪ ﻭﻳﺠﻤّﻠﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻟﺘﺸﺘﺎﻗﻬﺎ ﺍﻷﺑﺼﺎﺭ. ﻛﺬﻟﻚ ﻳﻄﻠﺐ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﻦ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺗﻪ ﻭﻋﺒﺎﺩﻩ ﺃﻥ ﻳَﻈﻬﺮﻭﺍ ﺃﻣﺎﻡ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺄﺟﻤﻞ ﺻﻮﺭﻫﻢ ﻭﺃﻛﺜﺮﻫﺎ ﺣُﺴﻨﺎً؛ ﺇﺫ ﺇﻥ ﻇﻬﻮﺭَﻫﻢ ﻟﻠﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﺰﺭﻳﺔ ﻗﺒﻴﺤﺔ، ﻭﺃﻭﺿﺎﻉ ﻣﺴﺘﻬﺠﻨﺔ، ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﺎﻓﻴﺎً ﻟﻸﺩﺏ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ، ﻭﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺗﺠﺎﻩ ﻗﺪﺳﻴﺔ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺃﻣﺜﺎﻝ: «ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ، ﺍﻟﻤﺰﻳّﻦ، ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ، ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ». ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺎﻷﺩﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮﺓ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺗﺄﺩﺏ ﺑﺎﻷﺩﺏ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺿﻤﻦ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﻟﻠﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ.

ﺛﺎﻧﻴﺎً: ﺇﻥَّ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﺷﺪ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺣُﺮﻣﺔً ﻟﻤﻦ ﻳُﺤﺮﻡ ﻋﻠﻴﻪ، ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻄﺐ ﻭﺍﻟﻌﻼﺝ. ﺑﻞ ﻳﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﻓﻲ -ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ- ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﻭﻻ ﻳُﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺧﻼﻓﺎً ﻟﻸﺩﺏ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻣُﻘﺘﻀﻴﺎﺕ ﺍﻟﻄﺐ. ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﻧﻔﺴﻪ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻛﻮﻧﻪ ﺭﺟﻼ ﺃﻭ ﻭﺍﻋﻈﺎً ﺃﻭ ﻋﺎﻟﻤﺎً، ﻓﻼ ﻳﺴﻤﺢ ﺍﻷﺩﺏُ ﻗﻄﻌﺎً ﺑﺈﻇﻬﺎﺭﻫﺎ ﻟﻪ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻌﻨﺎﻭﻳﻦ ﻭﺍﻟﺼﻔﺎﺕ. ﺑﻞ ﻳُﻌﺪّ ﺫﻟﻚ ﺍﻧﻌﺪﺍﻣﺎً ﻟﻠﺤﻴﺎﺀ.

﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ﻓﺈﻥ ﻟﻠﺼﺎﻧﻊ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺣﺴﻨﻰ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻭﻟﻜﻞ ﺍﺳﻢ ﺗﺠﻠﻴﻪ، ﻓﻤﺜﻼ: ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﺳﻢُ «ﺍﻟﻐﻔﺎﺭ» ﻭﺟﻮﺩَ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ، ﻭﺍﺳﻢُ «ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ» ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺘﻘﺼﻴﺮﺍﺕ، ﻓﺈﻥ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ» ﻻ ﻳﺮﺿﻰ ﺑﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﻘﺒﺢ. ﻭﺃﻥ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻟﻴﺔ، ﺃﻣﺜﺎﻝ: «ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ، ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ»، ﺗﻘﺘﻀﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕُ ﻓﻲ ﺃﺣﺴﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭ، ﻭﻓﻲ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻷﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ. ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻟﻴﺔ ﺗﻘﺘﻀﻰ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺟﻤﺎﻟﻬﺎ؛ ﺑﺎﻷﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻭﺗﺄﺩّﺑﻬﺎ ﺑﺎﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﺤﺴﻨﺔ، ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻧﻈﺎﺭ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﺠﻦ ﻭﺍﻹﻧﺲ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺎﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻀﻤﻨﻬﺎ ﺍﻟﺴﻨﺔُ ﺍﻟﻤﻄﻬﺮﺓ ﺇﺷﺎﺭﺓٌ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﻭﻟﻔﺘﺔٌ ﺇﻟﻰ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮﻫﺎ ﻭﻧﻤﺎﺫﺟﻬﺎ.

اللمعة العاشرة

 «ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻟﻄﻤﺎﺕ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﻭﺻﻔﻌﺎﺕ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ»

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:30)

  ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺗﻔﺴّﺮ ﺳﺮﺍً ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺬﻛﺮ ﻟﻄﻤﺎﺕِ ﺗﺄﺩﻳﺐٍ ﺭﺣﻴﻤﺔ ﻭﺻﻔﻌﺎﺕِ ﻋﺘﺎﺏٍ ﺭﺅﻭﻓﺔ ﺗﻠﻘﺎﻫﺎ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍﻷﺣﺒﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻮﻥ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺀ ﺃﺧﻄﺎﺀ ﻭﻧﺴﻴﺎﻥ ﻭﻏﻔﻠﺔ ﻭﻗﻌﻮﺍ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺟﺒﻠّﺘﻬﻢ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ.

ﻭﺳﺘُﺒﻴَّﻦ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ ﻛﺮﺍﻣﺎﺕ ﻳﺠﺮﻳﻬﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﻗﺮﺁﻧﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ.. ﻣﻊ ﺑﻴﺎﻥ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻟﻜﻴﻼﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺪّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﺑﺪﻋﺎﺋﻪ ﻭﻫﻤﺘﻪ ﻭﻳﺮﺍﻗﺒﻬﺎ ﺑﺈﺫﻥ ﺇﻟﻬﻲ.

ﻧﺒﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺎﺕ ﻟﻌﻞ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻳﺰﺩﺍﺩﻭﻥ ﺛﺒﺎﺗﺎً ﻭﺇﻗﺪﺍﻣﺎً ﻭﺟﺪّﻳﺔ ﻭﺇﺧﻼﺻﺎً.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ، ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻧﻮﺍﻉ:

  ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻷﻭﻝ: ﺗﻬﻴﺌﺔ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﺨﺪﻣﺔ، ﻭﺳَﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ.

ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺭَﺩّ ﺍﻟﻤﻮﺍﻧﻊ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻬﺎ، ﻭﺩﻓﻊُ ﺍﻷﺿﺮﺍﺭ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﺗﺄﺩﻳﺐُ ﻣﻦ ﻳﻌﻴﻖ ﺳﻴﺮَﻫﺎ، ﺑﺈﻧﺰﺍﻝ ﻋﻘﻮﺑﺎﺕ ﺑﻬﻢ.. ﻫﻨﺎﻙ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﺣﻮﻝ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﻘﺴﻤﻴﻦ، ﻭﻳﻄﻮﻝ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻨﻬﻤﺎ (حاشية) ﻓﻤﺜﻼ: ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﺎﻣﻮﺍ ﻃﻼﺏ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻭﺍﻹﻫﺎﻧﺔ ﻭﺍﻟﻌﻨﺖ ﻗﺪ ﻧﺎﻟﻮﺍ ﺟﺰﺍﺀﻫﻢ ﻣﺜﻠﻬﺎ ﺑﻞ ﺃﺯﻳﺪ ﻣﻨﻬﺎ. ﻟﺬﺍ ﻧﺆﺟﻞ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﻗﺖ ﺁﺧﺮ ﺧﺸﻴﺔ ﺍﻟﺴﺄﻡ. ﻭﻧﺸﺮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺧﻔّﻬﺎ ﺗﻨﺎﻭﻻ ﻭﺃﺑﺴﻄُﻬﺎ ﻓﻬﻤﺎً.

ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ، ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﻌﺘﺮﻳﻬﻢ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭُ ﻭﺍﻹﻫﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻳﺄﺗﻴﻬﻢ ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮُ ﻭﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻪ ﻓﻴﺘﻠﻘﻮﻥ ﻟﻄﻤﺔً ﺫﺍﺕَ ﺭﺃﻓﺔ ﻭﻋﻄﻒ، ﻭﻳﻨﺘﺒﻬﻮﻥ ﻣﻦ ﻏﻔﻠﺘﻬﻢ، ﻭﻳﺴﺮﻋﻮﻥ ﺑﺠﺪ ﻟﻠﺨﺪﻣﺔ ﻣﺮﺓً ﺃﺧﺮﻯ. ﺇﻥَّ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺗﺮﺑﻮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﺋﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺴﻮﻕ ﻫﻨﺎ ﻣﺎ ﻳﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺣﺎﺩﺛﺔ ﺟﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻨﺎ، ﻋﺸﺮﺓ ﻭﻧﻴﻒٌ ﻣﻨﻬﻢ ﺗﻠﻘﻮﺍ ﻟﻄﻤﺔَ ﺣﻨﺎﻥ ﺭﺅﻭﻓﺔ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﻠﻘّﻰ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﺳﺒﻌﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﻟﻄﻤﺔَ ﺯﺟﺮٍ ﻋﻨﻴﻔﺔ.

  ﻓﺎﻷﻭﻝ ﻣﻨﻬﻢ:

ﻫﻮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦ.. «ﺳﻌﻴﺪ»، ﻓﻜﻠﻤﺎ ﺍﻧﺸﻐﻠﺖُ ﺑﻤﺎ ﻳﻌﻮﺩ ﻋﻠﻰ ﺧﺎﺻﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﻤﺎ ﻳﻔﺘﺮ ﻋﻤﻠﻲ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ، ﺃﻭ ﺍﻧﻬﻤﻜﺖُ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭﻱ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻭﻗﻠﺖ: ﻣﺎ ﻟﻲ ﻭﻟﻶﺧﺮﻳﻦ! ﺃﺗﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮُ ﻭﺟﺎﺀﺗﻨﻲ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ؛ ﻟﺬﺍ ﺑﺖُّ ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔَ ﻟﻢ ﺗﻨﺰﻝ ﺇﻟّﺎ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺇﻫﻤﺎﻟﻲ ﻭﻓﺘﻮﺭﻱ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ؛ ﻷﻧﻨﻲ ﻛﻨﺖ ﺃﺗﻠﻘﻰ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﺑﺨﻼﻑ ﺍﻟﻤﻘﺼﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺎﻗﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ.. ﺛﻢ ﺑﺪﺃﻧﺎ ﻣﻊ ﺍﻻﺧﻮﺓ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻧﺘﺎﺑﻊ ﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻭﻧﻼﺣﻆ ﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻬﺎﺕ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﻔﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺰﻟﺖ ﺑﺈﺧﻮﺗﻲ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ.. ﻓﺄﻣﻌﻨﺎ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﺗﻘﺼّﻴﻨﺎ ﻛﻼ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﻮﺟﺪﻧﺎ ﺃﻥَّ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﻗﺪ ﺃﺗﺘﻬﻢ ﻣﺜﻠﻲ ﺣﻴﺜﻤﺎ ﺃﻫﻤﻠﻮﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞَ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﻭﺗﻠﻘّﻮﻫﺎ ﺑﻀﺪِّ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻘﺼﺪﻭﻧﻪ، ﻟﺬﺍ ﺣﺼﻠﺖْ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﺍﻟﻘﻨﺎﻋﺔُ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﺑﺄﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﻣﻦ ﻛﺮﺍﻣﺎﺕ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ. ﻓﻤﺜﻼ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻌﻴﺪ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.. ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﻣﻨﺸﻐﻼ ﺑﺈﻟﻘﺎﺀ ﺩﺭﻭﺱٍ ﻓﻲ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻠﻰ ﻃﻼﺑﻲ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ «ﻭﺍﻥ» ﻛﺎﻧﺖ ﺣﻮﺍﺩﺙ «ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺳﻌﻴﺪ» ﺗﻘﻠﻖ ﺑﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ. ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﻴﺎﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ، ﻟﻢ ﻳﻤﺴّﻮﻧﻲ ﺑﺴﻮﺀ، ﻭﻟﻢ ﻳﺠﺪﻭﺍ ﻋﻠﻲَّ ﺣﺠﺔً ﻣﺎﺩﻣﺖُ ﻣﺴﺘﻤﺮﺍً ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ. ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﺇﻥ ﻗﻠﺖُ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ: «ﻣﺎ ﻟﻲ ﻭﻟﻶﺧﺮﻳﻦ»! ﻭﻓﻜﺮﺕُ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﺤﺴﺐ، ﻭﺍﻧﺴﺤﺒﺖُ ﺇﻟﻰ ﺟﺒﻞ «ﺃﺭﻙ» ﻷﻧﺰﻭﻱ ﻓﻲ ﻣﻐﺎﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﺨﺮﺑﺔ، ﻭﺃﻧﺠﻮ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ، ﺇﺫﺍ ﺑﻬﻢ ﻳﺄﺧﺬﻭﻧﻲ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻐﺎﺭﺓ ﻭﻳﻨﻔﻮﻧﻲ ﻣﻦ ﻭﻻﻳﺔ ﺷﺮﻗﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﺮﻯ ﻏﺮﺑﻴﺔ، ﺇﻟﻰ «ﺑﻮﺭﺩﻭﺭ».

ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻮﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻳﺮﺍﻗﺒﻮﻥ ﺍﻟﻤﻨﻔﻴﻴﻦ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔً ﺷﺪﻳﺪﺓ، ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻨﻔﻴﻴﻦ ﺇﺛﺒﺎﺕُ ﻭﺟﻮﺩِﻫﻢ ﺑﺤﻀﻮﺭﻫﻢ ﻣﺴﺎﺀَ ﻛﻞِّ ﻳﻮﻡ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﻭﻃﻼﺑﻲ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﺍﺳﺘُﺜﻨﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﺎ ﺩﻣﺖُ ﻗﺎﺋﻤﺎً ﺑﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻓﻠﻢ ﺃﺫﻫﺐ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﻮﺭ ﻭﻟﻢ ﺃﻋﺮﻑ ﺃﺣﺪﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﻦ ﻫﻨﺎﻙ. ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﺍﻟﻮﺍﻟﻲ ﺷﻜﺎ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﻟﺪﻯ «ﻓﻮﺯﻱ ﺑﺎﺷﺎ» ﻋﻨﺪ ﻗﺪﻭﻣﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻓﺄﻭﺻﺎﻩ: «ﺍﺣﺘﺮﻣﻮﻩ! ﻻ ﺗﺘﻌﺮﺿﻮﺍ ﻟﻪ!». ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻧﻄﻘﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻫﻮ ﻛﺮﺍﻣﺔُ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ، ﺇﺫ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺍﺳﺘﻮﻟﺖ ﻋﻠﻲَّ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔُ ﻓﻲ ﺇﻧﻘﺎﺫ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺇﺻﻼﺡ ﺁﺧﺮﺗﻲ، ﻭﻓﺘﺮﺕُ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ -ﻣﺆﻗﺘﺎً- ﺟﺎﺀﺗﻨﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔُ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﻛﻨﺖُ ﺃﻗﺼﺪﻩ ﻭﺃﺗﻮﻗﻌﻪ، ﺃﻱ ﻧُﻔﻴﺖُ ﻣﻦ «ﺑﻮﺭﺩﻭﺭ» ﺇﻟﻰ ﻣﻨﻔﻰ ﺁﺧﺮ.. ﺇﻟﻰ «ﺇﺳﺒﺎﺭﻃﺔ».

ﺗﻮﻟﻴﺖُ ﻫﻨﺎﻙ ﺍﻟﻌﻤﻞَ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻛﺬﻟﻚ.. ﻭﻟﻜﻦ ﺑﻌﺪ ﻣﺮﻭﺭ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻛﺜُﺮﺕ ﻋﻠﻲَّ ﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻬﺎﺕ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺘﺨﻮﻓﻴﻦ، ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﺭﺑﻤﺎ ﻻ ﻳُﺤﺒﺬُ ﻣﺴﺆﻭﻟﻮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓ ﻋﻤﻠﻚَ ﻫﺬﺍ ﻓﻬﻠَّﺎ ﺃﺧﺬﺕَ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺘﺄﻧّﻲ ﻭﺍﻟﺘﺮﻳﺚ؟!.. ﺳﻴﻄﺮ ﻋﻠﻲَّ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡُ ﺑﺨﺎﺻﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺑﻤﺼﻴﺮﻱ ﻓﺤﺴﺐ، ﻓﺄﻭﺻﻴﺖُ ﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ ﺑﺘﺮﻙ ﻣﻘﺎﺑﻠﺘﻲ ﻭﺍﻧﺴﺤﺒﺖُ ﻣﻦ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﻌﻤﻞ.. ﻭﺟﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﻲُ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ.. ﻓﻨﻔﻴﺖ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﻔﻰً ﺛﺎﻟﺚ.. ﺇﻟﻰ «ﺑﺎﺭﻻ».

ﻭﻛﻨﺖُ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻠﻤﺎ ﺃﺻﺎﺑﻨﻲ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭُ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﺳﺘﻮﻟﻰ ﻋﻠﻲَّ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﺑﺨﺎﺻﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺇﺻﻼﺡ ﺁﺧﺮﺗﻲ، ﻛﺎﻥ ﺃﺣﺪُ ﺛﻌﺎﺑﻴﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻳﺘﺴﻠﻂ ﻋﻠﻲَّ، ﻭﺃﺣﺪُ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻲ. ﻭﺃﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺍﻵﻥ ﺃﻥ ﺃﺳﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﻣﻌﻜﻢ ﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﺣﺎﺩﺛﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺧﻼﻝ ﺛﻤﺎﻧﻲ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻗﻀﻴﺘُﻬﺎ ﻓﻲ «ﺑﺎﺭﻻ» ﻭﻟﻜﻦْ ﺧﺸﻴﺔَ ﺍﻟﻤﻠﻞ ﺃﻗﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺫﻛﺮﺕ.

ﻓﻴﺎ ﺇﺧﻮﺗﻲ! ﻟﻘﺪ ﺫﻛﺮﺕُ ﻟﻜﻢ ﻣﺎ ﺃﺻﺎﺑﺘﻨﻲ ﻣﻦ ﻟﻄﻤﺎﺕ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﻭﺻﻔﻌﺎﺕ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺤﻨﺎﻥ، ﻓﺈﺫﺍ ﺳﻤﺤﺘﻢ ﺑﺄﻥ ﺃﺳﺮﺩَ ﻣﺎ ﺗﻠﻘﻴﺘﻤﻮﻩ ﺃﻧﺘﻢ ﻣﻦ ﻟﻄﻤﺎﺕ ﺭﺅﻭﻓﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﺴﺄﺫﻛﺮﻫﺎ، ﻭﺃﺭﺟﻮ ﺃﻟّﺎ ﺗﺴﺘﺎﺀﻭﺍ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻜﻢ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺫﻛﺮﻫﺎ ﻓﻠﻦ ﺃُﺻﺮّﺡَ ﺑﺎﺳﻤﻪ.

  ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻫﻮ ﺃﺧﻲ «ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ» ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻃﻼﺑﻲ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﺍﻟﻤﻀﺤﻴﻦ.. ﻛﺎﻥ ﻳﻤﻠﻚ ﺩﺍﺭﺍً ﺃﻧﻴﻘﺔً ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻓﻲ «ﻭﺍﻥ» ﻭﺣﺎﻟﺘُﻪ ﺍﻟﻤﻌﺎﺷﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻳﺮﺍﻡ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺰﺍﻭﻝ ﻣﻬﻨﺔ ﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺲ.. ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﺍﺳﺘﻮﺟﺒﺖْ ﺧﺪﻣﺔُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺫﻫﺎﺑﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺎﻥ ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ، ﺃﺭﺩﺕُ ﺍﺳﺘﺼﺤﺎﺑﻪ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻮﺍﻓﻖ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺭﺃﻯ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﻓﻀﻞ ﻋﺪﻡَ ﺫﻫﺎﺑﻲ ﺃﻧﺎ ﻛﺬﻟﻚ، ﺣﻴﺚ ﻗﺪ ﻳﺸﻮﺏُ ﺍﻟﻌﻤﻞَ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﻗﺪ ﻳﻌﺮّﺿﻪ ﻟﻠﻨﻔﻲ، ﻭﻓﻀّﻞ ﺍﻟﻤﻜﻮﺙ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﻭﻟﻢ ﻳﺸﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ. ﻭﻟﻜﻦ ﺟﺎﺀﺗﻪ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔُ ﺍﻟﺮﺣﻤﺎﻧﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﺿﺪ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ، ﻭﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﺗﻮﻗﻊ ﻣﻨﻪ، ﺇﺫ ﺃُﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻭﺃُﺑﻌﺪ ﻋﻦ ﻣﻨﺰﻟﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻭﺃُﺭﻏﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﺇﻟﻰ «ﺃﺭﻏﺎﻧﻲ».

  ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻭﻫﻮ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﺭﺯﻳﻦ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﺳﺎﻓﺮ ﻣﻦ ﻗﻀﺎﺀ «ﺃﻛﺮﻳﺪﺭ» ﺇﻟﻰ ﺑﻠﺪﺗﻪ، ﺗﻴﺴﺮﺕْ ﻟﻪ ﺃﺳﺒﺎﺏُ ﺍﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻤﺒﺎﻫﺞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺳﻌﺎﺩﺗﻬﺎ، ﻣﻤﺎ ﺩﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭ ﻋﻦ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﻟﻠﻪ. ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺘﻘﻰ ﻭﺍﻟﺪﻳﻪ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﻓﺎﺭﻗﻬﻤﺎ ﻣﻨﺬ ﻣﺪﺓ ﻣﺪﻳﺪﺓ، ﻭﺣَﻞَّ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺘﻪ ﻭﻫﻮ ﺑﻜﺎﻣﻞ ﺑﺰّﺗﻪ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﻭﺭﺗﺒﺘﻪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ، ﻓﺒﺪﺕ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﻪ ﺣﻠﻮﺓً ﺧﻀﺮﺓ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳُﻌﺮِﺿﻮﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺗُﻌﺮِﺽُ ﻋﻨﻬﻢ، ﻛﻲ ﻳﻨﻬﻀﻮﺍ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﺑﺠﺪٍ ﻭﻧﺸﺎﻁٍ ﻭﺇﺧﻼﺹ.. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻌﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻗﻠﺐ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﺛﺎﺑﺖ ﻻ ﻳﺘﺰﻋﺰﻉ، ﻭﻫﻮ ﺭﺍﺑﻂ ﺍﻟﺠﺄﺵ، ﻓﻘﺪ ﺳﺎﻗﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊُ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺑﺘﺴﻢ ﻟﻪ، ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭ.. ﻓﺠﺎﺀﺗﻪ ﻟﻄﻤﺔٌ ﺫﺍﺕ ﺭﺃﻓﺔ، ﺇﺫ ﺗﻌﺮّﺽ ﻟﻪ ﻋﺪﺩٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ ﻃﻮﺍﻝ ﺳﻨﺘﻴﻦ ﻣﺘﻮﺍﻟﻴﺘﻴﻦ، ﻓﺴﻠﺒﻮﻩ ﻟﺬﺓَ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺃﻓﻘﺪﻭﻩ ﻃﻌﻤَﻬﺎ، ﺣﺘﻰ ﺟﻌﻠﻮﻩ ﻳﻤﺘﻌﺾ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻳﻌﺰﻑ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺗﻤﺘﻌﺾ ﻣﻨﻪ ﻭﺗﻌﺰﻑ ﻋﻨﻪ، ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﺍﻟﺘﻒ ﺣﻮﻝَ ﺭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻭﺍﺳﺘﻤﺴﻚ ﺑﻬﺎ ﺑﺠﺪٍ ﻭﻧﺸﺎﻁ.

  ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺃﺣﻤﺪ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮ» ﻭﺳﻴﻘﺺُّ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻣﺎ ﻭﻗﻊ ﻟﻪ ﺑﻨﻔﺴِﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﻟﻘﺪ ﺃﺧﻄﺄﺕُ ﻓﻲ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺣﻴﺚ ﻓﻜﺮﺕُ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺁﺧﺮﺗﻲ، ﻓﻤﺎ ﺃﻥ ﺑَﺪﺍ ﻓﻲّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﺘﺮﺕُ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ. ﻓﺄﺗﺘﻨﻲ ﻟﻄﻤﺔٌ ﺭﺅﻭﻓﺔ، ﺭﻏﻢ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﻭﺷﺪﺓ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺻﻔﻌﺔً ﺷﺪﻳﺪﺓ ﻭﺯﺟﺮﺍً ﻋﻨﻴﻔﺎً، ﺃﺭﺟﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﻔﺎﺭﺓً ﻋﻤﺎ ﺑﺪﺭ ﻣﻨﻲ ﻣﻦ ﻏﻔﻠﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻘﺮﺁﻧﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ. ﻭﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻛﺎﻵﺗﻲ:

ﻛﺎﻥ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﻻ ﻳﻮﺍﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺪَﺛﺎﺕ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺅﺩﻱ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺟﻤﺎﻋﺔً ﻳﻘﻊ ﺑﺠﻮﺍﺭ ﻣﺴﻜﻦ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ، ﻭﺍﻟﺸﻬﻮﺭ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ -ﺭﺟﺐ ﺷﻌﺒﺎﻥ ﺭﻣﻀﺎﻥ- ﻣﻘﺒﻠﺔٌ ﻋﻠﻴﻨﺎ، ﻓﻘﺪ ﺣﺪﺛﺘﻨﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﺎﻵﺗﻲ:

ﺇﻥ ﻟﻢ ﺃﺅﺩِ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺒﺪﻋﻲ، ﺃُﻣﻨَﻊ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻲ، ﻭﺇﻥ ﺗﺮﻛﺖُ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﻭﻟﻢ ﺃُﺻﻞِّ ﻓﻴﻪ ﺇﻣﺎﻣﺎً ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻳﻀﻴﻊ ﻣﻨﻲ ﺛﻮﺍﺏٌ ﻋﻈﻴﻢ ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻬﻮﺭ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﻤﺤﻠﺔ ﺳﻴﻌﺘﺎﺩﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ.. ﻓﺮﻏﺒﺖُ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﺃﻥ ﻟﻮ ﻳﻐﺎﺩﺭ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ -ﻭﻫﻮ ﺃﺣﺐُّ ﺇﻟﻲَّ ﻣﻦ ﺭﻭﺣﻲ- ﺍﻟﻘﺮﻳﺔَ «ﺑﺎﺭﻻ»، ﻳﻐﺎﺩﺭﻫﺎ ﻣﺆﻗﺘﺎً ﺇﻟﻰ ﻗﺮﻳﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻛﻲ ﺃﺅﺩﻱ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﻓﻖ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻤُﺤﺪَﺛﺔ. ﻭﻟﻜﻦ ﻓﺎﺗﻨﻲ ﺷﻲﺀٌ ﻫﻮ ﺃﻥ ﻟﻮ ﻏﺎﺩﺭ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻓﺴﻮﻑ ﻳَﻔﺘُﺮُ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﻭﻟﻮ ﻣﺆﻗﺘﺎً. ﻓﺠﺎﺀﺗﻨﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔُ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺛﻨﺎﺀ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻟﻄﻤﺔً ﻗﻮﻳﺔ ﺟﺪﺍً ﻣﻊ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻨﺎﻥٍ ﻭﺭﺃﻓﺔ. ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻨﻲ ﻟﻢ ﺃﻓﻖ ﻣﻦ ﺷﺪﺗﻬﺎ ﻣﻨﺬ ﺛﻼﺛﺔ ﺷﻬﻮﺭ.

ﻓﺄﻣﻠﻲ ﻋﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﺳﻌﺔ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﻛﻞَّ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺩﻗﺎﺋﻖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻋﺒﺎﺩﺓِ ﻳﻮﻡ ﻛﺎﻣﻞ -ﻛﻤﺎ ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﺑﻪ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺑﻤﺎ ﺃﻟﻬﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ- ﺣﻴﺚ ﺇﻥّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻗﺪ ﺑَﺪﺭَ ﻣﻨﻲ ﻟﺪﻭﺍﻓﻊَ ﺷﺨﺼﻴﺔ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺧﻄﺄٌ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، ﻭﻟﻢ ﻳﻨﺠﻢ ﺇﻟّﺎ ﻋﻦ ﺗﻔﻜﻴﺮﻱ ﺑﺂﺧﺮﺗﻲ ﻭﺣﺪﻫﺎ.

  ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺣﻘﻲ». ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺣﺎﺿﺮﺍً ﻣﻌﻨﺎ، ﻓﺴﺄﻧﻮﺏ ﻋﻨﻪ ﻛﻤﺎ ﻧُﺒْﺖُ ﻋﻦ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﻓﺄﻗﻮﻝ:

ﻛﺎﻥ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺣﻘﻲ» ﻳُﻮﻓﻲ ﺣﻖَّ ﻣﻬﻤﺘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺃﻳّﻤﺎ ﺇﻳﻔﺎﺀ. ﻭﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻋُﻴّﻦ ﻗﺎﺋﻤﻘﺎﻡ ﺳﻔﻴﻪ ﻟﻠﻘﻀﺎﺀ، ﻓﻜَّﺮ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺣﻘﻲ ﺃﻥ ﻳُﺨﺒﺊ ﻣﺎ ﻟﺪﻳﻪ ﻣﻦ «ﺭﺳﺎﺋﻞ» ﺧﺸﻴﺔَ ﺃﻥ ﻳﺼﻴﺒَﻪ ﻭﺃﺳﺘﺎﺫﻩ ﺃﺫﻯً ﻣﻨﻪ، ﻓﺘﺮﻙ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻣﺆﻗﺘﺎً، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻠﻄﻤﺔٍ ﺫﺍﺕ ﺭﺣﻤﺔ ﻭﺣﻨﺎﻥ ﺗﻮﺍﺟﻬﻪ، ﺇﺫ ﻓُﺘﺤﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﻋﻮﻯ ﻛﺎﺩﺕ ﺗُﻠﺠﺌﻪ ﺇﻟﻰ ﺩﻓﻊ ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺮﺓ ﻛﻲ ﻳَﺒﺮﺃ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﺒﺎﺕ ﺗﺤﺖ ﻭﻃﺄﺓ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻃﻮﺍﻝ ﺳﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ. ﺣﺘﻰ ﺃﺗﺎﻧﺎ ﻋﺎﺋﺪﺍً ﺇﻟﻰ ﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﻃﺎﻟﺒﺎً ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻓﺄﻧﻘﺬﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺭﻃﺔ ﻭﺭُﻓﻊ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺤﻜﻢ، ﻭﺑُﺮﺋﺖ ﺳﺎﺣﺘُﻪ.

ﺛﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻓُﺘﺢ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻄﻼﺏ ﻣﻴﺪﺍﻥُ ﻋﻤﻞ ﺟﺪﻳﺪ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﻭﻫﻮ ﺍﺳﺘﻨﺴﺎﺧﻪ ﺑﺨﻂ ﺟﻤﻴﻞ ﻭﺑﻨﻤﻂ ﺟﺪﻳﺪ، ﺃُﻋﻄﻲ ﻟﻠﺴﻴﺪ ﺣﻘﻲ ﺣﺼﺘَﻪ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻨﺴﺎﺥ، ﻓﺄﺟﺎﺩ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻤﺎ ﻛُﻠّﻒ، ﻭﻛﺘﺐ ﺟﺰﺀﺍً ﻛﺎﻣﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺃﺣﺴﻦ ﻛﺘﺎﺑﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﻯ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻀﻄﺮﺓ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﻴﺶ، ﻓﻘﺪ ﻟﺠﺄ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻮﻛﺎﻟﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﻭﻯ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ، ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻋﻠﻤﻨﺎ، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻪ ﻳﺘﻠﻘﻰ ﻟﻄﻤﺔً ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻟﻪ، ﺇﺫ ﺍﻧﺜﻨَﺖ ﺇﺻﺒﻌُﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﻜﺘﺐ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻧﻨﺎ ﻟﻢ ﻧﻜﻦ ﻧﻌﻠﻢ ﺗﻮﺭﻃَﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻓﻘﺪ ﻛﻨﺎ ﺣﺎﺋﺮﻳﻦ ﺃﻣﺎﻡ ﻣﺎ ﻧﺰﻝ ﺑﺈﺻﺒﻌﻪ ﻣﻦ ﺑﺄﺱٍ، ﻭﻋﺠﺰِﻩ ﻋﻦ ﺍﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ.

ﺛﻢ ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻫﺬﻩ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺪﺧﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭ ﻣﻠﻮﺛﺔ، ﻓﻜﺄﻥ ﺍﻹﺻﺒﻊ ﺗﻘﻮﻝ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻻﻧﺜﻨﺎﺀ: ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻚ ﺃﻥ ﺗﻐﻤﺴﻨﻲ ﻓﻲ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺛﻢ ﺗﻐﺮﻗﻨﻲ ﻓﻲ ﻇﻠﻤﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﻭﻯ. ﻓﻨﺒﻬﺘْﻪ..

ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ، ﻓﻘﺪ ﻭﺿﻌﺖُ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻮﺿﻊ «ﺧﻠﻮﺻﻲ»، ﻭﺗﻜﻠﻤﺖ ﺑﺪﻻ ﻣﻨﻪ، ﻓﺎﻟﺴﻴﺪ ﺣﻘﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﻣﺜﻠُﻪ ﺗﻤﺎﻣﺎً. ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳﺮﺽَ ﺑﻮﻛﺎﻟﺘﻲ ﻋﻨﻪ ﻓﻠﻴﻜﺘﺐ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔَ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻠﻘﺎﻫﺎ.

ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻜﺮ» ﻭﺳﺄﺗﻮﻟﻰ ﻣﻬﻤﺔ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻨﻪ ﻟﻌﺪﻡ ﺣﻀﻮﺭﻩ ﻣﻌﻨﺎ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﻜﻠﻤﺖُ ﺑﺪﻻ ﻋﻦ ﺃﺧﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ، ﻓﻬﻮ ﻣﺜﻠُﻪ ﺃﻳﻀﺎً، ﺃﺗﻮﻛﻞ ﻋﻨﻪ ﻣﻌﺘﻤﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺇﺧﻼﺻﻪ ﻭﻭﻓﺎﺋﻪ ﻭﺻﺪﺍﻗﺘﻪ ﺍﻟﺼﻤﻴﻤﺔ ﻭﺛﺒﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ، ﻭﺍﺳﺘﻨﺎﺩﺍً ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﺮﻭﻳﻪ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ» ﻭ«ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺗﻮﻓﻴﻖ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ» ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻹﺧﻮﺓ ﺍﻷﺣﺒﺔ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻜﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻮﻟّﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻄﺒﻊ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮﺓ» ﻓﻲ ﺇﺳﺘﺎﻧﺒﻮﻝ، ﻓﺄﺭﺩﻧﺎ ﻃﺒﻊ «ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺍﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ» ﺃﻳﻀﺎً ﻫﻨﺎﻙ ﻗﺒﻞ ﺇﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ ﺍﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ، ﺃﺭﺳﻠﺖُ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻛﺘﺒﺖُ ﻟﻪ ﻓﻴﻬﺎ: ﺳﻨﺮﺳﻞ ﻟﻚ ﺛﻤﻦَ ﻃﺒﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﻊ ﺛﻤﻦ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ. ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺒﻊ ﻳﻜﻠّﻒ ﺃﺭﺑﻌﻤﺎﺋﺔ ﻟﻴﺮﺓ، ﻭﻫﻮ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻓﻘﺮ، ﺃﺭﺍﺩ ﻫﻮ ﺃﻥ ﻳﺪﻓﻊ ﺍﻟﻤﺒﻠﻎ ﻣﻦ ﺧﺎﻟﺺ ﻣﺎﻟِﻪ ﻭﺧﻄﺮ ﺑﺒﺎﻟِﻪ ﺃﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﺭﺿﻰ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻓﺨﺪﻋﺘﻪ ﻧﻔﺴُﻪ ﻓﻠﻢ ﻳﺒﺎﺷﺮ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻓﺄﺻﺎﺏ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔَ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺀ ﺗﻔﻜﻴﺮﻩ ﻫﺬﺍ ﺿﺮﺭٌ ﺑﺎﻟﻎ.. ﻭﺑﻌﺪ ﻣﺮﻭﺭ ﺷﻬﺮﻳﻦ ﺳُﺮِﻗَﺖ ﻣﻨﻪ ﺗﺴﻌﻤﺎﺋﺔ ﻟﻴﺮﺓ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻟﻄﻤﺔً ﺭﺅﻭﻓﺔ ﻭﺷﺪﻳﺪﺓ ﺗﺠﺎﻩ ﻣﺎ ﺃﺻﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻣﻦ ﻓﺘﻮﺭ. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝَ ﺍﻟﻀﺎﺋﻌﺔ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺻﺪﻗﺔٍ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ.

  ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺗﻮﻓﻴﻖ» ﺍﻟﻤﻠﻘّﺐ ﺑﺎﻟﺸﺎﻣﻲ، ﻭﺳﻴﻮﺭﺩ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ:

ﻧﻌﻢ، ﻟﻘﺪ ﻗﻤﺖ ﺑﺄﻋﻤﺎﻝ ﺳﺎﻗﺘﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ. ﻓﺄﺗﺘﻨﻲ ﻟﻄﻤﺔٌ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺋﻬﺎ، ﻭﺗﻴﻘّﻨﺖُ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺸﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔَ ﻟﻴﺴﺖ ﺇﻟّﺎ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺠﻬﺔ، ﺇﺫ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺘﻴﺠﺔَ ﺧﻄﺄ ﻣﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻭﺟﻬﻞٍ ﻣﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ.

  ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﺯّﻉ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻋﻠﻴﻨﺎ، ﻛﺎﻥ ﺣﻈﻲ ﻣﻨﻬﺎ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺟﺰﺍﺀ، ﺣﻴﺚ ﻗﺪ ﺃﻧﻌﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻲَّ ﻗﺪﺭﺓً ﻋﻠﻰ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺗﺠﻮﻳﺪِﻫﺎ ﻛﺨﻂ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ. ﻓﺎﻟﺸﻮﻕ ﺇﻟﻰ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﻭﻟَّﺪ ﻓﻲّ ﻓﺘﻮﺭﺍً ﻋﻦ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻣﺴﻮّﺩﺍﺕ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﻭﺗﺒﻴﻴﻀﻬﺎ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﺻﺎﺑﻨﻲ ﻣﻨﻪ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺮﻭﺭ، ﺣﻴﺚ ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺪّ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﺎﺋﻘﺎً ﻋﻠﻰ ﺃﻗﺮﺍﻧﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﺑﻤﺎ ﺃﺟﺪﻩ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻦ ﻛﻔﺎﻳﺔ ﻓﻲ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﺨﻂ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ. ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺇﺭﺷﺎﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﻮﺭ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻗﻠﺖ ﺑﺸﻲﺀٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺮﻭﺭ: «ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﻳﻌﻮﺩ ﻟﻲ، ﺃﻋﺮﻑ ﻫﺬﺍ ﻓﻼ ﺃﺣﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﺻﻴﺔ!». ﻓﺘﻠﻘﻴﺖ ﻟﻄﻤﺔَ ﻋﻄﻒٍ ﻭﺭﺃﻓﺔ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺧﻄﺄﻱ ﻫﺬﺍ، ﻭﻫﻲ ﺃﻧﻨﻲ ﻋﺠﺰﺕ ﻋﻦ ﺑﻠﻮﻍ ﺃﻗﺮﺍﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ، ﻓﺴﺒﻘﻮﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ.. ﻓﻜﻨﺖ ﺃﺣﺎﺭُ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻱ ﻫﺬﺍ، ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺨﻠّﻔﺖُ ﻋﻨﻬﻢ ﺭﻏﻢ ﺗﻤﻴّﺰﻱ ﻋﻠﻴﻬﻢ؟! ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻵﻥ ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﻟﻄﻤﺔً ﺭﺣﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺿﺮﺑﺘﻨﻲ ﺑﻬﺎ ﻛﺮﺍﻣﺔُ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺣﻴﺚ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ ﺍﻟﻐﺮﻭﺭ!

ﺛﺎﻧﻴﺘﻬﺎ: ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻱَّ ﺣﺎﻟﺘﺎﻥ ﺗﺨﻼﻥ ﺑﺼﻔﺎﺀ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ، ﺗﻠﻘﻴﺖُ ﻋﻠﻰ ﺃﺛﺮﻫﻤﺎ ﻟﻄﻤﺔً ﺷﺪﻳﺪﺓ. ﻭﺍﻟﺤﺎﻟﺘﺎﻥ ﻫﻤﺎ:

ﻛﻨﺖ ﺃﻋﺪ ﻧﻔﺴﻲ ﻏﺮﻳﺒﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪ، ﺑﻞ ﻛﻨﺖ ﻏﺮﻳﺒﺎً ﺣﻘﺎً، ﻓﻸﺟﻞ ﺗﺒﺪﻳﺪ ﻭﺣﺸﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﺟﺎﻟﺴﺖُ ﺃﻧﺎﺳﺎً ﻣﻐﺮﻭﺭﻳﻦ ﺑﺎﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻓﺘﻌﻠﻤﺖُ ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﻤﻠﻖ، ﻋﻼﻭﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﺮﺿﻲ ﻟﻔﻘﺮ ﺍﻟﺤﺎﻝ -ﻭﻻ ﺃﺷﻜﻮ- ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﺃﺭﺍﻉِ ﺩﺳﺘﻮﺭَ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻟﻘﻨﺎﻋﺔ، ﺭﻏﻢ ﺗﻨﺒﻴﻪ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﺗﺤﺬﻳﺮﻱ، ﺑﻞ ﺗﻮﺑﻴﺨﻲ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً. ﻓﻠﻢ ﺃﺳﺘﻄﻊ -ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ- ﺇﻧﻘﺎﺫ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺭﻃﺔ.. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻔﻮ ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ.. ﻓﻬﺎﺗﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﻟﺘﺎﻥ ﺍﺳﺘﻐﻠّﺘﻬﻤﺎ ﺷﻴﺎﻃﻴﻦُ ﺍﻟﺠﻦ ﻭﺍﻹﻧﺲ ﻓﺄﺻﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻞَ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭُ، ﻭﺗﻠﻘﻴﺖ ﻟﻄﻤﺔ ﻗﻮﻳﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻄﻤﺔ ﺣﻨﺎﻥ ﻭﺭﺃﻓﺔ، ﻓﺄﻳﻘﻨﺖ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻ ﻟﻠﺸﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﺿﻊ. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻵﺗﻲ:

ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﻨﻲ ﻛﻨﺖ ﻣﻮﺿﻊَ ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﻭﻛﺎﺗﺐ ﻣﺴﻮﺩﺍﺕ ﺭﺳﺎﺋﻠﻪ ﻭﺗﺒﻴﻴﻀﻬﺎ ﻃﻮﺍﻝ ﺛﻤﺎﻧﻲ ﺳﻨﻮﺍﺕ. ﻓﻠﻢ ﺃﻧﻞ ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻫﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻔﻴﺾ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻱ ﻓﻲ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ ﺷﻬﻮﺭ. ﻓﻜﻨﺖ ﺃﻧﺎ ﻭﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺣﺎﺋﺮﻳﻦ ﺃﻣﺎﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﻭﻧﺘﺴﺎﺀﻝ: ﻟﻤﺎﺫﺍ؟ ﺃﻱ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻻ ﻳﺪﺧﻞ ﻧﻮﺭُ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺷﻐﺎﻑ ﻗﻠﺒﻲ.. ﺑﺤﺜﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺍﻵﻥ ﻋﻠﻤﺎً ﺟﺎﺯﻣﺎً، ﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻧﻮﺭٌ ﻭﺿﻴﺎﺀ، ﻭﻻ ﻳﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻨﻮﺭُ ﻣﻊ ﻇﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﺼﻨﻊ ﻭﺍﻟﺘﺰﻟﻒ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ.. ﻟﺬﺍ ﺍﺑﺘﻌﺪﺕْ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻧﻮﺍﺭ ﻋﻨﻲ ﻭﻏﺪﺕ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻏﺮﻳﺒﺔٌ ﻋﻨﻲ. ﺃﺳﺄﻟﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﺮﺯﻗﻨﻲ ﺍﻹﺧﻼﺹَ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺍﻟﻼﺋﻖ ﻟﻠﻌﻤﻞ، ﻭﻳﻨﻘﺬﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﺬﻟﻞ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ. ﻭﺃﺭﺟﻮﻛﻢ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺪﻣﺔ ﺃﺭﺟﻮ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺃﻥ ﺗﺠﻬﺪﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻟﻲ.

 ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﻤﻘﺼﺮ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺗﻮﻓﻴﻖ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ

  ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ: ﻫﻮ «ﺳﻴﺮﺍﻧﻲ»: ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺥ ﺻﻨﻮ «ﺧﺴﺮﻭ» ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺘﺎﻗﻴﻦ ﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻣﻦ ﻃﻼﺑﻲ ﺍﻷﺫﻛﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺪّﻳﻦ.

ﺍﺳﺘﻄﻠﻌﺖُ ﺫﺍﺕ ﻳﻮﻡ ﺭﺃﻱ ﻃﻼﺏ «ﺇﺳﺒﺎﺭﻃﺔ» ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻌﺪّ ﻣﻔﺘﺎﺣﺎً ﻣﻬﻤﺎ ﻷﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ. ﺍﺷﺘﺮﻙ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊُ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﺑﺠﺪّ، ﻋﺪﺍ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺨﺺ، ﻭﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒ ﺑﻌﺪﻡ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﺑﻞ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺼﺮﻓﻨﻲ ﻋﻤّﺎ ﺃﻧﺎ ﺃﻋﻠﻤﻪ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻋﻠﻤﺎً ﻳﻘﻴﻨﺎً، ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎﺕ ﺑﺄﻣﻮﺭ ﺃﺧﺮﻯ، ﺛﻢ ﺑﻌﺚ ﺇﻟﻲّ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺟﺎﺭﺣﺔ ﺟﺪﺍً، ﺃﺻﺎﺑﺘﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻤﻴﻢ. ﻓﻘﻠﺖ: ﻭﺍ ﺃﺳﻔﺎﻩ ﻟﻘﺪ ﺿﻴﻌﺖُ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺎﻟﺐ ﺍﻟﻨﺎﺑﻪ، ﻓﻌﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻣﺤﺎﻭﻟﺘﻲ ﺗﻮﺿﻴﺢ ﺍﻷﻣﺮ ﻟﻪ ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ ﻗﺪ ﺧﺎﻟﻂ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ؛ ﻓﺄﺗﺘﻪ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔُ ﺍﻟﺮﺅﻭﻓﺔ.. ﻭﺩﺧﻞ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﺯﻫﺎﺀ ﺳﻨﺔ.

  ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺯﻫﺪﻱ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ».

ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺥ ﻳﺸﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﻋﻤﻞ ﻃﻼﺏ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻓﻲ ﻗﺼﺒﺔ «ﺃﻏﺮﻭﺱ» ﻭﻟﻜﻦ ﻛﺄﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒ ﺑﺎﻟﻤﻨﺰﻟﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻑ ﺍﻟﺴﺎﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﻪ ﻃﻼﺏ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻻﺗﺒﺎﻋﻬﻢ ﺍﻟﺴُّﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺑﻬﻢ ﺍﻟﺒﺪﻉ، ﻓﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺜﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺔ ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﺘﺴﻠّﻢ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺘﻌﻠﻴﻢ ﺑﺪﻋﺔٍ ﺳﻴﺌﺔ، ﻣﺮﺗﻜﺒﺎً ﺧﻄﺄً ﺟﺴﻴﻤﺎً ﻣُﻨﺎﻓﻴﺎً ﻟﻤﺴﻠﻜﻨﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ. ﻓﺘﻠﻘﻰ ﻟﻄﻤﺔً ﺭﻫﻴﺒﺔً ﺟﺪﺍً. ﺇﺫ ﺗﻌﺮّﺽ ﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻛﺎﺩﺕ ﺗﻤﺤﻮ ﺷﺮﻓَﻪ ﻭﺷﺮﻑ ﺃﻫﻠﻪ، ﻭﻗﺪ ﻣﺴﺖ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔُ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺯﻫﺪﻱ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ» ﺃﻳﻀﺎً ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﺍﻟﻤﺆﻟﻤﺔ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻋﻤﻠﻴﺔٍ ﺟﺮﺍﺣﻴﺔ ﻟﺘﺼﺮﻑ ﻗﻠﺒَﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺗﺪﻓﻌﻪ ﻟﻺﻗﺒﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻠﻪ، ﻟﺘﻨﻔﻌﻪ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ.

  ﺍﻟﻌﺎﺷﺮ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺃﺣﻤﺪ».

ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺥ ﻳﺴﺘﻨﺴﺦ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞَ ﻭﻳﻨﻬﻞ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﺭﻫﺎ ﻃﻮﺍﻝ ﺛﻼﺙ ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻭﻫﻮ ﺩﺅﻭﺏٌ ﺷﻐﻮﻑ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻪ، ﺛﻢ ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻼﺧﺘﻼﻁ ﺑﺄﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﻌﻠّﻪ ﻳﺪﻓﻊ ﺃﺫﺍﻫﻢ ﻋﻨﻪ، ﻭﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺇﺑﻼﻍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺍﻟﻄﻴﺐ ﻟﻬﻢ ﻭﻟﻴﻜﺴﺐ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺔ ﻟﺪﻳﻬﻢ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻮﺳّﻊَ ﻣﺎ ﺿﺎﻕ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻫﻤﻮﻡِ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻓﻔﺘﺮ ﺷﻮﻗُﻪ. ﻭﺍﺳﺘﻐﻞ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺿﻌﻔَﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﻓﺄﺻﺎﺑﻪ ﻓﺘﻮﺭٌ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻪ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺟﺮّﺍﺀ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻭﺿﺎﻉ، ﻓﺄﺗﺘﻪ ﻟﻄﻤﺘﺎﻥ ﻣﻌﺎً:

ﺃﻭﻻﻫﺎ: ﺿُﻢّ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ ﺧﻤﺴﺔُ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﺁﺧﺮﻳﻦ ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺿﻴﻖ ﻣﻌﻴﺸﺘﻪ، ﻓﺄﺻﺒﺢ ﺣﻘﺎً ﻓﻲ ﺭﻫﻖ ﺷﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻴﺶ.

  ﺛﺎﻧﻴﺘﻬﺎ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻣﺮﻫﻒ ﺍﻟﺤﺲ ﻭﻻ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ، ﻓﻘﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﺪﺳّﺎﺳﻴﻦ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻌﻠﻢ، ﺣﺘﻰ ﻓﻘﺪ ﻣﻮﻗﻌَﻪ ﻭﻣﻨﺰﻟﺘﻪ ﻛﻠﻴﺎً، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻬﺠﺮﻭﻧﻪ، ﻓﻔَﻘﺪ ﺻﺪﺍﻗﺘﻬﻢ ﺑﻞ ﻋﺎﺩﻭﻩ.. ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ؛ ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻐﻔﺮ ﻟﻪ، ﻭﻧﺴﺄﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻮﻓﻘﻪ ﻟﻺﻓﺎﻗﺔ ﻣﻦ ﻏﻔﻠﺘﻪ ﻭﻳﻌﻲ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﻣﻬﻤﺘﻪ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ.

  ﺍﻟﺤﺎﺩﻱ ﻋﺸﺮ: ﻟﻢ ﻳﺴﺠّﻞ ﺭﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺮﺿﻰ!.

  ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ: ﻫﻮ «ﺍﻟﻤﻌﻠﻢ ﻏﺎﻟﺐ» ﻟﻘﺪ ﺧﺪﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺥُ ﺑﺈﺧﻼﺹ ﻭﺻﺪﻕ ﻓﻲ ﺗﺒﻴﻴﺾ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ، ﻓﻘﺎﻡ ﺑﺨﺪﻣﺎﺕ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻭﻟﻢ ﻳﺒﺪُ ﻣﻨﻪ ﺿﻌﻒٌ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻳﺔ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ.

ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻀﺮ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﻓﻲ ﺃﻏﻠﺐ ﺍﻷﻭﻗﺎﺕ ﻭﻳﻨﺼﺖ ﺑﻜﻞ ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ ﻭﺷﻮﻕ، ﻭﻳﺴﺘﻨﺴﺦ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞَ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺃﻳﻀﺎً، ﺣﺘﻰ ﺍﺳﺘﻜﺘﺐ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺟﻤﻴﻊَ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ» ﻭ«ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺑﺎﺕ» ﻟﻘﺎﺀ ﺃﺟﺮﺓ ﻗﺪﺭُﻫﺎ ﺛﻼﺛﻮﻥ ﻟﻴﺮﺓ. ﻛﺎﻥ ﻳﻘﺼﺪ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺳﺘﻨﺴﺎﺥ ﻧﺸﺮَ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺘﻪ، ﻭﺇﺭﺷﺎﺩ ﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻪ، ﻭﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻓﺘﺮَ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻢ ﺑﻨﺸﺮ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺩﺃﺑُﻪ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺎ ﺳﺎﻭﺭﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻮﺍﺟﺲ، ﻓﺤﺠﺐ ﻧﻮﺭَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﻋﻦ ﺍﻷﻧﻈﺎﺭ ﻓﺄﺻﺎﺑﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﻦ ﻏﺮﺓ ﺣﺎﺩﺛﺔٌ ﺃﻟﻴﻤﺔ ﺟﺪﺍً، ﺗﺠﺮّﻉ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺋﻬﺎ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻏﺼﺼﺎً ﻣﺪﺓ ﺳﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻓﻮﺟﺪ ﺃﻣﺎﻣَﻪ ﻋﺪﺩﺍً ﻏﻔﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺃﻋﺪﺍﺀ ﻇﺎﻟﻤﻴﻦ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﻋﺪﺍﻭﺓ ﺑﻀﻌﺔ ﻣﻮﻇﻔﻴﻦ ﻟﻘﻴﺎﻣﻪ ﺑﻨﺸﺮ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ، ﻓﻔﻘﺪ ﺃﺻﺪﻗﺎﺀَ ﺃﻋﺰﺍﺀ ﻋﻠﻴﻪ.

  ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ: ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺧﺎﻟﺪ» ﻭﺳﻴﺬﻛﺮ ﻟﻜﻢ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﺑﻨﻔﺴﻪ:

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﻨﺖُ ﺃﻋﻤﻞ ﺑﺸﻮﻕ ﻭﺣﻤﺎﺳﺔ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻣﺴﻮﺩﺍﺕ «ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ»، ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺷﺎﻏﺮﺓ، ﻭﻫﻲ ﺇﻣﺎﻣﺔُ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻲ ﻣﺤﻠﺘﻨﺎ. ﻭﺭﻏﺒﺔ ﻣﻨﻲ -ﺭﻏﺒﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ- ﻷﻟﺒﺲ ﺟُﺒﺘﻲ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﻋﻤﺎﻣﺘﻬﺎ ﻓﺘﺮﺕُ ﻣﺆﻗﺘﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺿﻌﻔﺖْ ﻫﻤﺘﻲ ﻭﺷﻮﻗﻲ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﺎﻧﺴﺤﺒﺖُ ﻣﻦ ﺳﺎﺣﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺟﻬﻼ ﻣﻨﻲ، ﻓﺈﺫﺍ ﺑﻲ ﺃﺗﻠﻘﻰ ﻟﻄﻤﺔً ﺫﺍﺕ ﺭﺃﻓﺔ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﻗﺼﺪﻩ. ﺇﺫ ﺭﻏﻢ ﺍﻟﻮﻋﻮﺩ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﻄﻌﻬﺎ ﺍﻟﻤﻔﺘﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺘﻌﻴﻴﻨﻲ، ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻧﻲ ﻛﻨﺖ ﻗﺪ ﺗﻮﻟﻴﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﻟﻤﺎ ﻳﻘﺮُﺏ ﻣﻦ ﺗﺴﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﺣُﺮﻣﺖُ ﻣﻦ ﻟﺒﺲ ﺍﻟﺠُﺒﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﺎﻣﺔ، ﻓﺄﻳﻘﻨﺖُ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻘﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ. ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﻳﺨﺎﻃﺒﻨﻲ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﻗﻴﺎﻣﻲ ﺑﻜﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺴﻮﺩﺓ، ﻓﺎﻧﺴﺤﺎﺑﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺴﻮﺩﺓ، ﺃﻭﻗﻌَﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﺮﺝٍ ﻭﺿﻴﻖ.. ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ﻓﺎﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻌﻠﻨﺎ ﻧﻔﻬﻢ ﻓﺪﺍﺣﺔَ ﺗﻘﺼﻴﺮﻧﺎ ﻭﻧﻌﻠﻢ ﻣﺪﻯ ﺳﻤﻮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ، ﻭﻧﺜﻖ ﺑﺄﺳﺘﺎﺫٍ ﻣﺮﺷﺪ ﻛﺎﻟﺸﻴﺦ ﺍﻟﻜﻴﻼﻧﻲ ﻇﻬﻴﺮﺍً ﻟﻨﺎ ﻛﺎﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺍﻟﺤﻔﻈﺔ.

 ﺃﺿﻌﻒ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺧﺎﻟﺪ

  ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻋﺸﺮ: ﻟﻄﻤﺎﺕُ ﺣﻨﺎﻥ ﺛﻼﺙٍ ﺻﻐﻴﺮﺓ، ﺃﺻﺎﺑﺖ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻳﺴﻤﻰ «ﻣﺼﻄﻔﻰ».

ﺃﻭﻟﻬﻢ: «ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ» ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺥ ﻳﺘﻮﻟﻰ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ، ﻭﺗﺰﻭﻳﺪَ ﻣﺪﻓﺄﺗﻪ ﺑﺎﻟﻨﻔﻂ، ﺑﻞ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﺒﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺖ ﻛﺎﻥ ﻳﻮﻓﺮﻫﺎ ﻟﻠﺠﺎﻣﻊ، ﻓﺨﺪﻡ ﻃﻮﺍﻝ ﺛﻤﺎﻧﻲ ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻭﻳﺪﻓﻊ ﻛﻞَّ ﻣﺎ ﺗﺤﺘﺎﺟﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻣﻦ ﺧﺎﻟﺺ ﻣﺎﻟِﻪ -ﻛﻤﺎ ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺑﻌﺪﺋﺬٍ- ﻭﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺘﺨﻠﻒُ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺃﺑﺪﺍً، ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﻟﻴﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠُﻤﻊ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺇﻟّﺎ ﺇﺫﺍ ﺍﺿﻄﺮ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺑﻌﻤﻞ ﺿﺮﻭﺭﻱ ﺟﺪﺍً. ﺃﺧﺒﺮﻩ ﺃﺣﺪَ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺑﻌﺾُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻣﺴﺘﻐﻠﻴﻦ ﺻﻔﺎﺀَ ﻗﻠﺒﻪ: ﺑﻠّﻎ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﻓﻼﻧﺎً -ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻛﺘّﺎﺏ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ- ﻟﻴﻨﺰﻉْ ﻋﻤﺎﻣَﺘﻪ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﻭﻳُﺠﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﻧﺰﻋﻬﺎ، ﻭﺑﻠّﻎ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺃﻥ ﻳﺘﺮﻛﻮﺍ ﺍﻷﺫﺍﻥ ﺳﺮﺍً. ﻭﻟﻢ ﻳﻌﻠﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻱ ﺍﻟﻐﺎﻓﻞ ﺃﻥ ﺗﺒﻠﻴﻎَ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺛﻘﻴﻞٌ ﺟﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺷﺨﺺ ﻣﺜﻞ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ ﻣﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ. ﻭﻟﻜﻦ ﻟﺼﻔﺎﺀ ﺳﺮﻳﺮﺗﻪ ﺑﻠَّﻎ ﺻﺎﺣﺒَﻪ ﺍﻟﺨﺒﺮَ، ﻓﺮﺃﻳﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﺃﻥ ﻳﺪﻱ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ ﻣﻠﻄﺨﺘﺎﻥ ﻭﻫﻮ ﻳﺴﻴﺮ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﻘﺎﻡ ﻭﻳﺪﺧﻼﻥ ﻣﻌﺎً ﻏﺮﻓﺘﻲ..! ﻗﻠﺖُ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ: ﺃﺧﻲ ﻣﺼﻄﻔﻰ !ﻣَﻦ ﻗﺎﺑﻠﺖ ﺍﻟﻴﻮﻡ؟ ﻟﻘﺪ ﺭﺃﻳﺘُﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻭﺃﻧﺖ ﻣُﻠﻄﺦُ ﺍﻟﻴﺪﻳﻦ ﺳﺎﺋﺮﺍً ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﻘﺎﻡ. ﻗﺎﻝ: ﻭﺍ ﺃﺳﻔﺎﻩ، ﻟﻘﺪ ﺃﺑﻠﻐﻨﻲ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭ ﻛﻼﻣﺎً ﻭﺃﻧﺎ ﺑﻠّﻐﺘُﻪ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆَ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ، ﻭﻟﻢ ﺃﻋﻠﻢ ﻣﺎ ﻭﺭﺍﺀﻩ ﻣﻦ ﻛﻴﺪ.

ﺛﻢ ﺣﺪﺙ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻥ ﺟﺎﺀ ﺑﻜﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻟﻠﻤﺴﺠﺪ. ﻭﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩ ﻓﻘﺪ ﻇَﻞَّ ﺑﺎﺏَ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻣﻔﺘﻮﺣﺎً ﻓﺪﺧﻞ ﻋﻨﺎﻕ (ﺻﻐﻴﺮ ﺍﻟﻌﻨﺰ) ﺇﻟﻰ ﺣﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﻠﻮﺙ ﻗﺮﻳﺒﺎً ﻣﻦ ﺳﺠﺎﺩﺗﻲ، ﻭﺟﺎﺀ ﺃﺣﺪُﻫﻢ ﻓﺄﺭﺍﺩ ﺗﻨﻈﻴﻒ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻓﻠﻢ ﻳﺠﺪ ﻏﻴﺮ ﺇﻧﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﻂ، ﻭﺣﺴﺒﻪ ﻣﺎﺀً ﻓﺮﺵّ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﺍﻟﻌﺠﻴﺐ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺸﻢ ﺭﺍﺋﺤﺘﻪ. ﻓﻜﺄﻥ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺣﺎﻟﻪ ﻟ «ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ»: «ﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﻄﻚ ﺑﻌﺪ ﺍﻵﻥ، ﻟﻘﺪ ﺍﺭﺗﻜﺒﺖَ ﺧﻄﺄً ﺟﺴﻴﻤﺎً». ﻭﺇﺷﺎﺭﺓ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻟﻢ ﻳﺸﻌﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺑﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﺑﻞ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻣﻦ ﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻓﻲ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻭﻟﻴﻠﺔ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻣﺤﺎﻭﻻﺗﻪ. ﺛﻢ ﻧﺪﻡ ﻧﺪﻣﺎً ﺧﺎﻟﺼﺎً ﻟﻠﻪ، ﻭﺍﺳﺘﻐﻔﺮَ ﺍﻟﻠﻪ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﻓﺮﺟﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﺻﻔﺎﺀُ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺧﻠﻮﺹُ ﻋﺒﺎﺩﺗﻪ ﻭﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ.

ﺍﻟﺸﺨﺼﺎﻥ ﺍﻵﺧﺮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻤﻰ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺑ «ﻣﺼﻄﻔﻰ». ﺃﻭﻟﻬﻤﺎ: ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻣﻦ ﻗﺮﻳﺔ «ﻗﻮﻟﻪ ﺃﻭﻧﻠﻲ» ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻼﺏ ﺍﻟﻤﺠﺪّﻳﻦ، ﻭﺍﻵﺧﺮ ﺻﺪﻳﻘُﻪ ﺍﻟﻮﻓﻲ ﻫﻮ «ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﻣﺼﻄﻔﻰ»؛ ﻛﻨﺖ ﻗﺪ ﺑﻠّﻐﺖُ ﻃﻼﺑﻲ ﺑﺄﻥ ﻻ ﻳﺄﺗﻮﺍ ﺣﺎﻟﻴﺎً ﻟﺰﻳﺎﺭﺗﻲ ﻋﻘﺐ ﺍﻟﻌﻴﺪ ﻟﺌﻼ ﻳﻔﺘﺮَ ﺍﻟﻌﻤﻞُ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺀ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻣﻀﺎﻳﻘﺎﺗﻬﻢ. ﻭﺍﺳﺘﺜﻨﻴﺖ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻳﺄﺗﻲ ﻓﺮﺩﺍً ﻓﻼ ﺑﺄﺱ ﺑﻪ، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻲ ﺃُﻓﺎﺟﺄ ﺑﺜﻼﺛﺔ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻣﻌﺎً ﻳﺄﺗﻮﻥ ﻟﺰﻳﺎﺭﺗﻲ ﻟﻴﻼ، ﻭﻳﺰﻣﻌﻮﻥ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻔﺠﺮ -ﺇﺫﺍ ﺳﻤﺤﺖ ﺃﺣﻮﺍﻝُ ﺍﻟﺠﻮ ﺑﺎﻟﺴﻔﺮ- ﻓﻠﻢ ﻧﺘّﺨﺬ ﺗﺪﺍﺑﻴﺮَ ﺍﻟﺤﺬﺭ، ﻻ ﺃﻧﺎ ﻭﻻ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﻭﻻ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ، ﺑﻞ ﻧﺴﻴﻨﺎﻫﺎ ﺣﻴﺚ ﺃﻟﻘﻰ ﻛﻞٌ ﻣﻨﺎ ﺍﺗﺨﺎﺫَﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺍﻵﺧﺮ. ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ﻏﺎﺩﺭﻭﻧﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻔﺠﺮ، ﻓﺠﺎﺀﺗﻬﻢ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔُ ﺑﻌﺎﺻﻔﺔٍ ﺷﺪﻳﺪﺓ ﻟﻢ ﻧﻜﻦ ﻗﺪ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﻣﺜﻠَﻬﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ. ﺍﺳﺘﻤﺮﺕ ﺳﺎﻋﺘﻴﻦ ﻣﺘﻮﺍﻟﻴﺘﻴﻦ ﻓﻘﻠﻘﻨﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﻭﻗﻠﻨﺎ ﻟﻦ ﻳﻨﺠﻮﺍ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﺗﺄﻟّﻤﺖُ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻟﻤﺎً ﻣﺎ ﺗﺄﻟﻤﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪ ﻣﺜﻠﻬﻢ. ﺛﻢ ﺃﺭﺩﺕ ﺃﻥ ﺃﺑﻌﺚ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ -ﻟﻌﺪﻡ ﺃﺧﺬﻩ ﺑﺎﻟﺤﺬﺭ- ﻟﻴﺘﻠﻘﻰ ﺃﺧﺒﺎﺭَﻫﻢ ﻭﻳﺒﻠّﻐﻨﺎ ﻋﻦ ﺳﻼﻣﺔ ﻭﺻﻮﻟﻬﻢ. ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﺟﺎﻭﻳﺶ ﻗﺎﻝ: ﺇﺫﺍ ﺫﻫﺐ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﻓﺴﻴﺒﻘﻰ ﻫﻨﺎﻙ ﺃﻳﻀﺎً، ﻭﻻ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ، ﻭﺳﺄﺗﺒﻌﻪ ﺃﻧﺎ ﺃﻳﻀﺎً، ﻭﺳﻴﺘﺒﻌﻨﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﺎﻭﻳﺶ ﻭﻫﻜﺬﺍ.. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻭﻛّﻠﻨﺎ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻠﻲ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﻗﺎﺋﻠﻴﻦ ﺟﻤﻴﻌﺎً: ﺗﻮﻛﻠﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ. ﻭﻓﻮﺿﻨﺎ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻴﻪ.

 *   *   *

  ﺳﺆﺍﻝ: ﺇﻧﻚ ﺗﻌﺪّ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﻴﺐ ﺇﺧﻮﺍﻧَﻚ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﻭﺃﺻﺪﻗﺎﺀﻙ ﺗﺄﺩﻳﺒﺎً ﺭﺑﺎﻧﻴﺎً ﻭﻟﻄﻤﺔَ ﻋﺘﺎﺏ ﻟﻔﺘﻮﺭﻫﻢ ﻋﻦ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺎﺩﻭﻥ ﺧﺪﻣﺔَ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻳﻌﺎﺩﻭﻧﻜﻢ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﻓﻲ ﺑﺤﺒﻮﺣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻭﻓﻲ ﺳﻼﻡ ﻭﺃﻣﺎﻥ. ﻓﻠِﻢَ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﺻﺪﻳﻖُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻟﻠّﻄﻤﺔ ﻭﻻ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻋﺪﻭﻩ ﻟﺸﻲﺀ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ: «ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻻ ﻳﺪﻭﻡ ﻭﺍﻟﻜﻔﺮ ﻳﺪﻭﻡ» ﻓﺄﺧﻄﺎﺀُ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺻﻔﻮﻑ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ، ﻟﺬﺍ ﻳﺘﻌﺮﺿﻮﻥ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻟﻠﻌﻘﺎﺏ ﻭﻳُﺠﺎﺯﻭﻥ ﺑﺎﻟﺘﺄﺩﻳﺐ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻲ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻭﺍﻋﻴﻦ ﻳﺮﺟﻌﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺻﻮﺍﺑﻬﻢ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﻓﺈﻥ ﺻﺪﻭﺩَﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﻋﺪﺍﺀﻩ ﻟﺨﺪﻣﺘﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻷﺟﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻭﺇﻥ ﺗﺠﺎﻭﺯﻩ ﻋﻠﻰ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ -ﺳﻮﺍﺀ ﺷﻌَﺮ ﺑﻪ ﺃﻡ ﻟﻢ ﻳﺸﻌﺮ- ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﺰﻧﺪﻗﺔ، ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﻜﻔﺮَ ﻳﺪﻭﻡ، ﻓﻼ ﻳﺘﻠﻘﻰ ﻣﻌﻈﻤُﻬﻢ ﺍﻟﺼﻔﻌﺎﺕ ﺑﺬﺍﺕ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ، ﺇﺫ ﻛﻤﺎ ﻳﻌﺎﻗَﺐ ﻣﻦ ﻳﺮﺗﻜﺐ ﺃﺧﻄﺎﺀً ﻃﻔﻴﻔﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺃﻭ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳُﺴﺎﻕ ﻣﺮﺗﻜﺒﻮ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﺧﻄﺎﺀُ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﻭﺍﻟﻬﻔﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﺗﻜﺒﻬﺎ ﺃﻫﻞُ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺃﺻﺪﻗﺎﺀ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻳﺘﻠﻘﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺇﺛﺮﻫﺎ ﺟﺰﺍﺀﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﻴﻜﻔّﺮ ﻋﻦ ﺳﻴﺌﺎﺗﻬﻢ ﻭﻳﺘﻄﻬّﺮﻭﺍ ﻣﻨﻬﺎ، ﺃﻣﺎ ﺟﺮﺍﺋﻢُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻓﻬﻲ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻭﺟﺴﻴﻤﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻻ ﺗﺴﻊُ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓُ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮﺓ ﻋﻘﺎﺑَﻬﻢ، ﻓﻴﻤﻬّﻠﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻟﺘﻘﺘﺺَّ ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔُ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﻘﺼﺎﺹ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ، ﻟﺬﺍ ﻻ ﻳﻠﻘﻮﻥ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻋﻘﺎﺑﻬﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.

ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ: (ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺳﺠﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻭﺟﻨﺔ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ) ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺫﻛﺮﻧﺎﻫﺎ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻳﻨﺎﻝ ﻧﺘﻴﺠﺔَ ﺗﻘﺼﻴﺮﺍﺗﻪ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺟﺰﺍﺋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻓﺘﻜﻮﻥ ﺑﺤﻘﻪ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻣﻜﺎﻥُ ﺟﺰﺍﺀ ﻭﻋﻘﺎﺏ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻤﺎ ﺃﻋﺪّﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻧﻌﻴﻢ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﺳﺠﻦ ﻭﻋﺬﺍﺏ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ ﻓﻸﻧﻬﻢ ﻣﺨﻠَّﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻳﻨﺎﻟﻮﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺛﻮﺍﺏ ﺣﺴﻨﺎﺗﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﺗُﻤﻬَﻞ ﺳﻴﺌﺎﺗُﻬﻢ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ، ﻓﺘﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﻢ ﺩﺍﺭَ ﻧﻌﻴﻢ ﻟﻤﺎ ﻳﻼﻗﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﻋﺬﺍﺏ ﺍﻵﺧﺮﺓ. ﻭﺇﻟّﺎ ﻓﺎﻟﻤﺆﻣﻦُ ﻳﺠﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻨﺎﻟﻪ ﺃﺳﻌﺪُ ﺇﻧﺴﺎﻥ. ﻓﻬﻮ ﺃﺳﻌﺪُ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ. ﻭﻛﺄﻥ ﺇﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺟﻨﺔ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻪ ﻭﻛﻔﺮَ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﻳﺴﺘﻌﺮ ﺟﺤﻴﻤﺎً ﻓﻲ ﻣﺎﻫﻴﺘﻪ.

اللمعة التاسعة

  ﻻ ﻳﺴﻊ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﻧﻘﺎﺋﺺ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻭﻻ ﻫﻮ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻟﺬﺍ ﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻪ ﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ.

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒْﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

  ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ

ﺃﺧﻲ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﻮﻓﻲ ﺍﻟﻤﺨﻠﺺ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ!

ﺇﻥَّ ﺳﺒﺐ ﻋﺪﻡ ﺇﺭﺳﺎﻟﻲ ﺭﺳﺎﻟﺔً ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﻴﻨﺎ «ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ» ﻫﻮ ﺃﻥ ﺭﺳﺎﺋﻠﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺑﻌﺜﻬﺎ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﺗﻔﻲ ﺑﺎﻟﻐﺮﺽ، ﻓﺈﻥ «ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ» ﺃﺥ ﻗﺪﻳﺮٌ ﻭﻃﺎﻟﺐ ﻣﺠﺪٌّ ﺑﻌﺪ «ﺧﻠﻮﺻﻲ»، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺫﻛﺮﻩ ﺑﺎﺳﻤﻪ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﺋﻲ ﻛﻞَّ ﺻﺒﺎﺡ ﻭﻣﺴﺎﺀ ﻣﻊ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎ ﻗﺒﻠﻪ. ﻫﺬﺍ ﻭﺇﻥ «ﺻﺒﺮﻱ» ﺛﻢ «ﺣﻘﻲ ﺃﻓﻨﺪﻱ» ﻳﺴﺘﻔﻴﺪﺍﻥ ﻣﻦ ﺭﺳﺎﺋﻠﻲ، ﻓﻼ ﺃﺭﻯ ﺩﺍﻋﻴﺎً ﻷﺑﻌﺚَ ﺇﻟﻴﻬﻤﺎ ﺭﺳﺎﺋﻞَ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ. ﻓﻠﻘﺪ ﺃﻧﻌﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻚ ﻭﺟﻌﻠﻚ ﺃﺧﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻣﺒﺎﺭﻛﺎً ﻟﻬﻤﺎ، ﻓﺮﺍﺳﻞ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪ ﺑﺪﻻ ﻣﻨﻲ، ﻭﻃَﻤﺌِﻨﻪ ﻟﺌﻼ ﻳﻘﻠﻖ، ﻓﺄﻧﺎ ﺃﻓﻜﺮ ﻓﻴﻪ ﺑﻌﺪ ﺧﻠﻮﺻﻲ. .

  ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺍﻷﻭﻝ

ﻭﻫﻮ ﺳﺆﺍﻝ ﺧﺎﺹ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺇﻣﻀﺎﺀ ﺃﺣﺪ ﺃﺟﺪﺍﺩﻛﻢ ﺑﺎﺳﻢ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﻣﺤﻤﺪ» (ﺃﻱ ﻣﻦ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ).

  ﺃﺧﻲ! ﺇﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻣﻠﻚ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺟﻮﺍﺑﺎً ﻣﺒﻨﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻭﺍﻟﻜﺸﻒ، ﻭﻟﻜﻦ ﻛﻨﺖ ﺃﻗﻮﻝ ﻷﺻﺤﺎﺑﻲ: ﺇﻥ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﻻ ﻳﺸﺒﻪ ﺍﻷﺗﺮﺍﻙ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻴﻦ، ﻭﻻ ﺍﻷﻛﺮﺍﺩ، ﻓﺈﻧﻲ ﺃﺭﻯ ﻓﻴﻪ ﺧﺎﺻﻴﺔً ﺃﺧﺮﻯ، ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﺼﺪّﻗﻮﻧﻨﻲ. ﻓﻜﻨﺎ ﻧﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﻇﻬﻮﺭ ﻋﺮﺍﻗﺔ ﻭﺃﺻﺎﻟﺔ ﻓﻲ «ﺧﻠﻮﺻﻲ» ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﻴﻠﻪ ﻋﻄﺎﺀ ﺍﻟﺤﻖ، ﺑﻤﻀﻤﻮﻥ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ:

  «ﺩَﺍﺩِ ﺣَﻖْ ﺭَﺍ ﻗَﺎﺑِﻠِﻴَّﺖْ ﺷَﺮْﻁ ﻧِﻴﻴﺴْﺖ»

 (حاشية) ﺃﻱ ﺇﻥ ﺍﻟﻔﻀﻞ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻻ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺍﻟﻘﺎﺑﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺸﺨﺺ. المترجم.

ﻭﺍﻋﻠﻢ ﻗﻄﻌﺎً ﺃﻥ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻛﺮﻡ صلى الله عليه وسلم ﻧﻮﻋﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻵﻝ:

ﺍﻷﻭﻝ: ﺁﻟﻪ ﺍﻟﻨَﺴَﺒﻲ.

ﻭﺍﻵﺧﺮ: ﺁﻟﻪ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺷﺨﺼﻪ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻲ، ﺃﻱ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ.

ﻓﺄﻧﺖ ﺩﺍﺧﻞ ﻗﻄﻌﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻵﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺩﺧﻮﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻵﻝ ﺍﻷﻭﻝ ﺣﺴﺐ ﻗﻨﺎﻋﺘﻲ ﺑﻼ ﺩﻟﻴﻞ. ﻓﺈﻥ ﺇﻣﻀﺎﺀ ﺟﺪّﻙ ﺑﺎﺳﻢ «ﺍﻟﺴﻴﺪ» ﻟﻴﺲ ﻋﺒﺜﺎً ﻭﻻ ﺟﺰﺍﻓﺎً.

  ﺧﻼﺻﺔ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ:

ﺃﺧﻲ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ! ﺇﻥ «ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻗﺪ ﻗﺎﻝ: «ﺇﻥ ﻣﺨﻠﻮﻗﻴﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻋﺒﺎﺭﺓٌ ﻋﻦ ﺍﻧﻜﺸﺎﻓﻬﺎ». ﺇﻧﻚ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﺑﺴﺆﺍﻟﻚ ﻫﺬﺍ ﺗﻀﻄﺮﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺃﻧﺎﻗﺶَ ﻭﺃﻧﺎ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ ﺧﺎﺭﻗﺔَ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺩﺍﻫﻴﺔَ ﻋﻠﻢ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ «ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ». ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﻛﻨﺖُ ﺳﺄﺧﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻣﻌﺘﻤﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻓﺴﻮﻑ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺃﺣﻠّﻖَ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﻘﺮ ﻭﺃﺳﻤﻰ ﻣﻨﻪ ﻭﺇﻥ ﻛﻨﺖُ ﺫﺑﺎﺑﺔ!

ﺃﺧﻲ: ﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥ «ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻻ ﻳَﺨﺪﻉ ﻭﻟﻜﻦ ﻳﻨﺨﺪﻉ، ﻓﻬﻮ ﻣُﻬﺘﺪٍ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﺎﺩﻳﺎً ﻟﻐﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻛَﺘﺒﻪ. ﻓﻤﺎ ﺭﺁﻩ ﺻﺪﻕٌ ﻭﺻﻮﺍﺏٌ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻭﺿّﺤﺖ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺎﺳﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ» ﻓﻲ ﻣﺒﺤﺚ ﺍﻟﺮﻭﺡ، ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔَ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺪﻭﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺳﺆﺍﻟُﻜﻢ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥٌ ﺃﻣﺮﻱ. ﻭﻟﻜﻦ ﺃُﻟﺒﺴَﺖ ﻭﺟﻮﺩﺍً ﺧﺎﺭﺟﻴﺎً، ﻓﻬﻲ ﻧﺎﻣﻮﺱٌ ﺫﻭ ﺣﻴﺎﺓ، ﻭﻗﺎﻧﻮﻥٌ ﺫﻭ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﺎﺭﺟﻲ.

ﻓﺎﻟﺸﻴﺦ «ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ» ﻗﺪ ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻣﺎﻫﻴﺘِﻬﺎ ﻓﺤﺴﺐ، ﻭﻳﺮﻯ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀَ ﺧﻴﺎﻻ ﺣﺴﺐ ﻣﺸﺮﺏ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ».

ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻗﺪ ﺍﻧﺘﻬﺞ ﻣﺴﻠﻜﺎً ﻣﺴﺘﻘﻼ ﻭﻛﺎﻥ ﺻﺎﺣﺐَ ﻣﺸﺮﺏ ﻣﻬﻢ ﻭﻟﻪ ﻛﺸﻔﻴﺎﺕ ﻭﻣﺸﺎﻫﺪﺍﺕ ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻠﺠﺄ ﺑﺎﺿﻄﺮﺍﺭ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﻭﻳﻼﺕٍ ﺿﻌﻴﻔﺔ ﻭﺗﻜﻠّﻒ ﻭﺗﻤﺤّﻞ ﻟﻴﻄﺒّﻖ ﺑﻌﺾَ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺣﺴﺐ ﻣَﺸﺮﺑﻪ ﻭﻣﺸﻬﻮﺩﺍﺗﻪ، ﻣﻤﺎ ﻳﺨﺪﺵُ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻭﻳﺠﺮﺣُﻬﺎ.

ﻭﻟﻘﺪ ﺑﻴّﻨﺎ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞَ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻭﻣﻨﻬﺞَ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺴﻨﻴﺔ ﺍﻟﻘﻮﻳﻢ.

ﻓﺎﻟﺸﻴﺦ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻟﻪ ﻣﻘﺎﻡ ﺧﺎﺹ ﻟﺬﺍﺗﻪ، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻘﺒﻮﻟﻴﻦ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﺑﻜﺸﻔﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺿﻮﺍﺑﻂَ ﻟﻬﺎ ﺧﺮﻕَ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﻭﺗﺠﺎﻭﺯﻫﺎ ﻭﺧﺎﻟَﻒ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻴﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ.

ﻭﻷﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﺗﻜﺎﺩ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻃﺮﻳﻘﺘُﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔُ ﺑﻪ ﻟﻔﺘﺮﺓ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﻓﻲ «ﺻﺪﺭ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻘﻮﻧﻮﻱ» ﻭﻳﻨﺪﺭ ﺃﻥ ﻳُﺴﺘﻔﺎﺩ ﻣﻦ ﺁﺛﺎﺭﻩ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩﺓً ﺫﺍﺕَ ﺍﺳﺘﻘﺎﻣﺔ، ﻣﻊ ﻛﻮﻧﻪ ﺷﻴﺨﺎً ﻋﻈﻴﻤﺎً ﻋﺎﻟﻲَ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻭﻗﻄﺒﺎً ﺧﺎﺭﻗﺎً ﻓﺮﻳﺪَ ﺯﻣﺎﻧﻪ. ﺑﻞ ﻻ ﻳﺤﺚ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻴﻦ ﻭﺍﻷﺻﻔﻴﺎﺀُ ﻋﻠﻰ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﺁﺛﺎﺭﻩ ﺍﻟﻘﻴّﻤﺔ، ﺑﻞ ﻗﺴﻢٌ ﻣﻨﻬﻢ ﻳﻤﻨﻌﻮﻥ ﻗﺮﺍﺀﺗﻬﺎ.

ﺇﻥَّ ﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺑﻴﻦ ﻣﺸﺮﺏ ﺍﻟﺸﻴﺦ «ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻭﺃﻫﻞِ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ، ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻣﻨﺎﺑﻌﻬﻤﺎ ﻭﻣﺼﺎﺩﺭﻫﻤﺎ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺍﺳﺔٍ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻭﺑﺤﺚٍ ﺩﻗﻴﻖ ﻭﻧﻈﺮٍ ﻭﺍﺳﻊ ﺭﻓﻴﻊ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕَ ﺩﻗﻴﻖٌ ﺟﺪﺍً ﻭﻋﻤﻴﻖ ﺟﺪﺍً ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ، ﻭﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺭﻓﻴﻊ ﻭﺳﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺣﺪٍ ﻛﺒﻴﺮ، ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺆﺍﺧَﺬ ﺍﻟﺸﻴﺦ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻋﻠﻰ ﺧﻄﺌﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻇﻞ ﻣﻘﺒﻮﻻ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ. ﺇﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﻭﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﻣﺸﻬﻮﺩَﻳﻦ ﻭﺍﺿﺤﻴﻦ ﻋﻠﻤﺎً ﻭﻓﻜﺮﺍً ﻭﻛﺸﻔﺎً ﻟﻜﺎﻥ ﺳﻘﻮﻃﺎً ﻣﺮﻳﻌﺎً ﻟﻠﺸﻴﺦ ﻭﺧﻄﺄً ﺟﺴﻴﻤﺎً ﻟﻪ.

ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕُ ﻋﻤﻴﻘﺎً ﺟﺪﺍً، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻧﺤﺎﻭﻝ ﺃﻥ ﻧﺒﻴﻦ ﺧﻄﺄَ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻓﺤﺴﺐ ﻭﻧﻮﺿﺢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﻓﻲ ﻣﺜﺎﻝ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﺷﺪﻳﺪ:

 ﻓﻤﺜﻼ: ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺗﺸﺎﻫَﺪ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓُ ﻫﻲ ﻣﻈﺮﻭﻑُ ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻭﻣﻮﺻﻮﻓُﻬﺎ. ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺗﻮﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ، ﻭﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺗﺰﻳّﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓَ ﺣﺘﻰ ﺗﻜﻮﻥ ﺻﻔﺘَﻬﺎ ﺍﻟﻼﻣﻌﺔ ﻭﺻﺒﻐﺘَﻬﺎ ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ. ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، ﻣﺮﺁﺓَ ﺁﻟﺔِ ﺗﺼﻮﻳﺮ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺳﺘﻨﻘﻞ ﺻﻮﺭﺓَ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻋﻠﻰ ﻭﺭﻗﺔ ﺣﺴﺎﺳﺔ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺛﺎﺑﺘﺔ. ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻓﺎﻟﺸﻤﺲُ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﻣﺎﻫﻴﺘُﻬﺎ ﺍﻟﻤﺮﺗﺴﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﻭﺻﻔﺎﺗُﻬﺎ، ﻭﺗﺰﻳﻴﻨُﻬﺎ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ -ﺣﺘﻰ ﻏﺪﺕ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺻﻔﺘﻬﺎ- ﻫﻲ ﻏﻴﺮُ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ. ﻓﻬﻲ ﻟﻴﺴﺖ ﺷﻤﺴﺎً، ﺑﻞ ﻫﻲ ﺩﺧﻮﻝُ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺁﺧﺮ. ﺃﻣﺎ ﻭﺟﻮﺩُ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻓﻬﻮ ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻴﻦَ ﻭﺟﻮﺩِ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻇُﻦ ﺃﻧﻪ ﻋﻴﻦُ ﻭﺟﻮﺩِﻫﺎ ﻻﺭﺗﺒﺎﻃﻪ ﺑﻬﺎ ﻭﺇﺷﺎﺭﺗﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺑﺄﻧﻪ: «ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻏﻴﺮُ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ» ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﻮﺍﺑﺎً ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﻛﻮﻥ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻇﺮﻓﺎً ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩُﻫﺎ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ. ﻭﻟﻜﻦ ﺇﺫﺍ ﻗﻴﻞ: ﺇﻥَّ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﻨﺒﺴﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ -ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺧﺬﺕ ﺣﻜﻢَ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ- ﻭﺍﻟﺼﻮﺭﺓَ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﻘﻠﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺳﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺸﻤﺲُ، ﻓﻬﺬﺍ ﺧﻄﺄ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﻋﺒﺎﺭﺓ «ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺸﻤﺲ» ﺗﻜﻮﻥ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﺧﻄﺄ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺻﻮﺭﺓَ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻈﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺮﺗﺴﻤﺔ ﺧﻠﻔَﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺭﻕ ﺍﻟﺤﺴﺎﺱ، ﻓﻜﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺧﺎﺹ ﺑﻬﺎ. ﻓﻤﻊ ﺃﻥ ﺫﻳﻨﻚ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩَﻳﻦ ﻫﻤﺎ ﻣﻦ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻟﻴﺴﺎ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﻧﻔﺴﻬﺎ.

ﻭﻛﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺫﻫﻦَ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺧﻴﺎﻟَﻪ ﺷﺒﻴﻬﺎﻥ ﺑﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻫﺬﺍ. ﻭﺫﻟﻚ:

ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﻓﻜﺮِ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻬﺎ ﻭﺟﻬﺎﻥ ﺃﻳﻀﺎ: ﻓﻬﻲ ﺑﻮﺟﻪٍ ﻋﻠﻢٌ، ﻭﺑﻮﺟﻪٍ ﺁﺧﺮ ﻣﻌﻠﻮﻡٌ. ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻋﺘﺒﺮﻧﺎ ﺍﻟﺬﻫﻦَ ﻇﺮﻓﺎً ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ، ﺃﺻﺒﺢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩُ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡُ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎً ﺫﻫﻨﻴﺎً. ﻓﻮﺟﻮﺩُﻩ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ. ﻭﺇﻥ ﺍﻋﺘﺒﺮﻧﺎ ﺍﻟﺬﻫﻦَ ﻣﻮﺻﻮﻓﺎً ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻞَّ ﻓﻴﻪ ﺃﺻﺒﺢ ﺻﻔﺔً ﻟﻠﺬﻫﻦ، ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﻋﻠﻤﺎً، ﻭﻟﻪ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺧﺎﺭﺟﻲ. ﻭﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﻭﺟﻮﺩٌ ﻭﺟﻮﻫﺮٌ ﻓﺴﻴﻜﻮﻥ ﻭﺟﻮﺩﺍً ﺧﺎﺭﺟﻴﺎً ﻋﺮﺿﻴﺎً.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻠﻴﻦ.

ﺍﻟﻜﻮﻥُ ﻣﺮﺁﺓ، ﻭﻣﺎﻫﻴﺔُ ﻛﻞ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻣﺮﺁﺓ ﺃﻳﻀﺎً. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺍﻳﺎ ﻣﻌﺮّﺿﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻳﺠﺎﺩ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻷﺯﻟﻴﺔ.

ﻓﻜﻞ ﻣﻮﺟﻮﺩ -ﻣﻦ ﺟﻬﺔ- ﻳُﺼﺒﺢ ﻣﺮﺁﺓً ﻻﺳﻢ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺒﻴﻦ ﻧﻘﺸﺎً ﻣﻦ ﻧﻘﻮﺷﻪ.

ﻓﺎﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺮﺏ ﺍﻟﺸﻴﺦ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻗﺪ ﻛﺸﻔﻮﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟَﻢ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻤﺮﺁﺗﻴﺔ ﻭﺍﻟﻈﺮﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ -ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺍﻟﻨﻔﻲ- ﻭﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻣﻨﻌﻜﺲ ﺻﻮﺭﺓ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻫﻮ ﻋﻴﻨﻪ. ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ: «ﻻ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺇﻟّﺎ ﻫﻮ»، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻔﻜﺮﻭﺍ ﺑﺎﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻷﺧﺮﻯ، ﻓﺄﺧﻄﺄﻭﺍ ﺣﺘﻰ ﺑﻠﻎ ﺑﻬﻢ ﺍﻷﻣﺮ ﺃﻥ ﻳﻨﻜﺮﻭﺍ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ: «ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺛﺎﺑﺘﺔ».

ﺃﻣﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﺮﻭﻥ ﺑﺴﺮ ﺍﻟﻮﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻭﺑﺼﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺁﻳﺎﺗﻪ ﺍﻟﺒﻴﻨﺎﺕ:

ﺃﻥَّ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺑﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺁﺛﺎﺭﻩ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ. ﻓﻜﻞُّ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻨﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺟِﺪُﻩ، ﻭﻟﻴﺲ ﻛﻞُّ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻫﻮ، ﺣﺘﻰ ﻳﻘﺎﻝ: «ﻻ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺇﻟّﺎ ﻫﻮ». ﺇﺫ ﻟﻸﺷﻴﺎﺀ ﻭﺟﻮﺩٌ، ﻭﻫﻮ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺛﺎﺑﺖٌ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻣﺎ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩُ ﻭﺟﻮﺩﺍً ﺿﻌﻴﻔﺎً ﻛﺄﻧﻪ ﻭﻫﻤﻲ ﻭﺧﻴﺎﻟﻲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩﻩ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺑﺈﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻷﺯﻟﻲ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ.

ﺇﻥَّ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩﺓِ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﺟﻮﺩﺍً ﻣﺜﺎﻟﻴﺎً ﻋﺪﺍ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ.

ﻭﻟﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺧﺎﺭﺟﻲ ﻋﺮَﺿﻲ ﺁﺧﺮ ﻳﻠﻮّﻥ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺑﺰﻳﻨﺘﻪ ﺇﺫ ﺗﻨﺒﺴﻂ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺻﻮﺭﺗُﻬﺎ.

ﻭﻟﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﺎﺭﺟﻲ ﻋﺮﺿﻲ ﺃﻳﻀﺎ، ﻭﻫﻮ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺛﺎﺑﺖٌ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻣﺎ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻨﺘﻘﺸﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺳﺔ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ.

ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﻭﺟﻮﺩﺍﺕٍ ﻫﻜﺬﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻣﺮﺍﻳﺎ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ. ﻓﺈﻥ ﻧﻘﻮﺵَ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺑﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﺤﺎﺻﻠﺔ ﺑﺎﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻫﺎ ﻭﻗﺪﺭﺗﻬﺎ، ﻟﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺣﺎﺩﺙٌ ﻏﻴﺮُ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ. ﻭﻗﺪ ﻣُﻨﺢ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺛﺒﺎﺗﺎً ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻮ ﺍﻧﻘﻄﻊ ﺍﻻﺭﺗﺒﺎﻁ ﻓﻨﻴﺖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀُ ﻭﺍﻧﻌﺪﻣﺖ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ. ﻓﻜﻞُّ ﺷﻲﺀ ﻣﺤﺘﺎﺝٌ ﻟﺒﻘﺎﺋﻪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺁﻥ ﺇﻟﻰ ﺇﺑﻘﺎﺀ ﺧﺎﻟِﻘﻪ ﻟﻪ، ﻓﺈﻥ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻭﻟﻜﻦ ﺛﺎﺑﺘﺔٌ ﺑﺈﺛﺒﺎﺗﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻟﻬﺎ ﻭﺗﺜﺒﻴﺘﻪ ﺇﻳﺎﻫﺎ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻗﻮﻝَ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ: «ﺇﻥ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺨﻠﻮﻗﺔ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔٌ ﺁﺗﻴﺔ ﻣﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺻﻔﺔ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ» ﻣﺨﺎﻟﻒٌ ﻟﻈﺎﻫﺮ ﻧﺼﻮﺹ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻛﻤﺎ ﻗﺪ ﺍﻟﺘﺒﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﺿﻮﺀ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﺁﻧﻔﺎً ﻭﺍﻧﺨﺪﻉ ﺇﺫ ﻟﻢ ﻳﺸﺎﻫِﺪ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﻀﻌﻴﻔﺔ.

ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻈﺎﻫﺮُ «ﺍﻟﺨﻼﻕ ﻭﺍﻟﺮﺯﺍﻕ» ﻣﻦ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﻣﻈﺎﻫﺮَ ﻭﻫﻤﻴﺔ ﺧﻴﺎﻟﻴﺔ. ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀُ ﺫﺍﺕ ﺣﻘﻴﻘﺔ، ﻓﺈﻥ ﻣﻈﺎﻫﺮَﻫﺎ ﺃﻳﻀﺎً ﻟﻬﺎ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺧﺎﺭﺟﻴﺔ.

  ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

ﺗﻄﻠﺒﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺩﺭﺳﺎً ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻔﺘﺎﺣﺎً ﻟﻌﻠﻢ «ﺍﻟﺠﻔﺮ».

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻧﻨﺎ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﻟﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺑﺈﺭﺍﺩﺗﻨﺎ ﻭﻻ ﺑﺘﺪﺑﻴﺮﻧﺎ ﻟﻸﻣﻮﺭ. ﺑﻞ ﺇﻥ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍً -ﻭﻫﻮ ﺧﻴﺮ ﻟﻨﺎ- ﻓﻮﻕ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻧﺎ ﻭﺧﺎﺭﺝ ﺇﺭﺍﺩﺗﻨﺎ ﻳﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻟﻨﺎ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻧﺎ.

ﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺠﻔﺮ ﻳُﺸﻐﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ ﻋﻦ ﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻳﺼﺮﻓﻪ ﻋﻨﻬﺎ، ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺫﻭﻕ ﻭﻭَﻟَﻊ. ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻧﺖ ﺗُﺤﻞُّ ﻟﻲ ﺃﺳﺮﺍﺭٌ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻔﺘﺎﺡ ﻟﻤﺮﺍﺕ ﻋﺪﺓ، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﺇﻥ ﺃﺗﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺸﻮﻕ ﻭﺫﻭﻕ ﺣﺘﻰ ﺗﻮﺻَﺪ ﺍﻷﺑﻮﺍﺏ ﺩﻭﻧﻲ. ﻓﻮﺟﺪﺕ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﺣﻜﻤﺘﻴﻦ:

ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺍﺣﺘﻤﺎﻝ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﻳﻨﺎﻓﻲ ﺍﻷﺩﺏَ ﺍﻟﻼﺋﻖ ﺑﺎﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ «ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐَ ﺇﻟّﺎ ﺍﻟﻠﻪ».

  ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺇﺭﺷﺎﺩ ﺍﻷﻣﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﻮﺳﺎﻃﺔ ﺍﻟﺒﺮﺍﻫﻴﻦ ﺍﻟﺪﺍﻣﻐﺔ، ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺍﻟﻤﺰﺍﻳﺎ ﻣﺎ ﻳﻔﻮﻕ ﻣﺎﺋﺔَ ﺩﺭﺟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﺈﺭﺷﺎﺩﻫﻢ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﻛﻌﻠﻢ ﺍﻟﺠﻔﺮ. ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﺠﺞ ﺍﻟﻘﺎﻃﻌﺔ ﻭﺍﻟﺪﻻﺋﻞ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻻ ﺗﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻ ﻟﻠﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻋﻠﻢُ ﺍﻟﺠﻔﺮ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻨﻀﺒﻄَﺔ ﺑﻘﻮﺍﻋﺪ ﻣﺤﻜﻤﺔ، ﻗﺪ ﻳﺴﺎﺀ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻟﻪ ﺑﻮﻟﻮﺝ ﺍﻟﻤﺎﻛﺮﻳﻦ ﻓﻴﻪ. ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻧﻪ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﺍﺣﺘﺎﺝ ﺍﻷﻣﺮُ ﺇﻟﻴﻪ ﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻳﻔﺘﺢ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻧﺒﺬﺓً ﻣﻨﻪ ﺣﺴﺐ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ.

ﻭﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺃﻳﺴﺮَ ﻣﻔﺘﺎﺡ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﻣﻔﺎﺗﻴﺢ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺠﻔﺮ، ﻭﺃﻧﻘﺎﻫﺎ، ﺑﻞ ﺃﺟﻤﻠﻬﺎ ﻭﺃﺣﺴﻨﻬﺎ ﻫﻮ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻘﺎﺕ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ» ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺃﻇﻬﺮﺕ ﺷﻌﺎﻋﺎً ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺗﻮﺍﻓﻖ ﻟﻔﻆ ﺍﻟﺠﻼﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺯﻳّﻨﺖ ﺍﻵﺛﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﻘﻮﻡ ﺑﻨﺸﺮﻫﺎ. ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻧﻪ ﻭُﺿّﺢ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻣﻮﺍﺿﻊ ﻣﻦ «ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻐﻮﺛﻴﺔ». ﻧﺬﻛﺮ ﻣﻨﻬﺎ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺃﻇﻬﺮ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺟﻬﺎﺕ، ﻓﻬﻮ ﺇﺷﺎﺭﺓٌ ﺑﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﺪﻻﻟﺔ، ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺗﻮﺍﻓﻖ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻣﻊ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻭﻳﺤﻞّ ﻣﺤﻠَّﻪ.

ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ، ﻳﻜﻔﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﻭﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺟﺎﺩﺓ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺘُﺒﻠّﻐﻮﻥ ﺑﻪ.

  ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ:

ﺃﻱ ﺳﺆﺍﻝ ﺇﻣﺎﻡ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ «ﻋﻤﺮ ﺃﻓﻨﺪﻱ» ﻭﻟﻴﺲ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ، ﻭﻫﻮ:

ﺃﻥ ﻃﺒﻴﺒﺎً ﺷﻘﻴﺎً ﻳﺪّﻋﻲ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻟﻌﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺍﻟﺪٌ، ﻭﺯﻋﻢ ﺃﻧﻪ ﻳﺴﺘﺸﻬﺪ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺑﺂﻳﺔ ﻛﺮﻳﻤﺔ ﺑﺘﺄﻭﻳﻞ ﺟﻨﻮﻧﻲ. (حاشية) ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺮﺃﺱ ﺭﺑﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﺍﻧﺘﻘﻞ -ﺑﺠﻬﺔ- ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺇﻟﻰ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، ﻭﺗﺮﻙ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﺘﺨﺬﺍً ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻟﻪ ﻣﻮﻃﻨﺎً.. ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﺨﺎﺭﻕ، ﻭﻫﺬﻩ ﺃﻭﺿﺎﻋﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﺻﻮﺭﺓ ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻻ ﻳﻨﺴﺠﻢ ﺿﻤﻪ ﺑﺘﺄﻭﻳﻞ ﺩﺍﺧﻞ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ ﺑﻮﺟﻪ ﻣﺸﻜﻮﻙ ﻣﺠﻬﻮﻝ ﻏﻴﺮ ﻓﻄﺮﻱ، ﺑﻞ ﺑﺄﺩﻧﻰ ﻭﺟﻪ ﻭﻃﺮﺍﺯ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ، ﻛﻤﺎ ﻻ ﺍﺿﻄﺮﺍﺭ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﺻﻼ.

  ﺛﻢ ﺇﻥ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻻ ﺗﺘﺤﻤﻞ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ. ﻭﻳﺎ ﻋﺠﺒﺎً ﺃﺗُﻬﺪﻡ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﺭﺻﻴﻨﺔ ﻟﻢ ﺗُﺨﺮﻕ ﻓﻲ ﺃﻳﺔ ﺟﻬﺔ ﻛﺎﻧﺖ، ﻭﻇﻠﺖ ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻋﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ؛ ﻛﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﻲ ﻭﻗﺎﻧﻮﻥ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺗﺮﻣﻴﻢ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ ﺍﻟﻤﺘﺨﺮﻕ ﺍﻟﻤﻤﺰﻕ ﺑﻤﺎﺋﺔ ﺟﻬﺔ ﻭﺟﻬﺔ؟ 

ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ ﻗﺪ ﺳﻌﻰ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﻹﺣﺪﺍﺙ ﺧﻂٍ ﺑﺤﺮﻭﻑ ﻣﻘﻄّﻌﺔ، ﺑﻞ ﺳﻌﻰ ﺳﻌﻴﺎً ﺣﺜﻴﺜﺎً ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺮ. ﻓﻌﻠﻤﺖُ ﺣﻴﻨﺬﺍﻙ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻗﺪ ﺍﺳﺘﺸﻌﺮ ﻣﻦ ﺃﻃﻮﺍﺭ ﺍﻟﺰﻧﺎﺩﻗﺔ ﻭﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻬﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﺳﻴﺤﺎﻭﻟﻮﻥ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺇﺯﺍﻟﺘﻬﺎ. ﻭﻛﺄﻧﻪ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺼﺪّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﺠﺎﺭﻑ، ﻭﻟﻜﻦ ﺩﻭﻥ ﺟﺪﻭﻯ.

ﻭﻗﺪ ﺷﻌﺮ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ، ﻭﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺘﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﺑﻬﺠﻮﻡ ﺍﻟﺰﻧﺎﺩﻗﺔ ﺍﻟﻌﻨﻴﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ. ﻭﺃﻇﻦ ﺃﻧﻪ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﻓﺘﺢَ ﻃﺮﻳﻖ ﻟﻠﻤﺼﺎﻟﺤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻼﺕ ﺍﻟﺴﺨﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﻬﺎ.

ﺇﻧﻪ ﻻ ﻭﺍﻟﺪَ ﻟﻌﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﻛﻤﺎ ﺗﺒﻴﻨُﻪ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:59) ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺎﻃﻌﺔ. ﻟﺬﺍ ﻻ ﻳﺆﺑَﻪ ﺑﻜﻼﻡ ﻣَﻦ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺮﺻﻴﻨﺔ ﺍﻟﺮﺍﺳﺨﺔ، ﺑﻞ ﻻ ﻳُﻘﺎﻡ ﻟﻘﻮﻟﻪ ﻭﺯﻥٌ ﻭﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﻪ ﺃﺻﻼ، ﺣﻴﺚ ﻳَﻌﺪّ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔَ ﻗﺎﻧﻮﻥٍ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ ﻏﻴﺮ ﻣﻤﻜﻦٍ ﻓﻴﺘﺸﺒﺚ ﺑﺘﺄﻭﻳﻼﺕ ﻭﺍﻫﻴﺔ.

ﻻﺷﻚ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺩﻭﻥ ﺷﺬﻭﺫٍ ﻣﻨﻪ، ﻭﺩﻭﻥ ﻧﻮﺍﺩﺭ ﻟﻪ، ﻭﺩﻭﻥ ﺃﻓﺮﺍﺩٍ ﺧﺎﺭﺟﺔٍ ﻋﻨﻪ، ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻛﻠﻴﺔ ﻟﻢ ﺗُﺨﺼّﺺ ﺑﺄﻓﺮﺍﺩ ﺧﺎﺭﻗﺔ. ﻭﺇﻧﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻟّﺎ ﻳﺸﺬَّ ﻓﺮﺩ -ﺃﻳﺎ ﻛﺎﻥ- ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ، ﻭﻻ ﻳﺨﺮﺝ ﻣﻨﻪ، ﻣﻨﺬ ﺯﻣﻦ ﺁﺩﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ.

 ﻓﺄﻭﻻ: ﺇﻥَّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ، ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ ﻗﺪ ﺧُﺮﻕ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ، ﺑﻤﺒﺎﺩﺉ ﻣﺎﺋﺘﻲ ﺃﻟﻒ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻭﺧﺘﻢ ﺑﻬﺎ. ﺃﻱ ﺃﻥ ﺁﺑﺎﺀ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺍﻷﻭﻟﻴﻦ، ﻭﻫﻢ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺃﻭﺍﺩﻡ ﻟﻬﺎ، ﻗﺪ ﺧﺮﻗﻮﺍ ﻗﺎﻧﻮﻥَ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ. ﺃﻱ ﺃﻥ ﻣﺎﺋﺘﻲ ﺃﻟﻒ ﺃﺏ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻵﺑﺎﺀ ﻟﻢ ﻳﺄﺗﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺃﺏ ﻭﺃﻡ. ﺑﻞ ﺃُﻋﻄﻲ ﻟﻬﻢ ﻭﺟﻮﺩٌ ﺧﺎﺭﺝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ.

ﺛﻢ ﺇﻧﻨﺎ ﻧﺸﺎﻫﺪ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻧﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺭﺑﻴﻊ، ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺴﻢَ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﻣﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺔ ﻭﻣﻤﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪ ﻭﻻ ﺗﺤﺼﻰ ﻣﻦ ﺃﻓﺮﺍﺩﻫﺎ، ﺗُﺨﻠﻖ ﺧﺎﺭﺝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ، ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﻞ، ﺗُﺨﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﻩ ﺍﻷﻭﺭﺍﻕ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻔﻨﺔ.

ﺗُﺮﻯ ﺇﻥ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﻳُﺨﺮﻕ ﺑﺸﻮﺍﺫ، ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ﺍﻟﻜﺎﺛﺮﺓ، ﻓﻲ ﻣﺒﺪﺋﻪ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺳﻨﺔ. ﺛﻢ ﻳﺄﺗﻲ ﺃﺣﺪُﻫﻢ ﻭﻻ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﻊَ ﻋﻘﻠُﻪ ﺷﺬﻭﺫَ ﻓﺮﺩ ﻭﺍﺣﺪ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺧﻼﻝ ﺃﻟﻒ ﻭﺗﺴﻌﻤﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ، ﻓﻴﺘﺸﺒﺚ ﺑﺘﺄﻭﻳﻼﺕ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﻃﻌﺔ.. ﺃﻗﻮﻝ ﺗُﺮﻯ ﻛﻢ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺮﺗﻜﺒﺎً ﺣﻤﺎﻗﺔ ﻭﺑﻼﻫﺔ ﻗﺲ ﺫﻟﻚ ﺑﻨﻔﺴﻚ. ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺸﻘﺎﺓ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦُ ﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺗﺠﻞٍ ﻛﻠّﻲ ﻟﻸﻣﺮ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻭﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ، ﺑﺤﻴﺚ ﻳﻐﻴّﺮ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﺎﺩﺍﺗِﻪ ﺗﻠﻚ ﻟﺒﻌﺾ ﺍﻟﺤِﻜَﻢ؛ ﻣُﻈﻬﺮﺍً ﻫﻴﻤﻨﺔَ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻗﺎﻧﻮﻥ. ﻓﻴﺨﺮﻕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓَ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﻴﻦ، ﻭﻗﻮﻟُﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ ﻳﺒﻴّﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ.

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻌﻤﺮ ﺃﻓﻨﺪﻱ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ.

ﻟﻘﺪ ﺗﺼﺮﻑ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﺼﺮﻑَ ﻣﻌﺘﻮﻩ، ﻭﺍﺭﺗﻜﺐ ﺣﻤﺎﻗﺔ ﺑﻠﻬﺎﺀ ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺇﻟﻘﺎﺀ ﺍﻟﺴﻤﻊ ﻟﻪ، ﻭﻻ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﻪ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻪ. ﺇﺫ ﻳﺮﻳﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺋﺲ ﺃﻥ ﻳﻮﺟِﺪ ﺍﻟﻮﺳﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ.

ﻓﺄﻧﺎ ﺃﻗﻮﻝ ﺟﻮﺍﺑﺎً ﻋﻦ ﺍﺳﺘﻔﺴﺎﺭ «ﻋﻤﺮ ﺃﻓﻨﺪﻱ»، ﻭﻟﻴﺲ ﺟﻮﺍﺑﺎً ﻟﻠﻜﻼﻡ ﺍﻟﺘﺎﻓﻪ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ.

ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻠّﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﻫﻲ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻭﻧﻬﻴﻪ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﻭﺍﻟﺤِﻜﻢ ﻓﻬﻲ ﻣﺮﺟِّﺤﺎﺕ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﺳﺒﺎﺑﺎً ﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺎﺕ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻭﻧﻬﻴِﻪ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ..

ﻓﻤﺜﻼ: ﻳﻘﺼﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺮُ ﺍﻟﺼﻼﺓ. ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻟﻪ ﻋﻠﺔ ﻭﺣﻜﻤﺔ، ﻓﺎﻟﻌﻠﺔُ ﻫﻲ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔُ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ. ﻓﺈﺫﺍ ﻭﺟﺪ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﺗُﻘﺼﺮ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺸﻘﺔ. ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻮ ﻭُﺟﺪﺕ ﻣﺎﺋﺔ ﻣﺸﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻓﻼ ﺗُﻘﺼﺮ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺩﻭﻥ ﺳﻔﺮ. ﺇﺫ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻓﻲ ﻋﺎﻣﺔ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻛﺎﻓﻴﺔ ﻟﺘﻜﻮﻥ ﺣﻜﻤﺔً ﻟﻘﺼﺮ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﻛﺎﻓﻴﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﻟﺘﺠﻌﻞ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﻋﻠّﺔ ﻟﻠﻘﺼﺮ.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻻ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡُ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﺤِﻜﻢ، ﺑﻞ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻌﻠﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ.

ﻓﺈﻥ ﻟﺤﻢ ﺍﻟﺨﻨﺰﻳﺮ -ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻩ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ- ﻓﻴﻪ ﺿﺮﺭ، ﺣﺴﺐ ﻗﺎﻋﺪﺓ «ﻣﻦ ﺃﻛﻞ ﻟﺤﻢ ﺍﻟﺨﻨﺰﻳﺮ ﻳﺘﺼﻒ ﺑﺼﻔﺎﺗﻪ» (حاشية) ﺇﻧﻪ ﻣﻊ ﺳﺒﻖ ﺑﻼﺩ ﺍﻹﻓﺮﻧﺞ ﻓﻲ ﺭﻗﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﺭﻕ ﻭﺗﻘﺪﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﺿﻼﻟﻬﻢ ﺿﻼﻝ ﺍﻟﺨﻨﺎﺯﻳﺮ ﻓﻲ ﻇﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﻣﺘﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻣﻨﺎﻑٍ ﻛﻠﻴﺎً ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺮﻗﻲ ﻭﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﻌﻠﻮﻡ. ﺃﺳﺎﺋﻞ ﺃﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺩﺧﻞ ﻷﻛﻞ ﻟﺤﻢ ﺍﻟﺨﻨﺰﻳﺮ؟

  ﻭﺍﻥ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﺰﺍﺝ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﺘﺄﺛﺮ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻐﺬﻯ ﺑﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭ: «ﻣﻦ ﺩﺍﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻛﻞ ﺍﻟﻠﺤﻢ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎً ﺃﺻﻴﺐ ﺑﻘﺴﺎﻭﺓ ﺍﻟﻘﻠﺐ». ﻓﻔﻴﻪ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﻣﻦ ﺃﺿﺮﺍﺭ ﻭﺃﻣﺮﺍﺽ. ﻓﺬﻟﻚ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ﻻ ﻳﺸﺒﻪ ﺳﺎﺋﺮ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺍﻷﻫﻠﻴﺔ ﺍﻟﻨﺎﻓﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺿﺮﺭ ﻟﻬﺎ. ﺑﻞ ﺃﻛﻞُ ﻟﺤﻤﻪ ﻳﻮﺭﺙ ﺃﺿﺮﺍﺭﺍً ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻧﻔﻌﻪ. ﻋﻼﻭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺤﻢ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﻟﺤﻤﻪ ﻟﻪ ﺃﺿﺮﺍﺭ ﻃﺒﻴﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﺑﻼﺩ ﺍﻹﻓﺮﻧﺞ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩﺓ. ﺑﻞ ﺗﺤﻘﻖَ ﺃﻥَّ ﻟﻪ ﺃﺿﺮﺍﺭﺍً ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺣﻘﻴﻘﻴﺔ.

ﻓﻠﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤِﻜَﻢ، ﺃﺻﺒﺢ ﻟﺘﺤﺮﻳﻤﻪ ﺣﻜﻤﺔ ﻭﻟﺘﻌﻠّﻖ ﺍﻟﻨﻬﻲ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﺑﻪ، ﻭﻻ ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔُ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻭﻓﻲ ﻛﻞ ﻭﻗﺖ. ﻭﻻ ﺗﺘﺒﺪﻝ ﺍﻟﻌﻠﺔُ ﺑﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﺘﺒﺪﻝ ﺍﻟﻌﻠﺔُ ﻻ ﻳﺘﺒﺪﻝ ﺍﻟﺤُﻜﻢ. ﻓﻠﻴُﻌﻠﻢ ﺣﺴﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﻣﺪﻯ ﻣﺎ ﻳﺘﻔﻮﻩ ﺑﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﺒﺎﺋﺲ ﻣﻦ ﻛﻼﻡ ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻦ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.

ﻟﺬﺍ ﻻ ﻳُﻌﺒﺄ ﺑﻜﻼﻣﻪ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻓﺈﻥ ﻟﻠﺨﺎﻟﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺕٍ ﻻ ﻳﻌﻘﻠﻮﻥ ﻛﺜﻴﺮﻭﻥ ﻓﻲ ﺻﻮﺭ ﻓﻼﺳﻔﺔ!.

ﺫﻳﻞ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﺣﻮﻝ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ»

  ﺳﺆﺍﻝ: ﺇﻥ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻳﻌﺪّ ﻣﺴﺄﻟﺔ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ» ﺃﺭﻓﻊ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺇﻳﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻴﺎﺀ ﻋﻈﺎﻡ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﺗﺒﻌﻮﻩ ﻓﻲ ﻣﺴﻠﻜﻪ. ﺑﻴﺪ ﺃﻧﻚ ﺗﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﻠﻚ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺃﺭﻓﻊ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻭﻻ ﻫﻮ ﺑﻤﺴﻠﻚٍ ﺣﻘﻴﻘﻲ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺸﺮﺏُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴُﻜﺮ ﻭﺍﻻﺳﺘﻐﺮﺍﻕ ﻭﺃﺻﺤﺎﺏِ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻭﺍﻟﻌﺸﻖ.

ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻫﻜﺬﺍ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ، ﻓﺒﻴّﻦ ﻟﻨﺎ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ: ﻣﺎ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔٍ ﻣﻦ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻴﻨﺘﻬﺎ ﻭﺭﺍﺛﺔُ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺻﺮﺍﺣﺔُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ؟.

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻥَّ ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻣﺴﻜﻴﻨﺎً ﻣﺜﻠﻲ، ﻻ ﻗﻴﻤﺔَ ﻟﻪ ﻭﻻ ﺃﻫﻤﻴﺔ، ﺃﻧّﻰ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻘﺘﺤﻢَ ﻏﻤﺎﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﻭﻳﺠﺮﻱ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺤﺎﻛﻤﺎﺕٍ ﻋﻘﻠﻴﺔ ﺑﻌﻘﻠﻪ ﺍﻟﻘﺎﺻﺮ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﺤﺪ ﺑﻤﺎﺋﺔ ﻣﺮﺓ.. ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺳﺄﺫﻛﺮ ﺫﻛﺮﺍً ﻣﺨﺘﺼﺮﺍً ﺟﺪﺍً ﻧﻜﺘﺘﻴﻦ ﻓﻘﻂ ﻭﺭﺩﺗﺎ ﻣﻦ ﻓﻴﺾ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ، ﻓﻠﻌﻞ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻭﻧﻔﻌﺎً.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﺇﻥَّ ﻫﻨﺎﻙ ﺃﺳﺒﺎﺑﺎً ﻋﺪﺓ ﻟﻼﻧﺠﺬﺍﺏ ﻧﺤﻮ ﻣﺸﺮﺏ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ». ﺳﺄﺑﻴﻦ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﺷﺪﻳﺪ ﺳﺒﺒﻴﻦ ﻣﻨﻬﺎ:

  ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻷﻭﻝ: ﺇﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﺍ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻮﻋﺒﻮﺍ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻧﻬﻢ ﺧﻠّﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﺮﺍﺗﺒﻬﺎ، ﻭﻛﺬﺍ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﺍ ﺃﻥ ﻳﻤﻜّﻨﻮﺍ ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﺗﻤﻜﻴﻨﺎً ﺗﺎﻣﺎً ﺃﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﺄﺣﺪﻳﺘﻪ ﻣﺎﻟﻚٌ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻟﺰﻣﺎﻡ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻓﻲ ﻗﺒﻀﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ، ﻭﺃﻥ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻳُﺨﻠﻖ ﺑﻘﺪﺭﺗﻪ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ. ﻓﻸﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﺍ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻭﺍ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻣﻀﻄﺮﻳﻦ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻘﻮﻝ: ﻛﻞُّ ﺷﻲﺀ ﻫﻮ «ﺗﻌﺎﻟﻰ»، ﺃﻭ: ﻻﺷﻲﺀ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ، ﺃﻭ: ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﺧﻴﺎﻝ، ﺃﻭ: ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻈﺎﻫﺮ ﺃﻭ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻠﻮﺍﺕ.

ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺇﻥَّ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﻻ ﺗﺮﻳﺪ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﺃﺻﻼ، ﻭﺗﻔﺮّ ﻣﻨﻪ ﺑﺸﺪﺓ، ﻭﺗﺮﺗﻌﺪ ﻓﺮﺍﺋﺺُ ﺍﻟﻌﺎﺷﻖ ﻣﻦ ﺍﻻﻓﺘﺮﺍﻕ، ﻭﻳﺮﻫﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻨﺎﺋﻲ ﺭﻫﺒﺘَﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﻨﻢ، ﻭﻳﻨﻔﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻧﻔﺮﺓً ﺷﺪﻳﺪﺓ، ﻭﻳﺤﺐ ﺍﻟﻮﺻﺎﻝ ﺣﺒَّﻪ ﻟﺮﻭﺣﻪ ﻭﻧﻔﺴﻪ، ﻭﻳﺮﻏﺐ ﺑﺸﻮﻕ ﻻ ﺣﺪ ﻟﻪ -ﻛﺸﻮﻗﻪ ﻟﻠﺠﻨﺔ- ﻟﻠﻘﺮﺏ ﺍﻹﻟﻬﻲ، ﻟﺬﺍ ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺸﺒﺚ ﺑﺘﺠﻠﻲ ﺍﻷﻗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕَ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺋﻲ ﻛﺄﻧﻬﻤﺎ ﻣﻌﺪﻭﻣﺎﻥ، ﻓﻴﻈﻦ ﺍﻟﻠﻘﺎﺀَ ﻭﺍﻟﻮﺻﺎﻝ ﺩﺍﺋﻤﻴﻦ ﺑﻘﻮﻟﻪ: «ﻻ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺇﻟّﺎ ﻫﻮ».

ﻭﻷﻧﻬﻢ ﻳﺘﺼﻮﺭﻭﻥ ﺑﺴُﻜﺮ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﻭﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺷﻮﻕ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﻠﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﻮﺻﺎﻝ، ﺃﻥ ﻓﻲ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻣﺸﺮﺑﺎً ﺣﺎﻟﻴﺎً ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺬﻭﻕ، ﻟﺬﺍ ﻳﺠﺪﻭﻥ ﻣﻠﺠﺄﻫﻢ ﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ» ﻷﺟﻞ ﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻓﺮﺍﻗﺎﺕٍ ﺭﻫﻴﺒﺔ.

ﺃﻱ ﺇﻥ ﻣﻨﺸﺄ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻷﻭﻝ ﻫﻮ ﻋﺪﻡ ﺑﻠﻮﻍ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ﻭﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﺟﺪﺍً، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﺳﺘﻄﺎﻋﺘﻪ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﻬﺎ، ﻣﻊ ﻋﺪﻡ ﺍﻧﻜﺸﺎﻑ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻧﻜﺸﺎﻓﺎ ﺗﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ.

ﺃﻣﺎ ﻣﻨﺸﺄ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻬﻮ ﺍﻧﻜﺸﺎﻑ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺍﻧﻜﺸﺎﻓﺎً ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩ، ﺑﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﻭﺍﻧﺒﺴﺎﻃﻪ ﺍﻧﺒﺴﺎﻃﺎً ﺧﺎﺭﻗﺎً ﻟﻠﻌﺎﺩﺓ.

ﺃﻣﺎ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﺍﻫﺎ ﺑﺼﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀُ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﺃﻋﻨﻰ ﺍﻷﺻﻔﻴﺎﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺼﺤﻮ ﻭﺃﻫﻞ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻣﺮﺗﺒﺔٌ ﺭﻓﻴﻌﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﺟﺪﺍً، ﺇﺫ ﺗﻔﻴﺪ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻟﻠﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﻼﻗﻴﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ، ﻭﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﻫﻲ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭﻫﻲ ﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺲ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺇﺧﻼﻝٍ ﺑﻤﻮﺍﺯﻧﺔ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ، ﻷﻥ ﺃﻫﻠﻬﺎ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﺄﺣﺪﻳﺘﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻭﺗﻨﺰّﻫﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻗﺪ ﺃﺣﺎﻁ -ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻭﺳﺎﻃﺔ- ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻤﺎً ﻭﺷﺨّﺼﻪ ﺑﻌﻠﻤﻪ ﻭﺭﺟَّﺤﻪ ﻭﺧﺼَّﺼﻪ ﺑﺈﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﺃﻭﺟَﺪﻩ ﻭﺃﺑﻘﺎﻩ ﺑﻘﺪﺭﺗﻪ. ﻓﺈﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻳﻮﺟِﺪ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻳﺨﻠﻘﻪ ﻭﻳﺪﺑﺮ ﺃﻣﻮﺭﻩ ﻛﺈﻳﺠﺎﺩﻩ ﻟﺸﻲﺀٍ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﺇﻳﺎﻩ، ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﺨﻠﻖ ﺍﻟﺰﻫﺮﺓ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺨﻠﻖ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺑﺎﻟﺴﻬﻮﻟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ. ﻓﻼ ﻳﻤﻨﻊ ﺷﻲﺀ ﺷﻴﺌﺎً ﻗﻂ، ﻓﻼ ﺗﺠﺰﺅ ﻓﻲ ﺗﻮﺟﻬﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ. ﻓﻬﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ ﺑﺘﺼﺮﻓﻪ ﻭﺑﻘﺪﺭﺗﻪ ﻭﺑﻌﻠﻤﻪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ، ﻓﻲ ﻛﻞ ﺁﻥ. ﻓﻼ ﺍﻧﻘﺴﺎﻡ ﻭﻻ ﺗﻮﺯّﻉ ﻓﻲ ﺗﺼﺮﻓﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻭﺿﺤﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺃﺛﺒﺘﻨﺎﻩ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻋﺸﺮﺓ»، ﻭﻓﻲ «ﺍﻟﻤﻘﺼﺪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻦ».

ﺳﺄﻭﺭﺩ ﻫﻨﺎ ﻣﺜﺎﻻ ﻳﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻧﻘﺺ ﻛﺜﻴﺮ (ﻭﻻ ﻣﺸﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺜﺎﻝ) ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻔﻬﻢ ﺷﻲﺀٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺸﺮﺑﻴﻦ:

ﻟﻨﻔﺮﺽ ﺃﻥَّ ﻫﻨﺎﻙ ﻃﺎﻭﻭﺳﺎً ﺧﺎﺭﻗﺎً ﻻ ﻣﺜﻴﻞَ ﻟﻪ، ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮ، ﻭﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺰﻳﻨﺔ ﻭﺃﻧﻪ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻴﺮﺍﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻓﻲ ﻟﻤﺤﺔ ﺑﺼﺮ، ﻭﻟﻪ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓُ ﻋﻠﻰ ﺑﺴﻂ ﺟﻨﺎﺣﻴﻪ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪﻳﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ، ﻭﻗﺒﻀﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻋﻠﻴﻪ ﻣﺌﺎﺕ ﺃﻟﻮﻑ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺭﻳﺶ ﻣﻦ ﺟﻨﺎﺣﻴﻪ ﺇﺑﺪﺍﻋﺎً ﻭﺍﺗﻘﺎﻧﺎً ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺮﻭﻋﺔ.

ﻭﻟﻨﻔﺮﺽ ﺍﻵﻥ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺷﺨﺼﻴﻦ ﻳﺘﻔﺮﺟﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﺍﻟﻌﺠﻴﺐ، ﻭﻳﺮﻳﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻖ ﺑﺠﻨﺎﺣﻲ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻭﺑﻠﻮﻍ ﺯﻳﻨﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ.

ﻓﻄﻔﻖ ﺍﻷﻭﻝ ﻳﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﻭﻫﻴﻜﻠِﻪ ﻭﻧﻘﻮﺵِ ﺧﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺭﻳﺸﺔ ﻣﻨﻪ، ﻓﻴﻐﻤﺮﻩ ﺍﻟﻌﺸﻖُ ﻭﺍﻟﺸﻮﻕ ﻭﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻓﻴﺘﺮﻙ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻌﻤﻴﻖ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﺴﺘﻤﺴﻜﺎً ﺑﺎﻟﻌﺸﻖ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺔ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻭﺗﺘﺒﺪﻝ ﻳﻮﻣﺎً ﺑﻌﺪ ﻳﻮﻡ، ﻭﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﻟﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺐ ﻭﺍﻟﺸﻐﻒ ﺗﻐﻴﺐ ﻭﺗﺰﻭﻝ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ. ﻓﻜﺎﻥ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵ ﺍﻟﻤﺘﻘﻨﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻟﻨﻘّﺎﺵٍ ﻣﺎﻟﻚ ﻟﻠﺨﻼﻗﻴﺔ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻣﻊ ﺃﺣﺪﻳﺘﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ، ﻭﻟﻪ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻣﻊ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ. ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻮﻋﺐ ﻫﺬﺍ ﻭﻳﺪﺭﻛﻪ، ﻓﺒﺪﺃ ﻳُﺴﻠّﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ:

«ﺇﻥَّ ﺭﻭﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﺭﻭﺡٌ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥ ﺻﺎﻧﻌَﻪ ﻓﻴﻪ، ﺃﻭ ﻗﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﻫﻮ ﻧﻔﺴَﻪ، ﻭﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﻣﺘﺤﺪﺓٌ ﻣﻊ ﺟﺴﺪ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ، ﻭﻷﻥ ﺟﺴﺪﻩ ﻣﻤﺘﺰﺝ ﻣﻊ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، ﻓﺈﻥ ﻛﻤﺎﻝَ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻋﻠﻮَّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻫﻤﺎ ﺍﻟﻠﺬﺍﻥ ﻳُﻈﻬﺮﺍﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻠﻮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ، ﺣﺘﻰ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻧﻘﺸﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻭﺣﺴﻨﺎً ﻣﺠﺪﺩﺍً، ﻓﻠﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﺇﻳﺠﺎﺩﺍً ﺑﺎﺧﺘﻴﺎﺭ ﺣﻘﻴﻘﻲ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﺟﻠﻮﺓ ﻭﺗﻈﺎﻫﺮ».

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻵﺧﺮ ﻓﻴﻘﻮﻝ: «ﺇﻥَّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻮﺵَ ﺍﻟﻤﻮﺯﻭﻧﺔ ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﻨﺔ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﺇﺭﺍﺩﺓً ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍً ﻭﻗﺼﺪﺍً ﻭﻣﺸﻴﺌﺔ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺟﻠﻮﺓً ﺑﻼ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﻭﻻ ﺗﻈﺎﻫﺮﺍً ﺑﻼ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ».

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﺭﺍﺋﻌﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﺎﻫﻴﺘَﻪ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﺎﻋﻠﺔً ﻗﻄﻌﺎً ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻨﻔﻌﻠﺔ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﺤﺪ ﻣﻊ ﻓﺎﻋﻠﻬﺎ ﻣﻄﻠﻘﺎً. ﻭﺇﻥ ﺭﻭﺣَﻪ ﻋﺎﻟﻴﺔٌ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻮﺟِﺪﺓً ﻭﻻ ﻣﺘﺼﺮﻓﺔ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻈﻬﺮٌ ﻭﻣﺪﺍﺭ ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ. ﻷﻧﻪ ﻳﺸﺎﻫَﺪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺭﻳﺶ ﻣﻨﻪ ﺇﺗﻘﺎﻥٌ ﻗﺪ ﺗﻢ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺒﺪﺍﻫﺔ، ﻭﻧﻘﺶ ﺯﻳﻨﺔ ﻧﻘﺸﻬﺎ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ.

ﻭﻫﺬﺍ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺩﻭﻥ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻗﻄﻌﺎً.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ، ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻓﻲ ﻛﻤﺎﻝ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺟﻠﻮﺓ ﺃﻭ ﻣﺎ ﺷﺎﺑﻬﻬﺎ.

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺘﺐ ﺳﻄﻮﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺠﻞ ﺍﻟﻤﺬﻫّﺐ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺠﻞ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺤﺪ ﻣﻌﻪ. ﻭﻟﻴﺲ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺴﺠﻞ ﺇﻟّﺎ ﺗﻤﺎﺳﺎً ﺑﻄﺮﻑ ﻗﻠﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ. ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺯﻳﻨﺔَ ﺟﻤﺎﻝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻟﻴﺲ ﺇﻟّﺎ ﺭﺳﺎﻟﺔً ﻣﻦ ﻗﻠﻢ ﺧﺎﻟﻖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ.

ﻓﺎﻵﻥ ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻃﺎﻭﻭﺱ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﺍﻗﺮﺃ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ، ﻭﻗﻞ ﻟﻜﺎﺗﺒﻬﺎ: ﻣﺎ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ.. ﺗﺒﺎﺭﻙ ﺍﻟﻠﻪ.. ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ…

ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﻈﻦ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻛﺎﺗﺒَﻬﺎ ﺃﻭ ﻳﺘﺨﻴﻞ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐَ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﺃﻭ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔَ ﺧﻴﺎﻻ ﻻﺷﻚ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺳﺘﺮ ﻋﻘﻠَﻪ ﺑﺴﺘﺎﺭ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﻭﻟﻢ ﻳﺒﺼﺮ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ.

ﺇﻥَّ ﺃﻫﻢ ﺟﻬﺔ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺒﺐ ﺍﻻﻧﺴﻼﻙ ﺇﻟﻰ ﻣﺸﺮﺏ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻫﻲ ﻋﺸﻖ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﺇﺫ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﻋﺸﻖُ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻋﺸﻖ ﻣﺠﺎﺯﻱ ﺇﻟﻰ ﻋﺸﻖ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻳﻨﻘﻠﺐ ﺇﻟﻰ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ».

ﺇﻥ ﺷﺨﺼﺎً ﺇﺫﺍ ﺃﺣﺐ ﺇﻧﺴﺎﻧﺎً ﻣﺤﺒﺔ ﻣﺠﺎﺯﻳﺔ، ﻣﺎ ﺇﻥ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﻓﻨﺎﺀﻩ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﻤﻜّﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ، ﺗﺮﺍﻩ ﻳﻤﻨﺢ ﻣﻌﺸﻮﻗَﻪ ﻋﺸﻘﺎً ﺣﻘﻴﻘﻴﺎً، ﻓﻴﺘﺸﺒﺚ ﺑﺤﻘﻴﻘﺔ ﻋﺸﻘﻪ ﻟﻴُﺴﻠّﻲ ﺑﻬﺎ ﻧﻔﺴَﻪ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺈﺿﻔﺎﺀ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺒﻮﺑﻪ ﺑﻌﺸﻖ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﺇﻧﻪ ﻣﺮﺁﺓ ﺟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﺒﻮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ.

ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻴﻤﻦ ﺃﺣﺐّ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻟﻜﻮﻥَ ﺑﺮﻣﺘﻪ ﻣﻌﺸﻮﻗﻪ، ﻓﺤﻴﻨﻤﺎ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﺒﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺑﺴﻴﺎﻁ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺰﻝ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﻮﺏ، ﻳﻠﺘﺠﺊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﺷﻖ ﺇﻟﻰ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ» ﺇﻧﻘﺎﺫﺍً ﻟﻤﺤﺒﻮﺑﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻕ.

ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺫﺍ ﺇﻳﻤﺎﻥ ﺭﻓﻴﻊ ﺭﺍﺳﺦ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﺏ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺫﺍﺕ ﻗﻴﻤﺔ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﻟﺪﻯ «ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ» ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻪ، ﻭﺇﻟَّﺎ ﻓﻠﺮﺑﻤﺎ ﻳﺴﻘﻂ ﻓﻲ ﻭﺭﻃﺎﺕ ﻭﻳﻨﻐﻤﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺎﺕ ﻭﻳﻐﺮﻕ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ.

ﺃﻣﺎ «ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ» ﻓﻼ ﺿﺮﺭ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻫﻲ ﻣﺸﺮﺏ ﻋﺎﻝ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺼﺤﻮ.

 ﺍﻟﻠّﻬﻢ ﺃﺭِﻧﺎ ﺍﻟﺤﻖَّ ﺣﻘﺎً ﻭﺍﺭﺯُﻗﻨﺎ ﺍﺗّﺒﺎﻋَﻪ.

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

اللمعة السابعة

(ﺗﺨﺺ ﺳﺒﻌﺔ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﺑﺎﻟﻐﻴﺐ)

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (ﺍﻟﻔﺘﺢ:27-29)

  ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﻟﻬﺎ ﻭﺟﻮﻩ ﺇﻋﺠﺎﺯﻳﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً.

ﻓﻮﺟﻪٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﻹﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻫﻮ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺑﺴﺒﻌﺔ ﺃﻭ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺟﻮﻩ:

 ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻷﻭﻝ:

ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ… ﴾ ﺍﻟﺦ ﺍﻵﻳﺔ، ﺗُﺨﺒﺮ ﺇﺧﺒﺎﺭﺍً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﻋﻦ ﻓﺘﺢ ﻣﻜﺔ ﻗﺒﻞ ﻭﻗﻮﻋﻪ. ﻭﻗﺪ ﻓُﺘﺤﺖ ﻓﻌﻼ ﺑﻌﺪ ﺳﻨﺘﻴﻦ ﻛﻤﺎ ﺃَﺧﺒﺮﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ.

 ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ:

ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. ﺗﻨﺒﺊ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﻥ ﺻﻠﺢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺒﻴﺔ ﻭﺇﻥ ﺑﺪﺍ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺻﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﺃﻥ ﻟﻘﺮﻳﺶ ﻇﻬﻮﺭﺍً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺣﺪٍ ﻣﺎ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻓﺘﺢ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﻣﺒﻴﻦ، ﻭﻣﻔﺘﺎﺣﺎً ﻟﺒﻘﻴﺔ ﺍﻟﻔﺘﻮﺣﺎﺕ. ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﻮﻑ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺇﻥ ﺩﺧﻠﺖ ﺃﻏﻤﺎﺩَﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻗﺪ ﺳﻞّ ﺳﻴﻔَﻪ ﺍﻷﻟﻤﺎﺳﻲ ﺍﻟﺒﺎﺭﻕَ ﻭﻓَﺘَﺢَ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﻝ، ﺇﺫ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﺼﻠﺢ ﺍﻧﺪﻣﺠﺖ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﻞُ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﺎ ﻭﺍﺧﺘﻠﻄﺖ ﻓﺎﺳﺘﻮﻟﺖ ﻓﻀﺎﺋﻞُ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻨﺎﺩ ﻓﻤﺰّﻗﺖ ﺃَﻧﻮﺍﺭُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺣﺠﺐَ ﺍﻟﺘﻌﺼﺐ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﺍﻟﺬﻣﻴﻢ.

  ﻓﻤﺜﻼ: ﺇﻥ ﺩﺍﻫﻴﺔ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﻭﺩﺍﻫﻴﺔَ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻳﺄﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳُﻐﻠَﺒﺎ، ﻏﻠَﺒَﻬﻤﺎ ﺳﻴﻒُ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻄﻊ ﻓﻲ ﺻﻠﺢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺒﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺳﺎﺭﺍ ﻣﻌﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ ﻭﺳﻠّﻤﺎ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺭﻗﺎﺑَﻬﻤﺎ، ﻭﺍﻧﻘﺎﺩﺍ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻧﻘﻴﺎﺩَ ﺧﻀﻮﻉ ﻭﻃﺎﻋﺔٍ ﺣﺘﻰ ﺃَﺻﺒﺢ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﺳﻴﻒَ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺴﻠﻮﻝ ﺗﻔﺘﺢ ﺑﻪ ﺍﻟﻔﺘﻮﺣﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ.

ﺳﺆﺍﻝ ﻣﻬﻢ: ﺇﻥَّ ﺻﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻫﻮ ﺣﺒﻴﺐ ﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﻭﺳﻴﺪ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﻦ صلى الله عليه وسلم، ﻗﺪ ﻏُﻠﺒﻮﺍ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺃُﺣﺪ ﻭﺑﺪﺍﻳﺔ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺣُﻨﻴﻦ. ﻓﻤﺎ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻷﻧﻪ ﺣﻴﻨﺬﺍﻙ ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﻛﺜﻴﺮﻭﻥ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ، ﻣﻤﻦ ﺳﻴﻜﻮﻧﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﺜﻞَ ﻛﺒﺎﺭ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ، ﻓﻸﺟﻞ ﺃﻟّﺎ ﺗُﻜﺴَﺮ ﻋﺰّﺗُﻬﻢ ﻛﻠﻴﺎً ﺍﻗﺘﻀﺖ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥْ ﺗﻜﺎﻓﺄﻫﻢ ﻣﻜﺎﻓﺄﺓً ﻋﺎﺟﻠﺔ ﻟﺤﺴﻨﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻴﺔ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥَّ ﺻﺤﺎﺑﺔً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻏُﻠﺒﻮﺍ ﺃﻣﺎﻡ ﺻﺤﺎﺑﺔٍ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻟﺌﻼ ﻳﺪﺧﻞ ﻫﺆﻻﺀ -ﺃﻱ ﺻﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ- ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﺑﺮﻳﻖ ﺍﻟﺴﻴﻮﻑ، ﺑﻞ ﺷﻮﻗﺎً ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺭﻗﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻭﻟﺌﻼ ﺗﺬﻭﻕ ﺷﻬﺎﻣﺘُﻬﻢ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺍﻟﻬﻮﺍﻥَ ﻛﺜﻴﺮﺍً.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

ﺇﻥَّ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺨﺒﺮ ﺑﻘﻴﺪ ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ ﺑﺄﻧﻜﻢ ﺳﺘﺪﺧﻠﻮﻥ ﺍﻟﺒﻴﺖَ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ ﻭﺗﻄﻮﻓﻮﻥ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﺑﺄﻣﺎﻥ ﺗﺎﻡ، ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﻣﻌﻈﻢَ ﻗﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﺠﺰﻳﺮﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﻫﻢ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﻣﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺮﻣﺔ ﻭﻏﺎﻟﺒﻴﺔَ ﻗﺮﻳﺶ ﻛﻠﻬﻢ ﺃﻋﺪﺍﺀٌ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭُ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻜﻢ ﺗﺪﺧﻠﻮﻥ ﻓﻲ ﺃﻗﺮﺏ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﺗﻄﻮﻓﻮﻥ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺪﺍﺧﻠﻜﻢ ﺍﻟﺨﻮﻑُ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺠﺰﻳﺮﺓ ﺳﺘﺪﻳﻦ ﻟﻜﻢ ﺑﺎﻟﻄﺎﻋﺔ، ﻭﻗﺮﻳﺶ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺣﻈﻴﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﻳﻌﻢّ ﺍﻷﻣﻦُ ﻭﺍﻷﻣﺎﻥ. ﻓﻮﻗﻊ ﻛﻤﺎ ﺃَﺧﺒﺮﺕ ﺍﻵﻳﺔ.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ:

ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺗﺨﺒﺮ ﺇﺧﺒﺎﺭﺍً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﺎﺀ ﺑﻪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﺳﻴﻈﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻛﻠﻬﺎ، ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺼﺮﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﺠﻮﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﺘﻨﻘﻬﺎ ﻣﺌﺎﺕُ ﺍﻟﻤﻼﻳﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﺩﻳﺎﻧﺎً ﺭﺳﻤﻴﺔ ﻟﺪﻭﻝ ﻛﺒﺮﻯ ﻛﺎﻟﺼﻴﻦ ﻭﺇﻳﺮﺍﻥ ﻭﺭﻭﻣﺎ، ﻭﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﺑﻌﺪُ ﻇﻬﻮﺭﺍً ﺗﺎﻣﺎً ﻋﻠﻰ ﻗﺒﻴﻠﺘﻪ ﻧﻔﺴﻬﺎ. ﻓﺎﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗُﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﻇﻬﻮﺭ ﺩﻳﻨﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻛﺎﻓﺔ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻛﺎﻓﺔ، ﺑﻞ ﺗﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻈﻬﻮﺭ ﺑﻜﻞ ﻳﻘﻴﻦ ﻭﺟﺰﻡ ﺇﺧﺒﺎﺭﺍً ﻗﺎﻃﻌﺎً. ﻭﻟﻘﺪ ﺻﺪّﻕ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞُ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺑﺎﻣﺘﺪﺍﺩ ﺳﻴﻒ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﻦ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﺸﺮﻗﻲ ﺇﻟﻰ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾

ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺻﺮﻳﺤﺔٌ ﻓﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﻣﻦ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻫﻢ ﺃﻓﻀﻞُ ﺑﻨﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻌﺪ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻟﻤﺎ ﻳﺘﺤﻠَّﻮﻥ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺳﺠﺎﻳﺎ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻭﻣﺰﺍﻳﺎ ﺭﺍﻗﻴﺔ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺗﺒﻴّﻦ ﻣﺎ ﺗﺘﺼﻒ ﺑﻪ ﻃﺒﻘﺎﺕُ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺕ ﻣﻤﺘﺎﺯﺓ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻬﻢ، ﻛﻤﺎ ﺗﺒﻴّﻦ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ -ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ- ﺇﻟﻰ ﺗﺮﺗﻴﺐ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﻴﺨﻠﻔﻮﻥ ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﻨﺒﻲصلى الله عليه وسلم ﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺗﻪ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺇﺧﺒﺎﺭﻫﺎ ﻋﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﺻﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻜﻞٍّ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻤﺎ ﺍﺷﺘﻬﺮﻭﺍ ﺑﻪ.

ﻭﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﻤﺘّﺼﻒ ﺑﺎﻟﻤﻌﻴّﺔ ﺍﻟﻤﺨﺼﻮﺻﺔ ﻭﺍﻟﺼﺤﺒﺔ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﺑﻞ ﺑﻮﻓﺎﺗﻪ ﺃﻭﻻ ﺩﺧﻞ ﺿﻤﻦ ﻣﻌﻴﺘﻪ ﺃﻳﻀﺎً.

ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﻬﺰ ﺩﻭﻝَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﻳﺮﻋﺒﻬﻢ ﺑﻔﺘﻮﺣﺎﺗﻪ، ﻭﺳﻴﺸﺘﻬﺮ ﺑﻌﺪﺍﻟﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ ﻛﺎﻟﺼﺎﻋﻘﺔ.

ﻭﺗﺨﺒﺮ ﺍﻵﻳﺔ ﺑﻠﻔﻆ: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ﻋﻦ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺮﺽَ ﺑﺈﺭﺍﻗﺔ ﺍﻟﺪﻣﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻬﻴﺄ ﺃﻋﻈﻢُ ﻓﺘﻨﺔٍ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ، ﻓﻔﻀّﻞ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺭﺃﻓﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻀﺤﻲ ﺑﺮﻭﺣﻪ ﻭﻳﺴﻠّﻢ ﻧﻔﺴَﻪ ﻟﻠﻤﻮﺕ، ﻭﺍﺳﺘﺸﻬﺪ ﻣﻈﻠﻮﻣﺎً ﻭﻫﻮ ﻳﺘﻠﻮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ.

ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺎﺷﺮ ﻣﻬﺎﻡ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻻﺳﺘﺤﻘﺎﻕ ﻭﺍﻷﻫﻠﻴﺔ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﻛﻤﺎﻝ ﺍﻟﺰﻫﺪ ﻭﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﺧﺘﺎﺭ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺠﻮﺩ ﻭﺍﻟﺮﻛﻮﻉ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺼﺪَّﻕ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺇﺧﺒﺎﺭﻫﺎ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻ ﻋﻦ ﺣﺮﻭﺑﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺩﺧﻠﻬﺎ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﺒﺘﻐﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻀﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺿﻮﺍﻧﺎً.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ:

﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﺧﺒﺎﺭٌ ﻏﻴﺒﻲ ﺑﺠﻬﺘﻴﻦ:

ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﺃﻭﺻﺎﻑ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﺭﺍﺓ، ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺃﻣﻲ صلى الله عليه وسلم. ﺇﺫ ﻗﺪ ﻭﺿّﺢ ﻓﻲ «ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ» ﺃﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﺭﺍﺓ ﻭﺻﻔﺎً ﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ «ﻣﻌﻪ ﺃُﻟﻮﻑ ﺍﻷﻃﻬﺎﺭ» ﻓﻲ ﻳﻤﻴﻨﻪ ﺃﻭ «ﻣﻌﻪ ﺭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ» ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥَّ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻣﻄﻴﻌﻮﻥ ﻭﻋﺒّﺎﺩٌ ﺻﺎﻟﺤﻮﻥ ﻭﺃﻭﻟﻴﺎﺀٌ ﻟﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﻳﻮﺻﻔﻮﻥ ﺑﺎﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ ﺍﻷﻃﻬﺎﺭ.

ﻓﻌﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻤﺎ ﻃﺮﺃ ﻣﻦ ﺗﺤﺮﻳﻔﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻮﺭﺍﺓ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺮﺟﻤﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪﺓ ﻷﻟﺴﻨﺔ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻣﺎﺯﺍﻟﺖ ﺗﺼﺪّﻕ ﺑﺂﻳﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ.. ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.

ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﻫﻲ ﺃﻥ ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ﺗﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻭﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﺳﻴﺒﻠﻐﻮﻥ ﻣﺮﺗﺒﺔً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺃﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﺳﻴﺸﻊ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﻫﻬﻢ ﻭﺳﺘﻈﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﺒﺎﻫﻬﻢ ﻋﻼﻣﺔُ ﻭﻻﻳﺘﻬﻢ ﻭﺻﻼﺣِﻬﻢ ﺑﻜﺜﺮﺓ ﺍﻟﺴﺠﻮﺩ ﻟﻠﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﻓﻠﻘﺪ ﺻﺪّﻕ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻫﺬﺍ ﺑﻜﻞ ﻳﻘﻴﻦ ﻭﻭﺿﻮﺡ ﻭﺟﻼﺀ ﻓﺈﻥ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﺼﻠﻲ ﺃﻟﻒ ﺭﻛﻌﺔ ﻟﻴﻼ ﻭﻧﻬﺎﺭﺍً، ﻭﻃﺎﻭﻭﺳﺎً ﺍﻟﻴﻤﺎﻧﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻔﺠﺮ ﺑﻮﺿﻮﺀ ﺍﻟﻌﺸﺎﺀ ﻃﻮﺍﻝ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ، ﺭﻏﻢ ﺍﻟﺘﻘﻠﺒﺎﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻷﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﻤﻀﻄﺮﺑﺔ، ﻭﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﺃﻣﺜﺎﻟﻬﻤﺎ ﻗﺪ ﺑﻴﻨّﻮﺍ ﺳﺮﺍً ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ:

﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻴﻬﺎ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﻏﻴﺒﻲ ﺑﺠﻬﺘﻴﻦ:

  ﺃُُﻭﻻﻫﺎ: ﺃﻥ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺠﻴﻞ ﻣﻦ ﺃﻭﺻﺎﻑ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﻫﻲ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺃﻣّﻲ صلى الله عليه وسلم.

ﻧﻌﻢ! ﻟﻘﺪ ﻭﺭﺩﺕ ﺁﻳﺎﺕٌ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺠﻴﻞ ﺗﺼﻒ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ، ﻣﺜﻞ: «ﻭﻣﻌﻪ ﻗﻀﻴﺐ ﻣﻦ ﺣﺪﻳﺪ ﻭﺃﻣﺘﻪ ﻛﺬﻟﻚ» ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ ﺻﺎﺣﺐُ ﺳﻴﻒ ﻭﻳﺄﻣﺮ ﺑﺎﻟﺠﻬﺎﺩ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑُﻪ ﻛﺬﻟﻚ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﻮﻑ ﻭﻣﺄﻣﻮﺭﻭﻥ ﺑﺎﻟﺠﻬﺎﺩ ﻭﻟﻴﺲ ﻛﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳَﻚُ ﺻﺎﺣﺐَ ﺳﻴﻒ. ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺻﻮﻑَ ﺑ«ﻣﻌﻪ ﻗﻀﻴﺒﺎً ﻣﻦ ﺣﺪﻳﺪ» ﺳﻴﺼﺒﺢ ﺳﻴﺪَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻷﻥ ﺁﻳﺔً ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺠﻴﻞ ﺗﻘﻮﻝ: «ﺳﺄﺫﻫﺐ ﻛﻲ ﻳﺠﻲﺀ ﺳﻴﺪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ».

ﻓﻨﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻔﻘﺮﺗﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺠﻴﻞ: ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻭﺇﻥ ﺑﺪﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺑﺎﺩﺉ ﺍﻷﻣﺮ ﺿﻌﻒٌ ﻭﻗﻠﺔ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﻢ ﺳﻴﻨﻤﻮﻥ ﻧﻤﻮ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺍﻟﻨﺎﺑﺘﺔ ﻭﺳﻴﻌﻠﻮﻥ ﻛﺎﻟﻨﺒﺎﺕ ﺍﻟﻨﺎﻣﻲ ﺍﻟﻨﺎﺷﺊ ﻭﻳﻘﻮﻭﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﻐﺘﺎﻅ ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭُ، ﺑﻞ ﻳﺮﺿِﺨﻮﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟَﻢ ﺑﺴﻴﻮﻓﻬﻢ ﻓﻴﺜﺒﺘﻮﻥ ﺃﻥ ﺳﻴﺪَﻫﻢ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝَ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻫﻮ ﺳﻴﺪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ. ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻔﻴﺪﻩ ﺁﻳﺔُ ﺍﻹﻧﺠﻴﻞ ﻫﻲ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻵﻳﺔ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ.

ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺗﻔﻴﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﻗﺒﻠﻮﺍ ﺑﺼﻠﺢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺒﻴﺔ، ﻟﻘﻠّﺘﻬﻢ ﻭﺿﻌﻔﻬﻢ ﺁﻧﺬﺍﻙ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺑﻌﺪ ﻓﺘﺮﺓ ﻭﺟﻴﺰﺓ ﻳﻜﺴﺒﻮﻥ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻗﻮﺓ ﺭﻫﻴﺒﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔَ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻧﺒﺘﺘﻬﺎ ﻳﺪُ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺰﺭﻋﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﺗﻜﻮﻥ ﺳﻨﺎﺑﻠُﻬﺎ ﻗﺼﻴﺮﺓً ﻭﻧﺎﻗﺼﺔً ﻭﻣﻤﺤﻮﻗﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﻏﻔﻠﺘﻬﻢ ﺇﺯﺍﺀ ﺳﻨﺎﺑﻠﻬﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﺨﺔ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺜﻤﺮﺓ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ، ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻬﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﺮﻛﻮﻥ ﺩﻭﻻ ﻛﺒﺮﻯ ﺗﺘﻠﻈﻰ ﺑﻨﺎﺭ ﻏﻴﻈﻬﺎ ﻭﺣﺴﺪﻫﺎ.

ﻧﻌﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞَ ﻗﺪ ﺑﻴّﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺑﺄﺳﻄﻊِ ﺻﻮﺭﺓ. ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺇﻳﻤﺎﺀٌ ﺧﻔﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﻭﻫﻮ ﺃﻧﻪ ﻟﻤﺎ ﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻟﻤﺎ ﻳﺘﺤﻠَّﻮﻥ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺧﺼﺎﻝ ﻓﺎﺿﻠﺔ ﻣﻬﻤﺔ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻳﻠﺰﻡ ﻭﻋﺪَ ﺛﻮﺍﺏٍ ﻋﻈﻴﻢ ﻭﻣﻜﺎﻓﺄﺓ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻟﻬﻢ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﺸﻴﺮ ﺑﻜﻠﻤﺔ «ﻣﻐﻔﺮﺓ» ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﺳﺘﻘﻊ ﺃﺧﻄﺎﺀٌ ﻭﻫﻔﻮﺍﺕٌ ﻣﻬﻤﺔ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺀ ﻓﺘﻦ ﺗﺤﺪﺙ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﺇﺫ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓُ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺗﻘﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﺷﻲﺀٍ ﻭﺣﻴﻨﺬﺍﻙ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻋﻈﻢُ ﻣﻄﻠﻮﺏ ﻟﻬﻢ ﻭﺃﻓﻀﻞُ ﺇﺣﺴﺎﻥ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ. ﻷﻥ ﺃﻋﻈﻢ ﺇﺛﺎﺑﺔ ﻫﻲ: ﺍﻟﻌﻔﻮ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ.

ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻛﻠﻤﺔ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻳﻤﺎﺀ ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻬﻲ ﺫﺍﺕُ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺴﻮﺭﺓ: ﴿ﻟﻴﻐﻔﺮَ ﻟﻚَ ﺍﻟﻠﻪ ﻣَﺎ ﺗَﻘﺪّﻡ ﻣِﻦ ﺫَﻧﺒﻚَ ﻭﻣَﺎ ﺗﺄﺧّﺮ﴾ (ﺍﻟﻔﺘﺢ:٢) ﻓﺎﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻫﻨﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻐﻔﺮﺓَ ﺫﻧﻮﺏ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻷﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻟﻌﺼﻤﺔ، ﻓﻼ ﺛﻤﺔ ﺫﻧﺐٌ. ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺑﺸﺮﻯ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﺑﻤﺎ ﻳﻨﺎﺳﺐ ﻣﻘﺎﻡَ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ. ﻭﻣﺎ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺍﻟﺴﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺗﺒﺸﻴﺮ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﺑﺎﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻳﻀﻢ ﻟﻄﺎﻓﺔً ﺃﺧﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻳﻤﺎﺀ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻮﺟﻮﻩُ ﺍﻹﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﻟﻶﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ، ﻟﻢ ﻧﺒﺤﺚ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﻟّﺎ ﻋﻦ ﻭﺟﻪ ﺍﻹﻋﺠﺎﺯ ﻓﻲ ﺇﺧﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺑﻞ ﻟﻢ ﻧﺒﺤﺚ ﺇﻟَّﺎ ﻓﻲ ﺳﺒﻊ ﻭﺟﻮﻩٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ.

ﻭﻗﺪ ﺃُﺷﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻟﻤﻌﺔ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﻣﻬﻤﺔ ﻓﻲ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺣﺮﻭﻑ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭ ﻭﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭﻱ. ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻣﻮﺟﻬﺔ ﺑﺠﻤﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻛﻤﺎ ﺗﺸﻤﻞ ﺑﻘﻴﻮﺩﻫﺎ ﺃﺣﻮﺍﻟَﻬﻢ ﺃﻳﻀﺎً، ﻭﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﻔﻴﺪ ﺑﺄﻟﻔﺎﻇﻬﺎ ﺃﻭﺻﺎﻑَ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻓﻬﻲ ﺗﺸﻴﺮ ﺑﺤﺮﻭﻓﻬﺎ ﻭﺗﻜﺮﺍﺭ ﺃﻋﺪﺍﺩﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺑﺪﺭ ﻭﺃﺣﺪ ﻭﺣُﻨﻴﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺼُﻔﺔ ﻭﺑﻴﻌﺔ ﺍﻟﺮﺿﻮﺍﻥ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ. ﻛﻤﺎ ﺗﻔﻴﺪ ﺃﺳﺮﺍﺭﺍً ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺑﺤﺴﺎﺏ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑ ﺍﻷﺑﺠﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺜﻞ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺠﻔﺮ ﻭﻣﻔﺘﺎﺣﻪ.

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

 *     *     *

  ﺇﻥَّ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺨﺒﺮ ﺑﻪ ﺁﻳﺎﺕ ﺧﺘﺎﻡ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ، ﺗﺨﺒﺮ ﺑﻪ ﻛﺬﻟﻚ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻵﺗﻴﺔ ﻭﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻧﻔﺴﻪ، ﻟﺬﺍ ﻧﺘﻄﺮﻕ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻫﻨﺎ.

  ﺗﺘﻤﺔ

﴿…وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ:68-69)

ﻧﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻧﻜﺘﺘﻴﻦ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺃُﻟﻮﻑ ﻧﻜﺎﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ:

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺒﻴّﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖَ ﺑﻤﻔﺎﻫﻴﻤﻪ ﻭﺑﻤﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻳﻔﻴﺪ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻌﺎﻧﻲَ ﺇﺷﺎﺭﻳﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺑﺄﺳﺎﻟﻴﺒﻪ ﻭﻫﻴﺌﺎﺗﻪ. ﻓﻠﻜﻞِّ ﺁﻳﺔ ﻃﺒﻘﺎﺕٌ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ؛ ﻭﻷﻥَّ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻗﺪ ﻧﺰﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ، ﻓﻴﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺟﻤﻴﻊُ ﻣﻌﺎﻧﻴﻪ ﻣﺮﺍﺩﺓ، ﺇﺫ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻻ ﺗﻨﺤﺼﺮ ﻓﻲ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﻭ ﺍﺛﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻛﻤﺎ ﻳﻨﺤﺼﺮ ﻛﻼﻡُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺑﺈﺭﺍﺩﺗﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﺑﻔﻜﺮﻩ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩ.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮ ﻓﻘﺪ ﺑﻴّﻦ ﺍﻟﻤﻔﺴﺮﻭﻥ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺤﺪّ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ.

ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﻟﻢ ﻳﺒﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﻤﻔﺴﺮﻭﻥ ﺑﻌﺪُ. ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﺣﺮﻭﻑ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺇﺷﺎﺭﺍﺗﻪ ﻓﻔﻴﻬﺎ ﻋﻠﻮﻡٌ ﻣﻬﻤﺔ ﺳﻮﻯ ﻣﻌﺎﻧﻴﻪ ﺍﻟﺼﺮﻳﺤﺔ..

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﺗﺒﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﺃﻥَّ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺼﺮﺍﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﻤﻨﻌَﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺎﻟﻨِﻌﻢ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺣﻘﺎً ﻫﻢ ﻃﺎﺋﻔﺔُ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻭﻗﺎﻓﻠﺔُ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﻴﻦ ﻭﺟﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻭﺃﺻﻨﺎﻑ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ ﻭﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ. ﻓﻜﻤﺎ ﺗﺒﻴﻦ ﺍﻵﻳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﻬﻲ ﺗﻔﻴﺪ ﺻﺮﺍﺣﺔً ﺃﻛﻤﻞَ ﻣَﻦ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﺋﻤﺔ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻭﻋﻠﻰ ﺭﺅﺳﺎﺋﻬﻢ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﻴﻦ ﺑﺬﻛﺮ ﺻﻔﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ. ﺛﻢ ﺗﻌﻴّﻦ ﺑﺠﻬﺔٍ ﺑﻠﻤﻌﺔِ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺃﺋﻤﺔَ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻗﺴﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺃﻭﺿﺎﻋﻬﻢ ﺑﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﻏﻴﺒﻲ .

ﻧﻌﻢ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻟﻔﻆ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ﻳﻨﻈﺮ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻓﺈﻥ ﻓﻘﺮﺓ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ، ﻣﺸﻴﺮﺓً ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم، ﻭﺃﻭﻝُ ﻣَﻦ ﻳﺨﻠﻔﻪ. ﻭﺃﻥ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﺼﺪّﻳﻖ ﻋﻨﻮﺍﻧﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻘّﺐ ﺑﻪ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻟﺪﻯ ﺍﻷﻣﺔ ﺟﻤﻴﻌﺎً. ﻭﺃﻧﻪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﻴﻦ.

ﻛﻤﺎ ﺗﺸﻴﺮ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﻭﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ ﻭﺗﻔﻴﺪ ﺇﻓﺎﺩﺓ ﻏﻴﺒﻴﺔ ﺃﻥ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺳﻴﻨﺎﻟﻮﻥ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻭﺃﻧﻬﻢ ﺳﻴﺴﺘﺸﻬﺪﻭﻥ. ﻣﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﻓﻀﺎﺋﻠﻬﻢ.

ﻭﻛﻤﺎ ﺗﺸﻴﺮ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺼُﻔﺔ ﻭﺑﺪﺭ، ﻭﺑﻴﻌﺔ ﺍﻟﺮﺿﻮﺍﻥ ﻭﺗﺸﻮّﻕ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﻭﺑﻤﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻋﻠﻰ ﺃﺗﺒﺎﻋﻬﻢ ﻭﺗﺒﻴﻦ ﺟﻤﺎﻝ ﺃﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﻭﺣُﺴﻨﻪ ﻣﺸﻴﺮﺓً ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻹﺷﺎﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻧﻪ ﺧﺎﻣﺲ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ، ﻣﺼﺪﻗﺔ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ: «ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﺑﻌﺪﻱ ﻓﻲ ﺃُﻣﺘﻲ ﺛﻼﺛﻮﻥ ﺳﻨﺔ» ﻓﻤﻊ ﻗﺼﺮ ﻣﺪﺓ ﺧﻼﻓﺘﻪ ﻓﻬﻲ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺸﺄﻥ.

ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ: ﺃﻥَّ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﻛﻤﺎ ﺗﻨﻈﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻭﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ ﺃﻭﺿﺎﻋﻬﻢ ﻭﺗﺆﻳﺪﻫﺎ ﺑﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ.

ﻓﺎﻹﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺣﺪ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺇﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻟﻪ ﻟﻤﻌﺎﺕ ﺇﻋﺠﺎﺯﻳﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻭﻛﺜﻴﺮﺓ ﻻ ﺗﻌﺪ ﻭﻻ ﺗﺤﺼﻰ، ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺣﺼﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺃﻭ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﺁﻳﺔ ﻓﻘﻂ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻧﺎﺷﺊ ﻣﻦ ﻧﻈﺮ ﻇﺎﻫﺮﻱ ﺳﻄﺤﻲ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺎ ﻳﺮﺑﻮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻟﻒ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻞ ﻗﺪ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺁﻳﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻘﻂ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﻭ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺧﺒﺎﺭ ﻏﻴﺒﻴﺔ.

 ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

اللمعة السادسة

ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ

ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ «ﻻ ﺣﻮﻝ ﻭﻻ ﻗﻮﺓ ﺇﻟّﺎ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻠﻲ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ» ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ. ﺗﻮﺿﺤﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﺗﻘﺮُﺏ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻛﻨﺖُ ﺍﺳﺘﺸﻌﺮ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺃﺷﺎﻫﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﺳﻴﺮﻱ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺬﻛﺮ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ «ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ» ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﺫﺍﺕ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺬﻭﻕ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﻘﻠﺒﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺗﻌﻠّﻘﻬﺎ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﺭﺗﺆﻱ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ «ﺍﻟﻠﻤﻌﺎﺕ» ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺘﻬﺎ.

اللمعة الخامسة

ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ

ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔُ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺗﺒﻴﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:173) ﺿﻤﻦ ﺧﻤﺲ ﻋﺸﺮﺓ ﻣﺮﺗﺒﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺗﺄﻟﻴﻔﻬﺎ ﻗﺪ ﺗﺄﺟﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﺫﺍﺕ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺘﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺬﻛﺮ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻟﺬﺍ ﺟﺎﺀﺕ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ.

اللمعة الرابعة

  (ﻟﻘﺪ ﺍﺭﺗﺆﻱ ﺃﻥ ﻳُﻄﻠَﻖ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﺳﻢ «ﻣﻨﻬﺎﺝ ﺍﻟﺴﻨﺔ»)

 ﺇﻥَّ «ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻹﻣﺎﻣﺔ» ﻣﻊ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔً ﻓﺮﻋﻴﺔ ﺇﻟّﺎ ﺃﻥّ ﻛﺜﺮﺓ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﻬﺎ ﺟﻌﻠﺘْﻬﺎ ﺗﺪﺧﻞ ﺿﻤﻦ ﻣﺒﺎﺣﺚ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﻲ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻏﺪﺕ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺫﺍﺕَ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺨﺪﻣﺘﻨﺎ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ، ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻗﺪ ﺑُﺤﺜﺖ ﺑﺤﺜﺎً ﺟﺰﺋﻴﺎً.

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ:128-129)

 ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (ﺍﻟﺸﻮﺭﻯ:23)

  ﺳﻨﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺰﺧﺮ ﺑﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺠﻠﻴﻠﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﺿﻤﻦ ﻣﻘﺎﻣﻴﻦ ﺍﺛﻨﻴﻦ.

  ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻷﻭﻝ

  ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺃﺭﺑﻊ ﻧﻜﺎﺕ

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ:

ﻭﻫﻲ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﺭﺃﻓﺔ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻛﺮﻡ صلى الله عليه وسلم ﻭﻏﺎﻳﺔِ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻣّﺘﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﻟﻘﺪ ﻭﺭﺩﺕ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕٌ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﺗﺒﻴﻦ ﻣﺪﻯ ﺭﺃﻓﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻭﺷﻔﻘﺘﻪ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺘﻪ، ﺑﺄﻧﻪ صلى الله عليه وسلم ﻳﺪﻋﻮ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﺑ(ﺃﻣّﺘﻲ ﺃﻣّﺘﻲ) ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﻋﻮ ﻛﻞُّ ﺃﺣﺪ، ﺑﻞ ﺣﺘﻰ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀُ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺑ«ﻧﻔﺴﻲ ﻧﻔﺴﻲ» ﻣﻦ ﻫَﻮﻝ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻭﺭﻫﺒﺘﻪ. ﻓﻜﻤﺎ ﺗﺒﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﻋﻈﻴﻢَ ﺷﻔﻘﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺘﻪ ﻓﻘﺪ ﺳﻤﻌﺖْ ﻭﺍﻟﺪﺗُﻪ ﻣﻨﻪ ﻋﻨﺪ ﻭﻻﺩﺗﻪ ﺃﻧﻪ ﻳﻨﺎﺟﻲ: «ﺃﻣﺘﻲ ﺃﻣﺘﻲ» ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺼﺪَّﻕٌ ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ. ﻭﻛﺬﺍ ﺇﻥَّ ﺳﻴﺮﺗﻪ ﺍﻟﻌﻄﺮﺓ ﻛﻠَّﻬﺎ، ﻭﻣﺎ ﻧﺸﺮﻩ ﻓﻲ ﺍﻵﻓﺎﻕ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﺭﻡ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﻤﻜﻠّﻠﺔ ﺑﺎﻟﺸﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ، ﺗﺒﻴﻦ ﻛﻤﺎﻝَ ﺭﺃﻓﺘﻪ ﻭﺷﻔﻘﺘﻪ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﺃﻇﻬﺮ ﻋﻈﻴﻢَ ﺷﻔﻘﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺘﻪ ﺑﺈﻇﻬﺎﺭ ﺣﺎﺟﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻻﺗﺤﺪ ﺇﻟﻰ ﺻﻠﻮﺍﺕ ﺃﻣﺘﻪ ﻋﻠﻴﻪ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺼﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﻦ ﻣﺪﻯ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺍﻟﺮﺅﻭﻓﺔ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺳﻌﺎﺩﺍﺕ ﺃﻣﺘﻪ.

ﻓﻔﻲ ﺿﻮﺀ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺮﺷﺪ ﺍﻟﺮﺅﻭﻑ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ صلى الله عليه وسلم؛ ﻛﻢ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻋﺮﺍﺽُ ﻋﻦ ﺳﻨّﺘﻪ ﺍﻟﺴﻨﻴﺔ ﻛﻔﺮﺍﻧﺎً ﻋﻈﻴﻤﺎً ﺑﻞ ﻣﻮﺗﺎً ﻟﻠﻮﺟﺪﺍﻥ! ﻗﺲ ﺫﻟﻚ ﺑﻨﻔﺴﻚ ﻭﻗﺪّﺭ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻛﺮﻡ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺃﺑﺪﻯ ﺭﺃﻓﺔً ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺃﻣﻮﺭٍ ﻭﻣﻮﺍﺩَّ ﺟﺰﺋﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﺿﻤﻦ ﻣﻬﻤّﺘﻪ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ. ﻓﻴﺒﺪﻭ ﺃﻥ ﺻﺮﻑَ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻻ ﻳﻨﺎﺳﺐ -ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻷﻣﺮ- ﻋِﻈَﻢ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﻻ ﻳﻼﺋﻤﻬﺎ. ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻭﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻳﻤﺜﻞ ﻃﺮﻑَ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺗﺘﻮﻟﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﻬﻤﺔً ﻧﺒﻮﻳﺔ ﻛﻠﻴّﺔ؛ ﻟﺬﺍ ﺃُﻋﻄﻲ ﻟﻤﻤﺜﻠﻬﺎ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ.

ﻣﺜﺎﻝ ﺫﻟﻚ: ﺇﻥ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺷﻔﻘﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﻭﺃﻫﻤﻴﺔ ﺑﺎﻟﻐﺔ ﻟﻠﺤﺴﻦ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺻﺒﺎﻫﻤﺎ، ﻟﻴﺴﺖ ﻫﻲ ﺷﻔﻘﺔً ﻓﻄﺮﻳﺔ ﻭﻣﺤﺒﺔً ﻧﺎﺑﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﺑﺼﻠﺔ ﺍﻟﻘﺮﺑﻰ ﻭﺣﺪﻫﺎ، ﺑﻞ ﻧﺎﺑﻌﺔً ﺃﻳﻀﺎً ﻣﻦ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﺑﺪﺍﻳﺔُ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔٍ ﺗﺘﻮﻟﻰ ﻣﻬﻤﺔً ﻣﻦ ﻣﻬﻤﺎﺕ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ، ﻭﺃﻥ ﻛﻼ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻨﺸﺄُ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻣﻦ ﻭﺍﺭﺛﻲ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻭﻣﻤﺜﻞٌ ﻋﻨﻬﺎ ﻭﻗﺪﻭﺓٌ ﻟﻬﺎ.

ﻧﻌﻢ! ﺇﻥ ﺣﻤﻞَ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺣﻀﻨﻪ ﻭﺗﻘﺒﻴﻠَﻪ ﺭﺃﺳَﻪ ﺑﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ، ﻫﻮ ﻷﺟﻞ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﻭﺭﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻟﺸﺒﻴﻬﻴﻦ ﺑﺎﻟﻤﻬﺪﻱ ﺍﻟﺤﺎﻣﻠﻴﻦ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﻐﺮﺍﺀ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﺴﻠﻴﻦ ﻣﻦ ﺳﻼﻟﺔ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺤﺪﺭﻳﻦ ﻣﻦ ﻧﺴﻠﻪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻲ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻟﻜﻴﻼﻧﻲ. ﻓﻠﻘﺪ ﺷﺎﻫﺪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﺑﺒﺼﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻣﺎ ﻳﻀﻄﻠﻊ ﺑﻪ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻷﻛﺎﺭﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﻦ ﻣﻬﺎﻡ ﻣﻘﺪﺳﺔ ﺟﻠﻴﻠﺔ، ﻓﺎﺳﺘﺤﺴﻦ ﺧﺪﻣﺎﺗِﻬﻢ ﻭﻗﺪّﺭ ﺃﻋﻤﺎﻟَﻬﻢ، ﻓﻘﺒّﻞ ﺭﺃﺱَ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻋﻼﻣﺔً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻭﺍﻟﺤﺚ. ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻭﻻﻩ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﺑﺎﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻋﻄﻔَﻪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻧﺤﻮﻩ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻟﻠﺬﻳﻦ ﻳﺘﺴﻠﺴﻠﻮﻥ ﻣﻦ ﻧﺴﻠﻪ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻲ ﻣﻦ ﺃﺋﻤﺔ ﻋﻈﺎﻡ ﻭﺍﺭﺛﻲ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ ﺍﻟﺸﺒﻴﻬﻴﻦ ﺑﺎﻟﻤﻬﺪﻱ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﻭﺟﻌﻔﺮﺍﻟﺼﺎﺩﻕ.

ﻧﻌﻢ، ﻓﻘﺪ ﻗﺒّﻞ صلى الله عليه وسلم ﻋﻨﻖَ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻭﺃﻇﻬﺮ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻎ ﺷﻔﻘﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻝ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﻪ ﻷﺟﻞ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﻴﺮﻓﻌﻮﻥ ﺷﺄﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﻳﺆﺩﻭﻥ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻩ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﺑﻘﻠﺒﻪ ﺍﻷﻧﻴﺲ ﺑﺎﻟﻐﻴﺐ ﻣﻴﺪﺍﻥَ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪ ﻓﻲ ﺍﻷﺑﺪﻳﺔ ﻭﻫﻮ ﻣﺎﺯﺍﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻓﻲ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﺍﻟﻌﻠﻰ ﻭﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ.. ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻯ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﻤﺴﺘﺘﺮﺓ ﺑﺤُﺠﺐ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ ﻣﻨﺬ ﺯﻣﻦ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺁﺩﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺑﻞ ﺣﻈﻲَ ﺑﺮﺅﻳﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.. ﺇﻥَّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻲ ﻭﺍﻟﺒﺼﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﻟﻠﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﻻ ﺭﻳﺐ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺭﺃﻯ ﺍﻷﻗﻄﺎﺏَ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﻭﺃﺋﻤﺔ ﻭﺭﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﻤﻬﺪﻳﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﺴﻠﻴﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﻘﺒّﻞ ﺭﺃﺳَﻴﻬﻤﺎ ﺑﺎﺳﻢ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺟﻤﻴﻌﺎً.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﻓﻲ ﺗﻘﺒﻴﻠﻪ صلى الله عليه وسلم ﺭﺃﺱَ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺣﺼﺔً ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻟﻠﺸﻴﺦ ﺍﻟﻜﻴﻼﻧﻲ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ:

ﺇﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ -ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻝ- ﻫﻮ: ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻛﺮﻡ صلى الله عليه وسلم ﻟﺪﻯ ﻗﻴﺎﻣﻪ ﺑﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻻ ﻳﺴﺄﻝ ﺃﺟﺮﺍً ﻣﻦ ﺃﺣﺪ، ﺇﻟّﺎ ﻣﺤﺒﺔَ ﺁﻝ ﺑﻴﺘﻪ ﻓﺤﺴﺐ.

ﻭﺇﺫﺍ ﻗﻴﻞ: ﺇﻥَّ ﺃﺟﺮﺍً ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻗﺮﺍﺑﺔ ﺍﻟﻨﺴﻞ ﻗﺪ ﺃُﺧﺬ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻹﻋﺘﺒﺎﺭ ﺣﺴﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻵﻳﺔُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (ﺍﻟﺤﺠﺮﺍﺕ:13) ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺗﺴﺘﻤﺮ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺘﻘﺮّﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﺘﻘﻮﻯ ﻻ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻗﺮﺍﺑﺔ ﺍﻟﻨﺴﻞ.

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺷﺎﻫﺪ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻷﻧﻴﺲ ﺑﺎﻟﻐﻴﺐ: ﺃﻥ ﺁﻝ ﺑﻴﺘﻪ ﺳﻴﻜﻮﻧﻮﻥ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺷﺠﺮﺓ ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﻤﺘﺪ ﺃﻏﺼﺎﻧُﻬﺎ ﻭﻓﺮﻭﻋُﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻓﻴﺮﺷﺪﻭﻥ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻃﺒﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻬﺪﻯ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮ، ﻭﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﻧﻤﺎﺫﺝ ﺷﺎﺧﺼﺔ ﻟﻠﻜﻤﺎﻻﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺟﻤﻌﺎﺀ، ﻭﺳﻴَﻈﻬﺮﻭﻥ ﺑﺄﻛﺜﺮﻳﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻣﻦ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ.

ﻭﻗﺪ ﻛﺸﻒ ﻋﻦ ﻗﺒﻮﻝ ﺩﻋﺎﺀ ﺃﻣﺘﻪ ﺑﺤﻖ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﻬﺪ ﻭﻫﻮ: (ﺍﻟﻠّﻬﻢ ﺻﻞِّ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﻋﻠﻰ ﺁﻝ ﻣﺤﻤﺪ ﻛﻤﺎ ﺻﻠﻴﺖ ﻋﻠﻰ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻭﻋﻠﻰ ﺁﻝ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ، ﺇﻧﻚ ﺣﻤﻴﺪ ﻣﺠﻴﺪ). ﺃﻱ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﻤﺮﺷﺪﻳﻦ ﺍﻟﻬﺎﺩﻳﻦ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﻣﻠﺔ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻫﻢ ﺃﻧﺒﻴﺎﺀٌ ﻣﻦ ﻧﺴﻠﻪ ﻭﺁﻟﻪ، ﻛﺬﻟﻚ ﺭﺃﻯ صلى الله عليه وسلم ﺃﻥ ﺃﻗﻄﺎﺏ ﺁﻝ ﺑﻴﺘﻪ ﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﻛﺄﻧﺒﻴﺎﺀ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ ﻳﺆﺩﻭﻥ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﺷﺘﻰ ﻃﺮﻗﻬﺎ ﻭﻣﺴﺎﻟﻜﻬﺎ. ﻭﻷﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﺃُﻣﺮ صلى الله عليه وسلم ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ﻭﻃﻠﺐ ﻣﻮﺩّﺓ ﺃﻣﺘﻪ ﻵﻝ ﺑﻴﺘﻪ. ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺆﻳﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻮ ﻣﺎ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﻧﻪ صلى الله عليه وسلم ﻗﺎﻝ: (ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻧﻲ ﻗﺪ ﺗﺮﻛﺖ ﻓﻴﻜﻢ ﻣﺎ ﺇﻥْ ﺃﺧﺬﺗﻢ ﺑﻪ ﻟﻦ ﺗﻀﻠﻮﺍ: ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻋِﺘْﺮﺗﻲ ﺃﻫﻞ ﺑﻴﺘﻲ) ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻫﻢ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺍﻟﻤﻜﻠّﻔﻮﻥ ﺃﻭﻻ ﺑﺎﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻬﺎ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻭﺿَﺤَﺖْ ﺣﻘﻴﻘﺔُ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺫﻛﺮ ﺁﻧﻔﺎً، ﺃﻱ ﺑﺎﻻﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﻟﻠﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ. ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﻣﻦ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻫﻮ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ. ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﺪَﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔَ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺣﻘﻴﻘﺔً ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺍﻟﻴﺎً ﺣﻘﻴﻘﻴﺎً ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ صلى الله عليه وسلم ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﻣﺔ ﺣﻮﻝ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻫﻲ: ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﻋﻠِﻢ ﺑﺈﺫﻥ ﺇﻟﻬﻲ ﺃﻥ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺳﻴﻜﺜﺮ ﻧﺴﻠُﻬﻢ ﺑﻤﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻹﺳﻼﻡُ ﺳﻴﺆﻭﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻀﻌﻒ. ﻓﻴﻠﺰﻡ ﻭﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻫﺬﻩ ﻭﺟﻮﺩ ﺟﻤﺎﻋﺔٍ ﻣﺘﺮﺍﺑﻄﺔ ﻣﺘﺴﺎﻧﺪﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ﻟﺘﻜﻮﻥ ﻣﺮﻛﺰﺍً ﻭﻣﺤﻮﺭﺍً ﻟﺮﻗﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ. ﻭﻗﺪ ﻋﻠﻢ صلى الله عليه وسلم ﺑﻬﺬﺍ ﺑﺈﺫﻥ ﺇﻟﻬﻲ ﻓﺮﻏّﺐ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺃﻣﺘﻪ ﺣﻮﻝ ﺁﻝ ﺑﻴﺘﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺃﻓﺮﺍﺩَ ﺁﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﺳﺎﺑﻘﻴﻦ ﻭﻣﺘﻘﺪﻣﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﺴﺒﻘﻮﻧﻬﻢ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻭﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﻭﺍﻟﻮﻻﺀ ﻟﻺﺳﻼﻡ، ﻷﻧﻬﻢ ﻳﻮﺍﻟﻮﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻄﺮﺓ ﻭﻃﺒﻌﺎً ﻭﻧﺴﻼ. ﻓﺎﻟﻤﻮﺍﻻﺓ ﺍﻟﻄﺒﻌﻴﺔ ﻻ ﺗُﺘﺮﻙ ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺿﻌﻒ ﻭﻋﺪﻡ ﺷﻬﺮﺓ ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻃﻞ، ﻓﻜﻴﻒ ﺑﺎﻟﻤﻮﺍﻻﺓ ﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﺭﺗﺒﻄﺖ ﺑﻬﺎ ﺳﻠﺴﻠﺔُ ﺃﺟﺪﺍﺩﻩ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺿﺤّﻮﺍ ﺑﺄﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﺭﺧﻴﺼﺔً ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ ﻓﻨﺎﻟﻮﺍ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺑﻬﺎ، ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻲ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺫﺭﻭﺓُ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﺒﻴﻦ، ﺃﻓﻴﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﻦ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺪﺍﻫﺔً ﺑﻤﺪﻯ ﺃﺻﺎﻟﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻻﺓ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺃﻥ ﻳﺘﺮﻛﻬﺎ؟

ﻓﺄﻫﻞُ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻟﻺﺳﻼﻡ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺘﺰﺍﻡٌ ﻓﻄﺮﻱ ﻳﺮﻭﻥ ﺍﻷﻣﺎﺭﺓ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺑﺠﺎﻧﺐ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺑﺮﻫﺎﻧﺎً ﻗﻮﻳﺎً ﻷﻧﻬﻢ ﻳﻮﺍﻟﻮﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻄﺮﺓً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻏﻴﺮُﻫﻢ ﻻ ﻳﻠﺘﺰﻡ ﺇﻟّﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻗﺘﻨﺎﻋﻪ ﺑﺎﻟﺒﺮﻫﺎﻥ ﺍﻟﻘﻮﻱ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ:

ﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻧﺸﻴﺮ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺿُﺨّﻤﺖ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺑﺤﻴﺚ ﺩﺧﻠﺖ ﻛﺘﺐَ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ﻭﺗﺴﻠﺴﻠﺖ ﻣﻊ ﺃﺳﺲ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺸﻴﻌﺔ. ﻭﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻫﻲ ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: «ﺇﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻫﻮ ﺭﺍﺑﻊُ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ، ﻭﺃﻥ ﺃﺑﺎ ﺑﻜﺮ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻨﻪ ﻭﺃﺣﻖ ﺑﺎﻟﺨﻼﻓﺔ، ﻓﺘﺴﻠَّﻢ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔَ ﺃﻭﻻ».

ﻭﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: «ﺇﻥّ ﺣﻖَّ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻛﺎﻥ ﻟﻌﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻇُﻠﻢَ، ﻭﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻞ». ﻭﺧﻼﺻﺔ ﻣﺎ ﻳﻮﺭﺩﻭﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﺩﻟﺔ ﻟﺪﻋﻮﺍﻫﻢ ﻫﻲ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﺇﻥ ﻭﺭﻭﺩَ ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ ﺷﺮﻳﻔﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻓﻀﺎﺋﻞ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻭﻛﻮﻧَﻪ ﻣﺮﺟﻌﺎً ﻟﻸﻛﺜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﻭﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﺼﻮﻓﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﻟُﻘّﺐ ﺑﺴﻠﻄﺎﻥ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻣﻊ ﻣﺎ ﻳﺘﺼﻒ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺕٍ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳُﻈﻬﺮﻫﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﺑﻪ ﻭﺑﺂﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺄﺗﻮﻥ ﻣﻦ ﻧﺴﻠﻪ.. ﻛﻞُّ ﺫﻟﻚ ﻳﺪﻝّ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺍﻷﻓﻀﻞ. ﻓﺎﻟﺨﻼﻓﺔُ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﺣﻘﻪ ﻭﻟﻜﻦ ﺍُﻏﺘُﺼﺒَﺖ ﻣﻨﻪ.

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻥ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﺳﻴﺪِﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﺮﺍﺭﺍً ﻭﺗﻜﺮﺍﺭﺍً، ﻭﺍﺗّﺒﺎﻋﻪ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻭﺗﻮﻟّﻴﻪ ﻭﻇﻴﻔﺔ «ﺷﻴﺦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ»، ﻭﻛﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻞّ ﻭﺍﻟﻌﻘﺪ ﻃﻮﺍﻝ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺳﻨﺔ ﻭﺃﻛﺜﺮ.. ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻳﺠﺮﺡ ﺩﻋﻮﻯ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻔﺘﻮﺣﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺟﻬﺎﺩ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﺯﻣﻦَ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ، ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﺣﺪﺙ ﺯﻣﻦ ﺧﻼﻓﺔ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﻭﻓﺘﻦ، ﺗﺠﺮﺡ ﺃﻳﻀﺎً ﺩﻋﻮﻯ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﺩﻋﻮﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺣﻖ.

  ﻓﺈﻥ ﻗﻴﻞ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻗﺴﻤﺎﻥ: ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ، ﻭﺍﻵﺧﺮ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ. ﻓﻠﻴﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻏﻴﺮ ﻣُﺤﻖّ ﺑﺎﺧﺘﻼﻁ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻷﻏﺮﺍﺽ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﻭﺍﻫﻢ، ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﺃﻏﺮﺍﺽ ﻭﻻ ﺃﻃﻤﺎﻉ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻷﻭﻝ. ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺪ ﺍﻟﺘﺤﻘﺖ ﺷﻴﻌﺔُ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﺑﺸﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ. ﺃﻱ ﺇﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﺼﻮﻓﻴﺔ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻫﻮ ﺍﻷﻓﻀﻞ، ﻓﻴﺼﺪّﻗﻮﻥ ﺩﻋﻮﻯ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺑﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ.

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺘﻴﻦ ﺃﻭ ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻴﻦ:

  ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﻓﻀﺎﺋﻠﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﻣﻘﺎﻣﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ.

ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﻫﻲ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺗﻤﺜﻴﻠﻪ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ. ﻭﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻳﻌﻜﺲ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم.

  ﻓﺒﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺘﻬﻢ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻳﻘﺪّﻣﻮﻥ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﺃﺑﺎ ﺑﻜﺮ ﻭﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻭﺍ ﻣﻘﺎﻣَﻬﻤﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﺭﻓﻌﺔً ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻟﻘﺮﺏ ﺍﻹﻟﻬﻲ.

ﻭﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺃﻱ ﻛﻮﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻣﻤﺜﻼ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ. ﻓﺎﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻛﻮﻧﻪ ﻣﻤﺜﻼ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻻ ﻳﺮﻗﻰ ﺇﻟﻴﻪ ﺷﻲﺀٌ ﺑﺎﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔ. ﻭﻛﺜﺮﺓُ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻓﻀﺎﺋﻠﻪ ﻫﻲ ﻷﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ. ﻭﻣﻤﺎ ﻳﺆﻳﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺭﻭﺍﻳﺔٌ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ: (ﺇﻥ ﻧﺴﻞ ﻛﻞ ﻧﺒﻲ ﻣﻨﻪ، ﻭﺃﻧﺎ ﻧﺴﻠﻲ ﻣﻦ ﻋﻠﻲ).

ﺃﻣﺎ ﺳﺒﺐ ﻛﺜﺮﺓِ ﺍﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺑﺤﻖ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺳﺎﺋﺮ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ، ﻓﻬﻮ: ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺤﻖ، ﻗﺪ ﻧﺸﺮﻭﺍ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﺑﺤﻖ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺗﺠﺎﻩ ﻫﺠﻮﻡ ﺍﻷﻣﻮﻳﻴﻦ ﻭﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺗﻨﻘﻴﺼﻬﻢ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﻇﻠﻤﺎً. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻭﻥ ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻋﺮﺿﺔً ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺪﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﻭﺍﻟﺠﺮﺡ، ﻟﺬﺍ ﻟﻢ ﻳﺮﻭﺍ ﺩﺍﻋﻴﺎً ﻟﻨﺸﺮ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺬﺍﻛﺮﺓ ﻟﻔﻀﺎﺋﻠﻬﻢ.

ﺛﻢ ﺇﻧﻪ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺭﺃﻯ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺃﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺳﻴﺘﻌﺮﺽ ﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﺃﻟﻴﻤﺔ ﻭﻓﺘﻦ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ، ﻓﺴﻠّﺎﻩ، ﻭﺃﺭﺷﺪ ﺍﻷﻣﺔ ﺑﺄﺣﺎﺩﻳﺚ ﺷﺮﻳﻔﺔ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ: (ﻣَﻦ ﻛﻨﺖُ ﻣﻮﻻﻩ ﻓﻌﻠﻲٌّ ﻣﻮﻻﻩ) ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻴﻨﻘﺬ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻴﺄﺱ ﻭﻳﻨﺠﻲ ﺍﻷﻣﺔَ ﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﻈﻦ ﺑﻪ.

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﻤﻔﺮﻃﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﻟﻴﻬﺎ ﺷﻴﻌﺔُ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﺗﻔﻀﻴﻠﻬﻢ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﻻ ﻳﺠﻌﻠﻬﻢ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﻦ ﺑﻤﺜﻞ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ، ﻷﻥ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺷﺪﻳﻬﻢ ﺣﺴﺐ ﻣﺴﻠﻜﻬﻢ. ﻭﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﻤﺤﺐ؛ ﺍﻟﻐﻠﻮ ﻭﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﻭﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﻣﺤﺒﻮﺑَﻪ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻣﻪ. ﻓﻬﻢ ﻳﺮﻭﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻫﻜﺬﺍ ﻓﻌﻼ.

ﻓﺄﻫﻞ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻘﻠﺒﻴﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳُﻌﺬَﺭﻭﺍ ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻏﻠﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻟﺪﻳﻬﻢ ﻭﻏﻠﺒﺘﻬﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻟّﺎ ﻳﺘﻌﺪﻯ ﺗﻔﻀﻴﻠُﻬﻢ ﺍﻟﻨﺎﺷﺊ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺫﻡ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ ﻭﻋﺪﺍﻭﺗﻬﻢ، ﻭﺃﻟّﺎ ﻳﺨﺮﺝ ﻋﻦ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻷﺻﻮﻝ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ.

ﺃﻣﺎ ﺷﻴﻌﺔُ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻓﻨﻈﺮﺍً ﻟﺪﺧﻮﻝ ﺍﻷﻏﺮﺍﺽ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻓﻴﻬﺎ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻨﺠﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺪﺍﺀ ﻭﺍﻷﻏﺮﺍﺽ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ، ﻓﻴﻔﻘﺪﻭﻥ ﺣﻖ ﺍﻻﻋﺘﺬﺍﺭ ﻟﻬﻢ، ﻭﻳُﺤﺮَﻣﻮﻥ ﻣﻨﻪ. ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻬﻢ ﻳﻈﻬﺮﻭﻥ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻬﻢ ﻣﻦ «ﻋﻤﺮ» ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ «ﺣﺐّ ﻋﻠﻲ» ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺍﻹﻳﺮﺍﻧﻴﺔ ﻗﺪ ﺟُﺮﺣﺖ ﺑﻴﺪ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ. ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﻮﺍ ﻣﺼﺪﺍﻕ ﺍﻟﻘﻮﻝ: «ﻻ ﻟﺤﺐ ﻋﻠﻲ ﺑﻞ ﻟﺒﻐﺾ ﻋﻤﺮ». ﻭﺇﻥ ﺧﺮﻭﺝ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻗﺘﺎﻝ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﻔﺠﻴﻌﺔ ﺍﻟﻤﺆﻟﻤﺔ، ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﻭﺭﺙ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻏﻴﻈﺎً ﺷﺪﻳﺪﺍً ﻭﻋﺪﺍﺀً ﻣﻔﺮﻃﺎً ﻻﺳﻢ «ﻋﻤﺮ».

ﺃﻣﺎ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻬﻢ ﺣﻖ ﺍﻧﺘﻘﺎﺩ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ. ﻷﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻛﻤﺎ ﻻ ﻳُﻨﻘِﺼﻮﻥ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻬﻢ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﺣﺒﺎً ﺧﺎﻟﺼﺎً ﺟﺎﺩﺍً، ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﻳﺤﺘﺮﺯﻭﻥ ﻣﻦ ﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺐ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﺿﺮﺭُﻩ ﻭﺧﻄﺮُﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ ﻟﺸﻴﻌﺔ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻛﻤﺎ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ ﻧﺒﻮﻳﺔ ﻓﺈﻧﻤﺎ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻷﻧﻬﻢ ﻫﻢ ﺍﻟﻤﺘﺒﻌﻮﻥ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻋﻠﻰ ﻭﻓﻖ ﺍﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔ، ﻟﺬﺍ ﻓﻬﻢ ﺷﻴﻌﺔُ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ.

ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺻﺤﻴﺢ ﺻﺮﺍﺣﺔ؛ ﺃﻥ ﺧﻄﻮﺭﺓَ ﺍﻟﻐﻠﻮ ﻓﻲ ﻣﺤﺒﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻛﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻐﻠﻮ ﻓﻲ ﻣﺤﺒﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ.

  ﻓﺈﻥ ﻗﺎﻟﺖ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ: ﺇﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﻗﺒﻮﻝ ﻓﻀﺎﺋﻞ ﺧﺎﺭﻗﺔ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻗﺒﻮﻝ ﺗﻔﻀﻴﻞ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻋﻠﻴﻪ.

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻭُﺿﻊ ﻓﻲ ﻛﻔﺔ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﺃﺑﻰ ﺑﻜﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻭ ﻓﻀﺎﺋﻞ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻤﺮ ﺍﻟﻔﺎﺭﻭﻕ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻭﻣﺎ ﻗﺎﻡ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺧﺪﻣﺎﺕ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺯﻣﻦ ﺧﻼﻓﺘﻬﻤﺎ، ﻭﻭﺿﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻔﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﻤﺰﺍﻳﺎ ﺍﻟﺨﺎﺭﻗﺔ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻣﺠﺎﻫﺪﺍﺕ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻧﻪ ﻭﻣﺎ ﺍﺿﻄﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﺭﻙ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ ﺩﺍﻣﻴﺔ ﺃﻟﻴﻤﺔ ﻭﻣﺎ ﺗﻌﺮّﺽ ﻟﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﻈﻦ، ﻓﻼ ﺭﻳﺐ ﺃﻥّ ﻛﻔﺔَ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻭ ﻛﻔﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻤﺮ ﺍﻟﻔﺎﺭﻭﻕ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻭ ﻛﻔﺔ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺫﻱ ﺍﻟﻨﻮﺭﻳﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮﻥ ﺭﺍﺟﺤﺔ. ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﺤﺎﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺷﺎﻫﺪﻩ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻭﺑَﻨﻮﺍ ﺗﻔﻀﻴﻠﻬﻢ ﻋﻠﻴﻪ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺭﺗﺒﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺃﺳﻤﻰ ﻭﺃﺭﻓﻊ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ، ﺑﺤﻴﺚ ﺇﻥَّ ﺟﻠﻮﺓً ﺑﻮﺯﻥ ﺩﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺗﻔﻀُﻞ ﺭﻃﻼ ﻣﻦ ﺟﻠﻮﺓ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ، ﻛﻤﺎ ﺃﺛﺒﺘﻨﺎﻩ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻋﺸﺮﺓ ﻭﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﻣﻦ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ»، ﻓﻤﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻫﺬﻩ؛ ﻓﺈﻥّ ﺣﺼﺔَ ﻛﻞٍّ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﻭﻕ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺗﺄﺳﻴﺲ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻗﺪ ﺯﻳﺪﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻹﻟﻬﻲ، ﻓﺎﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺎﻟﻔَﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﺧﻼﻓﺘﻬﻤﺎ ﻗﺪ ﺻﺎﺭ ﺩﻟﻴﻼ ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻓﻀﺎﺋﻞَ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻻ ﺗُﺴﻘِﻂ ﻣﻦ ﺣُﻜﻢ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺼﺔ ﺍﻟﺰﺍﺋﺪﺓ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺍﻵﺗﻴﺔ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻓﻘﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﺳﻴﺪُﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺷﻴﺦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻟﻠﺸﻴﺨﻴﻦ ﺍﻟﻤﻜﺮّﻣﻴﻦ ﺯﻣﻦ ﺧﻼﻓﺘﻬﻤﺎ، ﻭﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻃﺎﻋﺘﻬﻤﺎ.

ﺇﻥَّ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ، ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﺒّﻮﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻳﻮﻗّﺮﻭﻧﻪ، ﻛﻴﻒ ﻻ ﻳﺤﺒﻮﻥ ﻣَﻦ ﻛﺎﻥ ﺳﻴﺪُﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﺤﺒُّﻬﻤﺎ ﻭﻳﺠﻠّﻬﻤﺎ؟

ﻟﻨﻮﺿﺢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﻤﺜﺎﻝ: ﺭﺟﻞ ﺛﺮﻱ ﺟﺪﺍً ﻭﺯّﻉ ﻣﻴﺮﺍﺛﻪ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻪ ﺍﻟﻄﺎﺋﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻭﻻﺩﻩ. ﻓﺄﻋﻄﻰ ﻷﺣﺪﻫﻢ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺭﻃﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﺔ ﻭﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺭﻃﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻫﺐ، ﻭﺃﻋﻄﻰ ﻵﺧﺮ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺭﻃﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﺔ ﻭﺧﻤﺴﺔ ﺃﺭﻃﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻫﺐ، ﻭﺃﻋﻄﻰ ﻵﺧﺮ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺭﻃﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﺔ ﻭﺧﻤﺴﺔ ﺃﺭﻃﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻫﺐ، ﻓﻼ ﺷﻚ ﺃﻥ ﺍﻷﺧﻴﺮﻳﻦ ﺭﻏﻢ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻗﺪ ﻗﺒﻀﺎ ﺃﻗﻞ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻝ ﻛﻤﻴﺔً ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻗﺒﻀﺎ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻨﻪ ﻧﻮﻋﻴﺔً.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻲ ﺿﻮﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ، ﺇﻥ ﺍﻟﺰﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﻠﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺣﺼﺔ ﺍﻟﺸﻴﺨﻴﻦ ﻣﻦ ﺫﻫﺐِ ﺣﻘﻴﻘﺔِ ﺍﻷﻗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻴﺔ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺗﺄﺳﻴﺲ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺗﺮﺟﺢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﺟﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻭﺍﻟﻘﺮﺏ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ. ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺰﺍﻭﻳﺔ ﻭﺃﺧﺬﻫﺎ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ، ﻭﺇﻟّﺎ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺻﻮﺭﺓُ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔُ ﺗُﻌﻘﺪ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ ﻭﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻻ ﻳﺒﺎﺭﻳﻪ ﺃﺣﺪٌ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﻛﻮﻧﻪ ﺍﻟﻤﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺫﺍﺗﻪ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻵﻝ ﺍﻟﺒﻴﺖ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺗﺠﻠﻰ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻮﺭﺍﺛﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﺴﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻋﻈﻢ صلى الله عليه وسلم ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ.

ﺃﻣﺎ ﺷﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻓﻼ ﺣﻖ ﻟﻬﻢ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺨﺠﻞ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ. ﻷﻥ ﻫﺆﻻﺀ ﻳُﻨﻘﺼﻮﻥ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺩﻋﻮﺍﻫﻢ ﺍﻟﺤﺐَّ ﺍﻟﻤﻔﺮﻁ ﻟﻪ ﺑﻞ ﻳُﻔﻀﻲ ﻣﺬﻫﺒُﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻭﺻﻤﻪ ﺑﺴﻮﺀ ﺍﻟﺨﻠﻖ -ﺣﺎﺷﺎﻩ- ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﺇﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻗﺪ ﻣَﺎﺷَﻰ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﻭﻕ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻣﻊ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﻘَّﻴﻦ ﻭﺍﺗﻘّﻰ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺗﻘﺎﺓً. ﻭﺑﺎﺻﻄﻼﺡ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﺇﻧﻪ ﻋﻤﻞ ﺑ «ﺍﻟﺘﻘﻴﺔ». ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺨﺎﻓﻬﻤﺎ ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺮﺍﺋﻴﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻟﻪ! ﺇﻥ ﻭﺻﻒ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻄﻞ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺎﻝ ﺍﺳﻢ «ﺃﺳﺪ ﺍﻟﻠﻪ» ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻗﺎﺋﺪﺍً ﻟﺪﻯ ﺍﻟﺼﺪّﻳﻘﻴﻦ ﻭﻭﺯﻳﺮﺍً ﻟﻬﻤﺎ.. ﺃﻗﻮﻝ ﺇﻥ ﻭﺻﻔﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﺍﺋﻲ ﻭﻳﺨﺎﻑ ﻭﻳﺘﺼﻨﻊ ﺑﺎﻟﺤﺐ ﻟﻤﻦ ﻻ ﻳﺤﺒﻬﻢ ﺣﻘﺎً، ﻭﺍﺗّﺒﺎﻋﻪ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﻘﻴﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻋﺎﻣﺎً ﻭﻣﺴﺎﻳﺮﺗﻬﻤﺎ ﺗﺤﺖ ﺳﻄﻮﺓ ﺍﻟﺨﻮﻑ، ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻓﻲ ﺷﻲﺀ. ﻭﺳﻴﺪُﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻳﺘﺒﺮﺃ ﻣﻦ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻣﺬﻫﺐَ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﻻ ﻳُﻨﻘِﺺ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺑﺄﻳﺔ ﺟﻬﺔ ﻛﺎﻧﺖ، ﻭﻻ ﻳﺘّﻬﻤﻪ ﻓﻲ ﺃﺧﻼﻗﻪ ﻗﻄﻌﺎً، ﻭﻻ ﻳﺴﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻄﻞ ﺍﻟﻤﻘﺪﺍﻡ ﺍﻟﺨﻮﻑَ، ﻭﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺳﻴﺪُﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﻄﻴﻬﻢ ﺍﻟﻮﻻﺀ ﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻨﻘﺎﺩ ﻟﺤﻜﻤﻬﻢ ﺃﺻﻼ.

ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻗﺪ ﻋﺮﻑ ﺃﻧﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺣﻖ ﻭﺃﻗﺮّ ﺑﻔﻀﻠﻬﻢ ﻓﺒﺬﻝ ﺷﺠﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﻔﺎﺋﻘﺔ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﺤﺒﺔ ﺍﻟﺤﻖ.

  ﻧﺤﺼّﻞ ﻣﻤﺎ ﺳﺒﻖ: ﺃﻧﻪ ﻻ ﺧﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﻭﺍﻟﺘﻔﺮﻳﻂ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ. ﻭﺇﻥ ﺍﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔَ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺪ ﺍﻟﻮﺳﻂ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺧﺘﺎﺭﻩ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ ﻛﻤﺎ ﺗﺴﺘﺮ ﺑﻌﺾُ ﺃﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻭﺍﻟﻮﻫﺎﺑﻴﺔ ﺑﺴﺘﺎﺭ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﺈﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﺘﻮﻧﻴﻦ ﺑﺎﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻳﻦ ﻳﻨﺘﻘﺪﻭﻥ ﺳﻴﺪَﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: «ﺇﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻮﻓَّﻖ ﻛﺎﻣﻼ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺩﻓّﺔ ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻟﺠﻬﻠﻪ ﺣﺎﺷﺎﻩ ﺑﺎﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻓﻠﻢ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻷﻣﺔ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻧﻪ». ﻓﺈﺯﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺗﻬﺎﻡ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻣﻦ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﺗﺨﺬ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔُ ﻃﻮﺭَ ﺍﻟﻐﻴﻆ ﻭﺍﻻﺳﺘﻴﺎﺀ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ. ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺇﻥ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺃﺳﺲَ ﻣﺬﻫﺒﻬﻢ ﻻ ﺗﺴﺘﻠﺰﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺑﻞ ﺗﺜﺒﺖ ﻋﻜﺴﻬﺎ. ﻟﺬﺍ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺩﺍﻧﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺑﺄﻓﻜﺎﺭ ﺗﺮﺩُ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻳﻦ ﻗﻄﻌﺎً، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻫﻢ ﺃﻛﺜﺮُ ﻭﻻﺀً ﻭﺣﺒﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ. ﻓﻬﻢ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺧُﻄﺒﻬﻢ ﻭﺩﻋﻮﺍﺗﻬﻢ ﻳﺬﻛﺮﻭﻥ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺑﻤﺎ ﻳﺴﺘﺤﻘﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻭﻋﻠﻮ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀُ ﻭﺍﻷﺻﻔﻴﺎﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺑﺄﻛﺜﺮﻳﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻓﻬﻢ ﻳﺘﺨﺬﻭﻧﻪ ﻣﺮﺷﺪَﻫﻢ ﻭﺳﻴﺪَﻫﻢ. ﻓﻤﺎ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻠﺸﻴﻌﺔ ﺃﻥ ﻳﺠﺎﺑﻬﻮﺍ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺑﺎﻟﻌﺪﺍﺀ ﺗﺎﺭﻛﻴﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻭﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻳﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺃﻋﺪﺍﺀُ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻣﻌﺎً. ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺮﻙ ﻗﺴﻢٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﺍﻟﺴﻨﺔَ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻋﻨﺎﺩﺍً ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ!.

ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ﻓﻘﺪ ﺃﺳﻬﺒﻨﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﺑُﺤﺜﺖ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ!

ﻭﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺗﺨﺬﺗﻢ ﻣﺤﺒﺔَ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻣﺴﻠﻜﺎً ﻟﻜﻢ!

ﺍﺭﻓﻌﻮﺍ ﻓﻮﺭﺍً ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻜﻢ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﻪ ﻭﻻ ﺣﻘﻴﻘﺔَ ﻓﻴﻪ، ﻭﻫﻮ ﺑﺎﻃﻞٌ ﻭﻣﻀﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﺰﻳﻠﻮﺍ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺰﻧﺪﻗﺔَ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﺍﻵﻥ ﺣﻜﻤﺎً ﻗﻮﻳﺎً ﺗﺴﺘﻐﻞ ﺃﺣﺪَﻛﻤﺎ ﺿﺪ ﺍﻵﺧﺮ ﻭﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻪ ﺃﺩﺍﺓً ﻹﻓﻨﺎﺀ ﺍﻵﺧﺮ، ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺇﻓﻨﺎﺋﻪ ﺗﺤﻄّﻢ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺩﺍﺓ ﺃﻳﻀﺎً.

ﻓﻴﻠﺰﻣﻜﻢ ﻧﺒﺬُ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﻴﺮ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ، ﻷﻧﻜﻢ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﺑﻴﻨﻜﻢ ﻣﺌﺎﺕُ ﺍﻟﺮﻭﺍﺑﻂ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺧﻮﺓ ﻭﺍﻻﺗﺤﺎﺩ.

  ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ

ﺳﻴُﺨﺼﺺ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻟﻶﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: (حاشية) ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻗﺪ ﺃُﻟّﻒَ ﻣﺴﺘﻘﻼ، ﻭﻫﻮ «ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺤﺎﺩﻳﺔ ﻋﺸﺮﺓ».

 ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ:129)

اللمعة الثالثة

ﻟﻘﺪ ﻣﺎﺯﺝَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻦ ﺍﻷﺫﻭﺍﻕ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ، ﻓﺄﺭﺟﻮ ﻋﺪﻡ ﺗﻘﻴﻴﻤﻬﺎ ﺑﻤﻮﺍﺯﻳﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ؛ ﻷﻥ ﻣﺎ ﺗﺠﻴﺶ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﻻ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﻻ ﻳﻌﻴﺮ ﺳﻤﻌﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺍﺯﻳﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ.

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (ﺍﻟﻘﺼﺺ:٨٨)

  ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺗﻔﺴﺮﻫﺎ ﺟﻤﻠﺘﺎﻥ ﺗﻌﺒّﺮﺍﻥ ﻋﻦ ﺣﻘﻴﻘﺘﻴﻦ ﻣﻬﻤﺘﻴﻦ ﺑﺤﻴﺚ ﺍﺗﺨﺬﻫﻤﺎ ﻗﺴﻢٌ ﻣﻦ ﺷﻴﻮﺥ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻨﻘﺸﺒﻨﺪﻳﺔ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺯﺑﺪﺓ ﺍﻷﻭﺭﺍﺩ ﻟﺪﻳﻬﻢ، ﻳﺆﺩﻭﻥ ﺑﻬﻤﺎ ﺧﺘﻤَﺘَﻬﻢ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ. ﻭﺍﻟﺠﻤﻠﺘﺎﻥ ﻫﻤﺎ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ. ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ».

ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺎﺗﺎﻥ ﺍﻟﺠﻤﻠﺘﺎﻥ ﺗﻨﻄﻮﻳﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻥ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، ﻓﺴﻨﺬﻛﺮ ﺑﻀﻊَ ﻧﻜﺎﺕ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺘﻴﻦ ﺍﻟﻠﺘﻴﻦ ﺗﻌﺒّﺮﺍﻥ ﻋﻨﻬﻤﺎ:

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ

ﺇﻥ ﺗﺮﺩﻳﺪ «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ» ﻟﻠﻤﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﻳﺠﺮّﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐَ ﻣﻤﺎ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻴُﺠﺮﻱ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔً ﺟﺮﺍﺣﻴﺔ ﻓﻴﻪ، ﻭﻳﻘﻄﻌُﻪ ﻋﻤﺎ ﺳﻮﺍﻩ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ. ﻭﺗﻮﺿﻴﺢ ﻫﺬﺍ:

ﺇﻥَّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﺃﻭﺩﻉ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔٍ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻳﺮﺗﺒﻂ ﻣﻊ ﺃﻏﻠﺐ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺑﺄﻭﺍﺻﺮَ ﻭﻭﺷﺎﺋﺞ ﺷﺘﻰ. ﻓﻔﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩ ﻟﻠﻤﺤﺒﺔ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻳﻜﻦّ ﺣُﺒﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻋﺎﻣﺔ، ﻓﻴﺤﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻛﻤﺎ ﻳﺤﺐ ﺑﻴﺘَﻪ، ﻭﻳﺤﺐ ﺍﻟﺠﻨﺔَ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ ﻛﻤﺎ ﻳﺤﺐ ﺣﺪﻳﻘﺘﻪ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ -ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺟّﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺣﺒَّﻪ ﻧﺤﻮﻫﺎ- ﻻ ﺗﺪﻭﻡ، ﺑﻞ ﻻ ﺗﻠﺒﺚ ﺃﻥ ﺗﺰﻭﻝ، ﻟﺬﺍ ﻳﺬﻭﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻋﺬﺍﺏَ ﺃﻟﻢ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ. ﻓﺘﺼﺒﺢ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﻟﻬﺎ ﻣﺒﻌﺚَ ﻋﺬﺍﺏٍ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﻻ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﻟﻪ، ﻟﺘﻘﺼﻴﺮﻩ ﺑﺤﻘﻬﺎ. ﻓﺎﻵﻻﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺠﺮﻋﻬﺎ ﻧﺎﺷﺌﺔٌ ﻣﻦ ﺗﻘﺼﻴﺮﻩ ﻫﻮ، ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﻮﺩَﻉ ﻓﻴﻪ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩُ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺇﻟّﺎ ﻟﻴﻮﺟﻬﻪ ﺇﻟﻰ ﻣَﻦ ﻟﻪ ﺟﻤﺎﻝ ﺧﺎﻟﺪ ﻣﻄﻠﻖ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﻟﻢ ﻳُﺤﺴﻦ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﻓﻮﺟّﻬﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻓﺎﻧﻴﺔ ﺯﺍﺋﻠﺔ، ﻓﻴﺬﻭﻕ ﻭﺑﺎﻝ ﺃﻣﺮﻩ ﺑﺂﻻﻡ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ.

ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﺩﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ». ﻳﻌﻨﻲ ﺑﻬﺎ: ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻘﺼﻴﺮ، ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻣﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻨﻬﺎ ﻛﻠﻴﺎً، ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺘﺨﻠﻰ ﻫﻲ ﻋﻨﻪ. ﺛﻢ ﺗﺴﺪﻳﺪ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺩﻭﻥ ﺳﻮﺍﻩ.

ﺃﻱ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﻬﺎ: «ﻻ ﺑﺎﻗﻲ ﺑﻘﺎﺀً ﺣﻘﻴﻘﻴﺎً ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ. ﻓﻤﺎ ﺳﻮﺍﻙَ ﻓﺎﻥٍ ﺯﺍﺋﻞ، ﻭﺍﻟﺰﺍﺋﻞُ ﻏﻴﺮُ ﺟﺪﻳﺮ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ ﻭﻻ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ، ﻭﻻ ﺑﺄﻥ ﻳُﺸﺪّ ﻣﻌﻪ ﺃﻭﺍﺻﺮ ﻗﻠﺐٍ ﺧُﻠِﻖ ﺃﺻﻼ ﻟﻸﺑﺪ ﻭﺍﻟﺨﻠﻮﺩ». ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻓﺎﻧﻴﺔٌ ﻭﺳﺘﺘﺮﻛﻨﻲ ﺫﺍﻫﺒﺔً ﺇﻟﻰ ﺷﺄﻧﻬﺎ، ﻓﺴﺄﺗﺮﻛﻬﺎ ﺃﻧﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺘﺮﻛﻨﻲ، ﺑﺘﺮﺩﻳﺪﻱ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ». ﺃﻱ: ﺃﺅﻣﻦ ﻭﺃﻋﺘﻘﺪ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﺃﻧﻪ ﻻ ﺑﺎﻗﻲ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ، ﻭﺑﻘﺎﺀُ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻣﻮﻛﻮﻝ ﺑﺈﺑﻘﺎﺋﻚ ﺇﻳﺎﻫﺎ، ﻓﻼ ﻳﻮﺟَّﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔُ ﺇﺫﻥ ﺇﻟّﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻮﺭ ﻣﺤﺒﺘﻚ، ﻭﺿﻤﻦ ﻣﺮﺿﺎﺗﻚ، ﻭﺇﻻ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻏﻴﺮُ ﺟﺪﻳﺮﺓ ﺑﺮﺑﻂ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻣﻌﻬﺎ.

ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻳﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ﻣﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﻛﺎﻥ ﻳﻮﻟﻴﻬﺎ ﻣﺤﺒﺔً ﻻ ﺣﺪﻭﺩ ﻟﻬﺎ، ﺣﻴﺚ ﻳﺒﺼﺮ ﺧﺘﻢَ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻭﻳﺸﺎﻫﺪ ﻃﺎﺑﻊَ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺃﺿﻔﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻝ ﻭﺑﻬﺎﺀ. ﻓﺘﺘﻘﻄﻊ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺷﺎﺋﺞُ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺑﻂ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺑﺎﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ. ﻭﺑﺨﻼﻑ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﺃﻱ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺨﻞَّ ﺍﻟﻘﻠﺐُ ﻋﻦ ﻣﺤﺒﻮﺑﺎﺗﻪ ﻓﺈﻥ ﺟﺮﺍﺣﺎﺕٍ ﻭﺁﻻﻣﺎً ﻭﺣﺴﺮﺍﺕٍ ﺗﺘﻔﺠﺮ ﻣﻦ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ ﺑﻘﺪﺭ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ»ﻓﻬﻲ ﻛﺎﻟﻤﺮﻫﻢ ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ ﻭﺍﻟﺒﻠﺴﻢ ﺍﻟﻨﺎﺟﻊ ﻳُﻤﺮَّﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﺮﺍﺣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺟﺮﺗﻬﺎ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔُ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺭﻭﺍﺑﻄﻪ، ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻬﺎ ﺗﻌﻨﻲ: «ﻛﻔﻰ ﺑﻚ ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ ﺑﺎﻗﻴﺎً. ﻓﺒﻘﺎﺅﻙ ﺑﺪﻳﻞٌ ﻋﻦ ﻛﻞِّ ﺷﻲﺀ.. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻧﻚ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ ﻓﻜﻞ ﺷﻲﺀ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺇﺫﻥ».

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﻣﺎ ﻳﺒﺪﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺤُﺴﻦ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ -ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻌﺚ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺒﺘﻬﺎ- ﻣﺎ ﻫﻮ ﺇﻟّﺎ ﺇﺷﺎﺭﺍﺕٌ ﻟﺤﺴﻦِ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻭﺇﺣﺴﺎﻧﻪ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ، ﻭﻣﺎ ﻫﻮ ﺇﻟّﺎ ﻇﻼﻝٌ ﺧﺎﻓﺘﺔ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻧﻔﺬﺕ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺣُﺠُﺐ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻭﺃﺳﺘﺎﺭ ﻋﺪﺓ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﻇِﻼﻝٌ ﻟﻈﻼﻝ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺟﻞّ ﺟﻼﻟُﻪ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﻓﻲ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﺸﻖٌ ﺷﺪﻳﺪ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ، ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻪ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﺒﻪ، ﺑﻞ ﻻ ﻳﺤﺐ ﺷﻴﺌﺎً ﺇﻟّﺎ ﺑﻌﺪ ﺗﻮﻫّﻤﻪ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻓﻴﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﺣﺎﻟﻤﺎ ﻳﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺯﻭﺍﻟﻪ ﺃﻭ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﻓﻨﺎﺀﻩ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺰﻓﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﺤﺴﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻕ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻵﻫﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﺴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺗﻌﺎﺑﻴﺮٌ ﺣﺰﻳﻨﺔ ﺗﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ﻋﺸﻖ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ. ﻭﻟﻮﻻ ﺗﻮﻫﻢُ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻟَﻤَﺎ ﺃﺣﺐّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺷﻴﺌﺎً.

ﺑﻞ ﻳﺼﺢ ﺍﻟﻘﻮﻝ: ﺇﻥَّ ﺳﺒﺒﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﻭﺟﻮﺩ ﻋﺎﻟَﻢ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺠﻨﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ ﻫﻮ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔُ ﺍﻟﻤﻠﺤّﺔ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﻤﻐﺮﻭﺯﺓ ﻓﻲ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺄﻟﻪ ﺑﺸﺪﺓ ﻟﻠﺨﻠﻮﺩ.. ﻓﺎﺳﺘﺠﺎﺏ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺫﻭ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﻤﺆﺛﺮ، ﻓﺨَﻠَﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻋﺎﻟﻤﺎً ﺑﺎﻗﻴﺎً ﺧﺎﻟﺪﺍً ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺍﻟﺰﺍﺋﻞ. ﺇﺫ ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻟّﺎ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﺍﻟﻔﺎﻃﺮُ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻟﺪﻋﺎﺀ ﺗﺴﺄﻟﻪ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔُ ﻗﺎﻃﺒﺔ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺣﺎﻟﻬﺎ ﻭﻣﻘﺎﻟﻬﺎ، ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﺍﻟﺪﺍﺋﻤﻲ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﺍﻟﻨﺎﺑﻊ ﻣﻦ ﺻﻤﻴﻢ ﺣﺎﺟﺘﻬﺎ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﻭﻣﻦ ﺃﻋﻤﺎﻕ ﺭﻏﺒﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻠﺤّﺔ، ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﻟﺪﻋﺎﺀ ﻣﻌﺪﺓ ﺻﻐﻴﺮﺓ، ﺗﺴﺄﻟﻪ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺣﺎﻟﻬﺎ، ﻓﻴﺨﻠﻖ ﻟﻬﺎ ﺃﻧﻮﺍﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻷﻃﻌﻤﺔ ﺍﻟﻠﺬﻳﺬﺓ ﻭﻳُﺸﺒﻊ ﺑﻬﺎ ﺭﻏﺒﺘﻬﺎ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﻤﺆﻗﺖ؟ ﺣﺎﺵَ ﻟﻠﻪ ﻭﻛﻼ.. ﺃﻟﻒ ﺃﻟﻒ ﻣﺮﺓ ﻛﻼ. ﺇﻥّ ﺭﺩّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻟﻠﺨﻠﻮﺩ ﻣﺤﺎﻝٌ ﻗﻄﻌﺎً، ﻷﻥ ﻋﺪﻡ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺘﻪ ﺟﻞّ ﻭﻋﻼ ﻳﻨﺎﻓﻲ ﺣﻜﻤﺘَﻪ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪﺓ ﻭﻋﺪﺍﻟﺘَﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻭﺭﺣﻤﺘَﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻭﻗﺪﺭﺗَﻪ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ.

ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﺎﺷﻘﺎً ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ، ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥّ ﺟﻤﻴﻊ ﻛﻤﺎﻻﺗﻪ ﻭﺃﺫﻭﺍﻗﻪ ﺗﺎﺑﻌﺔٌ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ ﺃﻳﻀﺎً. ﻭﻟﻤّﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺻﻔﺔٌ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻠﺒﺎﻗﻲ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻼﻝ، ﻭﺃﻥ ﺃﺳﻤﺎﺀﻩ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺑﺎﻗﻴﺔٌ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﻳﺎ ﺍﻟﻌﺎﻛﺴﺔ ﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺗﻨﺼﺒﻎ ﺑﺼﺒﻐﺘﻬﺎ ﻭﺗﺄﺧﺬ ﺣُﻜﻤَﻬﺎ، ﺃﻱ ﺗﻨﺎﻝ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ، ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥّ ﺃﻟﺰﻡَ ﺷﻲﺀ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺃﺟﻞّ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﻟﻪ ﻫﻮ ﺷﺪُّ ﺍﻷﻭﺍﺻﺮ ﻭﺭﺑﻂُ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﻭﺍﻻﻋﺘﺼﺎﻡ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﺑﺄﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻷﻥ ﻣﺎ ﻳُﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻳﻨﺎﻝ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ.

ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ» ﻓﺘﻀﻤﺪ ﺟﺮﺍﺣﺎﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔَ ﺍﻟﻐﺎﺋﺮﺓ، ﻛﻤﺎ ﺗُﻄَﻤﺌﻦ ﺭﻏﺒﺘَﻪ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﻤﻮﺩَﻋﺔ ﻓﻲ ﻓﻄﺮﺗﻪ.

  ﺍﻟﻨﻜﺘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

ﻳﺘﻔﺎﻭﺕ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺗﺄﺛﻴﺮُ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻓﻲ ﻓﻨﺎﺀ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻭﺯﻭﺍﻟﻬﺎ ﺗﻔﺎﻭﺗﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً. ﻓﻤﻊ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻣﻜﺘﻨﻔﺔٌ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﺒﻌﺾ ﻛﺎﻟﺪﻭﺍﺋﺮ ﺍﻟﻤﺘﺪﺍﺧﻠﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻥ ﺣﻜﻤَﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺰﻭﺍﻝ ﻭﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻣﺨﺘﻠﻒٌ ﺟﺪﺍً.

ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﺣﺮﻛﺔ ﻋﻘﺎﺭﺏ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﻌﺎﺩّﺓ ﻟﻠﺜﻮﺍﻧﻲ ﻭﺍﻟﺪﻗﺎﺋﻖ ﻭﺍﻟﺴﺎﻋﺎﺕ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ، ﺭﻏﻢ ﺗﺸﺎﺑﻬﻬﺎ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻱ، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺣُﻜﻢ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻣﺘﻔﺎﻭﺕٌ ﻓﻲ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺟﺴﻤﻪ، ﻭﺩﺍﺋﺮﺓ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭﺩﺍﺋﺮﺓ ﻗﻠﺒﻪ، ﻭﺩﺍﺋﺮﺓ ﺭﻭﺣﻪ. ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﺗﺮﻯ ﺣﻴﺎﺓَ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺑﻘﺎﺀﻩ ﻭﻭﺟﻮﺩَﻩ ﻣﺤﺼﻮﺭﺓً ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻴﻪ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺳﺎﻋﺘﻪ، ﻭﻳﻨﻌﺪﻡ ﺃﻣﺎﻣَﻪ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞُ، ﺇﺫﺍ ﺑﻚَ ﺗﺮﻯ ﺩﺍﺋﺮﺓَ ﺣﻴﺎﺓ ﻗﻠﺒِﻪ ﻭﻣﻴﺪﺍﻥَ ﻭﺟﻮﺩﻩ ﻳﺘّﺴﻊ ﻭﻳﺘﺴﻊ ﺣﺘﻰ ﻳﻀﻢّ ﺃﻳﺎﻣﺎً ﻋﺪﺓ ﻗﺒﻞ ﺣﺎﺿﺮﻩ ﻭﺃﻳﺎﻣﺎً ﺑﻌﺪﻩ، ﺑﻞ ﺇﻥَّ ﺩﺍﺋﺮﺓَ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻣﻴﺪﺍﻧَﻬﺎ ﺃﻋﻈﻢُ ﻭﺃﻭﺳﻊ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﺣﻴﺚ ﺗﺴﻊ ﺳﻨﻴﻦ ﻗﺒﻞ ﻳﻮﻣﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻭﺳﻨﻴﻦ ﺑﻌﺪَﻩ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺳﺘﻌﺪﺍﺩ، ﻓﺈﻥ ﻋﻤﺮَ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﻋﻤﺮﺍً ﺑﺎﻗﻴﺎً ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﻘﻠﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ

ﺗﺤﻴَﻴﺎﻥ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﺴُﺒﺤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺮﺿﻴﺎﺕ ﺍﻟﺮﺣﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺑﻞ ﻳﻨﺘﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻭﺍﻟﺒﻘﺎﺀ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻋﻤﺮ ﺃﺑﺪﻱ.

ﺃﺟﻞ، ﺇﻥَّ ﺛﺎﻧﻴﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻳﻘﻀﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﺤﺒﺘﻪ، ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﻭﺍﺑﺘﻐﺎﺀ ﻣﺮﺿﺎﺗﻪ، ﺗُﻌﺪّ ﺳﻨﺔً ﻛﺎﻣﻠﺔ. ﺑﻞ ﻫﻲ ﺑﺎﻗﻴﺔٌ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻻ ﻳﻌﺘﺮﻳﻬﺎ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀُ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺳﻨﺔٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺇﻥْ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺼﺮﻭﻓﺔً ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻓﻬﻲ ﺯﺍﺋﻠﺔٌ ﺣﺘﻤﺎً، ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﻟﺤﻈﺔ ﺧﺎﻃﻔﺔ، ﻓﻤﻬﻤﺎ ﺗَﻄُﻞ ﺣﻴﺎﺓُ ﺍﻟﻐﺎﻓﻠﻴﻦ ﻓﻬﻲ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﻋﺎﺑﺮﺓ ﻻ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ.

ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻗﻮﻝ ﻣﺸﻬﻮﺭ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ:

«ﺳِﻨَﺔُ ﺍﻟﻔِﺮَﺍﻕِ ﺳَﻨَﺔٌ ﻭَﺳَﻨَﺔُ ﺍﻟﻮِﺻَﺎﻝِ ﺳِﻨَﺔٌ»

  ﺃﻱ ﺇﻥ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻃﻮﻳﻠﺔٌ ﺟﺪﺍً ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺳَﻨﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺳَﻨﺔٌ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺻﺎﻝ ﺗﺒﺪﻭ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﻛﺎﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ.

ﺑﻴﺪ ﺃﻧﻲ ﺃُﺧﺎﻟﻒ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻓﺄﻗﻮﻝ: «ﺇﻥ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻳﻘﻀﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﺿﻤﻦ ﻣﺮﺿﺎﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺫﻱ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﻭﻟﻮﺟﻬﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﺃﻱ ﺛﺎﻧﻴﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺻﺎﻝ ﻟﻴﺴﺖ ﻛﺴَﻨﺔ ﻭﺣﺪﻫﺎ، ﺑﻞ ﻛﻨﺎﻓﺬﺓ ﻣُﻄﻠّﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺓ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﺑﺎﻗﻴﺔ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕُ ﺍﻟﻨﺎﺑﻊ ﻣﻦ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻐﻔﻠﺔ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻓﻼ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺴَﻨﺔَ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ ﻛﺎﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﺑﻞ ﻳﺠﻌﻞ ﺃﻟﻮﻑ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ».

ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻣﺜﻞ ﺁﺧﺮ ﺃﻛﺜﺮ ﺷُﻬﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻳﺆﻳﺪ ﻣﺎ ﻧﻘﺮﺭﻩ ﻭﻫﻮ:

 ﺃﺭْﺽُ ﺍﻟﻔَﻠَﺎﺓِ ﻣَﻊَ ﺍْﻷﻋْﺪَﺍﺀِ ﻓِﻨْﺠَﺎﻥٌ   ﺳَﻢُّ ﺍﻟﺨِﻴَﺎﻁِ ﻣَﻊَ ﺍْﻷﺣْﺒَﺎﺏِ ﻣَﻴْﺪَﺍﻥٌ

  ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺩﻧﺎ ﺃﻥ ﻧﺒﻴﻦ ﻭﺟﻬﺎً ﺻﺤﻴﺤﺎً ﻟﻠﻤَﺜَﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﺴﻴﻜﻮﻥ ﻛﺎﻵﺗﻲ:

ﺇﻥَّ ﻭﺻﺎﻝَ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﻗﺼﻴﺮٌ ﺟﺪﺍً ﻷﻧﻪ ﻓﺎﻥٍ، ﻓﻤﻬﻤﺎ ﻃﺎﻝ ﻓﻬﻮ ﻳﻤﻀﻲ ﻓﻲ ﻟﻤﺤﺔ، ﻭﻳﻐﺪﻭ ﺧﻴﺎﻻ ﺫﺍ ﺣﺴﺮﺓ، ﻭﺭﺅﻳﺎ ﻋﺎﺑﺮﺓً ﺗﻮﺭﺙ ﺍﻷﺳﻰ. ﻓﺎﻟﻘﻠﺐ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﻮّﺍﻕ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ ﻻ ﻳﺴﺘﻤﺘﻊ ﻣﻦ ﺳَﻨﺔٍ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺻﺎﻝ ﺇﻟّﺎ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﻟﺬﺓ. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕُ ﻃﻮﻳﻞ ﻭﻣﻴﺪﺍﻧُﻪ ﻭﺍﺳﻊ ﻓﺴﻴﺢ، ﻓﺜﺎﻧﻴﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻨﻪ ﺗﺴﺘﺠﻤﻊ ﺃﻟﻮﺍﻧﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻐﺮﻕ ﺳَﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺑﻞ ﺳﻨﻴﻦ. ﻓﺎﻟﻘﻠﺐ ﺍﻟﻤﺸﺘﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﻣﻦ ﻓﺮﺍﻕ ﻳﻤﻀﻲ ﻓﻲ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻛﺄﻧﻪ ﻳﻨﺴﺤﻖ ﺗﺤﺖ ﺁﻻﻡ ﻓﺮﺍﻕ ﺳﻨﻴﻦ ﻋﺪﺓ، ﺣﻴﺚ ﻳﺬﻛّﺮﻩ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻤﺎﺿﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻬﺎﺑﻄﺔ ﻭﻣﺴﺘﻘﺒﻠُﻬﺎ ﻣﻠﻲﺀ ﺑﺄﻟﻮﺍﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ.

ﻭﻟﻠﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻧﻘﻮﻝ:

  ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ! ﺃﺗﺮﻳﺪﻭﻥ ﺗﺤﻮﻳﻞَ ﻋﻤﺮِﻛﻢ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮٍ ﺑﺎﻕٍ ﻃﻮﻳﻞ ﻣﺪﻳﺪ، ﺑﻞ ﻣﺜﻤﺮ ﺑﺎﻟﻤﻐﺎﻧﻢ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻊ؟

ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺃﻥْ ﻧﻌﻢ. ﻭﻫﻮ ﻣﻘﺘﻀﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ﻓﺎﺻﺮﻓﻮﺍ ﺇﺫﻥ ﻋﻤﺮَﻛﻢ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ، ﻷﻥ ﺃﻳّﻤﺎ ﺷﻲﺀ ﻳﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻳﻨَﻞْ ﺗﺠﻠﻴﺎً ﻣﻦ ﺗﺠﻠﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ.

ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻛﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻳﻄﻠﺐ ﺑﺈﻟﺤﺎﺡ ﻋﻤﺮﺍً ﻃﻮﻳﻼ ﻭﻫﻮ ﻣﺸﺘﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ، ﻭﺛﻤﺔ ﻭﺳﻴﻠﺔٌ ﺃﻣﺎﻣﻪ ﻟﺘﺤﻮﻳﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﻔﺎﻧﻲ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﺑﺎﻕٍ، ﺑﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺒﺪﻳﻠُﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮٍ ﻃﻮﻳﻞ ﻣﻌﻨﻰً، ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻧﻪ -ﺇﻥْ ﻟﻢ ﺗﺴﻘﻂ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺘُﻪ- ﺳﻴﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﻭﻳﻨﻘّﺐ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻻﺑﺪ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﺴﻌﻰ ﺣﺜﻴﺜﺎ ﻟﺘﺤﻮﻳﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺇﻟﻰ ﻓﻌﻞ ﻣﻠﻤﻮﺱ، ﻭﻻﺑﺪ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﺼﺒﻮ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﺑﺄﻋﻤﺎﻟﻪ ﻭﺣﺮﻛﺎﺗﻪ ﻛﺎﻓﺔ.

ﻓﺪﻭﻧﻜﻢ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ:

ﺍﻋﻤﻠﻮﺍ ﻟﻠﻪ، ﺍﻟﺘﻘﻮﺍ ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻠﻪ، ﺍﺳﻌﻮﺍ ﻷﺟﻞ ﺍﻟﻠﻪ. ﻭﻟﺘﻜﻦ ﺣﺮﻛﺎﺗُﻜﻢ ﻛﻠُّﻬﺎ ﺿﻤﻦ ﻣﺮﺿﺎﺓ ﺍﻟﻠﻪ (ﻟﻠﻪ.. ﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻠﻪ.. ﻷﺟﻞ ﺍﻟﻠﻪ) ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﺗﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﺩﻗﺎﺋﻖَ ﻋﻤﺮﻛﻢ ﺍﻟﻘﺼﻴﺮ ﻗﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺑﺤﻜﻢ ﺳﻨﻴﻦ ﻋﺪﺓ.

ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻟﻴﻠﺔُ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻓﻤﻊ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻴﻠﺔٌ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺧﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﺷﻬﺮ -ﺑﻨﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ- ﺃﻱ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﺛﻤﺎﻧﻴﻦ ﻭﻧﻴﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ.

ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻟﺪﻯ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺗﻠﻚ ﻫﻲ «ﺑﺴﻂ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ» ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺜﺒﺘُﻪ ﻭﻳُﻈﻬﺮﻩ ﻓﻌﻼ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝُ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ، ﻓﻘﺪ ﺍﻧﺒﺴﻄﺖ ﻓﻴﻪ ﺩﻗﺎﺋﻖٌ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺳﻨﻴﻦ ﻋﺪﺓ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻟﺴﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻌﺔ ﻭﺍﻹﺣﺎﻃﺔ ﻭﺍﻟﻄﻮﻝ ﻣﺎ ﻷﻟﻮﻑ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ، ﺇﺫ ﺩﺧﻞ صلى الله عليه وسلم ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﺍﺝ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ، ﻓﺪﻗﺎﺋﻖٌ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺗﻀﻢ ﺃﻟﻮﻓﺎ ﻣﻦ ﺳﻨﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.

ﻭﻣﻤﺎ ﻳﺜﺒﺖ ﺣﻘﻴﻘﺔ «ﺑﺴﻂ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ» ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻭﻗﻊ ﻣﻦ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﻏﺰﻳﺮﺓ ﻟﻸﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ، ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﺆﺩﻱ ﻓﻲ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﺎ ﻳُﻨﺠَﺰ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﻛﺎﻣﻞ. ﻭﺑﻌﻀﻬﻢ ﺃﻧﺠﺰﻭﺍ ﻓﻲ ﺳﺎﻋﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻤﺎﺕ ﻣﺎ ﻳُﻨﺠَﺰ ﻓﻲ ﺳﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻭﺑﻌﻀﻬﻢ ﺧﺘﻤﻮﺍ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻲ ﺩﻗﻴﻘﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟُﻬﺎ ﻻ ﺗﺮﻗﻰ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺍﻟﺸﺒﻬﺎﺕ ﻷﻥ ﺍﻟﺮﻭﺍﺓ ﺻﺎﺩﻗﻮﻥ ﺻﺎﻟﺤﻮﻥ ﻳﺘﺮﻓّﻌﻮﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﻜﺬﺏ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻣﺘﻮﺍﺗﺮﺓٌ ﻭﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍ ﻭﻳﺮﻭﻭﻧﻬﺎ ﺭﻭﺍﻳﺔَ ﺷﻬﻮﺩ. ﻓﻼﺷﻚ ﻓﻴﻬﺎ. ﻓﺒﺴﻂُ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ. (حاشية) ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ:﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (ﺍﻟﻜﻬﻒ:19) ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (ﺍﻟﻜﻬﻒ:25). ﻓﻬﺎﺗﺎﻥ ﺍﻵﻳﺘﺎﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺘﺎﻥ ﺗﺪﻻﻥ ﻋﻠﻰ «ﻃﻲ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ» ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻵﺗﻴﺔ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ «ﺑﺴﻂ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ»:﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (ﺍﻟﺤﺞ:47). ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻧﻮﻉٌ ﻣﻨﻪ ﻳﺼﺪّﻗﻪ ﻛﻞُّ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺮﺍﻩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺭﺅﻳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ، ﺇﺫ ﻗﺪ ﻳﺮﻯ ﺭﺅﻳﺎ ﻻ ﺗﺴﺘﻐﺮﻕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﻀﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﻭﻳﺘﻜﻠﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﻳﺴﺘﻤﺘﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺬﺍﺋﺬ ﻭﻳﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﻛﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺎﻡ ﻋﺪﺓ.

  ﺣﺎﺻﻞ ﺍﻟﻜﻼﻡ: ﻣﻊ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﺎﻥٍ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻟﻠﺒﻘﺎﺀ. ﺧَﻠَﻘﻪ ﺍﻟﺒﺎﺭﺉ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻣﺮﺁﺓٍ ﻋﺎﻛﺴﺔ ﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ، ﻭﻛﻠّﻔﻪ ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻤﻬﻤﺎﺕ ﺗﺜﻤﺮ ﺛﻤﺎﺭﺍً ﺑﺎﻗﻴﺔً، ﻭﺻﻮّﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺴﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺻﻮﺭﺗُﻪ ﻣﺪﺍﺭ ﻧﻘﻮﺵ ﺗﺠﻠﻴﺎﺕ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ، ﻟﺬﺍ ﻓﺴﻌﺎﺩﺓُ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﻭﻇﻴﻔﺘُﻪ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﺑﻜﺎﻣﻞ ﺟﻬﻮﺩﻩ ﻭﺟﻮﺍﺭﺣﻪ ﻭﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺗﻪ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ، ﺳﺎﺋﺮﺍً ﻗُﺪُﻣﺎً ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﺮﺿﺎﺗﻪ، ﻣﺘﻤﺴﻜﺎً ﺑﺄﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻣﺮﺩﺩﺍً ﺑﺠﻤﻴﻊ ﻟﻄﺎﺋﻔﻪ -ﻣﻦ ﻗﻠﺐ ﻭﺭﻭﺡ ﻭﻋﻘﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﺩﺩﻩ ﻟﺴﺎﻧُﻪ: «ﻳﺎ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﻧﺖ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ»:

ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻗﻲ، ﻫﻮ ﺍﻷﺯﻟﻲ ﺍﻷﺑﺪﻱ، ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ، ﻫﻮ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻮﺏ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻌﺒﻮﺩ.

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

 ﴿ﺭﺑﻨﺎ ﻻ ﺗﺆﺍﺧﺬﻧﺎ ﺇﻥْ ﻧَﺴِﻴﻨﺎ ﺃﻭ ﺃﺧﻄﺄﻧﺎ﴾