اللمعة الثانية والعشرون

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

هذه الرسالة الصغيرة التي كتبتُها قبل اثنتين وعشرين سنة، وأنا نزيل ناحية «بارلا» التابعة لولاية إسبارطة، هي رسالة خاصة لأخلص إخوتي وأخصّهم. وقد كتبتها في غاية السرية ومنتهى الكتمان. ولكن لما كانت ذات علاقة بأهالي «إسبارطة» والمسؤولين فيها، فإني أقدّمها إلى واليها العادل وإلى مسؤولي دوائر العدل والأمن والانضباط فيها. وإذا ما ارتؤي أنها تستحق الطبع، فلتُطبع منها نسخٌ معدودة بالحروف القديمة أو الحديثة بالآلة الطابعة كي يعرف أولئك المترصدون الباحثون عن أسراري منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، أنه لا سرّ لنا في الخفاء، وأن أخفى أسرارنا هو هذه الرسالة.

سعيد النورسي

الإشارات الثلاث

كانت هذه الرسالة «المسألة الثالثة من المذكرة السابعة عشرة للمعة السابعة عشرة» إلّا أن قوة أسئلتها وشمولها وسطوع أجوبتها وسدادها جعَلتها «اللمعة الثانية والعشرين» من «المكتوب الحادي والثلاثين» فدخلت ضمن «اللمعات» وامتزجت بها. وعلى «اللمعات» إن تفسح لها موضعاً بينها، فهي رسالة سرية خاصة لأخص إخواننا وأخلصهم وأصدقهم.


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(الطلاق:3)

هذه المسألة ثلاث إشارات

الإشارة الأولى:

سؤال مهم يخصّني بالذات ويخص «رسائل النور». يقول كثيرون:

لِم يتدخل أهلُ الدنيا بأمور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أنك لا تتدخل في شؤون دنياهم؟ علماً أنه لا يمسّ قانونُ أية حكومة كانت شؤونَ تاركي الدنيا المعتزلين الناس!

الجواب:  إن جواب «سعيد الجديد» عن هذا السؤال هو: السكوت؛ إذ يقول: ليُجب عني القدرُ الإلهي. ومع هذا يقول بعقل «سعيد القديم» الذي اضطر إلى استعارته: إن الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة إسبارطة وأهالي هذه المحافظة؛ لأنَّ هؤلاء -المسؤولين والناس كافة- أكثر علاقة مني بالمعنى الذي ينطوي عليه السؤال.

وما دامت حكومةٌ أفرادها يربون على الألوف، وأهلون يزيدون على مئات الألوف مضطرين إلى التفكير والدفاع عوضاً عني، فلِمَ إذن أحاور -دون جدوى- المدّعين دفاعاً عن نفسي؟.

فها أنذا منذ تسع سنوات في هذه المحافظة، وكلما مرّ الزمان أدرت ظهري إلى دنياهم. ولم تبق حال من أحوالي مخفية عنهم مستورة عليهم، بل حتى أخَصُّ رسائلي وأكثرها سرية يتداولها المسؤولون في الدولة وهي في متناول عدد من النواب. فلو كان لي شيء من تدخلٍ أو محاولة ما لتعكير صفو دنياهم والإخلال بها، أو حتى التفكير في هذا الأمر، لما آثر المسؤولون في هذه المحافظة والأقضية السكوتَ تجاهي وعدم الاعتراض عليّ على الرغم من مراقبتهم إياي وترصدهم لي وتجسسهم عليّ طوال تسع سنوات، وعلى الرغم من أنني أبوح دون تردد بأسراري إلى من يزورني.

فإن كان لي عمل مُخل بسعادة الأمة وسلامة الوطن ويلحق الضرر بمستقبلها، فالمسؤول عنه جميعُ أفراد الحكومة طوال تسع سنوات ابتداءً من المحافظ إلى أصغر موظف في مخفر القرية.

فعلى هؤلاء جميعاً يقع الدفاع عني، وعليهم أن يستصغروا ما استهوَله واستعظمَه الآخرون، وذلك لينجوا من تبعات المسؤولية. ولأجل هذا أحيل جواب هذا السؤال إليهم.

أما ما يدفع مواطني هذه المحافظة عامة للدفاع عني أكثر من نفسي فهو: أنَّ هذه تسع سنوات، ومئات الرسائل التي نسعى لنشرها، قد أثبتت تأثيرها في هذا الشعب الأخ الصديق المبارك الطيب، وأظهرت مفعولها الفعلي والمادي في حياته الأبدية وفي دعم قوة إيمانه وسعادة حياته، ومن غير أن تمسّ أحداً بسوء أو تولد أي اضطراب أو قلق كان، إذ لم يشاهد منها ما يومئ إلى غرضٍ سياسي ونفع دنيوي مهما كان، حتى إنَّ هذه المحافظة، إسبارطة، قد اكتسبت ولله الحمد بوساطة «رسائل النور» مقام البركة من حيث قوة الإيمان والصلابة في الدين، من نوع البركة التي نالتها بلدة الشام الطيبة في السابق ومن نوع بركة الجامع الأزهر الذي هو مدرسة العالم الإسلامي عامة.

فهذه المحافظة لها فضل ومزيّة على المحافظات الأخرى، حيث قد كسبت من «رسائل النور» التمسك بأذيال الدين، فهيمنت فيها قوةُ الإيمان على الإهمال، وسيطرت فيها الرغبة في العبادة تجاه السفه والغي؛ ولهذا كله فالناس كلهم في هذه المحافظة، حتى لو كان فيهم ملحد (فرضاً) مضطرون إلى الدفاع عني وعن «رسائل النور».

وهكذا لا يسوقني حقي الجزئي الذي لا أهمية له ضمن حقوق دفاع ذات أهمية إلى هذا الحد، أن أُدافع عن نفسي ولاسيما أنني قد أنهيت خدماتي ولله الحمد ويسعى لها ألوفٌ من الطلاب عوضاً عن هذا العاجز. فمن كان له وكلاء دعوى ومحامون يربون على الألوف، لا يدافع عن دعواه بنفسه.

الإشارة الثانية:

جواب عن سؤال يتسم بالنقد.

يقال من جانب أهل الدنيا: لِمَ اسْتَأْتَ منّا وسكتّ فلا تراجعنا ولو لمرة واحدة. ثم تشكو منا شكاية شديدة قائلاً: «أنتم تظلمونني». فنحن أصحاب مبدأ، لنا دساتيرنا الخاصة نسير في ضوئها على وفق ما يتطلبه هذا العصر بينما أنت لا تُنَفِذُ هذه الدساتير على نفسك وترفضها، علماً أن من ينفذ القانون لا يكون ظالماً، بينما الرافض له يكون عاصياً. ففي عصرنا هذا، عصر الحرية -مثلاً- وفي عهد الجمهوريات التي بدأنا به حديثاً يجري دستور رفع الإكراه والتسلط على الآخرين. إذ المساواة قانون أساس لدينا، بينما أنت تكسب إقبال الناس نحوك وتلفت أنظارهم إليك تارة بزيّ العلم وأخرى بالتزهد، فتحاول تكوين قوةٍ وكسب مقامٍ خارج نطاق نفوذ الدولة.

هكذا يُفهم من ظاهر حالك وهكذا يدلنا مجرى حياتك السابقة. فهذه الحالة ربما تُستصوب في نطاق تحكّم البرجوازيين -بالتعبير الحديث- إلّا أن صحوة طبقة العوام وتغلبها جعلت جميع دساتير الاشتراكية والبلشفية تسيطر وتهيمن، وهي التي تلائم أمورنا أكثر من غيرها. فنحن في الوقت الذي رضينا بدساتير الاشتراكية نشمئز من أوضاعك، إذ هي تخالف مبادئنا. لذا لاحق لك في الاستياء منا ولا الشكوى من مضايقاتنا لك.

الجواب:  إنَّ من يشق طريقاً في الحياة الاجتماعية ويؤسس حركة، لا يستثمر مساعيه ولن يكون النجاح حليفَه في أمور الخير والرقي ما لم تكن الحركةُ منسجمةً مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون، بل تكون جميعُ أعماله في سبيل التخريب والشر.

فما دام الانسجام مع قانون الفطرة ضرورياً، فإن تنفيذ قانون المساواة المطلقة لا يمكن إلّا بتغيير فطرة البشر ورفع الحكمة الأساسية في خلق النوع البشري.

نعم، إنني من حيث النسب ونمط معيشة الحياة من طبقة العوام، ومن الراضين بالمساواة في الحقوق فكراً ومشرباً، ومن العاملين على رفض سيطرة طبقة الخواص المسمَّين بالبرجوازيين واستبدادهم منذ السابق وذلك بمقتضى الرحمة وبموجب العدالة الناشئة من الإسلام. لذا فأنا بكل ما أوتيت من قوة بجانب العدالة التامة، وضد الظلم والسيطرة والتحكم والاستبداد. بَيد أنَّ فطرة النوع البشري وحكمةَ خلقه تخالفان قانونَ المساواة المطلقة، إذ الفاطر الحكيم سبحانه كما يستحصل من شيء قليل محاصيلَ كثيرة، ويكتب في صحيفة واحدة كتباً كثيرة، ويُجري بشيء واحد وظائف جمة، كذلك يُنجز بنوع البشر وظائف ألوف الأنواع، وذلك إظهاراً لقدرته الكاملة وحكمته التامة.

فلأجل تلك الحكمة العظيمة، خلق سبحانه الإنسانَ على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر ألوف سنابل الأنواع، وما يعطى طبقات كثيرة بعدد أنواع سائر الحيوانات؛ إذ لم يحدِّد سبحانه قوى الإنسان ولطائفَه ومشاعرَه كما هو الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهباً له استعداداً يتمكن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لا تحد، فهو في حكم ألوف الأنواع، وإن كان نوعاً واحداً.

ومن هنا أصبح الإنسان في حكم خليفة الأرض.. ونتيجة الكون.. وسلطان الأحياء.. وهكذا فإن أجلَّ خميرة لتنوع النوع البشري وأهم نابض محرك له هو التسابق لإحراز الفضيلة المتسمة بالإيمان الحقيقي. فلا يمكن رفعُ الفضيلة إلّا بتبديل الماهية البشرية وإخماد العقل وقتل القلب وإفناء الروح.

«لا يمكن بالظلم والجور محو الحرية

ارفع الإدراك إن كنت مقتدراً من الإنسانية!».

هذا الكلام الرصين أُثير خطأً في وجه رجل ذي شأن ما كان يليق به مثل هذه الصفعة، بل جدير بهذا الكلام أن يصفع به الوجه الغدار لهذا العصر الحامل لاستبداد رهيب يتستر بهذه الحرية.

فأنا أقول بدلاً من هذا الكلام:

«لا يمكن بالظلم والجور محو الحقيقة

ارفع القلب إن كنت مقتدراً من الإنسانية!».

 أو أقول:

«لا يمكن بالظلم والجور محو الفضيلة

ارفع الوجدان إن كنت مقتدراً من الإنسانية!».

نعم، إن الفضيلة المتّسمة بالإيمان، كما لا تكون وسيلة للإكراه، لا تكون سبباً للاستبداد قطعاً. إذ الإكراه والقسر والتسلط على الآخرين، رذيلة ليس إلّا ، بل إنَّ أهم مشرب لدى أهل الفضيلة هو الاندماج في المجتمع بالعجز والفقر والتواضع. ولقد مضت حياتُنا ولله الحمد وما زالت كذلك تمضي على وفق هذا المشرب. فأنا لا أدعي متفاخراً أنني صاحب فضيلة، ولكن أقول تحدّثاً بنعمة الله عليّ وبنية الشكر له سبحانه: قد أَحْسَنَ إليّ جلّ وعلا بفضله وكرمه فوفقني إلى العمل للعلوم الإيمانية والقرآنية وإدراكها وفهمها. فصرفتُ طوال حياتي -لله الحمد- هذا الإحسان الإلهي بتوفيق منه تعالى، في مصالح هذه الأمة المسلمة وبذلتُه في سبيل سعادتها، ولم يكُ في أي وقت كان وسيلة للإكراه والتسلط على الآخرين. كما أنني -بناءً على سرّ مهم- أنفر من إقبال الناس وجلب استحسانهم المرغوبين لدى أهل الغفلة؛ إذ قد ضيّعا عليّ عشرين سنة من عمري السابق، فلهذا أعدّهما مضرَّين لي. إلّا أنني أراهما أمارة على إقبال الناس على رسائل النور فلا أُسخطهم.

فيا أهل الدنيا!

في الوقت الذي لا أتدخل في دنياكم قط؛ ولا علاقة لي بأية جهة كانت بمبادئكم. ولست عازماً على التدخل مجدداً بالدنيا، بل ولا لي رغبة فيها أصلاً كما تشهد بذلك حياتي، هذه التي قضيتُها أسير المنفى طوال تسع سنوات. فلماذا تنظرون إليّ وكأنني متجبّر سابق، يضمر التسلط على الآخرين ويتحين الفرص لذلك. بأي قانون يُجرى وعلى أية مصلحة يُبنى هذا المدى من الترصد والمراقبة والعنت؟

فلا توجد في العالم كله، حكومةٌ تعمل فوق القانون، وتسمح بهذه المعاملة القاسية التي أُعامل بها والتي لا يرضى بها فرد مهما كان.

فهذه المعاملات السيئة التي تعاملونني بها لا تولد سخطي وحده، بل سخط نوع الإنسان -إن أدرك- بل سخط الكائنات.

اللمعة الحادية والعشرون

تخص الإخلاص

كانت هذه اللمعة المسألة الرابعة للمسائل السبع للمذكّرة السابعة عشرة من «اللمعة السابعة عشرة» إلّا أنها أصبحت النقطة الثانية من «اللمعة العشرين». لمناسبة موضوعها -الإخلاص- وبناء على نورانيتها صارت «اللمعة الحادية والعشرين»، فدخلت في كتاب «اللمعات».

[تُقرأ هذه اللمعة كل خمسة عشر يوماً في الأقل]

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ ر۪يحُكُمْ (الأنفال:46)

﴿وَقُومُوا لِلّٰهِ قَانِت۪ينَ (البقرة:238)

﴿قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰيهَاۙۖ * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰيهَا (الشمس:9-10)

﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِاٰيَات۪ي ثَمَنًا قَل۪يلًا (البقرة:41)

يا إخوة الآخرة! ويا أصحابي في خدمة القرآن! اعلموا -وأنتم تعلمون- أنَّ الإخلاص في الأعمال ولاسيما الأخروية منها، هو أهم أساس، وأعظم قوة، وأرجى شفيع، وأثبت مُرتكز، وأقصر طريق للحقيقة، وأبرّ دعاء معنوي، وأكرم وسيلة للمقاصد، وأسمى خصلة، وأصفى عبودية.

فما دام في الإخلاص أنوار مشعة، وقوى رصينة كثيرة أمثال هذه الخواص.. ومادام الإحسان الإلهي قد ألقى على كاهلنا مهمة مقدسة ثقيلة، وخدمة عامة جليلة، تلك هي وظيفة الإيمان وخدمة القرآن.. ونحن في غاية القلة والضعف والفقر، ونواجه أعداءً ألدّاء ومضايقات شديدة، وتُحيط بنا البدع والضلالات التي تصول وتجول في هذا العصر العصيب.. فلا مناص لنا إلّا ببذل كل ما في وسعنا من جهد وطاقة كي نظفر بالإخلاص. فنحن مضطرون إليه، بل مكلفون به تكليفاً، وأحوج ما نكون إلى ترسيخ سر الإخلاص في ذواتنا، إذ لو لم نفز به لضاع منا بعض ما كسبناه من الخدمة المقدسة -لحد الآن- ولمَا دامت ولا استمرت خدمتنا، ثم نحاسَب عليها حساباً عسيراً، حيث نكون ممن يشملهم النهي الإلهي وتهديده الشديد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِاٰيَات۪ي ثَمَنًا قَل۪يلًا﴾ بما أَخللنا بالإخلاص فأفسدنا السعادة الأبدية، لأجل مطامع دنيوية دنيئة، مقيتة، مضرة، مكدرة، لا طائل من ورائها ولا فائدة، إرضاء لمنافع شخصية جزئية تافهة، أمثال الإعجاب بالنفس والرياء. ونكون أيضاً من المتجاوزين على حقوق إخواننا في هذه الخدمة ومن المتعدين على نهج الخدمة القرآنية، ومن الذين أساءوا الأدب فلم يقدروا قُدسِيَّة الحقائق الإيمانية وسُمُوَّها حق قدرها.

فيا إخوتي! إن الأمور المهمة للخير والدروب العظيمة للصلاح، تعترضها موانع وعقبات مضرة كثيرة. فالشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خُدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنانُ إليه، لدفع تلك الموانع وصَدِّ تلك الشياطين. فاجتنبوا – يا إخوتي – الأسبابَ التي تقدح بالإخلاص وتثلمه كما تجتنبون العقارب والحيات. فلا وثوق بالنفس الأمارة ولا اعتماد عليها قط، كما جاء في القرآن الكريم على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿وَمَٓا اُبَرِّئُ نَفْس۪يۚ اِنَّ النَّفْسَ لَاَمَّارَةٌ بِالسُّٓوءِ اِلَّا مَا رَحِمَ رَبّ۪ي﴾ (يوسف:53) فلا تخدعنّكم الأنانيةُ والغرور ولا النفس الأمارة بالسوء أبداً.

ولأجل الوصول إلى الظفر بالإخلاص وللحفاظ عليه، ولدفع الموانع وإزالتها، اجعلوا الدساتير الآتية رائدكم:

دستوركم الأول:

ابتغاء مرضاة الله في عملكم. فإذا رضي هو سبحانه فلا قيمةَ لإعراض العالم أجمع ولا أهمية له. وإذا ما قَبِل هو سبحانه فلا تأثير لردّ الناس أجمعين. وإذا أراد هو سبحانه واقتضته حكمتُه بعد ما رضي وقَبِل العمل، جعل الناس يقبلونه ويرضون به، وإن لم تطلبوه أنتم، لذا ينبغي جعل رضى الله وحده دون سواه القصد الأساس في هذه الخدمة.. خدمة الإيمان والقرآن.

دستوركم الثاني:

هو عدم انتقاد إخوانكم العاملين في هذه الخدمة القرآنية، وعدم إثارة نوازع الحسد بالتفاخر والاستعلاء. لأنه كما لا تحاسد في جسم الإنسان بين اليدين، ولا انتقاد بين العينين، ولا يعترض اللسان على الأذن، ولا يرى القلبُ عيبَ الروح، بل يكمّل كلٌّ منه نقصَ الآخر ويستر تقصيره ويسعى لحاجته، ويعاونه في خدمته.. وإلّا انطفأت حياة ذلك الجسد، ولغادرته الروحُ وتمزق الجسم… وكما لا حسدَ بين تروس المعمل ودواليبه، ولا يتقدم بعضها على بعض ولا يتحكم، ولا يدفع أحدها الآخر إلى التعطل بالنقد والتجريح وتتبع العورات والنقائص، ولا يثبط شوقه إلى السعي، بل يعاون كل منها الآخر بكل ما لديه من طاقة موجهاً حركات التروس والدواليب إلى غايتها المرجوة، فيسير الجميع إلى ما وُجدوا لأجله، بالتساند التام والاتفاق الكامل. بحيث أنه لو تدخل شيء غريب أو تحكّم في الأمر -ولو بمقدار ذَرة- لاختل المعمل وأصابه العطبُ ويقوم صاحبه بدوره بتشتيت أجزائه وتقويضه من الأساس.

فيا طلاب رسائل النور ويا خدام القرآن! نحن جميعاً أجزاء وأعضاء في شخصية معنوية جديرة بأن يُطلق عليها: الإنسان الكامل.. ونحن جميعاً بمثابة تروسِ ودواليبِ معمل ينسج السعادة الأبدية في حياة خالدة. فنحن خدام عاملون في سفينة ربانية تسير بالأمة المحمدية إلى شاطئ السلامة وهي دار السلام.

نحن إذن بحاجة ماسة بل مضطرون إلى الإتحاد والتساند التام وإلى الفوز بسر الإخلاص الذي يهيئ قوة معنوية بمقدار ألف ومائة وأحد عشر «1111» ناتجة من أربعة أفراد. نعم، إنْ لم تتحد ثلاث «ألفات» فستبقى قيمتُها ثلاثاً فقط، أما إذا اتحدت وتساندت بسر العددية، فإنها تكسب قيمة مائة وأحد عشر «111»، وكذا الحال في أربع «أربعات» عندما تكتب كل «4» منفردة عن البقية فإن مجموعها «16» أما إذا اتحدت هذه الأرقام واتفقت بسر الأخوة ووحدة الهدف والمهمة الواحدة على سطر واحد فعندها تكسب قيمة أربعة آلاف وأربعمائة وأربع وأربعين «4444» وقوتها. هناك شواهد ووقائع تاريخية كثيرة جداً أثبتت أن ستة عشر شخصاً من المتآخين المتحدين المضحين بسر الإخلاص التام تزيد قوتُهم المعنوية وقيمتُهم على أربعة آلاف شخص.

أما حكمة هذا السر فهي أنَّ كل فرد من عشرة أشخاص متفقين حقيقةً يمكنه أن يرى بعيون سائر إخوانه ويسمع بآذانهم. أي إن كلاً منهم يكون له من القوة المعنوية والقيمة ما كأنه ينظر بعشرين عيناً ويفكر بعشرة عقول ويسمع بعشرين أُذناً ويعمل بعشرين يداً. (حاشية) نعم، كما أنّ تسانداً حقيقياً، واتحاداً تاماً، نابعاً من «الإخلاص» هو محور تدور عليه منافع لا تنتهي، كذلك فهو ترس عظيم، ومرتكز قوي للوقوف تجاه المخاوف العديدة، بل أمام الموت، لأن الموت لا يسلب إلا روحاً واحدة، فالذي ارتبط بإخوانه بسر الاخوة الخالصة في الأمور المتعلقة بالآخرة وفي سبيل مرضاة الله، يحمل أرواحاً بعدد إخوانه، فيلقى الموت مبتسماً وقائلاً: لتَسلَم أرواحي الأخرى.. ولتبق معافاة، فإنها تديم لي حياة معنوية بكسبها الثواب لي دائما. فأنا لم أمت إذن. ويُسلّم روحه وهو قرير العين، ولسان حاله يقول: أنا أعيش بتلك الأرواح من حيث الثواب ولا أموت إلا من حيث الذنوب والآثام.

دستوركم الثالث:

اعلموا أنَّ قوتكم جميعاً في الإخلاص والحق.

نعم، إنَّ القوة في الحق والإخلاص، حتى إن أهل الباطل يحرزون القوةَ لما يبدون من ثبات وإخلاص في باطلهم.

نعم، إن خدمتنا هذه في سبيل الإيمان والقرآن هي دليل بذاتها على أن القوة في الحق والإخلاص. فشيء يسير من الإخلاص في سبيل هذه الخدمة يُثبت دعوانا هذه ويكون دليلاً عليه. ذلك: لأن ما قمنا به في أزيد من عشرين سنة في مدينتي وفي إستانبول من خدمة في سبيل الدين والعلوم الشرعية، قد قمنا معكم بأضعافه مائة مرة هنا في غضون ثماني سنوات. علماً بأن الذين كانوا يعاونونني هناك هم أكثر مائة مرة بل ألف مرة ممن يعاونونني هنا. إنَّ خدماتنا هنا في ثماني سنوات مع أنني وحيد غريب شبه أمّي وتحت رقابة موظفين لا إنصاف لهم وتحت مضايقاتهم قد أكسبتنا بفضل الله قوة معنوية أظهرت التوفيق والفلاح بمائة ضعف مما كان عليه سابقاً، لذا حصلت لديّ قناعة تامة من أن هذا التوفيق الإلهي ليس إلّا من صميم إخلاصكم. وإنني أعترف بأنكم أنقذتموني بإخلاصكم التام -إلى حد ما- من الرياء، ذلك الداء الوبيل الذي يداعب النفس تحت ستار الشهرة والصيت. نسأل الله أن يوفقكم جميعاً إلى الإخلاص الكامل وتقحموني فيه معكم.

تعلمون أنَّ الإمام علياً رضي الله عنه والشيخ الكيلاني (قدس الله سره)، قد توجها إليكم ونظرا بعين اللطف والاهتمام والتسلية في كراماتهما الخارقة، ويباركان خدماتكم معنىً. فلا يساورنّكم الشك في أن ذلك التوجه والالتفات والتسلية ليس إلّا بما تتمتعون به من إخلاص. فإن أفسدتم هذا الإخلاص متعمدين، تستحقون إذن لطماتهما. تذكّروا دائماً «لطمات الرأفة والرحمة» التي هي في «اللمعة العاشرة». ولو أردتم أن يظل هذان الفاضلان أستاذَين وظهيرَين معنويين لكم فاظفروا بالإخلاص الأتم بامتثالكم الآية الكريمة:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلٰٓى اَنْفُسِهِمْ﴾ (الحشر: 9). أي عليكم أن تفضلوا إخوانكم على أنفسكم في المراتب والمناصب والتكريم والتوجّه، حتى في المنافع المادية التي تهش لها النفس وترتاح إليها.

بل في تلك المنافع التي هي خالصة زكية كتعليم حقائق الإيمان إلى الآخرين، فلا تتطلعوا ما استطعتم أن يتم ذلك بأيديكم، بل ارضوا واطمئنوا أن يتم ذلك بيد غيركم لئلا يتسرب الإعجابُ إلى أنفسكم. وربما يكون لدى أحدكم التطلع للفوز بالثواب وحده، فيحاول أن يبين أمراً مهماً في الإيمان بنفسه، فرغم أن هذا لا إثم فيه ولا ضرر فقد يعكر صفو الإخلاص فيما بينكم.

اللمعة العشرون

تخص الإخلاص

 (حاشية) تنبيه: إن ما يوجب الشكر على هذه البلدة الطيبة «اسبارطة» أن قد أتاها الله حظاً عظيماً ، فلا يبدو بين من فيها من المتقين والصالحين وأهل الطرق الصوفية والعلماء اختلاف مشوب بالحسد، حتى لو ظهر فهو أخف بكثير مما هو عليه في سائر المناطق. وعلى الرغم من أن المحبة الخالصة والاتفاق التام غير موجودين كما ينبغي فإن الاختلاف المضر والحسد الممقوت مفقودان أيضا بالنسبة للمناطق الأخرى.

أحرز هذا البحث أهميةً خاصة أهّلته ليكون «اللمعة العشرين» بعد أن كان النقطة الأولى من خمس نقاط من المسألة الثانية من المسائل السبع للمذكّرة السابعة عشرة من «اللمعة السابعة عشرة».

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿اِنَّٓا اَنْزَلْنَٓا اِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصًا لَهُ الدّ۪ينَۜ * اَلَا لِلّٰهِ الدّ۪ينُ الْخَالِصُ(الزمر2- 3)

وقال الرسول الأعظم ﷺ: (هَلَكَ النَّاسُ إلّا الْعَالِمُونَ وَهَلَكَ الْعَالِمونَ إلّا العَامِلُونَ وَهَلَكَ الْعَامِلوُنَ إلّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظيمٍ) أو كما قال.

تدلنا هذه الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف معاً على مدى أهمية الإخلاص في الإسلام، ومدى عظمته أساساً تستند إليه أمور الدين. فمن بين النكت التي لا حصر لها لمبحث «الإخلاص» نبين باختصار خمس نقاط فقط.

النقطة الأولى

سؤال مهم ومثير للدهشة:

لماذا يختلف أصحابُ الدين والعلماء وأرباب الطرق الصوفية وهم أهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم، في حين يتفق أهلُ الدنيا والغفلة بل أهل الضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم، مع أن الاتفاق هو من شأن أهل الوفاق والوئام، والخلاف ملازمٌ لأهل النفاق والشقاق. فكيف استبدل الحق والباطل مكانهما؛ فأصبح الحق بجانب هؤلاء والباطل بجانب أولئك؟

الجواب:  سنبين سبعة من الأسباب العديدة لهذه الحالة المؤلمة التي تقض مضجع الغيارى الشهمين.

السبب الأول: 

إنَّ اختلاف أهل الحق غير نابع من فقدان الحقيقة، كما أن اتفاق أهل الغفلة ليس نابعاً من ركونهم إلى الحقيقة. بل إن وظائف أهل الدنيا والسياسة والمثقفين وأمثالهم من طبقات المجتمع قد تعيّنت وتميزت؛ فلكل طائفة وجماعة وجمعية مهمة خاصة تنشغل بها، وما ينالونه من أجرة مادية -لقاء خدماتهم ولإدامة معيشتهم- هي كذلك متميزة ومتعيّنة، كما أن ما يكسبونه من أجرة معنوية كحب الجاه وذيوع الصيت والشهرة، هي الأخرى متعينة ومخصصة ومتميزة. (حاشية) تحذير: إنَّ إقبال الناس وتوجههم لا يُطلب، بل يوهب، ولو حصل الإقبال فلا يُسرّ به. وإذا ما ارتاح المرء لتوجه الناس إليه فقد ضيع الإخلاص ووقع في الرياء. أما التطلع إلى نيل الشهرة والصيت التي تتضمن توجه الناس والرغبة في إقبالهم فهو ليس بأجرة ولا ثواب، بل عتاب وعقاب نابعان من فقدان الإخلاص. نعم ، إن توجه الناس وإقبالهم لا يراد، لأن ما فيه من لذة جزئية تضر بالإخلاص الذي هو روح الأعمال الصالحة، ثم إنه لا يستمر إلا إلى حد باب القبر. فضلا عن أنه يكتسب ما وراء القبر صورة أليمة من عذاب القبر. فلا يُرغب في توجه الناس ونيل رضاهم إذن، بل يلزم الفرار والتهيب منه. فليصغ إلى هذا عُباد الشهرة والمتلهفون على كسب رضى الناس. فليس هناك إذن ما يولد منافسة أو مزاحمة أو حسداً فيما بينهم. وليس هناك ما يوجب المناقشة والجدال، لذا تراهم يتمكنون من الاتفاق مهما سلكوا من طرق الفساد.

أما أهل الدين وأصحاب العلم وأرباب الطرق الصوفية فإن وظيفة كل منهم متوجهة إلى الجميع، وأن أجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة، كما أن حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس إليهم والرضى عنهم لم يتخصص أيضاً. فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيدٍ كثيرةٌ جداً إلى أية أجرة مادية كانت أو معنوية. ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة؛ فيتبدل الوفاقُ نفاقاً والاتفاق اختلافاً وتفرقاً.

فلا يشفي هذا المرض العضال إلّا مرهمُ الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة: ﴿اِنْ اَجْرِيَ اِلَّا عَلَى اللّٰهِ(يونس:72) بإيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثَرة النفس.. وأن يحصل له امتثال بالآية الكريمة:
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ اِلَّا الْبَلَاغُ الْمُب۪ينُ(النور:54) باستغنائه عن الأجر المادي والمعنوي المقبلَين من الناس (حاشية) لابد من جعل شيمة «الإيثار» التي تحلَّى بها الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ونالوا بها ثناء القرآن الكريم نصب العين، واتخاذها دليلاً ومرشداً، وهذا يعني: تفضيل الآخرين على النفس عند قبول الهدايا والصدقات، وعدم قبول شئ مقابل ما يقوم به المرء من خدمات في سبيل الدين، بل لا يطلبه قلباً. وإذا حصل شئ من هذا القبيل فليعده إحساناً إلهياً محضاً، من دون البقاء تحت منة الناس. إذ ما ينبغي أن يُسأل شيء في الدنيا لقاء خدمات في سبيل الدين، لئلا يضيع الإخلاص. فالأمة وإن كان عليها أن تضمن معاش هؤلاء، كما انهم يستحقون الزكاة، إلا أن هؤلاء العاملين لا يسألون الناس شيئاً وربما يوهب لهم، حتى لو وهب لهم شيء فلا يأخذونه لقيامهم في خدمة الدين. فالأفضل إيثار من هم أهل لها على النفس، والرضى بما قسم الله من رزق والقناعة به، كي يحظى المرء بالثناء القرآني العظيم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلٰٓى اَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:9)، وعندئذ يكون ظافراً بالإخلاص ومنقذاً نفسه من شرور هذه التهلكة الخطرة. مدركاً أَنَّ استحسان الناس كلامَه وحسن تأثيره فيهم ونيل توجههم إليه هو مما يتولاه الله سبحانه وتعالى ومن إحسانه وفضله وحده، وليس داخلاً ضمن وظيفته التي هي منحصرةٌ في التبليغ فحسب. بل لا يلزمه ذلك ولا هو مكلف به أصلاً. فمن وفّقه الله إلى ما ذُكر آنفاً يجد لذة الإخلاص، وإلّا يفوته الخير الكثير.

السبب الثاني:

إن اتفاق أهل الضلالة نابع من ذلتهم، بينما اختلاف أهل الهداية نابع من عزّتهم؛ إذ لما كان أهل الدنيا والضلالة الغافلون لا يستندون إلى الحق والحقيقة فهم ضعفاء وأذلاء، يشعرون بحاجة ماسة إلى اكتساب القوة ويتشبثون بشدة إلى معاونة الآخرين والاتفاق معهم، ويحرصون على هذا الاتفاق ولو كان مسلكهم ضلالة، فكأنهم يعملون حقاً في تساندهم على الباطل، ويخلصون في ضلالهم، ويبدون ثباتاً وإصراراً على إلحادهم، ويتفقون في نفاقهم، فلأجل هذا يوفّقون في عملهم، لأن الإخلاص التام ولو كان في الشر لا يذهب سُدىً، ولا يكون دون نتيجة. فما من سائل يسأل بإخلاص أمراً إلّا قضاه الله له. (حاشية) نعم، إن «من طلب وَجَدّ وَجَدَ» دستور من دساتير الحقيقة له من السعة والشمول ما يشمل مسلكنا أيضاً.

أما أهل الهداية والدين وأصحاب العلم والطريقة فلأنهم يستندون إلى الحق والحقيقة، ولأن كلاً منهم أثناء سيره في طريق الحق لا يرجو إلّا رضى ربه الكريم ويطمئن إليه كل الاطمئنان، وينال عزة معنوية في مسلكه نفسه، إذ حالما يشعر بضعف ينيب إلى ربه دون الناس، ويستمد منه وحده القوة، زد على ذلك يرى أمامه اختلاف المشارب مع ما هو عليه، لذا تراه لا يستشعر بدواعي التعاون مع الآخرين بل لا يتمكن من رؤية جدوى الاتفاق مع مخالفيه ظاهراً ولا يجد في نفسه الحاجة إليه. وإذا ما كان ثمة غرورٌ وأنانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقاً ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الإخلاصُ ويحبط عمله ويكون أثراً بعد عين.

والعلاج الوحيد لهذه الحالة والحيلولة دون رؤية نتيجتِها الوخيمة هو في تسعة أمور آتية:

1 – العمل الإيجابي البنّاء، وهو: عملُ المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب، من دون أن يرد إلى تفكيره، أو يتدخل في علمه عداءُ الآخرين أو التهوينُ من شأنهم، أي لا ينشغل بهم أصلاً.

2 – بل عليه أن يتحرى روابط الوحدة الكثيرة التي تربط المشارب المعروضة في ساحة الإسلام -مهما كان نوعها- والتي ستكون منابع محبة ووسائل أخوة واتفاق فيما بينها فيتفق معها.

3- واتخاذ دستور الإنصاف دليلاً ومرشداً، وهو: أن صاحبَ كل مسلك حق يستطيع القول: «إن مسلكي حق وهو أفضل وأجمل» من دون أن يتدخل في أمر مسالك الآخرين، ولكن لا يجوز له أن يقول: «الحق هو مسلكي فحسب» أو «أن الحسن والجمال في مسلكي وحده» الذي يقضي على بطلان المسالك الأخرى وفسادها.

4- العلم بأن الاتفاق مع أهل الحق هو أحد وسائل التوفيق الإلهي وأحد منابع العزة الإسلامية.

5 – الحفاظ على الحق والعدل بإيجاد شخص معنوي؛ وذلك بالاتفاق مع أهل الحق للوقوف تجاه أهل الضلالة والباطل الذين أخذوا يغيرون بدهاء شخص معنوي قوي في صورة جماعة على أهل الحق -بما يتمتعون به من تساند واتفاق- ثم الإدراك بأن أية مقاومة فردية -مهما كانت قوية- مغلوبةٌ على أمرها تجاه ذلك الشخص المعنوي للضلالة.

6 – ولأجل إنقاذ الحق من صولة الباطل:

7 – ترك غرور النفس وحظوظها.

8 – وترك ما يُتصور خطأً أنه من العزة والكرامة.

9 – وترك دواعي الحسد والمنافسة والأحاسيس النفسانية التافهة.

بهذه النقاط التسع يُظفَر بالإخلاص ويوفي الإنسان وظيفته حق الوفاء ويؤديها على الوجه المطلوب. (حاشية) لقد ثبت في الحديث الصحيح أن المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين إلى أهل القرآن للوقوف معاً تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فأهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعاً لعدوهم المشترك الملحد المتعدي.

السبب الثالث:

إنَّ اختلاف أهل الحق ليس ناشئاً عن الوضاعة وفقدان الهمة، كما أن اتفاق أهل الضلالة ليس ناشئاً عن علو الهمة، بل إن اختلاف أهل الهداية نابع من سوء استعمال علو الهمة والإفراط فيه، واتفاق أهل الضلالة مردّه الضعف والعجز الحاصلان من انعدام الهمة.

والذي يسوق أهل الهداية إلى سوء استعمال علو الهمة وبالتالي إلى الاختلاف والغيرة والحسد، إنما هو المبالغة في الحرص على الثواب الأخروي -الذي هو في حد ذاته خصلة ممدوحة- وطلب الاستزادة منها دون قناعة وحصرها على النفس. وهذا يستدرج الحريص شيئاً فشيئاً حتى يصل به الأمر إلى أن يتخذ وضعاً منافساً إزاء أخيه الحقيقي الذي هو بأمس الحاجة إلى محبته ومعاونته وأُخوته والأخذ بيده. كأن يقول -مثلاً- لأغنم أنا بهذا الثواب، ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وأمثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه.أو يقول: لماذا يذهب تلاميذي إلى فلان وعلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة؟ فتجد روح الأنانية لديه -بهذا الحوار الداخلي- الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز، فتسوقه تدريجياً إلى التلوث بصفة مذمومة، تلك هي التطلع إلى حب الجاه، فيفوته الإخلاص وينسد دونه بابه، بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه.

إنَّ علاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو:

العلم بأن رضى الله لا يُنال إلّا بالإخلاص، فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الأعمال، ذلك لأن تكثير التابعين والتوفيق في الأعمال هو مما يتولاه الله سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسأل ولا يُطلب بل يؤتيه الله سبحانه من يشاء.

نعم، رُبّ كلمة واحدة تكون سبباً للنجاة من النار وتصبح موضع رضى الله سبحانه، ورُبّ إرشاد شخص واحد يكون موضع رضى الله سبحانه بقدر إرشاد ألف من الناس. فلا ينبغي أن تُؤخذ الكمية بنظر الاعتبار كثيراً.

ثم إنَّ الإخلاص في العمل ونشدان الحق فيه إنما يُعرف بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامةً أياً كان مصدر الاستفادة ومن أي شخص صدر. وإلّا فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفس وخديعة الأنانية.

فيا من يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من أعمال للآخرة!

اعلم أن الله سبحانه قد بعث أنبياءً كراماً، وما آمن معهم إلّا قليل. ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملاً غير منقوص. فليس السبق والفضل إذن في كثرة التابعين المؤمنين، وإنما في نيل شرف رضى الله سبحانه. فمَنْ أنت أيها الحريص حتى ترغب أن يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره؟ اعلم واجبَك، ولا تحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره. اعلم أن تصديق الناس كلامك وقبولهم دعوتك وتجمعهم حولك إنما هو من فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا تُشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همّك في القيام بما أُنيط بك من واجب.

ثم إن الإصغاء إلى الحق والحقيقة، ونوال المتكلم بهما الثواب ليس منحصراً على الجنس البشري وحده، بل لله عباد من ذوي الشعور ومن الروحانيين والملائكة قد ملأوا أركان الكون وعمروها. فإن كنت تريد مزيداً من الثواب الأخروي فاستمسك بالإخلاص واتخذه أساساً لعملك واجعل مرضاة الله وحدها الهدف والغاية في عملك، كي تحيا أفراد تلك الكلمات الطيبة المنطوقة من شفتيك منتشرة في جو السماء بالإخلاص وبالنية الخالصة لتصل إلى أسماع مخلوقات من ذوي المشاعر الذين لا يحصرهم العدّ، فتنوّرهم، وتنال بها الثواب العظيم أضعافاً مضاعفة. ذلك لأنك إذا قلت: «الْحَمْدُ لله» مثلاً فستُكتب بأمر الله على إثر نطقك بهذه الكلمة ملايين الملايين من «الحَمْد لله» صغيرة وكبيرة في الفضاء. فلقد خلق سبحانه ما لا يعد من الآذان والأسماع تصغي إلى تلك الكلمات الكثيرة الطيبة، حيث لا عبث ولا إسراف في عمل البارئ الحكيم. فإذا ما بعث الإخلاصُ والنيةُ الصادقة الحياةَ في تلك الكلمات المنتشرة في ذرات الهواء فستدخل أسماع أولئك الروحانيين لذيذة طيبة كلذة الفاكهة الطيبة، ولكن إذا لم يبعث رضى الله والإخلاص الحياةَ في تلك الكلمات، فلا تستساغ، بل تنبو عنها الأسماع، ويبقى ثوابها منحصراً فيما تفوّه به الفم. فليصغِ إلى هذا قراء القرآن الكريم الذين يتضايقون من افتقار أصواتهم إلى الجودة والإحسان فيشكون من قلة السامعين لهم.

اللمعة التاسعة عشرة

«رسالة الاقتصاد»

(هذه الرسالة تحضّ على الاقتصاد والقناعة وتحذّر من مغبة الإسراف والتبذير)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف:31)

(هذه الآية الكريمة تلقّن درساً في غاية الأهمية وترشد إرشاداً حكيماً بليغاً بصيغة الأمر إلى الاقتصاد، ونهي صريحٍ عن الإسراف. تتضمن هذه المسالة سبعَ نكات).

النكتة الأولى

إنَّ الخالق الرحيم سبحانه يطلب من البشرية شكراً وحمداً إزاء ما أَغدقَ عليها من النعم والآلاء، إلّا أَنَّ الإسراف منافٍ للشكر وهو استخفاف خاسر ووخيم تجاه النعمة، بينما الاقتصاد توقيرٌ مربح إزاء النعمة.

أَجل! إنَّ الاقتصاد كما هو شكرٌ معنوي، فهو توقير للرحمة الإلهية الكامنة في النعم والإحسان.. وهو سبب حاسم للبركة والاستكثار.. وهو مدار صحة الجسد كالحِمية.. وهو سبيل إلى العزة بالابتعاد عن ذلّ الاستجداء المعنوي.. وهو وسيلة قوية للاحساس بما في النعم والآلاء من لذة.. وهو سبب متين لتذوق اللذائذ المخبأَة في ثنايا نعَمٍ تبدو غير لذيذة.. ولكون الإسراف يخالف الحِكَم المذكورة آنفاً باتت عواقبُه وخيمة.

النكتة الثانية

لقد خلق الفاطر الحكيم جسم الإنسان بما يشبه قصراً كاملَ التقويم وبما يماثل مدينة منتظمة الأجزاء، وجعل حاسةَ الذوق المغروزة في فمه كالبوّاب الحارس، والأعصاب والأوعية بمثابة أسلاك هاتف وتلغراف (تتم خلالها دورة المخابرة الحساسة بين القوة الذائقة والمعدة التي هي في مركز كيان الإنسان) بحيث تقوم حاسةُ الذوق تلك بإبلاغ ما حلّ في الفم من المواد، وتحجز عن البدن والمعدة الأشياء الضارة التي لا حاجةَ للجسم لها قائلة: «ممنوع الدخول» نابذةً إياها، بل لا تلبث أَنْ تدفع وتبصق باستهجان في وجهِ كل ما هو غير نافع للبدن فضلاً عن ضرره ومرارته.

ولما كانت القوة الذائقة في الفم تؤدي دور الحارس. وإن المعدة هي سيدةُ الجسد وحاكمته من حيث الإدارة، فلو بلغت قيمةُ هديةٍ تُقدَّم إلى حاكم القصر مائة درجة فإنَّ خُمساً منها فقط يجوز أن يعطى هبةً للحارس لا أكثر، كيلا يختال الحارس وينسى وظيفتَه ويقحمَ في القصر كل مخلّ عابث يرشوه قرشاً أكثر.

وهكذا، بناءً على هذا السرّ، نفترض الآن أمامنا لقمتان، لقمة منها من مادة مغذّية -كالجبن والبيض مثلاً- يُقدّر ثمنها بقرش واحد، واللقمة الأخرى حلوى من نوع فاخر يُقدّر ثمنها بعشرة قروش، فهاتان اللقمتان متساويتان قبل دخولهما الفم ولا فرق بينهما، وهما متساويتان كذلك من حيث إنماء الجسم وتغذيته بعد دخولهما الفم ونزولهما عبر البلعوم. بل قد يغذّي الجبن -الذي هو بقرش واحد- تغذية أفضل وتنمية أقوى من اللقمة الأخرى. إذن ليس هناك من فرق إلّا ملاطفةَ القوة الذائقة في الفم التي لا تستغرق سوى نصف دقيقة. فليقدَّر إذن مدى ضرر الإسراف ويوازَن مدى التفاهة في صرف عشرة قروش بدلاً عن قرش واحد في سبيل الحصول على لذة تستغرق نصف دقيقة!

وهكذا فإن إثابة الحارس تسعة أضعاف ما يُقدّم إلى حاكم القصر من هدايا تُفضي به لا محالة إلى الغرور والجشع وتدفعه بالتالي إلى القول: إنما أنا الحاكم. فمَنْ كافأه بهبة أكثر ولذة أزيد دفعه إلى الداخل، مسبّباً إخلال النظام القائم هناك، مضرماً فيه ناراً مستعرة وملزماً صاحبه الاستغاثة صارخاً: هيّا أسرعوا إلى بالطبيب حالاً ليخفف شدة حرارتي ويطفئ لظى نارها.

فالاقتصاد والقناعة منسجمان انسجاماً تاماً مع الحكمة الإلهية، إذ يتعاملان مع القوة الذائقة معاملة الحارس، ويقفانها عند حدّها ويكافئانها حسب تلك الوظيفة. أما الإسراف فلأنه يسلك سلوكاً مخالفاً لتلك الحكمة، فسرعان ما يتلقّى المسرف صفعات موجِعة، إذ تحدث الاختلاطات المؤلمة في المعدة التي تؤدي إلى فقدان الشهية الحقيقية نحو الأكل، فيأكل بشهية كاذبة مصطنعة بتنويع الأطعمة مما يسبب عُسراً في الهضم، فيسبب المرض.

النكتة الثالثة

قلنا في النكتة الثانية آنفاً: إنَّ القوة الذائقة تؤدي دور الحارس. نعم، هي كذلك عند الغافلين الذين لم يَسمُوا بعدُ روحياً والذين لم يتقدموا في مضمار الشكر والعروج في مدارجه. نعم إنه لا ينبغي اللجوء إلى الإسراف -كصرف عشرة أضعاف الثمن- لأجل تلذذ تلك الحاسة الحارسة. ولكن القوة الذائقة لدى الشاكرين حقاً ولدى أهل الحقيقة وأَهل القلوب وأُولي الأَبصار بمثابة راصدة وناظرة مفتشة لمطابخ الرحمة الإلهية (كما وضح ذلك في المقارنة المعقودة في الكلمة السادسة). وإن ما يتم في تلك القوة الذائقة من عملية تقدير قيمة النعم الإلهية ومن التعّرف عليها بأنواعها المختلفة بما فيها من موازين دقيقة حساسة عديدة بعدد الأطعمة، إنما هو لإبلاغ الجسد والمعدة، بما ينمّ عن شكر معنوي.

فلا تقتصر وظيفة القوة الذائقة على رعاية الجسد رعايةً مادية وحدَها، بل هي أَيضاً أَرقى حكماً من وظيفة المعدة وأَرفع منزلة منها، لما لها من رعاية للقلب والروح والعقل ومن عناية لكل منها، علماً أنها تستطيع أن تمضي في سبيل الحصول على لذتها -بشرط عدم الإسراف- إنجازاً لمهمة الشكر الخالص المقدّرة لها، وبنيّة التعرف والإطلاع على أَنواع النعم الإلهية بتذوقها والشعور بها بشرط مشروعيتها وعدم كونها وسيلة للتذلل والاستجداء، أي إننا نستطيع أن نستعمل ذلك اللسان الحامل للقوة الذائقة في الشكر لأجل التفضيل بين الأَطعمة اللذيذة.

وإليكم هذه الحادثة إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي كرامة من كرامات الشيخ الكيلاني «قُدس سره»:

كان لعجوز رقيقة لطيفة ابنٌ وحيد يتربّى على يد الشيخ، دخلت تلك العجوز الموقرة ذات يوم على ابنها ورأت أنه يأكل من كِسرة خبز يابس أسمر مزاولاً رياضة روحية حتى ضعفَ ونحل جسمه. أَثارت هذه الحالة شفقة والدته الرؤوم ورقّت لحاله فذهبت لتشتكيه إلى الشيخ الكيلاني وإذا بها ترى الشيخ يأكل دجاجاً مشوياً. ولشدة رقتها ولطافتها قالت: أيها الشيخ إن ابني يكاد يموت جوعاً وها أنت ذا تأكل الدجاج! فخاطب الشيخ الدجاج قائلاً: «قم بإذن الله» فوثب ذلك الدجاج المطبوخ إلى خارج الوعاء بعد أَن اكتمل دجاجاً حياً بالتئام عظامه. لقد نقل هذا الخبر بالتواتر المعنوي ثقاتٌ كثيرون إظهاراً لكرامة واحدة من صاحب الكرامات المشهورة في العالم، الشيخ الكيلاني قُدس سرّه. ومما قاله الشيخ لتلك العجوز : متى ما بلغ ابنك هذه الدرجة.. فليأكل الدجاج هو الآخر.

فمغزى هذا الأمر الصادر من الشيخ الكيلاني هو: متى حَكمت روحُ ابنك جَسَدَهُ وهيمن قلبُه على نفسِه، وسادَ عقلُه معدتَه، والتمس اللذةَ لأجل الشكر.. عندئذ يمكنه أن يتناول ما لذّ وطاب من الأطعمة.

النكتة الرابعة

إنَّ المقتصد لا يعاني فاقةَ العائلة وعَوَزها كما هو مفهوم الحديث الشريف: (لَا يَعُولُ مَن اقتَصَد). أَجل هناك من الدلائل القاطعة التي لا يحصرها العدّ بأن الاقتصاد سببٌ جازم لإنزال البركة، وأساسٌ متين للعيش الأفضل. أذكر منها ما رأيته في نفسي وبشهادة الذين عاونوني في خدمتي وصادقوني بإخلاص فأقول:

لقد حصلتُ أحياناً وحصل أصدقائي على عشرة أضعاف من البركة بسبب الاقتصاد. حتى إنه قبل تسع سنوات عندما أصرّ عليّ قسمٌ من رؤساء العشائر المنفيين معي إلى «بوردور» على قبول زكاتهم كي يحولوا بيني وبين وقوعي في الذلة والحاجة لقلة ما كانت عندي من النقود، فقلت لأولئك الرؤساء الأثرياء: برغم أن نقودي قليلة جداً إلّا أنني أَملك الاقتصاد، وقد تعودتُ على القناعة، فأنا أَغنى منكم بكثير. فرفضتُ تكليفهم المتكرر الملحّ.. ومن الجدير بالملاحظة أن قسماً من أولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدَّين بعد سنتين، لعدم التزامهم بالاقتصاد، إلّا أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني -ولله الحمد- ببركة الاقتصاد إلى ما بعد سبع سنوات، فلم يُرَق مني ماء الوجه، ولم يدفعني لعرض حاجتي إلى الناس، ولم يفسد عليّ ما اتخذته دستوراً لحياتي وهو «الاستغناء عن الناس».

نعم إنَّ من لا يقتصد، مدعوّ للسقوط في مهاوي الذلّة، ومعرّضٌ للانزلاق إلى الاستجداء والهوان معنىً.

إنَّ المال الذي يُستعمل في الإسراف في زماننا هذا لهو مالٌ غالٍ وباهظ جداً، حيث تُدفع أحياناً الكرامةُ والشرف ثمناً ورشوة له، بل قد تُسلب المقدسات الدينية، ثم يُعطى نقوداً منحوسة مشؤومة، أي يقبض بضعة قروش من نقود مادية، على حساب مئات الليرات من النقود المعنوية. بينما لو اقتصر الإنسان على الحاجات الضرورية واختصرها وحصر همّه فيها، فسيجد رزقاً يكفُل عيشه من حيث لا يحتسب وذلك بمضمون الآية الكريمة: ﴿اِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَت۪ينُ﴾ (الذاريات: 58) وإن صراحة الآية الكريمة: ﴿وَمَا مِنْ دَٓابَّةٍ فِي الْاَرْضِ اِلَّا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهَا﴾ (هود:6) تتعهد بذلك تعهداً قاطعاً.

نعم، إن الرزق قسمان:

القسم الأول: وهو الرزق الحقيقي الذي تتوقف عليه حياة المرء، وهو تحت التعهد الرباني بحكم هذه الآية الكريمة، يستطيع المرءُ الحصولَ على ذلك الرزق الضروري مهما كانت الأحوال، إنْ لم يتدخل سوءُ اختيار البشر، دون أن يضطر إلى فداء دينه ولا التضحية بشرفه وعزته.

القسم الثاني: هو الرزق المجازي، فالذي يسيء استعماله لا يستطيع أن يتخلّى عن الحاجات غير الضرورية، التي غدت ضروريةً عنده نتيجة الابتلاء ببلاء التقليد. وثمن الحصول على هذا الرزق باهظ جداً ولاسيما في هذا الزمان، حيث لا يدخل ضمن التعهد الرباني، إذ قد يتقاضى ذلك المال لقاء تضحيته بعزته سلفاً راضياً بالذل، بل قد يصل به حد السقوط في هاوية الاستجداء المعنوي، والتنازل إلى تقبيل أقدام أناسٍ منحطين وضيعين، لا بل قد يحصل على ذلك المال المنحوس الممحوق بالتضحية بمقدساته الدينية التي هي نور حياته الخالدة. ثم إنَّ الألم الذي ينتاب ذوي الوجدان من حيث العاطفة الإنسانية -بما يرونه من آلام يقاسيها المحتاجون البائسون في هذا الزمان الذي خيّم عليه الفقرُ والحاجة- يشوّب لذتَهم التي يحصلونها بأموال غير مشروعة، وتزداد مرارتُها إن كانت لهم ضمائر. إنه ينبغي في هذا الزمان العجيب الاكتفاء بحدّ الضرورة في الأموال المريبة، لأنه حسب قاعدة «الضرورة تُقَدّر بقدرها» يمكن أن يؤخذ باضطرارٍ من المال الحرام حدُّ الضرورة وليس أكثر من ذلك. وليس للمضطر أن يأكل من الميتة إلى حدّ الشبع، بل له أن يأكل بمقدار ما يحول بينه وبين الموت. وكذا لا يؤكل الطعام بشراهة أمام مائة من الجائعين.

نورد هنا حادثة واقعية للدلالة على كون الاقتصاد سبب العزة والكمال:

أقام «حاتم الطائي» المشهور بكرمه وسخائه ضيافة عظيمة ذات يوم وأغدق هدايا ثمينة على ضيوفه. ثم خرج للتجوال في الصحراء، فرأى شيخاً فقيراً يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً من الحطب والكلأ والشوك والدم يسيل من بعض جسمه.. فخاطبه قائلاً:

– أيها الشيخ، إنَّ حاتماً الطائي يقيم اليوم ضيافة كريمة ويوزع هدايا ثمينة، بادر إليه لعلك تنال منه أموالاً أضعاف أضعاف ما تناله من هذا الحمل!.

قال له ذلك الشيخ المقتصد: سأحمل حملي هذا بعزة نفسي وعرق جبيني، ولا أرضى أن أقع تحت طائل منّة حاتم الطائي.

ولما سُئل حاتم الطائي يوماً:

– مَنْ من الناس وجدتَهم أعزَّ منك وأكرم؟.

قال:  ذلك الشيخ المقتصد الذي لقيتُه في المفازة ذات يوم، لقد رأيتُه حقاً أعزّ مني وأكرم.

اللمعة السابعة عشرة

(عبارة عن سبع عشرة مذكِّرة تألقت من الزُّهرة)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

قبل اثنتي عشرة سنة من تأليف هذه اللمعة وفقني المولى الكريم وشملني بعنايته ولُطفه، فكتبتُ بعض ما تَألَّق من مسائل التوحيد وبعض ما تظاهر منها في أثناء تأملٍ فكريّ، وتجوالٍ قلبيّ، وانكشافٍ روحيّ عبر العروج في مراتب المعرفة الإلهية، كتبتُها باللغة العربية على صورة مذكِّرات في رسائل موسومة بـ«زُهرة» و«شعلة» و«حبّة» و«شمّة» و«ذرة» و«قطرة» وأمثالِها.

وحيث إن تلك المذكِّرات قد كُتبتْ لأجل إراءة بدايةِ حقيقةٍ عظيمة واسعة، وإبراز مقدمتِها فحسب، ولأجل إظهار شعاعٍ من أشعة نور ساطع باهر، فقد جاءت على شكل خواطر وملحوظات وتنبيهات. سجلتُها لنفسي وحدَها، الأمر الذي جعل الاستفادةَ منها محدودةً، وبخاصة أن القسم الأعظم من أخلص إخواني وخلاصتهم لم يدرسوا اللغةَ العربية، فاضطررتُ إزاء إصرارهم وإلحاحهم إلى كتابةِ إيضاحات باللغة التركية لقسم من تلك المذكّرات واللمعات. وأَكتفي بترجمة القسم الآخر منها.
ولقد جاءت الترجمة إلى التركية نصاً دون تغيير حيث تراءت «لسعيد الجديد» هذه الخواطر الواردة في الرسائل العربية رؤيةً أشبه ما تكون بالشهود، وذلك حينما شرع بالاغتراف من منهل علم «الحقيقة».. ولأجل هذا فقد ذُكرت بعض الجمل بالرغم من أنها مذكورة في رسائل أخرى بينما ذُكر البعض الآخر في غاية الإجمال ولم يوضّح التوضيح المطلوب وذلك لئلا يفقدَ لطافته الأصلية.

سعيد النورسي

المذكّرة الأولى

كنت قد خاطبتُ نفسي قائلاً: اعلم أيها السعيد الغافل! إنه لا يليق بك أن تربط قلبَك وتعلّقه بما لا يرافقك بعد فناءِ هذا العالم، بل يُفارقُك بخراب الدنيا! فليس من العقل في شيء ربطُ القلب بأشياءَ فانيةٍ! فكيف بما يتركك بانقراض عصرك ويدير ظهرَه لك؟ بل فكيف بما لا يصاحبُك في سَفر البرزخ؟ بل فكيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟ بل فكيف بما يفارقُك خلال سنة أو سنتين فراقاً أبدياً، مُورّثاً إثْمَه ذمَّتَك، محمّلاً خطاياه على ظهرك؟ بل فكيف بما يتركك على رغمك في آنِ سرورك بحصوله؟

فإنْ كنت فطناً عاقلاً فلا تهتمّ ولا تغتم، واترك ما لا يقتدرُ أن يرافقَك في سفر الأبد والخلود، بل يضمحل ويفنى تحت مصادمات الدنيا وانقلاباتها، وتحت تطورات البرزخ، وتحت انفلاقات الآخرة.

ألا ترى أن فيك لطيفةً لا ترضى إلّا بالأبد والأبدي، ولا تتوجه إلّا إلى ذلك الخالد، ولا تتنزل لما سواه؟ حتى إذا ما أُعطيت لها الدنيا كُلها، فلا تُطَمْأن تلك الحاجة الفطرية.. تلك هي سلطانُ لطائفك ومشاعرك.. فأَطِعْ سلطان لطائفك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله، وانجُ بنفسك..

المذكِّرة الثانية

لقد رأيت في رؤيا صادقةٍ ذات حقيقة، أَنني أُخاطب الناس: أيها الإنسان! إنَّ من دساتير القرآن الكريم وأحكامه الثابتة: أن لا تحسبنَّ ما سوى الله تعالى أعظم منك فترفعَه إلى مرتبة العبادة، ولا تحسَبنَّ أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبّر عليه. إذ يتساوى ما سواه تعالى في البعد عن «المعبودية» وفي نسبة المخلوقية.

المذكِّرة الثالثة

اعلم أَيها السعيد الغافل! أنك ترى الدنيا الزائلة سريعاً، كأَنها دائمةٌ لا تموت، فعندما تنظر إلى ما حولك من الآفاق وتراها ثابتةً مستمرةً -إلى حدٍ ما- نوعاً وجملةً، ومن ثم ترجع بالمنظار نفسِه فتنظر إلى نفسك الفانية، تظنّها ثابتةً أيضاً. وعندها لا تندهش إلّا من هَول القيامة، وكأنك تدوم إلى أن تقوم الساعة!.

عُدْ إلى رشدك، فأنت ودنياك الخاصة بك معرّضان في كلّ آن إلى ضربات الزوال والفناء.. إن مَثَلَكَ في خطأ شعورك وغَلَط حسِّك هذا، يشبه مَن في يده مرآةٌ تواجه قصراً أو بلداً أو حديقةً، وترتسم الصورة المثاليةُ للقصر أو البلد أو الحديقة فيها، فإذا ما تحركت المرآة أَدنى حركة، وتغيرت أَقلّ تغيّر، فسيحدث الهرجُ والمرج في تلك الصورة المثالية، فلا يفيدُك بَعدُ البقاءُ والدوام الخارجيان في نفس القصر أو البلد أو الحديقة، إذ ليس لك منها إلّا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها.

فاعلم أَنَّ حياتك وعمرَك مرآة! وأنها عمادُ دنياك وسندها ومرآتها ومركزها. فتأمل في مرآتك، وإمكان موتها، وخرابِ ما فيها في كل دقيقة، فهي في وضع كأَنَّ قيامتَك ستقوم في كل دقيقة. فما دام الأمر هكذا فلا تُحمِّل حياتَك ودنياك ما لا طاقةَ لهما به.

المذكِّرة الرابعة

اعلم أن من سُنَّة الفاطر الحكيم -في الأكثر- ومن عاداته الجارية إعادةُ ما له أهمية وقيمة غالية بعينه لا بمثله. فعندما يجدد أكثرَ الأشياء بمثلها عند تبدل الفصول وتغيرّ العصور، يُعيد تلك الأشياء الثمينة بعينها. فانظر إلى الحشر اليومي -أي الذي يتم في كل يوم- وإلى الحشر السنوي، وإلى الحشر العصري، ترَ هذه القاعدة المطّردة واضحةً جلية في الكل. وبناء على هذه القاعدة الثابتة نقول:

قد اتفقت الفنونُ وشهدت العلومُ على أَنَّ الإنسان هو أَكملُ ثمرةٍ في شجرة الخليقة، وأَنَّه أَهم مخلوق بين المخلوقات، وأَغلى موجود بين الموجودات، وأَنَّ فرداً منه بمثابة نوع من سائر الأحياء، لذا يُحكم بالحدس القطعي على أَنَّ كلَّ فردٍ من أفراد البشر سيُعاد في الحشر الأَعظم والنشر الأَكبر بعينِه وجسمهِ واسمهِ ورسمهِ.

اللمعة السادسة عشرة

ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒْﺤَﺎﻧَﻪُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ

ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍﻷﻋﺰﺍﺀ ﺍﻟﺼﺪّﻳﻘﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺻﺒﺮﻱ، ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻲ، ﻣﺴﻌﻮﺩ، ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻮﻥ، ﺧﺴﺮﻭ، ﺭﺃﻓﺖ، ﺑﻜﺮ ﺑﻚ، ﺭﺷﺪﻱ، ﻟﻄﻔﻴﻮﻥ، ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺃﺣﻤﺪ، ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻭﺁﺧﺮﻭﻥ.

ﻟﻘﺪ ﺃﺣﺴﺴﺖ ﺇﺣﺴﺎﺳﺎً ﻗﻠﺒﻴﺎً ﺃﻥ ﺃُﺑﻴّﻦ ﻟﻜﻢ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﺃﺭﺑﻊَ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻣﻬﻤﺔ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﻮﺿﻊَ ﺗﺴﺎﺅﻝ.. ﺃُﺑﻴّﻨﻬﺎ ﻟﻜﻢ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﻭﺍﻻﻃﻼﻉ.

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮ:

ﺃﺧﺒﺮ ﺃﺣﺪُ ﺇﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﻭﻫﻮ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﭼﺎﺑﺮﺍ ﺯﺍﺩﺓ» ﻛﻤﺎ ﺃَﺧﺒﺮ ﺃُﻧﺎﺱ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﺃﻳﻀﺎً: ﺃَﻥَّ ﺃَﻫﻞَ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻗﺪ ﻗﺎﻟﻮﺍ ﺑﺤﺪﻭﺙ ﺑﺸﺎﺭﺍﺕٍ ﻭﻓﺘﻮﺡ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭﺗﻜﺸَﻒ ﻋﻨﻬﻢ ﺍﻟﻐﻤﺔُ ﻓﻲ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺒﻴﻞ.

ﻓﺴﺄﻟﻮﻧﻲ: ﻛﻴﻒ ﻳُﺨﺒﺮ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺆﻻﺀ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻭﺍﻟﻜﺸﻒ ﻋﻤﺎ ﻫﻮ ﺧﻼﻑ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ؟

ﻭﺧﻼﺻﺔ ﻣﺎ ﺃﺟﺒﺘﻬﻢ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓً ، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺳﻮﺍﻧﺢ ﺍﻟﻘﻠﺐ، ﻫﻲ:

ﺃﻧﻪ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﻣﺎ ﻣﻌﻨﺎﻩ: ﺃﻥ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﻳﻨﺰﻝ ﻭﺗﻘﺎﺑﻠﻪ ﺍﻟﺼﺪﻗﺔ ﻓﺘﺮﺩّﻩ.

ﻳﺘﺒﻴﻦ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ: ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻘﺪَّﺭﺍﺕ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﻟﻠﻮﻗﻮﻉ، ﺗﺄﺗﻲ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔً ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ، ﻓﺘﺘﺄﺧﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉِ ﺑﺘﺄﺧﺮ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ. ﻓﺘﺘﺄﺧﺮ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻤﻘﺪَّﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻃﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀُ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻜﺸﻒ؛ ﺇﺫ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻘﺪّﺭﺍﺕٍ ﻣﻄﻠﻘﺔً، ﺑﻞ ﻣﻘﻴﺪﺓً ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ، ﻓﻠﻌﺪﻡ ﺣﺪﻭﺙِ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻻ ﺗﻘﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔُ؛ ﺇﺫ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻛﺎﻷﺟﻞ ﺍﻟﻤﻌﻠّﻖ، ﻗﺪ ﻛﺘﺒﺖ ﻓﻲ ﻟﻮﺡ ﺍﻟﻤﺤﻮ ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺕ، ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻧﻮﻉٌ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺳﺠﻞ ﺍﻟﻠﻮﺡ ﺍﻷﺯﻟﻲ. ﻓﺎﻟﻜﺸﻒ ﻗﻠّﻤﺎ ﻳﺮﻗﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻮﺡ ﺍﻷﺯﻟﻲ، ﺑﻞ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﻌﻈﻢُ ﺍﻟﻜﺸﻮﻑ ﺍﻟﺮﻗﻲ ﺇﻟﻰ ﻫﻨﺎﻙ. ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ:

ﺇﻥَّ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺃُﺧﺒﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺷﻬﺮ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﺋﺖ ﻭﻋﻴﺪ ﺍﻷﺿﺤﻰ ﻭﻓﻲ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ، ﻭﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺃﻭ ﺑﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺸﻔﻴﺎﺕ، ﻟﻢ ﺗﺠﺪ ﺷﺮﻭﻃَﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﻠّﻘﺔ ﺑﻬﺎ، ﻟﺬﺍ ﻟﻢ ﺗﺄﺕ ﺇﻟﻰ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ. ﻓﺎﻟﻤﺨﺒﺮﻭﻥ ﻋﻨﻬﺎ ﻻ ﻳُﻜﺬَّﺑﻮﻥ، ﻷﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻮﺍﺩﺙ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻘﺪَّﺭﺓ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﻘﻊ ﺇﻟّﺎ ﺑﻤﺠﻲﺀ ﺷﺮﻭﻃﻬﺎ، ﻭﺇﺫ ﻟﻢ ﺗﺄﺕ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁُ ﻓﻼ ﺗﻘﻊ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻓﻌﻪ ﻣﻌﻈﻢُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﺩﻓﻌﺎً ﻟﻠﺒﺪﻉ، ﻛﺎﻥ ﺷﺮﻃﺎً ﻭﺳﺒﺒﺎً ﻣﻬﻤﺎً ﻟﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﺩﺧﻮﻝَ ﺍﻟﺒﺪﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﺍﻣﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻬﺮ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ ﺣﺠﺒﺖ ﺍﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔَ ﻭﺍﻟﻘﺒﻮﻝ، ﻓﻠﻢ ﺗﻔﺮّﺝ ﺍﻟﻜﺮﺑﺔُ ﻭﻟﻢ ﺗُﻜﺸَﻒ ﺍﻟﻐﻤّﺔ؛ ﺇﺫ ﻛﻤﺎ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻟﺼﺪﻗﺔُ ﺍﻟﺒﻼﺀَ -ﺑﺪﻻﻟﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ- ﻓﺎﻟﺪﻋﺎﺀُ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﻣﻦ ﺍﻷﻛﺜﺮﻳﻦ ﻳﺠﺬﺏ ﺍﻟﻔﺮﺝَ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ. ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻥ ﺍﻟﻘﻮﺓَ ﺍﻟﺠﺎﺫﺑﺔ ﻟﻢ ﺗﺄﺕِ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻓﻠﻢ ﺗﻮﻫﺐ ﺍﻟﻔَﺮَﺝَ ﻭﺍﻟﻔﺘﺢَ.

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮ:

ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡُ ﺑﻤﺤﺎﻭﻟﺔ، ﻭﺍﻟﺸﺮﻭﻉُ ﺑﺘﺪﺑﻴﺮ، ﺇﺯﺍﺀ ﻭﺿﻊ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻣﻬﻴّﺞ، ﻓﻲ ﻏﻀﻮﻥ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺸﻬﺮﻳﻦ، ﺇﺫ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺆﺩﻱ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﻟﺔ -ﺑﺎﺣﺘﻤﺎﻝ ﻗﻮﻱ- ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻔﺮّﺣﻨﻲ ﻭﻳﺪﺧﻞ ﺍﻟﺒﻬﺠﺔَ ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺍﻟﻤﻘﺮّﺑﻴﻦ؛ ﻟﻢ ﺃَﻋﺒﺄْ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻮﺿﻊ، ﺑﻞ ﻗﻤﺖُ ﺧﻼﻓﺎً ﻟﻪ ﺃَﺣﻤﻞ ﻓﻜﺮﺍً ﻓﻲ ﺻﺎﻟﺢ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻀﺎﻳﻘﻮﻧﻨﻲ ﻓﻈﻞّ ﺍﻟﺒﻌﺾُ ﻓﻲ ﺣﻴﺮﺓ ﻣﻀﺎﻋﻔﺔ ﻣﻦ ﺃَﻣﺮﻱ، ﺇﺫ ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺒﻌﻬﺎ ﺿﺪَّﻙ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺘﺪﻉُ ﻭﺛُﻠَّﺔٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ ﺍﻟﺮﺅﺳﺎﺀ، ﻛﻴﻒ ﺗﺠﺪﻫﺎ ﺣﺘﻰ ﻻ ﺗﻬﺎﺟﻤﻬﺎ؟

ﻭﺧﻼﺻﺔ ﺟﻮﺍﺑﻲ:

ﻫﻲ ﺃﻥَّ ﺃَﻋﻈﻢ ﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻫﻮ ﻓﺴﺎﺩُ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭﺗﺰﻋﺰﻉُ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻀﻼﻝ ﻗﺎﺩﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻮﻡ. ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻌﻼﺝ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺇﻧﻘﺎﺫ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻨﻮﺭُ ﻭﺇﺭﺍﺀﺓ ﺍﻟﻨﻮﺭ. ﻓﻠﻮ ﻋُﻤﻞ ﺑﻬﺮﺍﻭﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺻﻮﻟﺠﺎﻧﻬﺎ ﻭﺃُﺣﺮﺯ ﺍﻟﻨﺼﺮُ، ﺗَﺪَّﻧﻰ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭُ ﺇﻟﻰ ﺩَﺭَﻙِ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ. ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ -ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻌﻠﻮﻡ- ﺃَﺷﺪُّ ﺧﻄﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﻭﺃَﻓﺴﺪُ ﻣﻨﻪ. ﻓﺼﻮﻟﺠﺎﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺇﺫﻥ ﻻ ﻳُﺼﻠِﺢ ﺍﻟﻘﻠﺐَ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﺣﻴﺚ ﻳُﻨﺰﻝ ﺍﻟﻜﻔﺮَ ﺇﻟﻰ ﺃﻋﻤﺎﻕ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﻳﺘﺴﺘﺮ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﻳﻨﻘﻠﺐ ﻧﻔﺎﻗﺎً.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﺷﺨﺼﺎً ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻣﺜﻠﻲ، ﻻ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭَ ﻭﺍﻟﻬﺮﺍﻭﺓَ ﻣﻌﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﺬﺍ ﻓﺄﻧﺎ ﻣﻀﻄﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻋﺘﺼﺎﻡ ﺑﺎﻟﻨﻮﺭ ﺑﻤﺎ ﺃَﻣﻠِﻚُ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ، ﻓﻴﻠﺰﻡ ﻋﺪﻡَ ﺍﻻﻟﺘﻔﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻫﺮﺍﻭﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺃﻳﺎً ﻛﺎﻥ ﻧﻮﻋﻬﺎ. ﺃﻣﺎ ﻣﺎ ﻳﻘﺘﻀﻴﻪ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩُ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ، ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻨﺎﻃﺔً ﺑﻨﺎ ﺣﺎﻟﻴﺎً. ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺍﻟﻬﺮﺍﻭﺓ ﻫﻲ ﻟﻮﻗﻒ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺮﺗﺪ ﻋﻨﺪ ﺣﺪّﻩ، ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﻧﻤﻠﻚ ﺳﻮﻯ ﻳﺪﻳﻦ، ﺑﻞ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻨﺎ ﻣﺎﺋﺔٌ ﻣﻦ ﺍﻷﻳﺪﻱ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻜﻔﻲ ﺇﻟّﺎ ﻟﻠﻨﻮﺭ ﻓﻼ ﻳﺪَ ﻟﻨﺎ ﺗﻤﺴﻚ ﺑﻬﺮﺍﻭﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ.

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮ:

ﺇﻥَّ ﻫﺠﻮﻡ ﺍﻷﺟﺎﻧﺐ ﻛﺈﻧﻜﻠﺘﺮﺍ ﻭﺇﻳﻄﺎﻟﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻵﻭﻧﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﺛﺎﺭﺓ ﺍﻟﺤﻤﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﻫﻲ ﺭﻛﻴﺰﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻣﻨﺒﻊ ﻗﻮﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻟﺤﻜﻮﻣﺎﺕ ﺧﻠﺖ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﻣﻨﺬ ﺃﻣﺪ ﺑﻌﻴﺪ ﻭﺳﺘُﺼﺒﺢ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻹﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﺸﻌﺎﺋﺮ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ -ﺇﻟﻰ ﺣﺪٍ ﻣﺎ- ﻭﻟﺪﻓﻊ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺪﻉ.. ﻓﻠِﻢَ ﻋﺎﺭﺿﺖَ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﺸﺪﺓ ﻭﺳﺄَﻟﺖَ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺗﺤﻞ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺑﺴﻼﻡ ﻭﺃﻣﺎﻥ. ﻓﻘﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖَ ﻣﻨﺤﺎﺯﺍً ﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻤﺒﺘﺪﻋﻴﻦ، ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﻭﺑﻨﺘﺎﺋﺠﻪ ﻣﻮﺍﻻﺓ ﻟﻠﺒﺪﻉ؟

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻧﺤﻦ ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻔﺮﺝ ﻭﺍﻟﺒﺸﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺴﺮﻭﺭ ﻭﺍﻟﻔﺘﺢ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﺑﺴﻴﻒ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ.. ﻓﺴﺤﻘﺎً ﻟﺴﻴﻮﻓﻬﻢ ﻭﻟﺘﻜﻦ ﻭﺑﺎﻻ ﻋﻠﻴﻬﻢ. ﻧﺤﻦ ﻟﺴﻨﺎ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﻭﻻ ﻧﺮﺟﻮ ﺍﻟﻔﺎﺋﺪﺓَ ﻣﻦ ﺳﻴﻮﻓﻬﻢ، ﻷﻥ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﺘﻤﺮﺩﻳﻦ ﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﻠﻄﻮﺍ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺭﺑّﻮﺍ ﺍﻟﺰﻧﺎﺩﻗﺔ ﻓﻲ ﺃﺣﻀﺎﻧﻬﻢ.

ﺃﻣﺎ ﻣﺼﻴﺒﺔُ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻭﺑﻼﺅﻫﺎ، ﻓﻬﻲ ﺿﺮﺭٌ ﺑﺎﻟﻎ ﻟﺨﺪﻣﺘﻨﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ، ﻷﻥَّ ﻣﻌﻈﻢَ ﺇﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﻀﺤﻴﻦ ﺍﻟﻔﻀﻼﺀ ﻻ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺃﻋﻤﺎﺭُﻫﻢ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﻭﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ، ﻓﻴﻀﻄﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﻟﻠﺤﺮﺏ ﺗﺎﺭﻛﻴﻦ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ. ﻭﻟﻮ ﺃﻥَّ ﻟﻲ ﻣﺒﻠﻐﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ، ﻟﻜﻨﺖ ﺃَﺩﻓﻌﻪ -ﺑﻜﻞ ﺭﺿﺎﻱ- ﻷﺟﻞ ﺇﻧﻘﺎﺫ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻹﺧﻮﺓ ﺍﻷﻛﺎﺭﻡ، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﺪﻝ ﺍﻟﻨﻘﺪﻱ ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺮﺓ! ﺇﻥ ﺍﻧﺨﺮﺍﻁ ﻣﺌﺎﺕٍ ﻣﻦ ﺇﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻨﺪﻳﺔ، ﻭﻣﺰﺍﻭﻟﺘﻬﻢ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺧﺴﺎﺭﺓٌ ﻓﺎﺩﺣﺔ ﻟﺨﺪﻣﺘﻨﺎ، ﺃَﺷﻌﺮ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻌﺪِﻝ ﺃﻛﺜﺮَ ﻣﻦ ﻣﺎﺋﺔ ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺮﺓ. ﺑﻞ ﺇﻥ ﺫﻫﺎﺏ «ﺫﻛﺎﺋﻲ» ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺪﻳﺔ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﺘﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺘﻴﻦ، ﺃﻓﻘﺪﻧﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻮﺍﺋﺪ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ.

ﻭﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺫﺍ ﺍﻟﺠﻼﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﻬّﺮ ﻭﺟﻪَ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﻠﺒّﺪ ﺑﺎﻟﻐﻴﻮﻡ ﻭﻳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺸﻤﺲَ ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺍﻟﻼﻣﻊ ﺧﻼﻝ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭُ ﺃﻳﻀﺎً ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﺰﻳﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﺀ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ ﺍﻟﻔﺎﻗﺪﺓ ﻟﻠﺮﺣﻤﺔ، ﻭﻳُﻈﻬﺮ ﺣﻘﺎﺋﻖَ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﻨﻴﺮﺓ ﺑﻜﻞ ﻳُﺴﺮ ﻭﺳﻬﻮﻟﺔ ﻭﺑﻐﻴﺮ ﺧﺴﺎﺭﺓ.

ﺇﻧﻨﺎ ﻧﺮﺟﻮ ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ، ﻭﻧﺴﺄﻟﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺃﻟّﺎ ﻳﻜّﻠﻔﻨﺎ ﺫﻟﻚ ﺛﻤﻨﺎً ﻏﺎﻟﻴﺎً. ﻭﺃﻥ ﻳﻤﻨﺢ ﺭﺅﻭﺱَ ﺍﻟﺮﺅﺳﺎﺀ ﺍﻟﻌﻘﻞَ ﻭﻳﻬﺐ ﻟﻘﻠﻮﺑﻬﻢ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥَ. ﻭﻫﺬﺍ ﺣﺴﺒﻨﺎ، ﻭﺣﻴﻨﻬﺎ ﺗﺘﻌﺪﻝ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺑﻨﻔﺴﻬﺎ ﻭﺗﺴﺘﻘﻴﻢ.

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮ:

ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻳﻜﻢ ﻧﻮﺭﺍً، ﻭﻟﻴﺲ ﻫﺮﺍﻭﺓً ﻭﺻﻮﻟﺠﺎﻧﺎً، ﻓﺎﻟﻨﻮﺭ ﻻ ﻳُﻌﺎﺭَﺽ ﻭﻻ ﻳُﻬﺮَﺏ ﻣﻨﻪ، ﻭﻻ ﻳﻨﺠﻢ ﻣﻦ ﺇﻇﻬﺎﺭﻩ ﺿﺮﺭٌ. ﻓﻠِﻢَ ﺇﺫﻥ ﺗﻮﺻﻮﻥ ﺃﺻﺪﻗﺎﺀﻛﻢ ﺑﺄﺧﺬ ﺍﻟﺤﺬﺭ ﻭﺗﻤﻨﻌﻮﻧﻬﻢ ﻣﻦ ﺇﺑﺮﺍﺯ ﺭﺳﺎﺋﻞَ ﻧﻴّﺮﺓٍ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻛﺎﻓﺔ؟.

ﻣﻀﻤﻮﻥ ﺟﻮﺍﺏ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﻫﻮ: ﺃﻥ ﺭﺅﻭﺱ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺅﺳﺎﺀ ﻣﺨﻤﻮﺭﺓ، ﻻ ﻳﻘﺮﺃﻭﻥ، ﻭﺇﺫﺍ ﻗﺮﺃﻭﺍ ﻻ ﻳﻔﻬﻤﻮﻥ، ﻓﻴﺆﻭّﻟﻮﻧﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﻨﻰ ﺧﻄﺄ، ﻭﻳﻌﺘﺮﺿﻮﻥ ﻭﻳﻬﺎﺟﻤﻮﻥ. ﻭﻟﺴﺪّ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﻫﺠﻮﻣﻬﻢ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻋﺪﻡ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻟﻬﻢ ﻟﺤﻴﻦ ﺇﻓﺎﻗﺘﻬﻢ ﻭﺍﺳﺘﺮﺟﺎﻉ ﺭﺷﺪﻫﻢ. ﺛﻢ ﺇﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻏﻴﺮَ ﻣﻨﺼﻔﻴﻦ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ، ﻳﻨﻜﺮﻭﻥ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﺃﻭ ﻳﻐﻤﻀﻮﻥ ﺃﻋﻴﻨَﻬﻢ ﺩﻭﻧﻪ، ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﺃﻭ ﺧﻮﻓﺎً ﺃﻭ ﻃﻤﻌﺎً. ﻭﻷﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﺃُﻭﺻﻰ ﺇﺧﻮﺗﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﻟﻴﺄﺧﺬﻭﺍ ﺣِﺬْﺭَﻫﻢ ﻭﻳﺤﺘﺎﻃﻮﺍ ﻟﻸﻣﺮ، ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻟّﺎ ﻳﻌﻄﻮﺍ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖَ ﺃﺣﺪﺍً ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻫﻠﻬﺎ، ﻭﺃﻟّﺎ ﻳﻘﻮﻣﻮﺍ ﺑﻌﻤﻞ ﻳﺜﻴﺮ ﺃﻭﻫﺎﻡَ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺷﺒﻬﺎﺗﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ. (حاشية) ﺣﺎﺩﺛﺔ ﻟﻄﻴﻔﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺟﺎﺩﺓ:

ﺟﺎﺀﻧﻲ ﺃﻭﻝ ﺃﻣﺲ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﻫﻮ ﺻﻬﺮ ﺃﺣﺪ ﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻲ، ﻭﻗﺎﻝ ﻣﺴﺮﻭﺭﺍً ﻭﻣﺒﺸﺮﺍً: ﻟﻘﺪ ﻃﺒﻌﻮﺍ ﻓﻲ ﺇﺳﺒﺎﺭﻃﺔ ﻛﺘﺎﺑﺎً ﻣﻦ ﻛﺘﺒﻚ. ﻭﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻘﺮﺃﻭﻧﻪ. ﻗﻠﺖ: ﺫﻟﻚ ﻟﻴﺲ ﻃﺒﻌﺔً ﻣﺤﻈﻮﺭﺓً، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﺧﺬ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺦ، ﻓﻼ ﺗﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ. ﻭﻗﻠﺖ ﻟﻪ ﺃﻳﻀﺎً: ﺇﻳﺎﻙ ﺃﻥ ﺗﺤﺪﺙ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﺻﺪﻳﻘَﻴﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘَﻴﻦ، ﺇﺫ ﻫﻤﺎ ﻳﺘﺤﺮﻳﺎﻥ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻟﻴﺠﻌﻠﻮﻫﺎ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﻬﺠﻮﻡ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﻴﺎ ﺇﺧﻮﺗﻲ! ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺻﻬﺮ ﺃﺣﺪ ﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻲ، ﻓﻴﻌﺪّ ﻣﻦ ﺃﺣﺒﺎﺑﻲ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﺑﺤﻜﻢ ﻣﻬﻨﺘﻪ: ﺍﻟﺤﻼﻗﺔ ﺻﺪﻳﻖ ﻟﻠﻤﻌﻠﻢ ﺍﻟﻔﺎﻗﺪ ﻟﻠﻮﺟﺪﺍﻥ ﻭﻟﻠﻤﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ. ﻭﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮﻩ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﺃﺣﺪ ﺇﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﺩﻭﻥ ﻋﻠﻢ ﻣﻨﻪ. ﻭﺣﺴﻨﺎً ﻓﻌﻞ ﺃﻥ ﺍﺧﺒﺮﻧﻲ ﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﻓﻨﺒﻬﺘﻪ. ﻭﺑﺪﻭﺭﻱ ﻧﺒﻬﺖ ﺍﻹﺧﻮﺓ ﺃﻳﻀﺎً. ﻭﺳﺪّ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ. ﻭﻧﺸﺮﺕ ﺁﻟﺔ ﺍﻟﺮﻭﻧﻴﻮ ﺃﻟﻮﻑ ﺍﻟﻨﺴﺦ ﺗﺤﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ.

ﺧﺎﺗﻤﺔ

ﺗﺴﻠﻤﺖ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﻣﻦ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺭﺃﻓﺖ»، ﻭﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺳﺆﺍﻟﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﺤﻴﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺃﻗﻮﻝ: ﺇﻧﻪ ﺛﺎﺑﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ: ﺃﻥ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻘﻄﺖ ﻣﻦ ﻟﺤﻴﺘﻪ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ صلى الله عليه وسلم ﻣﺤﺪﻭﺩٌ، ﻭﻫﻮ ﻋﺪﺩ ﻗﻠﻴﻞ، ﻳﺘﺮﺍﻭﺡ ﺑﻴﻦ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ، ﺃﻭ ﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺨﻤﺴﻴﻦ ﻭﺍﻟﺴﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ، ﻭﻟﻜﻦ ﻭﺟﻮﺩَ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ ﻓﻲ ﺃﻟﻮﻑ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ، ﺍﺳﺘﻮﻗﻔﻨﻲ ﻭﺩﻓﻌﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺣﻴﻨﻪ، ﻓﻮﺭﺩ ﺇﻟﻰ ﺧﺎﻃﺮﻱ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ:

ﺇﻥَّ ﺷﻌﺮﺍﺕ ﺍﻟﻠﺤﻴﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﺍﻵﻥ -ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ- ﻟﻴﺴﺖ ﻫﻲ ﺷﻌﺮﺍﺕِ ﺍﻟﻠﺤﻴﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻭﺣﺪَﻫﺎ، ﺑﻞ ﺭﺑﻤﺎ ﺷﻌﺮﺍﺕٌ ﻣﻦ ﺭﺃﺳﻪ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ صلى الله عليه وسلم، ﺇﺫ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻟﻴﻀﻴّﻌﻮﺍ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻨﻪ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺣﺎﻓﻈﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ -ﻛﻠﻤﺎ ﺣَﻠَﻖَ- ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻘﻰ ﺩﺍﺋﻤﺎً، ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ ﺗﺮﺑﻮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻟﻮﻑ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻜﺎﻓﺌﺎً ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ.

ﻭﻭﺭﺩ ﺃﻳﻀﺎً ﺇﻟﻰ ﺧﺎﻃﺮﻱ: ﺗُﺮﻯ ﻫﻞ ﺍﻟﺸَّﻌﺮُ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺟﺎﻣﻊٍ ﺑﺴﻨﺪٍ ﺻﺤﻴﺢ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖٌ ﺃﻳﻀﺎً ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺷﻌﺮﻩ صلى الله عليه وسلم ﺣﺘﻰ ﺗﻜﻮﻥ ﺯﻳﺎﺭﺗُﻨﺎ ﻟﻪ ﻣﻌﻘﻮﻟﺔ؟

ﻓﺴﻨﺢ ﺑﺒﺎﻟﻲ ﻓﺠﺄﺓ: ﺃﻥ ﺯﻳﺎﺭﺓ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺕ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻭﺳﻴﻠﺔٌ، ﻭﻫﻲ ﺳﺒﺐ ﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﺼﻠﻮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم، ﻭﻫﻲ ﻣَﺪﺍﺭُ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﻭﺗﻮﻗﻴﺮﻩ. ﻓﻼ ﺗُﻨﻈَﺮ ﺇﻟﻰ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﺔ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻭﺳﻴﻠﺔ، ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﻲ ﺷﻌﺮﺓً ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻣﻦ ﺷﻌﺮﺍﺗﻪ صلى الله عليه وسلم ﻓﻬﻲ ﺗﺆﺩﻱ ﻭﻇﻴﻔﺔَ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺗﺤﺴﺐ -ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ- ﻫﻜﺬﺍ، ﻭﺗﻠﻘﺎﻫﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺷﻌﺮﺓً ﻣﻦ ﺷﻌﺮﺍﺗﻪ صلى الله عليه وسلم. ﻓﺘﻜﻮﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺮﺓ ﻭﺳﻴﻠﺔً ﻟﺘﻮﻗﻴﺮﻩ صلى الله عليه وسلم ﻭﻣﺤﺒﺘﻪ ﻭﺃﺩﺍﺀ ﺍﻟﺼﻠﻮﺍﺕ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻼ ﻳﻠﺰﻡ ﺍﻟﺴﻨﺪ ﺍﻟﻘﻄﻌﻲ ﻟﺘﺸﺨﻴﺺ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻭﺗﻌﻴﻴﻨﻪ ﺑﻞ ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻟّﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺩﻟﻴﻞ ﻗﺎﻃﻊ ﺑﺨﻼﻓﻪ، ﻷﻥ ﻣﺎ ﻳﺘﻠﻘﺎﻩ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻣﺎ ﻗﺒﻠﺘﻪ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﺭﺿﻴﺖ ﺑﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻧﻮﻉٍ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺠﺔ. ﻭﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺍﻋﺘﺮﺽ ﺑﻌﺾُ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺳﻮﺍﺀً ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﺃﻭ ﺍﻷﺧﺬ ﺑﺎﻷﺣﻮﻁ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻌﺰﻳﻤﺔ ﻓﺈﻧﻤﺎ ﻳﻌﺘﺮﺿﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺷﻌﺮﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ، ﻭﻟﻮ ﻗﻴﻞ ﺇﻧﻬﺎ ﺑﺪﻋﺔ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﺒﺪﻋﺔ ﺍﻟﺤﺴﻨﺔ، ﻷﻧﻬﺎ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺼﻠﻮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم.

ﻭﻳﻘﻮﻝ «ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺭﺃﻓﺖ» ﻓﻲ ﺭﺳﺎﻟﺘﻪ: «ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻗﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﺜﺎﺭَ ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ». ﻓﺄﻭﺻﻲ ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ: ﺃَﻟّﺎ ﻳﻨﺎﻗﺸﻮﺍ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻨﺠﻢ ﻋﻨﻪ ﺍﻻﻧﺸﻘﺎﻕُ ﻭﺍﻻﻓﺘﺮﺍﻕ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﺘﻌﻠﻤﻮﺍ ﺑﺤﺚ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻧﺰﺍﻉ، ﻭﻋﻠﻰ ﻧﻤﻂ ﺗﺪﺍﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ.


ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒْﺤَﺎﻧَﻪُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ

ﺍﺧﻮﺗﻲ ﺍﻷﻋﺰﺍﺀ ﻣﻦ «ﺳﻨﺮﻛﻨﺖ» ﺍﻟﺴﺎﺩﺓ: ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ، ﺷﻜﺮﻱ، ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺑﻜﺮ، ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺣﺴﻴﻦ، ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺭﺟﺐ.

ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺭﺳﻠﺘﻤﻮﻫﺎ ﺑﻴﺪ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺗﻮﻓﻴﻖ، ﻳﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻭﻥ ﻣﻨﺬ ﺃﻣﺪ ﺑﻌﻴﺪ:

ﺃﻭﻻﻫﺎ: ﺇﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻱ ﻟﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﺣﺘﻰ ﺍﺫﺍ ﺑَﻠَﻎَ ﻣَﻐْﺮﺏَ ﺍﻟﺸَﻤْﺲِ ﻭَﺟَﺪَﻫﺎ ﺗَﻐْﺮُﺏُ ﻓﻲ ﻋَﻴﻦٍ ﺣَﻤﺌﺔٍ﴾ (ﺍﻟﻜﻬﻒ:86). ﻫﻮ: ﺃﻧﻪ ﺭﺃﻯ ﻏﺮﻭﺏ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻓﻲ ﻣﺎﺀِ ﻋﻴﻦٍ ﺫﻱ ﻃﻴﻦ ﻭﺣﺮﺍﺭﺓ.

ﺛﺎﻧﻴﺘﻬﺎ: ﺃﻳﻦ ﻳﻘﻊ ﺳﺪُّ ﺫﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ؟

ﺛﺎﻟﺜﺘﻬﺎ: ﻧﺰﻭﻝ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻴﺴﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﻗﺘﻠﻪ ﺍﻟﺪﺟﺎﻝَ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ.

ﺇﻥَّ ﺃﺟﻮﺑﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺸﻴﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﻓﻨﻘﻮﻝ:

ﺇﻥَّ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﺒﻨﻴﺔٌ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺑﻮﺟﻪٍ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻋﻤﻮﻡُ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻈﺎﻫﺮ ﺍﻟﻨﻈﺮ، ﻟﺬﺍ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﺎ ﺑُﻴّﻨﺖ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺑﺎﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﻭﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ.

ﻓﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﺗﻐﺮﺏ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺣﻤﺌﺔٍ﴾ ﻳﻌﻨﻲ: ﺃﻥَّ ﺫﺍ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﻗﺪ ﺷﺎﻫﺪ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺗﻐﺮﺏ ﻓﻲ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﻋﻴﻨﺎً ﻣﻮﺣﻠﺔً ﻭﺣﺎﻣﻴﺔ، ﻋﻨﺪ ﺳﺎﺣﻞ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ، ﺃﻭ ﺷﺎﻫﺪ ﻏﺮﻭﺑَﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺟﺒﻞٍ ﺑﺮﻛﺎﻧﻲ ﺫﻱ ﻟﻬﻴﺐ ﻭﺩﺧﺎﻥ.

ﺃﻱ ﺇﻧﻪ ﺷﺎﻫﺪ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻏﺮﻭﺑَﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﻮﺍﺣﻞ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ، ﻭﻓﻲ ﺟﺰﺀ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺮﺍﺀﻯ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﻛﺄﻧﻪ ﺑِﺮﻛﺔٌ ﺃﻭ ﺣﻮﺽُ ﻋﻴﻦٍ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻓﺸﺎﻫﺪ ﻏﺮﻭﺑﻬﺎ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻱ ﺧﻠﻒ ﺍﻷﺑﺨﺮﺓ ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﻋﺪﺓ ﻣﻦ ﻣﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﻘﻌﺎﺕ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻋﻨﺪ ﺳﻮﺍﺣﻞ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ، ﻟﺸﺪﺓ ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺷﻤﺲ ﺍﻟﺼﻴﻒ.. ﺃﻭ ﺷﺎﻫﺪ ﺍﺧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﺸﻤﺲ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ- ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﻣﻠﺘﻬﺒﺔ ﺍﻧﻔﻠﻘﺖ ﺣﺪﻳﺜﺎً ﻋﻠﻰ ﻗﻤﺔ ﺟﺒﻞٍ ﺑﺮﻛﺎﻧﻲ ﺗﻘﺬﻑ ﺑﺤﻤﻤﻬﺎ ﻣﺎﺯﺟﺔً ﺍﻟﺘﺮﺍﺏَ ﻭﺍﻟﺼﺨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻥ ﺍﻟﺴﺎﺋﻠﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺗﻌﺎﺑﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﺒﻠﻴﻐﺔ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺓ ﺗﺮﺷﺪ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﻛﺜﻴﺮﺓ:

ﻓﺄﻭﻻ ﺇﻥ ﺳﻴﺎﺣﺔ ﺫﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻐﺮﺏ.. ﻭﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻋﺰّ ﺍﻟﺤﺮّ.. ﻭﻧﺤﻮ ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﻘﻌﺎﺕ.. ﻭﻣﻮﺍﻓﻘﺘﻬﺎ ﺃﻭﺍﻥ ﻏﺮﻭﺏ ﺍﻟﺸﻤﺲ.. ﻭﺣﻴﻦ ﺍﻧﻔﻼﻕ ﺟﺒﻞ ﺑﺮﻛﺎﻧﻲ.. ﻛﻞُّ ﻫﺬﺍ ﺗﺸﻴﺮ ﺑﻪ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﺋﻞَ ﻣﻠﻴﺌﺔٍ ﺑﺎﻟﻌِﺒﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﺳﺘﻴﻼﺀ ﺫﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺇﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﺍﺳﺘﻴﻼﺀً ﺗﺎﻣﺎً.

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩﺓ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺣﺮﻛﺔٌ ﻇﺎﻫﺮﻳﺔ، ﻭﻫﻲ ﺩﻟﻴﻞٌ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ -ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﺴﻮﺱ ﺑﻬﺎ- ﻭﻫﻲ ﺗُﺨﺒﺮ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ. ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺣﻘﻴﻘﺔَ ﺍﻟﻐﺮﻭﺏ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﻛﻠﻤﺔ ﴿ﻋﻴﻦ﴾ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻟﻠﺘﺸﺒﻴﻪ، ﺇﺫ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻳُﺮﻯ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﻛﺤﻮﺽ ﺻﻐﻴﺮ، ﻓﺘﺸﺒﻴﻪ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﻣﻦ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻀﺒﺎﺏ ﻭﺍﻷﺑﺨﺮﺓ ﺍﻟﻤﺘﻮﻟﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﻘﻌﺎﺕ ﻭﺍﻟﺒُﺮَﻙ ﺑﻠﻔﺢ ﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﺑ﴿ﻋﻴﻦ ﺣﻤﺌﺔٍ﴾ ﺃﻱ ﻋﻴﻦ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﻃﻴﻦ، ﻭﻛﺬﺍ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﻛﻠﻤﺔ ﴿ﻋﻴﻦ﴾ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ: ﺍﻟﻴﻨﺒﻮﻉ ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﺒﺼﺮ، ﻳﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺳﺮّ ﺑﻼﻏﻲ ﺩﻗﻴﻖ ﻭﻋﻼﻗﺔ ﻭﺛﻴﻘﺔ. (حاشية) ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑ«ﻋﻴﻦ» ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ (ﻋﻴﻦ ﺣﻤﺌﺔ) ﻳﺬﻛّﺮ ﺑﺮﻣﺰٍ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﻄﻴﻒ ﻭﺳﺮ ﺩﻗﻴﻖ ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﺒﻼﻏﺔ، ﻭﻫﻮ: ﺃﻥ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺑﻌﺪ ﻣﺸﺎﻫﺪﺗﻪ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺟﻤﺎﻝ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﺍﻥ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ ﻋﻘﺐ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻋﻈﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﺗُﻄﺒﻖ ﺍﻟﻌﻴﻨﺎﻥ ﺇﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺧﺮﻯ، ﻓﺘﻄﺒﻖ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ.. ﻓﺎﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﺗﺬﻛﺮ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺑﺈﻋﺠﺎﺯ ﺟﻤﻴﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ ﻣﺸﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻨﻬﻰ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ. ﻓﻜﻤﺎ ﺑﺪﺍ ﺍﻟﻐﺮﻭﺏ ﻟﻨﻈﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﻣﻦ ﺑُﻌﺪ ﻫﻜﺬﺍ. ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﺍﻟﻤﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺟﺮﺍﻡ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ، ﺣﺮﻱٌّ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻱ ﻭﻣﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ﻋﻈﻤﺘﻪ ﻭﺭﻓﻌﺘﻪ ﻗﻮﻟﻪ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﻤﺴﺨّﺮﺓ ﺳﺮﺍﺟﺎً ﻓﻲ ﻣﻀﻴﻒ ﺭﺣﻤﺎﻧﻲ، ﺗﺨﺘﻔﻲ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺭﺑﺎﻧﻴﺔ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ، ﻣﻌﺒﺮﺍً ﺑﺄﺳﻠﻮﺑﻪ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻋﻴﻦ ﺣﺎﻣﻴﺔ. ﻧﻌﻢ ﻫﻜﺬﺍ ﻳﺒﺪﻭ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻟﻠﻌﻴﻮﻥ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ.

ﺣﺎﺻﻞ ﺍﻟﻜﻼﻡ: ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑ ﴿ﻋﻴﻦ ﺣﻤﺌﺔٍ﴾ ﻟﻠﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺬﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺃﻯ ﻣﻦ ﺑُﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻛﺄﻧﻪ ﻋﻴﻦُ ﻣﺎﺀ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻗﺮﻳﺐ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻓﻼ ﻳﻨﻈﺮ ﻧﻈﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﻘﺮﻧﻴﻦ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﺍﺧﻠﻪ ﺧﺪﺍﻉُ ﺍﻟﺒﺼﺮ، ﺑﻞ ﻷﻧﻪ ﻧﺰﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻣﻄﻠﻌﺎً ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﻷﻧﻪ ﻳﺮﻯ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﻴﺪﺍﻧﺎً ﺃﻭ ﻗﺼﺮﺍً ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻣﻬﺪﺍً ﺃﻭ ﺻﺤﻴﻔﺔ، ﻓﺈﻥ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﺑ ﴿ﻋﻴﻦ﴾ ﻟﻠﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻷﻃﻠﺴﻲ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺍﻟﻤﻐﻄﻰ ﺑﺎﻟﻀﺒﺎﺏ ﻭﺍﻷﺑﺨﺮﺓ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺒﻴﻦ ﻋﻠﻮّﻩ ﻭﺭﻓﻌﺘَﻪ ﻭﺳﻤﻮّﻩ ﻭﻋﻈﻤﺘﻪ.

اللمعة الخامسة عشرة

اللمعة الخامسة عشرة

  ﻭﻫﻲ ﻓﻬﺎﺭﺱ ﻛﻠﻴﺎﺕ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ: ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ، ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺑﺎﺕ، ﻭﺍﻟﻠﻤﻌﺎﺕ -ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮﺓ- ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻛﻞ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺧﺼّﺖ ﺑﻔﻬﺮﺳﺘﻬﺎ ﻟﺬﺍ ﻟﻢ ﺗﺪﺭﺝ ﻫﻨﺎ.

اللمعة الرابعة عشرة

  ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻣﻘﺎﻣﻴﻦ

  ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻷﻭﻝ

  ﺟﻮﺍﺏ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻴﻦ

 ﺑِﺎﺳْﻤِﻪِ ﺳُﺒْﺤَﺎﻧَﻪُ

 ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

  ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ.

ﺃﺧﻲ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﻮﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺭﺃﻓﺖ!

ﺇﻥ ﻣﺎ ﺳﺄﻟﺘﻤﻮﻩ ﻣﻦ ﺳﺆﺍﻝ ﺣﻮﻝ «ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ» ﻗﺪ ﻭﺭﺩ ﺟﻮﺍﺑﻪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ. ﻭﻗﺪ ﺑُﻴّﻨﺖ ﻓﻲ «ﺍﻟﻐﺼﻦ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﺍﺛﻨﺘﺎ ﻋﺸﺮﺓ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻣﻬﻤﺔ ﺿﻤﻦ ﺍﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ ﺃﺻﻼ ﺣﻮﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺗﻤﺜﻞ ﺃُﺳﺴﺎً ﻣﻬﻤﺔً ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﺸﺒﻬﺎﺕ ﻭﺍﻷﻭﻫﺎﻡ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ، ﻓﻜﻞ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺤﻚٌّ ﺟﻴﺪ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻼﺕ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺣﻮﻝ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ.

ﺃﺧﻲ! ﺇﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻧﺸﻐﻞ ﺇﻟّﺎ ﺑﺎﻟﺴﻮﺍﻧﺢ ﺍﻟﻘﻠﺒﻴﺔ، ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺣﺎﻻﺕ ﻃﺎﺭﺋﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﺗﺤﻮﻝ -ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ- ﺩﻭﻥ ﺍﺷﺘﻐﺎﻟﻲ ﺑﺎﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ؛ ﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺑﺠﻮﺍﺏ ﺷﺎﻑٍ، ﻭﺇﻥْ ﻭَﻓّﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻓﺘﺢ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺳﻮﺍﻧﺢ ﻗﻠﺒﻴﺔ ﺃﺿﻄﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻧﺸﻐﺎﻝ ﺑﻬﺎ. ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻳُﺠﺎﺏ ﻋﻦ ﺃﺳﺌﻠﺔٍ ﻟﺘﻮﺍﻓﻘﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺴﻮﺍﻧﺢ، ﻓﻼ ﺗﺘﻀﺎﻳﻘﻮﺍ، ﺇﺫ ﻻ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﻛﻞٍّ ﻣﻦ ﺃﺳﺌﻠﺘﻜﻢ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻭﺍﻓﻴﺔ. ﻓﻸﺟِﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺓ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ.

ﺗﺬﻛﺮﻭﻥ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﻓﻲ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ: ﺃﻥَّ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﺍﻷﺭﺽُ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻭﺍﻟﺜﻮﺭ، ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﺗﺮﺍﻫﺎ ﻛﻮﻛﺒﺎً ﻣﻌﻠﻘﺎً ﻳﺪﻭﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻛﺄﻱ ﻛﻮﻛﺐ ﺁﺧﺮ، ﻓﻼ ﺛﻮﺭ ﻭﻻ ﺣﻮﺕ.

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻫﻨﺎﻙ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﺗُﺴﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﺗﻘﻮﻝ: ﺳُﺌﻞ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم: ﻋﻠﻰ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ ﺗﻘﻮﻡ ﺍﻷﺭﺽ؟. ﺃﺟﺎﺏ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ. ﻭﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺃﺧﺮﻯ، ﻗﺎﻝ ﻣﺮﺓ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﻣﺮﺓ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻮﺕ. ﻭﻟﻜﻦ ﻋﺪﺩﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺪّﺛﻴﻦ ﻃﺒﻘﻮﺍ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﺎﻳﺎﺕ ﺧﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﻗﺪﻳﻤﺔ ﻭﺭﺩﺕ ﻋﻦ ﺍﻹﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻴﺎﺕ، ﻭﻻﺳﻴﻤﺎ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺃﺳﻠﻤﻮﺍ، ﻓﻬﺆﻻﺀ ﻏﻴَّﺮﻭﺍ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺣﻮّﻟﻮﻩ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﻨﻰً ﻋﺠﻴﺐ ﻏﺮﻳﺐ ﺟﺪﺍً، ﺣﻴﺚ ﻃﺒﻘﻮﺍ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺷﺎﻫﺪﻭﻩ ﻣﻦ ﺣﻜﺎﻳﺎﺕ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ.

ﻭﻧﺤﻦ ﻫﻨﺎ ﻧﺸﻴﺮ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ ﺷﺪﻳﺪ ﺇﻟﻰ «ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺳﺲ» ﻭ«ﺛﻼﺛﺔ ﻭﺟﻮﻩ» ﻟﺪﻯ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ:

ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻷﻭﻝ: ﻟﻘﺪ ﺣﻤﻞ ﻗﺴﻢٌ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﺑﻌﺪ ﺇﺳﻼﻣﻬﻢ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎﺗِﻬﻢ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻣﻌﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ، ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﻣُﻠﻚَ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺃﻱ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻑ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ . ﻋﻠﻤﺎً ﺃﻥ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎﺗِﻬﻢ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺗﺤﻮﻱ ﺃﺧﻄﺎﺀً. ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻷﺧﻄﺎﺀُ ﺑﻼ ﺷﻚ ﺗﻌﻮﺩ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻻ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ.

  ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺇﻥ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻬﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻼﺕ ﻛﻠﻤﺎ ﺍﻧﺘﻘﻠﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ، ﺃﻱ ﻛﻠﻤﺎ ﺳَﺮﺕ ﻣﻦ ﻳﺪ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺇﻟﻰ ﻳﺪ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻋُﺪّﺕ ﺣﻘﺎﺋﻖَ ﻣﻠﻤﻮﺳﺔ ﺑﻤﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ، ﺃﻱ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺣﻘﺎﺋﻖٌ ﻭﺍﻗﻌﺔ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎﺕ.

  ﻓﻤﺜﻼ: ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻛﻨﺖ ﺻﺒﻴﺎً ﺧُﺴﻒ ﺍﻟﻘﻤﺮ، ﻓﺴﺄﻟﺖ ﻭﺍﻟﺪﺗﻲ: ﻣﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺪﺙ ﻟﻠﻘﻤﺮ؟. ﻗﺎﻟﺖ: ﺍﺑﺘﻠﻌﺘﻪ ﺍﻟﺤﻴﺔُ!. ﻗﻠﺖ: ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﺘﺒﻴﻦ! ﻗﺎﻟﺖ: ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻴَّﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺷﻔﺎﻓﺔ ﻛﺎﻟﺰﺟﺎﺝ ﺗﺸﻒّ ﻋﻤﺎ ﻓﻲ ﺑﻄﻨﻬﺎ. ﻛﻨﺖ ﺃﺗﺬﻛﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻭﺃﺳﺎﺋﻞ ﻧﻔﺴﻲ: ﻛﻴﻒ ﺗﺪﻭﺭ ﺧﺮﺍﻓﺔٌ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﺭﺟﺔ ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺪﺗﻲ ﺍﻟﺤﺼﻴﻔﺔ ﺍﻟﺠﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻛﻼﻣﻬﺎ؟.

ﻭﻟﻜﻦ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻃﺎﻟﻌﺖ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﺪﺗﻲ، ﻗﺪ ﺗﻠﻘّﻮﺍ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﻛﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ؛ ﻷﻥ ﺍﻟﻔﻠﻜﻴﻴﻦ ﺷﺒﻬﻮﺍ ﺍﻟﻘﻮﺳَﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﻴﻦ ﻣﻦ ﺗﺪﺍﺧﻞ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻭﻫﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﻭﻣﺪﺍﺭُ ﺩﺭﺟﺎﺗﻬﺎ، ﻣﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻭﻫﻲ ﻣﻴﻞُ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻭﻣﺪﺍﺭ ﻣﻨﺎﺯﻟﻪ، ﺷﺒﻬﻮﻫﻤﺎ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎً ﻟﻄﻴﻔﺎً ﺑﺤﻴّﺘﻴﻦ ﺿﺨﻤﺘﻴﻦ، ﻭﺳﻤﻮﻫﻤﺎ ﺗﻨﻴﻨَﻴﻦ، ﻭﺃﻃﻠﻘﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺇﺣﺪﻯ ﻧﻘﻄﺘﻲ ﺗﻘﺎﻃﻊ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﺗﻴﻦ ﺍﻟﺮﺃﺱ ﻭﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﺬﻧﺐ . ﻓﺤﻴﻨﻤﺎ ﻳﺒﻠﻎ ﺍﻟﻘﻤﺮُ «ﺍﻟﺮﺃﺱ» ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ «ﺍﻟﺬﻧﺐ» ﺗﺤﺼﻞ ﺣﻴﻠﻮﻟﺔ ﺍﻷﺭﺽ -ﻛﻤﺎ ﻳﺼﻄﻠﺢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻔﻠﻜﻴﻮﻥ- ﺃﻱ ﺗﻘﻊ ﺍﻷﺭﺽُ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﺗﻤﺎﻣﺎً، ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﻳُﺨﺴﻒ ﺍﻟﻘﻤﺮ. ﺃﻱ ﻛﺄﻥ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻓﻢ ﺍﻟﺘﻨﻴﻦ، ﺣﺴﺐ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳﺮﻯ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪُ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﺍﻟﺮﺍﻗﻲ ﺑﻤﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺇﻟﻰ ﻛﻼﻡ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﻏﺪﺍ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺗﻨﻴﻨﺎً ﻋﻈﻴﻤﺎً ﻣﺠﺴﻤﺎً ﻳﺒﺘﻠﻊ ﺍﻟﻘﻤﺮَ!.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤَﻠَﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺎﻥ ﺍﻟﻤﺴﻤّﻴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ، ﻗﺪ ﺃُﻃﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻫﺬﺍﻥ ﺍﻻﺳﻤﺎﻥ ﻓﻲ ﺗﺸﺒﻴﻪ ﻟﻄﻴﻒ ﺳﺎﻡٍ، ﻭﻓﻲ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺫﺍﺕ ﻣﻐﺰﻯ. ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪُ ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ، ﻣﻦ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻟﺒﻠﻴﻎ ﺍﻟﺴﺎﻣﻲ ﺇﻟﻰ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ، ﺑﻤﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ، ﺍﻧﻘﻠﺐ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪُ ﺇﻟﻰ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻭﺍﻗﻌﺔ، ﻓﺎﺗﺨﺬ ﺍﻟﻤَﻠﻜﺎﻥ ﺻﻮﺭﺓَ ﺛﻮﺭٍ ﺿﺨﻢ ﻭﺣﻮﺕٍ ﻫﺎﺋﻞ.

  ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﺘﺸﺎﺑﻬﺎﺕٍ، ﻳﺮﺷﺪ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻟﻠﻌﻮﺍﻡ ﺑﺎﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﻭﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ، ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻠﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﻣﺘﺸﺎﺑﻬﺎﺕٌ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﺑﺘﺸﺒﻴﻬﺎﺕٍ ﻣﺄﻧﻮﺳﺔ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ. ﻣﺜﺎﻝ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ:

ﺃﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳُﻤﻊ ﺩﻭﻱّ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﻗﺎﻝ: «ﻫﺬﺍ ﺣﺠﺮ ﻳﺘﺪﺣﺮﺝ ﻣﻨﺬ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ﻓﻲ ﺟﻬﻨﻢ ﻓﺎﻵﻥ ﺣﻴﻦ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﻗﻌﺮﻫﺎ». ﻭﺑﻌﺪ ﻣﻀﻲ ﺩﻗﺎﺋﻖ ﺟﺎﺀ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻭﻗﺎﻝ: «ﺇﻥ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ ﺍﻟﻔﻼﻧﻲ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻠﻎ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﻗﺪ ﻣﺎﺕ». ﻓﺄﻋﻠﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﺑﺎﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺍﻟﺒﻠﻴﻎ ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮﻩ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم.

ﺃﻣﺎ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻚ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﻓﺴﻨﺬﻛﺮ ﻟﻪ ﺛﻼﺛﺔ ﻭﺟﻮﻩ:

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻷﻭﻝ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻗﺪ ﻋﻴﻦ ﺃﺭﺑﻌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻟﻺﺷﺮﺍﻑ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﻨﺔ ﺭﺑﻮﺑﻴﺘﻪ. ﺍﺳﻢ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﺍﻟﻨﺴﺮ ﻭﺍﺳﻢ ﺁﺧﺮ «ﺍﻟﺜﻮﺭ».

ﺃﻣﺎ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺷﻘﻴﻘﺔٌ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻟﻠﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺭﻓﻴﻘﺔٌ ﺃﻣﻴﻨﺔ ﻟﻠﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﻓﻘﺪ ﻋُﻴﻦ ﻟﻬﺎ ﻣَﻠﻜﺎﻥ ﻣﺸﺮﻓﺎﻥ ﻳﺤﻤﻼﻧﻬﺎ، ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ: «ﺍﻟﺜﻮﺭ» ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻵﺧﺮ «ﺍﻟﺤﻮﺕ». ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﺴﻤﻴﺘﻬﻤﺎ ﺑﻬﺬﻳﻦ ﺍﻻﺳﻤﻴﻦ ﻫﻲ ﺃﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻗﺴﻤﺎﻥ: ﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺒﺤﺮ، ﺃﻱ ﺍﻟﻴﺎﺑﺴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﺀ. ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳُﻌَﻤِّﺮ ﺍﻟﺒﺤﺮَ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻤﻚ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻌَﻤِّﺮ ﺍﻟﺒﺮَّ ﻭﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺜﻮﺭ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻣﺪﺍﺭ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺰﺭﺍﻋﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻫﻞ ﺍﻟﺜﻮﺭ.

ﻓﺎﻟﻤَﻠﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﻛﻼﻥ ﺑﺎﻷﺭﺽ ﺇﺫﻥ ﻫﻤﺎ ﻗﺎﺋﺪﺍﻥ ﻟﻬﺎ ﻭﻣﺸﺮﻓﺎﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻟﺬﺍ ﻟﻬﻤﺎ ﺗﻌﻠﻖٌ ﻭﺍﺭﺗﺒﺎﻁ ﻭﻣﻨﺎﺳﺒﺔ -ﻣﻦ ﺟﻬﺔ- ﻣﻊ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻭﻧﻮﻉ ﺍﻟﺜﻮﺭ. ﻭﻟﺮﺑﻤﺎ -ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ- ﻳﺘﻤﺜﻼﻥ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ ﻭﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻭﺍﻟﺜﻮﺭ. (حاشية) ﻧﻌﻢ: ﺇﻥ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻛﺴﻔﻴﻨﺔ ﺗﻤﺨﺮ ﻋﺒﺎﺏ ﺑﺤﺮ ﺍﻟﻔﻀﺎﺀ ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﺠﺮﻱ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﺍﻟﻀﺨﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺷﻌﻮﺭ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﻡ ﺩﻗﻴﻖ ﻭﻳﺴﻮﻗﻬﺎ ﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺑﺎﻷﻣﺮ ﺍﻹﻟﻬﻲ، ﺃﻱ ﺇﻥ ﻗﺎﺋﺪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﻭﺭﺑﺎﻧﻬﺎ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻠَﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺤﻮﺕ». ﻭﻫﻲ ﺃﻳﻀﺎً -ﺃﻱ ﺍﻷﺭﺽ- ﻛﻤﺰﺭﻋﺔ ﻟﻶﺧﺮﺓ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ، ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻳﺸﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺰﺭﻋﺔ، ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ  -ﺑﺎﻹﺫﻥ ﺍﻹﻟﻬﻲ- ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺜﻮﺭ». ﻭﻻ ﻳﺨﻔﻰ ﻣﺎ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻹﻃﻼﻕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻧﺴﺠﺎﻡ ﻟﻄﻴﻒ. ﻓﺈﺷﺎﺭﺓً ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻭﺍﻟﻌﻼﻗﺔ، ﻭﺍﻳﻤﺎﺀﺍً ﺇﻟﻰ ﺫﻳﻨﻚ ﺍﻟﻨﻮﻋﻴﻦ ﻣﻦ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺃُﻭﺗﻲ ﺟﻮﺍﻣﻊَ ﺍﻟﻜﻠﻢ صلى الله عليه وسلم: «ﺍﻷﺭﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ» ﻓﺄﻓﺎﺩ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺟﻴﺰﺓ ﺑﻠﻴﻐﺔ ﻋﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻗﺪ ﻻ ﻳُﻌَﺒّﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺻﺤﻴﻔﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ.

  ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻟﻮ ﻗﻴﻞ: ﺑﻢَ ﺗﻘﻮﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ؟ ﻓﺎﻟﺠﻮﺍﺏ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﻒ ﻭﺍﻟﻘﻠﻢ: ﺃﻱ ﺗﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﺓ ﺳﻴﻒ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻭﺷﺠﺎﻋﺘﻪ ﻭﺇﻗﺪﺍﻣﻪ، ﻭﻋﻠﻰ ﺩﺭﺍﻳﺔ ﻗﻠﻢ ﺍﻟﻤﻮﻇﻔﻴﻦ ﻭﻋﺪﺍﻟﺘﻬﻢ.

ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﺴﻜﻦُ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ، ﻭﺳﻴﺪُ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺍﻟﻘِﺴﻢ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻘﻄﻨﻮﻥ ﺍﻟﺴﻮﺍﺣﻞ ﻭﻣﻌﻴﺸﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻤﻚ، ﻭﺍﻟﺒﺎﻗﻮﻥ ﺗﺪﻭﺭ ﻣﻌﻴﺸﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺰﺭﺍﻋﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﻣﺤﻮﺭ ﺗﺠﺎﺭﺗﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻤﻚ. ﻓﻤﺜﻠﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﻒ ﻭﺍﻟﻘﻠﻢ، ﻳﻤﻜﻦ ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻘﻮﻝ: ﺇﻥَّ ﺍﻷﺭﺽ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ؛ ﻷﻧﻪ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﺃﺣﺠﻢ ﺍﻟﺜﻮﺭُ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﻟﻢ ﻳﻠﻖِ ﺍﻟﺴﻤﻚ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﺒﻴﻮﺽ ﺩﻓﻌﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻓﻼ ﻋﻴﺶَ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭﺗﻨﻬﺎﺭ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﻳﺪﻣﺮ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖُ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺍﻷﺭﺽَ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺃﺟﺎﺏ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺑﺤﻜﻤﺔ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻭﺑﺒﻼﻏﺔ ﻣﻌﺠﺰﺓ ﻭﺑﻜﻠﻤﺘﻴﻦ ﺍﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﺒﻴﻨﺎً ﺣﻘﻴﻘﺔً ﻭﺍﺳﻌﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺪﻯ ﺍﺭﺗﺒﺎﻁ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ﻓﻘﺎﻝ صلى الله عليه وسلم: «ﺍﻷﺭﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ».

   ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺗﺪﻭﺭ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﺛﺎﺑﺘﺔ. ﻭﻋﺒّﺮﻭﺍ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﺩﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺑ«ﺍﻟﺒﺮﺝ» ﻓﻠﻮ ﻣُﺪﺕ ﺧﻄﻮﻁ ﺍﻓﺘﺮﺍﺿﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﻧﺠﻮﻡ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﻟﺤﺼﻞ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻷﺳﺪ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً، ﺃﻭ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻥ، ﺃﻭ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺜﻮﺭ، ﺃﻭ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺤﻮﺕ، ﻟﺬﺍ ﺑﻴﻨﻮﺍ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ.

ﺃﻣﺎ ﻋﻠﻢُ ﺍﻟﻔﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻓﻴﺮﻯ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻻ ﺗﺪﻭﺭ ﺣﻮﻝ ﺍﻷﺭﺽ، ﺑﻞ ﺍﻷﺭﺽُ ﺗﺪﻭﺭ ﺣﻮﻟﻬﺎ. ﺃﻱ ﻳﻌﻄﻞ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ، ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥَّ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﺍﻟﻌﺎﻃﻠﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﺪﻭﺍﺋﺮ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﺑﻤﻘﻴﺎﺱ ﺃﺻﻐﺮ ﻓﻲ ﻣﺪﺍﺭ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ، ﺃﻱ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝُ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺪﺍﺭ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ، ﻭﻋﻨﺪﺋﺬ ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻷﺭﺽُ ﻛﻞ ﺷﻬﺮ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﻭﺗﻜﻮﻥ ﺿﻤﻦ ﺍﻧﻌﻜﺎﺳﻪ، ﻓﻜﺄﻥ ﻣﺪﺍﺭ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ ﻣﺮﺁﺓ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ -ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ- ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻷﻋﻈﻢ صلى الله عليه وسلم ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎً «ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ» ﻣﺮﺓ ﻭ«ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻮﺕ» ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ.

ﻧﻌﻢ ﺇﻧﻪ ﺣَﺮﻱٌّ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰ ﺃﻥْ ﻳﻘﻮﻝ ﻣﺮﺓ: «ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ» ﻣﺸﻴﺮﺍً ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻻ ﺗُﺪﺭﻙ ﺇﻟّﺎ ﺑﻌﺪ ﻗﺮﻭﻥ ﻋﺪﻳﺪﺓ. ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ -ﺃﻱ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ- ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ ﻟﺒﺮﺝ ﺍﻟﺜﻮﺭ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳُﺌﻞ صلى الله عليه وسلم ﺍﻟﺴﺆﺍﻝَ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻌﺪ ﺷﻬﺮ ﻗﺎﻝ: «ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻮﺕ» ﻷﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻇِﻞ ﺑﺮﺝ ﺍﻟﺤﻮﺕ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺃﺷﺎﺭ صلى الله عليه وسلم ﺑﻘﻮﻟﻪ: «ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ» ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺗﺘﻮﺿﺢ.. ﻭﺃﺷﺎﺭ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺳﻴﺎﺣﺘﻬﺎ.. ﻭﺭﻣﺰَ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻲ ﻣﺪﺍﺭ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ، ﻭﺍﻷﺭﺽُ ﻫﻲ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﺑﺎﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻭﺝ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺸﻤﺲ ﻋﺎﻃﻠﺔ ﺩﻭﻥ ﺃﺟﺮﺍﻡ ﺳﻴﺎﺭﺓ ﻓﻴﻬﺎ. ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ﺑﺎﻟﺼﻮﺍﺏ.

ﻭﺃﻣﺎ ﻣﺎ ﺟﺎﺀ ﻣﻦ ﺣﻜﺎﻳﺎﺕ ﺧﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻭﺍﻟﺤﻮﺕ. ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻹﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻴﺎﺕ، ﺃﻭ ﻫﻲ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎﺕ ﻭﺗﻤﺜﻴﻼﺕ، ﺃﻭ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺄﻭﻳﻼﺕُ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﻭﺍﺓ، ﺣﺴﺒﻬﺎ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺘﺤﺮَّﻭﻥ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺍﺳﻨﺪﻭﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻛﻼﻡ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم.

 ﴿ﺭﺑﻨﺎ ﻻ ﺗﺆﺍﺧﺬﻧﺎ ﺇﻥْ ﻧَﺴِﻴﻨﺎ ﺃﻭ ﺃﺧﻄﺄﻧﺎ﴾

 ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

  ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻳﺨﺺ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﺒﺎﺀ.

ﺃﺧﻲ!

ﺳﻨﺬﻛﺮ ﺣﻜﻤﺔً ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ ﺍﻟﺤِﻜﻢ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺳﺆﺍﻟﻜﻢ ﺣﻮﻝ «ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﺒﺎﺀ» ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻞ ﺑﻼ ﺟﻮﺍﺏ، ﻭﻫﻲ: ﺃﻥَّ ﺃﺳﺮﺍﺭﺍً ﻭﺣﻜﻤﺎً ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺇﻟﻘﺎﺀ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم ﻋﺒﺎﺀﻩ (ﻣﻼﺀﺗﻪ) ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﻠﺒﺴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻲ ﻭﻓﺎﻃﻤﺔ ﻭﺍﻟﺤﺴﻦ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ، ﺛﻢ ﺩﻋﺎﺅﻩ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﻭﺑﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ: ﴿ﻟﻴُﺬﻫِﺐَ ﻋَﻨﻜُﻢ ﺍﻟﺮﺟﺲَ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﺒﻴﺖِ ﻭﻳُﻄَﻬِّﺮﻛُﻢ ﺗﻄﻬﻴﺮﺍً…﴾ (ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ:٣٣). ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ ﻻ ﻧﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﺍﺭﻩ، ﻭﻻ ﻧﺬﻛﺮ ﺇﻟّﺎ ﺣﻜﻤﺔً ﻣﻦ ﺣِﻜﻤﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﻫﻲ:

ﺃﻥَّ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻗﺪ ﺭﺃﻯ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﺍﻷﻧﻴﺲ ﺑﺎﻟﻐﻴﺐ، ﺍﻟﻨﺎﻓﺬ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﻧﺤﻮ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ﺳﺘﻘﻊ ﻓﺘﻦٌ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﺻﻔﻮﻑ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﺳﺘُﺮﺍﻕ ﺍﻟﺪﻣﺎﺀ ﺍﻟﺰﻛﻴﺔ. ﻓﺸﺎﻫﺪ ﺃﻥ ﺃﺑﺮﺯ ﻣَﻦْ ﻓﻴﻬﺎ ﻫﻢ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹُ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﺘَﺮَﻫﻢ ﺗﺤﺖ ﻋﺒﺎﺀﺗﻪ. ﻓﻸﺟﻞ ﺍﻹﻋﻼﻥ ﻋﻦ ﺗﺒﺮﺋﺔ ﻋﻠﻲ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﺍﻷﻣﺔ.. ﻭﺗﺴﻠﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﻋﺰﺍﺋﻪ.. ﻭﺗﻬﻨﺌﺔ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﻭﺇﻇﻬﺎﺭ ﺷﺮﻓﻪ ﻭﻣﻜﺎﻧﺘﻪ ﻭﻋﻈﻴﻢ ﻧﻔﻌﻪ ﻟﻸﻣﺔ ﺑﺮﻓﻌﻪ ﻓﺘﻨﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺑﺎﻟﺼﻠﺢ.. ﻭﻃﻬﺎﺭﺓ ﻧﺴﻞ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻭﺷﺮﺍﻓﺘﻬﻢ ﻭﺃﻫﻠﻴﺘﻬﻢ ﺑﻠﻘﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ، ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ.. ﻷﺟﻞ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﺳﺘﺮ صلى الله عليه وسلم ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﻣﻊ ﻧﻔﺴﻪ ﺗﺤﺖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺒﺎﺀ ﻭﺍﻫﺒﺎً ﻟﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻑ: ﺁﻝ ﺍﻟﻌﺒﺎﺀ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﺎً ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻛﺎﻥ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺑﺤﻖٍ، ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻥ ﺍﻟﺪﻣﺎﺀ ﺍﻟﺰﻛﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃُﺭﻳﻘﺖ ﺟﻠﻴﻠﺔٌ ﻓﺈﻥ ﺑﺮﺍﺀﺗﻪ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺗﺒﺮﺋﺘَﻪ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﺍﻷﻣﺔ ﻟﻬﺎ ﺃﻫﻤﻴﺘُﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ. ﻟﺬﺍ ﻳُﺒَﺮﺉ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﺳﺎﺣﺘَﻪ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ. ﻓﻴﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﺑﺤﻘﻪ ﻛﻞَّ ﻣﻦ ﻳﻨﺘﻘﺪﻩ ﻭﻳُﺨﻄﺌﻪ ﻭﻳﻀﻠﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻟﻴﻦ ﻟﻸﻣﻮﻳﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺠﺎﻭﺯﻳﻦ ﻋﻠﻴﻪ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻭﺃﺗﺒﺎﻉ ﺍﻷﻣﻮﻳﻴﻦ ﺍﻟﻤﻐﺎﻟﻴﻦ ﺑﺘﻔﺮﻳﻄﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﺗﻀﻠﻴﻠﻬﻢ ﻟﻪ ﻭﺇﻓﺮﺍﻁِ ﺍﻟﺸﻴﻌﺔ ﻭﻏﻠﻮِّﻫﻢ ﻭﺑﺪﻋﻬﻢ ﻭﺗﺒﺮّﻳﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﺨﻴﻦ ﻣﻊ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻟﻔﺎﺟﻌﺔ ﺍﻷﻟﻴﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻗﺪ ﺃﺿﺮّ ﺃﻫﻞَ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺃﻳّﻤﺎ ﺿﺮﺭ. ﻓﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ صلى الله عليه وسلم ﻳﻨﺠﻲ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻭﺍﻟﻌﺒﺎﺀ ﻋﻠﻴﺎً ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘُﻬﻢ، ﻭﻳﻨﻘﺬ ﺃﻣﺘَﻪ ﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﻈﻦ ﻓﻲ ﺣﻘﻬﻤﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﻬﻨﺊ  -ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻣﻬﻤﺔ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ- ﺍﻟﺤﺴﻦَ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺣﺴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﺔ ﺑﺎﻟﺼُﻠﺢ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻡ ﺑﻪ، ﻭﻳﻌﻠﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺴﻞ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺴﻠﺴﻞ ﻣﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺳﻴﻨﺎﻟﻮﻥ ﺷﺮﻓﺎً ﺭﻓﻴﻌﺎً، ﻭﺃﻥ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻛﺮﻳﻤﺔً ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺫﺭﻳﺘﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻟﺖ ﺃﻡ ﻣﺮﻳﻢ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:

 ﴿ﻭﺍﻧﻲ ﺍﻋﻴﺬﻫﺎ ﺑﻚَ ﻭﺫُﺭﻳﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﻴﻢ﴾ (ﺁﻝ ﻋﻤﺮﺍﻥ:36)

ﺍﻟﻠّﻬﻢ ﺻﻞّ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﻋﻠﻰ ﺁﻟﻪ ﺍﻟﻄﻴﺒﻴﻦ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮﻳﻦ ﺍﻷﺑﺮﺍﺭ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﻜﺮﻣﻴﻦ ﺍﻷﺧﻴﺎﺭ. ﺁﻣﻴﻦ.


  ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ

  ﻳﻀﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺳﺘﺔً ﻣﻦ ﺃُﻟﻮﻑ ﺃﺳﺮﺍﺭ

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  ﺗﻨﺒﻴﻪ: ﻟﻘﺪ ﻇﻬﺮ ﻋﻦ ﺑُﻌﺪٍ ﻟﻌﻘﻠﻲ ﺍﻟﺨﺎﻣﺪ ﻧﻮﺭٌ ﺳﺎﻃﻊٌ ﺃﺷﺮﻕ ﻣﻦ ﺃُﻓﻖ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺴﻤﻠﺔ. ﻓﺄﺭﺩﺕُ ﺗﺴﺠﻴﻠﻪ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓِ ﻣﻼﺣﻈﺎﺕ ﻭﻣﺬﻛِّﺮﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻲّ، ﻭﻗﻤﺖُ ﺑﻤﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻗﺘﻨﺎﺹ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﺒﺎﻫﺮ ﺑﺈﺣﺎﻃﺘﻪ ﺑﺴﻮﺭٍ ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭﻩ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﻧﺤﻮ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﺳﺮﺍً، ﻛﻲ ﻳﺴﻬُﻞ ﺣﺼﺮُﻩ ﻭﻳﺘﻴﺴﺮ ﺗﺪﻭﻳﻨﻪ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﻣﻊ ﺍﻷﺳﻒ ﻟﻢ ﺃُﻭﻓَّﻖ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻣﺴﻌﺎﻱ، ﻓﺎﻧﺤﺴﺮﺕ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭُ ﺇﻟﻰ ﺳﺘﺔ ﻓﻘﻂ.

ﻭﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻣﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ. ﻓﺤﻴﻨﻤﺎ ﺃﻗﻮﻝ: «ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ!» ﺃﻋﻨﻲ ﺑﻪ ﻧﻔﺴﻲ.

ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﻣﻊ ﻛﻮﻧﻪ ﺧﺎﺻﺎً ﺑﻲ ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻨﻲ ﺃﻋﺮﺿﻪ ﻟﻸﻧﻈﺎﺭ ﺍﻟﺼﺎﺋﺒﺔ ﻷﺧﻮﺗﻲ ﺍﻟﻤﺪﻗﻘﻴﻦ ﻟﻴﻜﻮﻥ «ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮﺓ» ﻭﻋﻠّﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺿﻊ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻟﻤﻦ ﺍﺭﺗﺒﻂ ﺑﻲ ﺑﺮﺑﺎﻁ ﺭﻭﺣﻲ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻧﻔﺴُﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﻳﻘﻈﺔً ﻣﻨﻲ ﻭﺍﻧﺘﺒﺎﻫﺎً.

ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﺭﺱ ﻣﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﻣﺘﻄﻠّﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺬﻭﻕ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﻲ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ﴿ﻗﺎَﻟﺖْ: ﻳﺎ ﺍﻳُﻬﺎ ﺍﻟﻤَﻠﺆﺍ ﺍِﻧﻲ ﺍُﻟﻘِﻲَ ﺍِﻟﻲَّ ﻛﺘﺎﺏٌ ﻛَﺮﻳﻢ٭ ﺍِﻧّﻪ ﻣِﻦْ ﺳُﻠَﻴْﻤﻦَ ﻭﺍِﻧﻪ ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ﴾ (ﺍﻟﻨﻤﻞ:٩٢ ٠٣

ﺳﻨﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺑﻀﻌﺔً ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ:

  ﺍﻟﺴﺮ ﺍﻷﻭﻝ:

ﻓﻲ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺗﺄﻣﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺴﻤﻠﺔ ﺭﺃﻳﺖُ ﻧﻮﺭﺍً ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﺭ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻵﺗﻴﺔ:

ﺇﻥَّ ﻫﻨﺎﻙ ﺛﻼﺙَ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﻧﻴّﺮﺓ ﺳﺎﻃﻌﺔ ﻟﻠﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﻤﺎﺀ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻭﻋﻠﻰ ﻗَﺴﻤﺎﺕ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﻋﻠﻰ ﻣﻼﻣﺢ ﻭﺟﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﺰﺍﻫﺮﺓ ﻭﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ ﻣﺘﺪﺍﺧﻞٌ ﺑﻌﻀُﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺍﻵﺧﺮ، ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻛﻼ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺒﻴﻦ ﻧﻤﻮﺫﺝَ ﺍﻵﺧﺮ ﻭﻣﺜﺎﻟﻪ.

  ﻓﺎﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﻫﻲ ﻋﻼﻣﺔُ ﺍﻷﻟﻮﻫﻴﺔ، ﺗﻠﻚ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔُ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻧﺪ ﻭﺍﻟﺘﻌﺎﻧﻖ ﻭﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺏ ﺍﻟﺠﺎﺭﻱ ﻓﻲ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻛﻠﻪ؛ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﻮﺟﻪ ﴿ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ﴾ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

  ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﻫﻲ ﻋﻼﻣﺔ ﺍﻟﺮﺣﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺗﻠﻚ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ، ﺍﻟﺰﺍﻫﺮﺓُ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﺎﺑﻪ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻭﺍﻻﻧﺘﻈﺎﻡ ﻭﺍﻻﻧﺴﺠﺎﻡ ﻭﺍﻟﻠﻄﻒ ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺭﻱ ﻓﻲ ﺗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ؛ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﻮﺟّﻪ ﺑ﴿ﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ﴾ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

  ﺛﻢ ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ: ﻭﻫﻲ ﻋﻼﻣﺔ ﺍﻟﺮﺣﻴﻤﻴﺔ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓُ ﻣﻦ ﻟﻄﺎﺋﻒ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺩﻗﺎﺋﻖ ﺷﻔﻘﺘﻬﺎ ﻭﺃﺷﻌﺔ ﺭﺣﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﻄﺒﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ، ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺘﻮﺟّﻪ ﺍﺳﻢ «ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ» ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻲ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

ﺃﻱ ﺇﻥ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﻋﻨﻮﺍﻥٌ ﻗُﺪﺳﻲ ﻟﺜﻼﺙ ﺁﻳﺎﺕ ﻣﻦ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻷﺣﺪﻳﺔ، ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻪ ﻳُﺸﻜّﻞ ﺳَﻄﺮﺍً ﻧﻮﺭﺍﻧﻴﺎً ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺨﻂ ﺧﻄﺎً ﺳﺎﻃﻌﺎً ﻓﻲ ﺻﺤﻴﻔﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﻤﺜﻞ ﺣﺒﻼ ﻣﺘﻴﻨﺎً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﻭﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ. ﺃﻱ ﺃﻥ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﻧﺰﻭﻻ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻳﺮﺗﺒﻂ ﻃﺮﻓﻪ ﻭﻧﻬﺎﻳﺘﻪ ﺑﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺛﻤﺮﺓ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﻧﺴﺨﺔُ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺼﻐﺮﺓ، ﻓﻴﺮﺑﻂ ﺍﻟﻔﺮﺵَ ﺑﺎﻟﻌﺮﺵ ﺍﻷﻋﻈﻢ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺳﺒﻴﻼ ﻣﻤَﻬﺪﺍً ﻟﻌﺮﻭﺝ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻋﺮﺵ ﻛﻤﺎﻻﺗﻪ.

اللمعة الثالثة عشرة

  ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻻﺳﺘﻌﺎﺫﺓ

  ﺗﺨﺺ ﺣﻜﻤﺔ «ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﻴﻢ»

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ:97-98)

  ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻳﺨﺺّ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻻﺳﺘﻌﺎﺫﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ. ﺳﺘُﻜﺘﺐ ﺛﻼﺙ ﻋﺸﺮﺓ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺠﻤﻞ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻨﻪ ﻗﺪ ﺃُﺛﺒﺖ ﻭﻭُﺿّﺢ ﻓﻲ «ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ» ﻭﻓﻲ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ

  ﺳﺆﺍﻝ: ﺇﻥَّ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ ﺗﺪﺧﻞٌ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻥ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻹﻳﺠﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ -ﺑﺮﺣﻤﺘﻪ ﻭﻋﻨﺎﻳﺘﻪ- ﻇﻬﻴﺮٌ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ، ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥَّ ﺟﻤﺎﻝَ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺣُﺴﻨَﻪ ﻳﺸﻮّﻕ ﺃﻫﻠَﻪ ﻭﻳﺆﻳﺪُﻫﻢ، ﺑﻌﻜﺲ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻬﺠَﻨﺔ ﺑﻘﺒﺤﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﻔِّﺮ، ﻓﻤﺎ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺣﺰﺏَ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ ﻓﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ، ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺴﺮ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻌﺎﺫﺓ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻛﻞِّ ﺣﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﻦ ﺷﺮّ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ؟.   

ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺍﻟﺴﺮّ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻫﻤﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

ﺇﻥَّ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮّ ﺑﺄﻛﺜﺮﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﺷﻲﺀٌ ﻋﺪَﻣﻲ ﻭﺳﻠﺒﻲ ﻭﻏﻴﺮ ﺃﺻﻴﻞ، ﻭﻫﻲ ﺇﺧﻼﻝٌ ﻭﺗﺨﺮﻳﺐ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔُ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮ ﻓﻬﻲ ﺑﺄﻛﺜﺮﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﺫﺍﺕ ﻭﺟﻮﺩ ﻭﺷﻲﺀ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ﻭﺃﺻﻴﻞ ﻭﻫﻲ ﺇﻋﻤﺎﺭٌ ﻭﺑﻨﺎﺀ. ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻧﻪ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﺭﺟﻞٌ ﻭﺍﺣﺪ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﻬﺪﻡ ﻣﺎ ﺑﻨﺎﻩ ﻋﺸﺮﻭﻥ ﺭﺟﻼ ﻓﻲ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻳﻮﻣﺎً،. ﻭﺃﻥ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻘﻰ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺃﻋﻀﺎﺋﻪ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺿﻤﻦ ﺷﺮﺍﺋﻂ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻣﻊ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺨﺺّ ﻗﺪﺭﺓَ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺟﻞّ ﻭﻋﻼ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﻟﻠﻤﻮﺕ -ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻋﺪﻡٌ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﺎ- ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻗَﻄﻊ ﻇﺎﻟﻢٌ ﻋﻀﻮﺍً ﻣﻦ ﺟﺴﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺳﺎﺭ ﺍﻟﻤَﺜﻞ: «ﺍﻟﺘﺨﺮﻳﺐُ ﺃﺳﻬﻞٌ» ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﻤﻴﺮ.

ﻓﻬﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺮّ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﺑﻘﺪﺭﺗﻬﻢ ﺍﻟﻀﻌﻴﻔﺔ ﺣﻘﺎً ﻳﻐﻠﺒﻮﻥ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺃﻫﻞَ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻷﻗﻮﻳﺎﺀ ﺟﺪﺍً.

ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﻗﻠﻌﺔٌ ﻣﻨﻴﻌﺔ ﻣﺎ ﺇﻥ ﻳﺘﺤﺼﻨﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﻭﻳﻠﻮﺫﻭﻥ ﺑﻬﺎ، ﻓﻼ ﻳﺠﺮﺅ ﺃﻥْ ﻳﺘﻘﺮﺏَ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀُ ﺍﻟﻤﺨﻴﻔﻮﻥ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻤﺴﻮﻫﻢ ﺑﺴﻮﺀ. ﻭﻟﺌﻦ ﺃﺻﺎﺑﻬﻢ ﺷﻲﺀٌ ﻣﻨﻬﻢ -ﻣﺆﻗﺘﺎً- ﻓﺎﻟﻔﻮﺯ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﺍﻷﺑﺪﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺘﻈﺮﻫﻢ ﻓﻲ ﺑﺸﺮﻯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﴿ﻭﺍﻟﻌﺎﻗِﺒَﺔُ ﻟﻠﻤُﺘّﻘﻴﻦَ﴾ (ﺍﻷﻋﺮﺍﻑ:128) ﻳُﺬﻫِﺐ ﺃﺛﺮَ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻀﺮّ ﻭﺍﻟﻘﺮﺡ.

ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻠﻌﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﺨﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺼﻦ ﺍﻟﻤﻨﻴﻊ ﻫﻲ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺳﻨّﺔ ﺍﻟﻨﺒﻲ صلى الله عليه وسلم.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ

ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﻄﺮ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ:

ﺇﻥَّ ﺧﻠﻖَ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﻫﻢ ﺍﻟﺸﺮ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﻭﺗﺴﻠﻴﻄَﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﺳﻮﻗَﻬﻢ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺩﺧﻮﻟَﻬﻢ ﺍﻟﻨﺎﺭَ ﺑﻤﻜﺎﻳﺪﻫﻢ، ﻫﻮ ﻗﺒﺢٌ ﻇﺎﻫﺮ. ﻭﺃﻣﺮٌ ﻣُﺮﻋﺐ. ﻓﻴﺎ ﺗُﺮﻯ ﻛﻴﻒ ﺗﺮﺿﻰ ﺭﺣﻤﺔُ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻭﻳﺴﻤﺢ ﺟﻤﺎﻝُ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦُ ﺫﻭ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘُﺒﺢ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻫﻲ ﻭﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ؟!.

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻧﻪ ﺇﺯﺍﺀ ﺍﻟﺸﺮﻭﺭ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻟﻠﺸﻴﺎﻃﻴﻦ، ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩﻫﻢ ﻛﺜﻴﺮٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻘﺎﺻﺪ ﺍﻟﺨﻴّﺮﺓ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻭﻛﻤﺎﻻﺕ، ﺗﺮﻗﻰ ﺑﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺳﻠّﻢ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ.

ﻧﻌﻢ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺑﺪﺀﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ﺍﻟﺒﺎﺳﻘﺔ، ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻼﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﻭﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ ﻣﺎ ﺗﻔﻮﻕ ﺫﻟﻚ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺬﺭﺓ ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ. ﻭﻟﻜﻲ ﺗﻈﻬﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕُ ﻭﺗﻨﺒﺴﻂ ﻻﺑﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﺮﻛﺔ، ﻭﻻﺑﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﻔﺎﻋﻞ ﻭﺗﻌﺎﻣﻞ. ﻓﺤﺮﻛﺔُ ﻟﻮﻟﺐ ﺍﻟﺮﻗﻲّ ﻭﻧﺎﺑﺾِ ﺍﻟﺴﻤﻮّ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻫﻲ «ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﺓ». ﻭﻻ ﺗﺤﺼﻞ ﻫﺬﻩ «ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﺓ» ﺇﻟّﺎ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﻀﺮّﺓ، ﺇﺫ ﻟﻮﻻ ﺗﻠﻚ «ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﺓ» ﻟﻈﻠّﺖ ﻣﺮﺗﺒﺔُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺛﺎﺑﺘﺔً ﻛﺎﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، ﻭﻋﻨﺪﻫﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺘﻈﻬﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺻﻨﺎﻑ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺑﺤﻜﻢ ﺍﻵﻻﻑ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ. ﻭﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺑﺸﻲﺀ ﺃﻥ ﻳُﺘﺮﻙ ﺍﻟﺨﻴﺮُ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﺟﺪﺍً ﺗﺠﻨﺒﺎً ﻟﺤﺼﻮﻝ ﺷﺮٍّ ﺟﺰﺋﻲ، ﻓﺈﻥ ﺍﻧﺰﻻﻕ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ ﺧﻄﻮﺍﺕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ، ﻻ ﻳﺤﻤﻞ ﺃﻫﻤﻴﺔً ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﺎﺩﺍﻡ ﺍﻟﺘﻘﻮﻳﻢُ ﻭﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻨﻮﻋﻴﺔ ﺑﻨﻈﺮ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﻭﻻ ﻳُﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻤﻴﺔ ﺇﻟّﺎ ﻗﻠﻴﻼ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﻻ ﻳُﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ.

  ﻣﺜﺎﻝ ﺫﻟﻚ: ﺷﺨﺺ ﻟﺪﻳﻪ ﺃﻟﻒٌ ﻭﻋﺸﺮٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺬﻭﺭ، ﺯﺭﻋَﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ، ﻓﺠﻌﻠﻬﺎ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﻟﻠﺘﻔﺎﻋﻼﺕ ﺍﻟﻜﻴﻤﻴﺎﻭﻳﺔ. ﻓﺈﺫﺍ ﺃﻧﺒﺘﺖ ﻋﺸﺮٌ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﺬﻭﺭ ﻭﺃﻳﻨﻌﺖ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻊَ ﺍﻟﺤﺎﺻﻠﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﺗﻔﻮﻕ -ﺑﻼ ﺷﻚ- ﺧﺴﺎﺭﺓَ ﺍﻷﻟﻒِ ﺑﺬﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﻠﺘﻠﻒ ﻭﺍﻟﻔﺴﺎﺩ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻊَ ﻭﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺔ ﻭﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﺯﺗﻬﺎ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﺓ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻛﺎﻣﻠﻴﻦ ﻳﺘﻸﻷﻭﻥ ﻛﺎﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ ﺳﻤﺎﺋﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﺃﺧﺬﻭﺍ ﺑﻴﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻗﻲ ﺍﻟﻔﻼﺡ، ﻭﺃﺿﺎﺀﻭﺍ ﺍﻟﺴُﺒُﻞ ﺃﻣﺎﻣَﻬﻢ ﻭﺃﺧﺮﺟﻮﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺑﻤﺠﺎﻫﺪﺗﻬﻢ ﻟﻠﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ.. ﻻﺷﻚ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺰﻳﻞ ﻣﺎ ﻳﻠﺤﻖ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺍﻟﻨﺎﺟﻢ ﻣﻦ ﻛﺜﺮﺓ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺣﻤﺄﺓ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺎﻟﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳُﻌﺪّﻭﻥ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﺍﻟﺤﺸﺮﺍﺕ ﻟﺘﻔﺎﻫﺘﻬﻢ ﻭﺩﻧﺎﺀﺗﻬﻢ. ﻟﻬﺬﺍ ﻓﻘﺪ ﺭﺿﻴﺖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔُ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺣﻜﻤﺘُﻬﺎ ﻭﺳﻤﺤﺖ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔُ ﺍﻟﺮﺑّﺎﻧﻴﺔ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﺗﺴﻠّﻄﻬﺎ.

ﻓﻴﺎ ﻣﻌﺸﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ! ﺇﻥَّ ﺩﺭﻋﻜﻢ ﺍﻟﻤﻨﻴﻊ ﻟﺼﺪ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ، ﻫﻮ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﺩﻭﺣﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ. ﻭﺇﻥ ﺧﻨﺎﺩﻗﻜﻢ ﺍﻟﺤﺼﻴﻨﺔ ﻫﻲ ﺳُﻨّﺔ ﻧﺒﻴّﻜﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ. ﻭﺃﻣﺎ ﺳﻼﺣﻜﻢ ﻓﻬﻮ ﺍﻻﺳﺘﻌﺎﺫﺓُ ﻭﺍﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭ ﻭﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺮﺯِ ﺍﻹﻟﻬﻲ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

  ﺳﺆﺍﻝ: ﺃﻳﻦ ﻳﻜﻤﻦ ﺍﻟﺴﺮُّ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﻭﻋﻴﺪ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻤﺮﻋﺐ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪِﻩ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﻋﻤﻞٍ ﺟﺰﺋﻲ ﺻَﺪَﺭ ﻣﻨﻬﻢ، ﻣﻤﺎ ﻻ ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻈﺎﻫﺮ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻣﻊ ﺑﻼﻏﺘِﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘّﺴﻢ ﺑﺎﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺍﻻﻧﺴﺠﺎﻡ ﻭﺃﺳﻠﻮﺑِﻪ ﺍﻟﻤﻌﺠِﺰ ﺍﻟﺮﺯﻳﻦ. ﺇﺫ ﻛﺄﻧﻪ ﻳﺤﺸّﺪ ﺍﻟﺠﻴﻮﺵَ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺷﺨﺺ ﻋﺎﺟﺰ ﻻ ﺣﻆّ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤُﻠﻚ، ﻓﻴُﻜﺴِﺒُﻪ ﻣﻨﺰﻟﺔَ ﺷﺮﻳﻚٍ ﻣﺘﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪَّﻩ؟

  ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ: ﺇﻥ ﺳﺮَّ ﺫﻟﻚ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﺃﻥَّ ﻓﻲ ﻭﺳﻊ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﻣَﻦ ﺗﺒﻌﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻣﻮﺍ ﺑﺘﺨﺮﻳﺐ ﻣﺪﻣّﺮ ﺑﺤﺮﻛﺔ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺗﺼﺪﺭ ﻣﻨﻬﻢ، ﻷﻧﻬﻢ ﻳﺴﻠﻜﻮﻥ ﻃﺮﻳﻖَ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﻴﻠﺤِﻘﻮﻥ ﺑﻔﻌﻞ ﺟﺰﺋﻲ ﻳﺼﺪﺭُ ﻣﻨﻬﻢ ﺧﺴﺎﺋﺮَ ﺟﺴﻴﻤﺔ ﺑﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ، ﻣَﺜﻠﻬُﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﻛﻤﺜﻞ ﺭﺟﻞٍ ﺭﻛﺐ ﺳﻔﻴﻨﺔً ﺗﺠﺎﺭﻳﺔ ﻋﺎﻣﺮﺓ ﻟﻠﻤﻠِﻚ ﺛﻢ ﺧﺮَﻗﻬﺎ ﺧﺮﻗﺎً ﺑﺴﻴﻄﺎً، ﺃﻭ ﺗﺮﻙ ﻭﺍﺟﺒﺎً ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﺆﺩﻳﻪ، ﻓﺄﻫﺪﺭ ﺑﻔﻌﻠﻪ ﻫﺬﺍ ﺟﻬﺪَ ﻣَﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ، ﻭﺃﻓﺴﺪَ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺟَﻨﻲَ ﺛﻤﺎﺭ ﻋﻤﻠِﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﺃﺑﻄﻞَ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻛﻞ ﻣَﻦ ﻟﻪ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻬﺎ، ﻟﺬﺍ ﺳﻴﻬﺪّﺩﻩ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻠﻚ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﺗﻬﺪﻳﺪﺍﺕٍ ﻋﻨﻴﻔﺔ، ﺑﺎﺳﻢ ﺟﻤﻴﻊ ﺭﻋﺎﻳﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﻭﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺘﻀﺮﺭﻳﻦ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﺳﻴﻌﺎﻗﺒﻪ ﺃﺷﺪّ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﺣﺘﻤﺎً، ﻻ ﻟﺤﺮﻛﺘﻪ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺃﻭ ﺗﺮﻛﻪ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻟﻠﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺮﻙ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ، ﻭﻟﻴﺲ ﻟﺘﺠﺎﻭﺯﻩ ﺣِﻤﻰ ﺍﻟﻤﻠﻚ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻟﺘﻌﺪّﻳﻪ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﺮﻋﻴﺔ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺳﻔﻴﻨﺔُ ﺍﻷﺭﺽ، ﻓﻔﻴﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺃﻫﻞُ ﺍﻟﻀﻼﻝ ﻣﻦ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﺘﺨﻔّﻮﻥ ﺑﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻮﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﺤﻜﻴﻤﺔ ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ ﺑﻞ ﻳﻌﺪّﻭﻧﻬﺎ ﻋﺒﺜﺎً ﻭﺑﺎﻃﻼ، ﻓﻴﺤﻘّﺮﻭﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ، ﻣﻤﺎ ﺗﺸﻜّﻞ ﺧﻄﻴﺌﺎﺗﻬﻢ ﻭﻣﻌﺎﺻﻴﻬﻢ -ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ- ﺗﺠﺎﻭﺯﺍً ﻭﺍﺿﺤﺎً ﻭﺗﻌﺪّﻳﺎً ﺻﺎﺭﺧﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﻛﺎﻓﺔً، ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﻫﻮ ﻣﻠﻚ ﺍﻷﺯﻝ ﻭﺍﻷﺑﺪ ﻳﺤﺸّﺪ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﻭّﻋﺔ ﺿﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺪﻣﻴﺮ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ. ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻻﻧﺴﺠﺎﻡ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﻓﻲ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺍﻟﺮﺍﺋﻊ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺘﺮﺓ ﻓﻲ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺒﻼﻏﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻄﺎﺑﻘﺔ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻟﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﻭﻫﻲ ﺑﻌﻴﺪﺓٌ ﻛﻞ ﺍﻟﺒﻌﺪ ﻭﻣﻨﺰّﻫﺔ ﻛﻞ ﺍﻟﺘﻨﺰﻳﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻹﺳﺮﺍﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻼﻡ.

ﻓﻴﺎ ﻫﻼﻙَ ﻭﻳﺎ ﺿﻴﺎﻉَ ﻣَﻦ ﻻ ﻳُﺤَﺼِّﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺤﺼﻦ ﻣﻨﻴﻊ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﺍﻷﻟﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﻮﻣﻮﻥ ﺑﺘﺨﺮﻳﺐ ﻣﺮﻭّﻉ ﻭﺗﺪﻣﻴﺮ ﻫﺎﺋﻞ ﺑﺤﺮﻛﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ! ﺃﻣﺎﻣﻜﻢ ﺍﻟﺤﺼﻦُ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻱ ﺍﻟﻤﻨﻴﻊ.. ﺇﻧﻪ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ.. ﺍﺩﺧﻠﻮﺍ ﻓﻴﻪ، ﻭﺃﻧﻘﺬﻭﺍ ﺃﻧﻔﺴﻜﻢ..

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ

ﻟﻘﺪ ﺍﺗﻔﻖ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻮﻥ ﻭﺃﻫﻞُ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺷﺮٌ ﻣﺤﺾ.. ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺧﻴﺮٌ ﻣﺤﺾ.

ﻧﻌﻢ، ﺇﻥ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺳﻦ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻻﺕ -ﺑﺄﻛﺜﺮﻳﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ- ﺗﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺗﻌﻮﺩ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﺄﺳﺎﺳُﻬﺎ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ﻭﻭﺟﻮﺩﻱ، ﺃﻱ ﺫﻭ ﺃﺻﺎﻟﺔ ﻭﻓﺎﻋﻠﻴﺔ، ﻭﺇﻥ ﺑَﺪَﺕ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﺳﻠﺒﻴﺔ ﻭﻋﺪﻣﻴﺔ.

ﻭﺇﻥ ﺃﺳﺎﺱ ﻭﺃﺻﻞ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻭﺍﻟﺒﻼﻳﺎ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟِﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﺭﻩ ﻫﻮ ﻋﺪﻡٌ ﻭﺳﻠﺒﻲ. ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺒﺢ ﻭﺍﻟﺴﻮﺀ ﻓﻨﺎﺟﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﺪﻣﻴﺘﻬﺎ، ﻭﺇﻥ ﺑﺪﺕ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻭﻭﺟﻮﺩﺍً، ﻷﻥ ﺃﺳﺎﺳَﻬﺎ ﻋﺪﻡ ﻭﻧﻔﻲ ﺃﻱ ﺑﻼ ﺃﺳﺎﺱ ﻭﺑﻼ ﻓﻌﻞ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ.

ﺛﻢ ﺇﻥ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﻳﺘﻘﺮﺭ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺟﺰﺍﺋﻪ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻋﺪﻣُﻪ ﻭﺩﻣﺎﺭُﻩ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺤﺼﻞ ﺑﺘﻬﺪّﻡ ﺃﺣﺪِ ﺃﺭﻛﺎﻧﻪ ﻭﻋﺪﻣِﻪ.

ﺃﻱ ﺇﻥ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻋﻠّﺔٍ ﻣﻮﺟﺪﺓ، ﻭﻻﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺳﺒﺐ ﺣﻘﻴﻘﻲ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻌﺪﻡُ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﻮﺭ ﻋﺪﻣﻴﺔ ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﻌﺪﻣﻲ ﻋﻠّﺔً ﻟﺸﻲﺀ ﻣﻌﺪﻭﻡ.

ﻓﺒﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺗﻴﻦ: ﻓﺈﻥ ﺷﻴﺎﻃﻴﻦ ﺍﻹﻧﺲ ﻭﺍﻟﺠﻦ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ ﻭﻟﻮ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺫﺭﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻧﺼﻴﺐٌ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻹﻳﺠﺎﺩ ﻭﻣﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﻬﻢ ﺃﻳﺔُ ﺣﺼﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤُﻠﻚ ﺍﻹﻟﻬﻲ، ﻣﻊ ﺃﻥ ﻟﻬﻢ ﺁﺛﺎﺭﺍً ﻣﺨﻴﻔﺔ ﻭﺃﻧﻮﺍﻋﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻭﺃﻋﻤﺎﻻ ﺷﺮﻳﺮﺓ ﻭﺩﻣﺎﺭﺍً ﻫﺎﺋﻼ، ﺇﺫ ﻻ ﻳﻘﻮﻣﻮﻥ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺑﻘﺪﺭﺍﺗﻬﻢ ﻭﻗﻮﺗﻬﻢ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺃﻏﻠﺐَ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻌﻞٌ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺗﺮﻙِ ﺍﻟﻔﻌﻞ، ﻭﺗﻌﻄﻴﻞِ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﺻﺪٍّ ﻟﻠﺨﻴﺮ، ﻓﻴﻌﻤﻠﻮﻥ ﺍﻟﺸﺮّ ﺑﺎﻟﺼَّﺮﻑِ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ، ﻓﺘﺤﺼﻞ ﺍﻟﺸﺮﻭﺭُ.

ﻷﻥ ﺍﻟﺸﺮﻭﺭ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﻟﻚ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻬﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﺨﺮﻳﺐِ ﻓﻼ ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﻠّﺘُﻬﺎ ﺇﻳﺠﺎﺩﺍً ﻓﺎﻋﻼ، ﻭﻻ ﻗﺪﺭﺓً ﻣُﻮﺟِﺪﺓً، ﺇﺫ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺘﺨﺮﻳﺐ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ ﺑﺄﻣﺮ ﻋﺪﻣﻲ، ﻭﺑﺈﻓﺴﺎﺩ ﺷﺮﻁٍ. ﻭﻟﻌﺪﻡ ﻭﺿﻮﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮّ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﺠﻮﺱ ﻓﻘﺪ ﺍﻋﺘﻘﺪﻭﺍ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺧﺎﻟﻖٍ ﻟﻠﺨﻴﺮ ﻭﺃﺳﻤَﻮﻩ «ﻳﺰﺩﺍﻥ» ﻭﺧﺎﻟﻖٍ ﻟﻠﺸﺮ ﻭﺃﺳﻤﻮﻩ «ﺃﻫﺮﻳﻤﺎﻥ» ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻻ ﻳﻌﺪﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻟﻪ ﺍﻟﻤﻮﻫﻮﻡ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥِ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﺒﺒﺎً ﻟﻠﺸﺮﻭﺭ ﻭﻭﺳﻴﻠﺔً ﻟﻬﺎ، ﺑﺎﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻭﺑﺎﻟﻜﺴﺐ، ﺩﻭﻥ ﺍﻹﻳﺠﺎﺩ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺇﻥ ﺃﻣﻀﻰ ﺳﻼﺣِﻜﻢ ﺿﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻬﺎﻟﻚ ﺍﻟﻤﻔﺰﻋﺔ ﻟﻠﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﺃﻫﻢَّ ﻭﺳﻴﻠﺘﻜﻢ ﻟﻠﺒﻨﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﻌﻤﻴﺮ ﻫﻮ ﺍﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭُ ﻭﺍﻻﻟﺘﺠﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻘﻮﻟﻜﻢ: «ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ». ﻭﺍﻋﻠﻤﻮﺍ ﺃﻥ ﻗﻠﻌﺘﻜﻢ ﻫﻲ ﺳُﻨﺔ ﺭﺳﻮﻟﻜﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ.

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺨﺎﻣﺴﺔ

ﺇﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻮﻓﺮ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔ ﻭﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺭﺷﺎﺩ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﺑﻴّﻨﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﻛﺘﺒﻪ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻛﺎﻓﺔ ﻣﻦ ﻣﺜﻮﺑﺔٍ ﻭﻫﻲ ﻧﻌﻴﻢُ ﺍﻟﺠﻨّﺔ ﻭﻣﻦ ﻋﻘﺎﺏ ﺃﻟﻴﻢ ﻭﻫﻮ ﻧﺎﺭ ﺟﻬﻨﻢ، ﻭﻣﻊ ﻣﺎ ﻛﺮّﺭﻩ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﻦ ﺗﻮﺟﻴﻪ ﻭﺗﻨﺒﻴﻪ ﻭﺗﺮﻏﻴﺐ ﻭﺗﺤﺬﻳﺮ.. ﻳُﻐﻠَﺐُ ﺃﻫﻞُ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺪﺳﺎﺋﺲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﻀﻌﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﺎﻓﻬﺔ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻦ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ.

ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﻳﺄﺧﺬ ﻗﺴﻄﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺗﻔﻜﻴﺮﻱ، ﺇﺫ ﻛﻴﻒ ﻻ ﻳﻬﺘﻢ ﺻﺎﺣﺐُ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻮﻋﻴﺪ ﺍﻟﻤﺨﻴﻒ ﻣﻦ ﺭﺏّ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ؟. ﻭﻛﻴﻒ ﻻ ﻳﺰﻭﻝ ﺇﻳﻤﺎﻧُﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﻌﺼﻲ ﺭﺑَّﻪ ﻣُﺘَّﺒﻌﺎً ﺧﻄﻮﺍﺕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻭﻣﻜﺎﻳﺪﻩ ﺍﻟﻀﻌﻴﻔﺔ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﺇﻥَّ ﻛَﻴﺪَ ﺍﻟﺸّﻴﻄﺎﻥ ﻛﺎﻥَ ﺿَﻌﻴﻔﺎً﴾ (ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ:76)؟ ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﺑﻌﻀﺎً ﻣﻦ ﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﻘﺮّﺑﻴﻦ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺳﻤﻊ ﻣﻨّﻲ ﻣﺎﺋﺔً ﻣﻦ ﺩﺭﻭﺱ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺻﺪَّﻕ ﺑﻬﺎ ﺗﺼﺪﻳﻘﺎً ﻗﻠﺒﻴﺎً، ﻭﻣﻊ ﺷﺪﺓ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﻭﺣﺴﻦ ﻇﻨّﻪ ﺑﻲ ﻓﻘﺪ ﺍﻧﺠﺮﻑ ﻟﺜﻨﺎﺀٍ ﺗﺎﻓﻪٍ ﻭﺭﺧﻴﺺ ﻣﻦ ﺭﺟﻞٍ ﻓﺎﺳﺪ ﻣﻴّﺖ ﺍﻟﻘﻠﺐ، ﻓﺎﻧﺠﺬﺏ ﺇﻟﻴﻪ، ﻣﻤﺎ ﺩﻓﻌَﻪ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻒ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻱ ﻟﻲ. ﻓﻘﻠﺖُ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ: ﻳﺎ ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻬﻮﻱ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪَﺭﻙ؟. ﻛﻢ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺫﺍ ﻣﻌﺪﻥ ﺭﺧﻴﺺ؟ ﻓﺄﺛِﻤﺖُ ﻣﻦ ﺍﻏﺘﻴﺎﺏ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦ.

ﺛﻢ ﺍﻧﻜﺸﻔﺖ ﻭﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﺣﻘﺎﺋﻖُ ﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻓﺄﻧﺎﺭﺕ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻐﺎﻣﻀﺔ.. ﻓﻌﻠﻤﺖُ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺃﻥ ﺗﻜﺮﺍﺭَ ﺍﻟﺘﺮﻏﻴﺐ ﻭﺍﻟﺤﺚ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺿﺮﻭﺭﻱ ﺟﺪﺍً، ﻭﻣﻨﺎﺳﺐ ﻭﻣﻼﺋﻢ ﻟﻠﺤﺎﻝ.. ﻭﺃﻥ ﺍﻧﺨﺪﺍﻉ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻤﻜﺎﻳﺪ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻻ ﻳﻨﺠﻢ ﻋﻦ ﻋﺪﻡ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻻ ﻣﻦ ﺿﻌﻔﻪ.. ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﻔَّﺮ ﻣَﻦ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ. ﻓﺎﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔُ ﻭﻗﺴﻢٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺭﺝ ﻗﺪ ﺃﺧﻄﺄﻭﺍ ﺣﻴﻦ ﻛﻔّﺮﻭﺍ ﻣُﺮﺗﻜﺐَ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ ﺃﻭ ﺟﻌﻠﻮﻩ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻟﺔٍ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺘﻴﻦ.. ﻭﺃﻥ ﺻﺪﻳﻘﻲ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦ، ﺍﻟﺬﻱ ﺿﺤّﻰ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺪﺭﻭﺱ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﺑﺜﻨﺎﺀ ﺷﺨﺺٍ ﺗﺎﻓﻪ، ﻟﻢ ﻳﺴﻘﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﺎﻭﻳﺔ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﻭﻟﻢ ﻳﻨﺤَﻂ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻀﻴﺾ ﻛﻠﻴﺎً -ﻛﻤﺎ ﺗﺼﻮّﺭﺕُ- ﻓﺸﻜﺮﺕُ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻧﻘﺬﻧﻲ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺭﻃﺔ.

ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ -ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎً- ﺑﺄﻣﺮٍ ﺳﻠﺒﻲ ﺟﺰﺋﻲ ﻣﻨﻪ ﻳﻮﺭﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ ﺍﻟﻤﻬﺎﻟﻚَ ﺍﻟﺨﻄﻴﺮﺓ.. ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻴﻦ ﺟَﻨﺒﻲِ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﺍﻹﻧﺼﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ.. ﻭﺇﻥ ﻗﻮﺗﻪ ﺍﻟﺸﻬﻮﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﻀﺒﻴﺔ ﻫﻤﺎ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺟﻬﺎﺯ ﻻﻗﻂ ﻭﺟﻬﺎﺯ ﺗﻮﺻﻴﻞ ﻟﻤﻜﺎﻳﺪ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ. ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻓﻘﺪ ﺧﺼﺺ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﺳﻤﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ «ﺍﻟﻐﻔﻮﺭ، ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ» ﻟﻴﺘﺠﻠَّﻴﺎ ﺑﺎﻟﺘﺠﻠﻲّ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻭﻳﺘﻮﺟَّﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﺃﻭﺿﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺃﻥ ﺃﻋﻈﻢ ﺇﺣﺴﺎﻥٍ ﻟﻪ ﻟﻸﻧﺒﻴﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻫﻮ: ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ.. ﻓﺪﻋﺎﻫﻢ ﺇﻟﻰ: ﺍﻻﺳﺘﻐﻔﺎﺭ. ﻭﺃﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﺘﻜﺮﺍﺭﻩ «ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ» ﻭﺟﻌﻠﻬﺎ ﺑﺪﺀﺍً ﻟﻜﻞ ﺳﻮﺭﺓ ﻭﻟﻜﻞ ﺃﻣﺮٍ ﺫﻱ ﺑﺎﻝ، ﺟﻌﻞ ﺭﺣﻤﺘَﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺳﻌﺖ ﻛﻞَّ ﺷﻲﺀ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﻼﺫ ﻭﺍﻟﻤﻠﺠﺄ ﻷﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻫﻲ ﺍﻷﻣﺎﻥُ ﻭﺍﻟﻨﺠﺎﺓ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ. ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻟﺤﺎﺟﺰ ﺍﻟﻤﺎﻧﻊ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻭﺩﺳﺎﺋﺴﻪ ﻫﻮ ﻓﻲ «ﺃﻋﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﻴﻢ» ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺄﻣﺮﻩ: ﴿ﻓﺎﺳﺘَﻌِﺬْ ﺑﺎﻟﻠﻪ﴾ (ﺍﻟﻨﺤﻞ:98)

  ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ

ﺇﻥَّ ﺃﺧﻄﺮ ﺩﺳﺎﺋﺲ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻫﻮ ﺃﻧﻪ ﻳُﻠﺒِﺲ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺍﻟﺼﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﺲ ﺍﻟﻤﺮﻫﻒ: ﺗﺨﻴُّﻞَ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﺑﺘﺼﺪﻳﻖ ﺍﻟﻜﻔﺮ، ﻭﻳُﻈﻬﺮ ﻟﻬﻢ ﺗﺼﻮّﺭَ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔِ ﺗﺼﺪﻳﻘﺎً ﻟﻠﻀﻼﻟﺔ ﻧﻔﺴِﻬﺎ، ﻭﻳﺠﻠﺐ ﺇﻟﻰ ﺧﻴﺎﻟﻬﻢ ﺧﻮﺍﻃﺮ ﻗﺒﻴﺤﺔ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﻭﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻤﻨﺰّﻫﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ، ﻭﻳﻮﻫﻤﻬﻢ ﺑﺎﻟﺸﻚ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻳﻘﻴﻨﻴﺎﺕ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺠﻌﻞ «ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ» ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ «ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ». ﻭﻋﻨﺪﺋﺬ ﻳﻈﻦّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦُ ﺍﻟﻤﺮﻫﻒ ﺍﻟﺤﺲّ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻫﻮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻭﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺯﺍﻝ ﻳﻘﻴﻨُﻪ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻲ، ﻓﻴﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺄﺱ ﻭﺍﻟﻘﻨﻮﻁ. ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺑﻴﺄﺳﻪ ﻫﺬﺍ ﺃﺿﺤﻮﻛﺔً ﻟﻠﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻔﺚ ﻓﻲ ﻳﺄﺳﻪ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ، ﻭﻳﻀﺮﺏ ﺩﻭﻣﺎً ﻋﻠﻰ ﻭﺗﺮﻩ ﺍﻟﺤﺴّﺎﺱ، ﻭﻳﻨﻔﺦ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺒﺎﺳﺎﺗﻪ ﻭﻳﺜﻴﺮﻫﺎ، ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺨﻞّ ﺑﺄﻋﺼﺎﺑﻪ ﻭﻋﻘﻠﻪ، ﺃﻭ ﻳﺪﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﻫﺎﻭﻳﺔ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ.

ﻭﻗﺪ ﺑﺤﺜﻨﺎ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﻣﺪﻯ ﺗﻔﺎﻫﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻬﻤﺰﺍﺕ ﻭﺍﻟﻮﺳﺎﻭﺱ، ﻭﻛﻴﻒ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺳﻨﺪَ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ ﺃﺳﺎﺱ، ﺃﻣﺎ ﻫﻨﺎ ﻓﺴﻨﺠﻤﻠﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺻﻮﺭﺓَ ﺍﻟﺤﻴّﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻻ ﺗﻠﺪﻍ، ﻭﺍﻧﻌﻜﺎﺱَ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻓﻴﻬﺎ ﻻ ﻳَﺤﺮﻕ، ﻭﻇِﻞَّ ﺍﻟﻨَﺠَﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻻ ﻳﻨﺠﺲ، ﻛﺬﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﻨﻌﻜﺲ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺁﺓِ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻣﻦ ﺻﻮﺭِ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮﻙ، ﻭﻇِﻼﻝ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻭﺧﻴﺎﻻﺕ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻨﺎﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺘﻢ، ﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﻭﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﻭﻻ ﺗﻐﻴﺮ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻻ ﺗﺜﻠﻢ ﺃﺩﺏَ ﺍﻟﺘﻮﻗﻴﺮ ﻭﺍﻻﺣﺘﺮﺍﻡ. ﺫﻟﻚ ﻷﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ: «ﺗﺨﻴّﻞُ ﺍﻟﺸﺘﻢ ﻟﻴﺲ ﺷﺘﻤﺎً، ﻭﺗﺨﻴﻞُ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻟﻴﺲ ﻛﻔﺮﺍً، ﻭﺗﺼﻮّﺭُ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻟﻴﺲ ﺿﻼﻟﺔً».

ﺃﻣﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔُ ﺍﻟﺸﻚ ﻓﻲ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻓﺈﻥ ﺍﻻﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ «ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ» ﻻ ﻳﻨﺎﻓﻲ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦَ ﻭﻻ ﻳﺨﻞّ ﺑﻪ. ﺇﺫ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ: «ﺃﻥ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻻ ﻳﻨﺎﻓﻲ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ».

  ﻓﻤﺜﻼ: ﻧﺤﻦ ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺑﺤﻴﺮﺓ «ﺑﺎﺭﻻ» ﻣﻤﻠﻮﺀﺓٌ ﺑﺎﻟﻤﺎﺀ ﻭﻣﺴﺘﻘﺮﺓٌ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ، ﺇﻟّﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺨﺴﻒ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ. ﻓﻬﺬﺍ ﺇﻣﻜﺎﻥ ﺫﺍﺗﻲ ﻭﺍﺣﺘﻤﺎﻝٌ، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺎﺕ. ﻭﻟﻜﻦ ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻨﺸﺄ ﻣﻦ ﺃﻣﺎﺭﺓ، ﺃﻭ ﺩﻟﻴﻞ، ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ «ﺇِﻣﻜﺎﻧﺎً ﺫﻫﻨﻴﺎً» ﺣﺘﻰ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﺸﻚ. ﻷﻥ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﻧﻪ: «ﻻ ﻋﺒﺮﺓ ﻟﻼﺣﺘﻤﺎﻝ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻨﺎﺷﺊ ﻋﻦ ﺩﻟﻴﻞ» ﺑﻤﻌﻨﻰ: ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﺣﺘﻤﺎﻝُ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻨﺸﺄ ﻋﻦ ﺃﻣﺎﺭﺓ ﺇﻣﻜﺎﻧﺎً ﺫﻫﻨﻴﺎً، ﻓﻼ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻟﻪ ﻛﻲ ﻳﻮﺟِﺐ ﺍﻟﺸﻚ. ﻓﺒﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﻣﻜﺎﻧﺎﺕ ﻭﺍﻻﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻳﻈﻦ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦ ﺍﻟﻤﺒﺘﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻓﻘﺪ ﻳﻘﻴﻨَﻪ ﺑﺎﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ. ﻓﻴﺨﻄﺮ ﺑﺒﺎﻟﻪ ﻣﺜﻼ ﺧﻮﺍﻃﺮُ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺑﺸﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى الله عليه وسلم، ﻭﻻ ﺷﻚ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺨﻞّ ﺑﻴﻘﻴﻨﻪ ﻭﺟﺰﻣﻪ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻲ، ﻭﻟﻜﻦ ﻇﻨَّﻪ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻳﻀﺮّ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺒﺐ ﻟﻪ ﺍﻟﻀﺮﺭ.

ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺃﺧﺮﻯ ﺗُﻠﻘﻲ ﻟﻤَّﺔُ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ -ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻠﺐ- ﻛﻼﻣﺎً ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﺠﻼﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ. ﻓﻴﻈﻦ ﺻﺎﺣﺒُﻪ ﺃﻥ ﻗﻠﺒﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻓَﺴَﺪ ﻓﺼﺪﺭ ﻋﻨﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ، ﻓﻴﻀﻄﺮﺏ ﻭﻳﺘﺄﻟﻢ. ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﺿﻄﺮﺍﺑﻪ ﻭﺧﻮﻓﻪ ﻭﻋﺪﻡَ ﺭﺿﺎﻩ ﺩﻟﻴﻞٌ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺻﺎﺩﺭﺓً ﻣﻦ ﻗﻠﺒﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻤّﺔ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻧﻴﺔ، ﺃﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻳﺨﻴّﻠﻬﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﻳﺬﻛّﺮﻩ ﺑﻬﺎ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻠﻄﺎﺋﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ -ﻭﻫﻲ ﺑﻀﻊ ﻟﻄﺎﺋﻒ ﻟﻢ ﺃﺳﺘﻄﻊ ﺗﺸﺨﻴﺼﻬﺎ- ﻣﺎ ﻻ ﺗﺮﺿﺦ ﻟﻺﺭﺍﺩﺓ ﻭﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ، ﻭﻻ ﺗﺪﺧﻞ ﺗﺤﺖ ﻭﻃﺄﺓ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ  ﻓﺘﺘﺤﻜﻢ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻭﺗﺴﻴﻄﺮ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﻨﺼﺖ ﻟﻨﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﺗﻠﺞ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭ ﺧﺎﻃﺌﺔ، ﻭﻋﻨﺪﺋﺬ ﻳُﻠﻘﻲ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥُ ﻓﻲ ﺭَﻭﻉ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺒﺘﻠﻰ: ﺇﻥ ﻓﻄﺮﺗَﻚ ﻓﺎﺳﺪﺓ ﻻ ﺗﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﺤﻖ، ﺃﻻ ﺗﺮﻯ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻠﺞ ﺑﻼ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﺒﺎﻃﻠﺔ؟ ﺇﺫﻥ ﻓﻘﺪ ﺣﻜﻢ ﻋﻠﻴﻚ ﻗَﺪَﺭُﻙ ﺑﺎﻟﺘﻌﺎﺳﺔ ﻭﻗﻀﻰ ﻋﻠﻴﻚ ﺑﺎﻟﺸﻘﺎﺀ!. ﻓﻴﻬﻠﻚ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻴﺄﺱ ﺍﻟﻤﺪﻣّﺮ.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺣﺼﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺍﻟﺤﺼﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺳﺎﺋﺲ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪّﻣﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻤُﺤﻜﻤﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺮﺳﻮﻣﺔُ ﺣﺪﻭﺩُﻫﺎ ﺑﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻴﻦ ﻭﺍﻷﺻﻔﻴﺎﺀ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺪﺳﺎﺋﺲ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗُﺮﺩّ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﺫﺓ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﺑﺈﻫﻤﺎﻟﻬﺎ، ﻷﻥ ﻣﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻮﺳﺎﻭﺱ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻜﺒﺮ ﻭﺗﺘﻀﺨﻢ ﻛﻠﻤﺎ ﺯﺍﺩ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﻬﺎ. ﻓﺎﻟﺴُﻨّﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ ﻟﻠﻤﺆﻣﻦ ﻫﻲ ﺍﻟﺒﻠﺴﻢ ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ ﻟﻤﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺮﺍﺣﺎﺕ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ.

ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴﺎﺑﻌﺔ

  ﺳﺆﺍﻝ: ﺇﻥ ﺃﺋﻤﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻋﺘﺒﺮﻭﺍ ﺃﻥ ﺇﻳﺠﺎﺩَ ﺍﻟﺸﺮ ﺷﺮٌ، ﻟﻢ ﻳﺮﺩّﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺧﻠﻖَ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﻜﺄﻧﻬﻢ ﺑﻬﺬﺍ ﻳﻨﺰّﻫﻮﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﻳﻘﺪﺳﻮﻧﻪ، ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ: «ﺇﻥ ﺍﻟﺒﺸَﺮ ﻫﻮ ﺧﺎﻟﻖٌ ﻷﻓﻌﺎﻟﻪ» ﻓﻀﻠّﻮﺍ ﺑﺬﻟﻚ. ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﺎﻟﻮﺍ: «ﻳﺰﻭﻝ ﺇﻳﻤﺎﻥُ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ ﻷﻥ ﺻﺪﻕَ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﺘﻼﺀﻡ ﻭﺍِﺭﺗﻜﺎﺏ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﻄﺎﻳﺎ ﻭﺍﻟﺬﻧﻮﺏ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺬﺭ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔَ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺭﻫﺒﺔً ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﺍﻟﻮﻗﺘﻲ، ﺇﻥ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﻟﻲ ﻟﻐﻀﺐ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﻻ ﻟﻌﺬﺍﺏ ﺟﻬﻨﻢ ﺍﻷﺑﺪﻱ، ﻻﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﺪﻡ ﺇﻳﻤﺎﻧﻪ».

ﺟﻮﺍﺏ ﺍﻟﺸﻖّ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ: ﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﻭﺿﺤﻨﺎﻩ ﻓﻲ «ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭ» ﻭﻫﻮ:

ﺃﻥ ﺧﻠﻖَ ﺍﻟﺸﺮّ ﻟﻴﺲ ﺷﺮّﺍً، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻛﺴﺐُ ﺍﻟﺸﺮّ ﺷﺮٌ، ﻷﻥ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻹﻳﺠﺎﺩ ﻳُﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ. ﻓﻮﺟﻮﺩُ ﺷﺮٍّ ﻭﺍﺣﺪ، ﺇﻥْ ﻛﺎﻥ ﻣﻘﺪﻣﺔً ﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺧﻴّﺮﺓ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻓﺈﻥ ﺇﻳﺠﺎﺩﻩ ﻳﺼﺒﺢ ﺧﻴﺮﺍً ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﻧﺘﺎﺋﺠﻪ، ﺃﻱ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺨﻴﺮ.

  ﻓﻤﺜﻼ: ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻟﻬﺎ ﻓﻮﺍﺋﺪ ﻭﻣﻨﺎﻓﻊ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً، ﻓﻼ ﻳﺤﻖ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺷﺮٌّ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺃﺳﺎﺀ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻟﻬﺎ ﺑﺎﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻭﺟﻌﻠﻬﺎ ﺷﺮّﺍً ﻭﻭﺑﺎﻻ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ.

ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺧﻠﻖُ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻭﺇﻳﺠﺎﺩُﻫﻢ ﻓﻴﻪ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺫﺍﺕ ﺣﻜﻤﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ، ﻛﺴﻤﻮّﻩ ﻓﻲ ﺳﻠّﻢ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺮﻗﻲ. ﻓﻼ ﻳﺴﻴﻎ ﻟﻤﻦ ﺍﺳﺘﺴﻠﻢ ﻟﻠﺸﻴﻄﺎﻥ -ﺑﺎﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻭﻛﺴﺒﻪ ﺍﻟﺨﺎﻃﺊ- ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﺇﻥ ﺧﻠﻖَ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺷﺮٌ. ﺇﺫ ﻗﺪ ﻋﻤﻞ ﺍﻟﺸﺮ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺑﻜﺴﺒﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻜﺴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓٌ ﺟﺰﺋﻴﺔٌ ﻟﻸﻣﺮ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺼﺒﺢ ﺷﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻭﺳﻴﻠﺔٌ ﺗُﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺷﺮّ ﺧﺎﺹٍ ﻣﻌﻴﻦ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻛﺴﺐُ ﺍﻟﺸﺮّ ﺑﺬﻟﻚ ﺷﺮّﺍً، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻳﺠﺎﺩ ﺷﺮﺍً، ﺑﻞ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻴﺮﺍً، ﻷﻧﻪ ﻳﺮﺗﺒﻂ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﺫﻥ ﺧﻠﻖُ ﺍﻟﺸﺮّ ﺷﺮّﺍً.

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻭﻟﻌﺪﻡ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺍﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺮّ ﺿﻠّﻮﺍ، ﺇﺫ ﻗﺎﻟﻮﺍ: «ﺇﻥ ﺧﻠﻖَ ﺍﻟﺸﺮ ﺷﺮٌ ﻭﺇﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﻘُﺒﺢ ﻗﺒﺢٌ». ﻓﻠﻢ ﻳﺮﺩّﻭﺍ ﺍﻟﺸﺮَّ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﺗﻘﺪﻳﺴﺎً ﻭﺗﻨﺰﻳﻬﺎً ﻟﻪ، ﻭﺗﺄﻭّﻟﻮﺍ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻧﻲ: «ﻭﺑﺎﻟﻘﺪﺭ ﺧﻴﺮﻩ ﻭﺷﺮّﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ».

  ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺸﻖ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻭﻫﻮ ﻛﻴﻒ ﻳﺒﻘﻰ ﻣﺆﻣﻨﺎً ﻣﻦ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ؟

  ﻓﺠﻮﺍﺑﻪ:

  ﺃﻭﻻ: ﻟﻘﺪ ﺃﻭﺿﺤﺖ ﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺃﺧﻄﺎﺀﻫﻢ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻗﺎﻃﻌﺔ ﻓﻼ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻺﻋﺎﺩﺓ.

  ﺛﺎﻧﻴﺎً: ﺇﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺗُﻔﻀّﻞ ﺩﺭﻫﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﺓ ﺍﻟﻤﻌﺠَّﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺭﻃﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺬﺓ ﺍﻟﻐﺎﺋﺒﺔ ﺍﻟﻤﺆﺟّﻠﺔ، ﻭﻫﻲ ﺗﺘﺤﺎﺷﻰ ﺻﻔﻌﺔً ﺣﺎﺿﺮﺓ ﺃﻛﺜﺮَ ﻣﻦ ﺗﺤﺎﺷﻴﻬﺎ ﺳﻨﺔ ﻣﻦ ﻋﺬﺍﺏٍ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ. ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻬﻴﺞ ﺃﺣﺎﺳﻴﺲُ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﺗﺮﺿﺦُ ﻟﻤﻮﺍﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﺑﻞ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺤﻜﻢ، ﻓﻴُﺮﺟِّﺢُ ﻋﻨﺪﺋﺬٍ ﻟﺬﺓً ﺣﺎﺿﺮﺓً ﺿﺌﻴﻠﺔ ﺟﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺛﻮﺍﺏ ﻋﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﺒﻰ، ﻭﻳﺘﺠﻨّﺐ ﺿﻴﻘﺎً ﺟﺰﺋﻴﺎً ﺣﺎﺿﺮﺍً ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺗﺠﻨﺒﻪ ﻋﺬﺍﺑﺎً ﺃﻟﻴﻤﺎً ﻣﺆﺟﻼ. ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺪﻭﺍﻓﻊ ﺍﻟﻨﻔﺴﺎﻧﻴﺔ ﻻ ﺗﺮﻯ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﺑﻞ ﻗﺪ ﺗﻨﻜﺮﻩ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﺜّﺎً ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻋﻮﻧﺎً، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻫﻤﺎ ﻣﺤﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻳﺴﻜﺘﺎﻥ، ﻓﻴُﻐﻠَﺒﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺮﻫﻤﺎ. ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏُ ﺍﻟﻜﺒﺎﺋﺮ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻣﻦ ﻋﺪﻡ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﻏﻠﺒﺔ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭﺳﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﻮﻫﻢ ﻭﺍﻟﺤﺲّ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ، ﻭﺍﻧﻬﺰﺍﻡ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﻏَﻠَﺒﺔ ﻛﻞ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ.

ﻭﻟﻘﺪ ﻓُﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺑﺄﻥ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻭﺍﻟﻬﻮﻯ ﺳﻬﻠﺔ ﺟﺪﺍً ﻷﻧﻬﺎ ﺗﺨﺮﻳﺐ ﻭﻫﺪﻡ، ﻟﺬﺍ ﻳﺴﻮﻕ ﺷﻴﻄﺎﻥُ ﺍﻹﻧﺲ ﻭﺍﻟﺠﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥَ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺑﻜﻞ ﺳﻬﻮﻟﺔ ﻭﻳﺴﺮ.

ﻭﺇﻧﻪ ﻟﻤﺤﻴّﺮ ﺟﺪﺍً ﺃﻥ ﺗﺮﻯ ﻗﺴﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻀﻌﻔﺎﺀ ﻳﺘﺒﻌﻮﻥ ﺧﻄﻮﺍﺕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻟﺘﻔﻀﻴﻠﻬﻢ ﻟﺬّﺓ ﺯﺍﺋﻠﺔ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺟﻨﺎﺡ ﺑﻌﻮﺿﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ، ﻋﻠﻰ ﻟﺬﺍﺋﺬ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪ. ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﻔﻮﻕ ﻧﻮﺭٌ ﺃﺑﺪﻱ -ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﺟﻨﺎﺡ ﺑﻌﻮﺿﺔ- ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻠﺬﺍﺕ ﻭﺍﻟﻨِﻌَﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺴﺒﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥُ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﺎﺑﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤِﻜَﻢ ﻭﺍﻷﺳﺮﺍﺭ، ﻛﺮﺭ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﺘﺮﻏﻴﺐَ ﻭﺍﻟﺘﺮﻫﻴﺐ ﻭﺃﻋﺎﺩﻫﻤﺎ ﻟﻴﺰﺟﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻭﻳﺠﻨّﺒﻪ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﻭﺍﻵﺛﺎﻡ ﻭﻳﺤﺜﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺼﻼﺡ.

ﻭﻟﻘﺪ ﺟﺎﻝ ﻓﻲ ﺫﻫﻨﻲ ﻳﻮﻣﺎً ﺳﺆﺍﻝٌ ﺣﻮﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻜﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﺟﻴﻪ ﻭﺍﻹﺭﺷﺎﺩ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻭﻫﻮ: ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻬﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮﺓ ﻣﺪﻋﺎﺓً ﻟﺠﺮﺡ ﺷﻌﻮﺭ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺛﺒﺎﺗﻬﻢ ﻭﺃﺻﺎﻟﺘﻬﻢ ﻭﺇﻇﻬﺎﺭﻫﻢ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ؟. ﻷﻥ ﺗﻜﺮﺍﺭ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﻇﻒ ﻣﻦ ﺁﻣﺮﻩ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﻳَﻈﻦُّ ﻛﺄﻧﻪ ﻣﺘّﻬﻢ ﻓﻲ ﺇﺧﻼﺻﻪ ﻭﻭﻻﺋﻪ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳﻜﺮّﺭ ﺃﻭﺍﻣﺮَﻩ ﺑﺈﺻﺮﺍﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ.

ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻳﻌﺼﺮ ﺫﻫﻨﻲ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﻲ ﺟﻤﻊٌ ﻣﻦ ﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ ﺍﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻓﻜﻨﺖُ ﺃﺫﻛّﺮﻫﻢ ﻭﺃﻧﺒّﻬﻬﻢ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻛﻲ ﻻ ﺗﻐﺮّﻫﻢ ﺩﺳﺎﺋﺲ ﺷﻴﺎﻃﻴﻦ ﺍﻹﻧﺲ، ﻓﻠﻢ ﺃﺭَ ﺍﻣﺘﻌﺎﺿﺎً ﺃﻭ ﺍﻋﺘﺮﺍﺿﺎً ﻣﻨﻬﻢ ﻗﻂ، ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻞ ﺃﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ: ﺇﻧﻚ ﺗﺘّﻬﻤﻨﺎ ﻓﻲ ﺇﺧﻼﺻﻨﺎ. ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻛﻨﺖُ ﺃﺧﺎﻃﺐ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺃﻗﻮﻝ: ﺃﺧﺸﻰ ﺃﻧﻨﻲ ﻗﺪ ﺃﺳﺨﻄﺘُﻬﻢ ﺑﺘﻮﺟﻴﻬﺎﺗﻲ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭﺓ ﻟﻬﻢ ﻭﻛﺄﻧﻲ ﺃﺗﻬﻤﺘﻬﻢ ﻓﻲ ﻭﻓﺎﺋﻬﻢ ﻭﺛﺒﺎﺗﻬﻢ. ﻭﺑﻴﻨﻤﺎ ﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻧﻜﺸﻔﺖ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻤﺜﺒﺘﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺿﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، ﻓﻌﻠﻤﺖُ ﺃﻥ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻓﻲ ﺗﻜﺮﺍﺭ ﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻪ ﻣﻄﺎﺑﻖٌ ﻟﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﻭﺿﺮﻭﺭﻱ ﺟﺪﺍً، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﺃﻳﺔ ﻣﺒﺎﻟﻐﺔ ﻭﻻ ﺇﺳﺮﺍﻑ ﻗﻂ، ﻭﻻ ﺍﺗﻬﺎﻡ ﻟﻠﻤﺨﺎﻃﺒﻴﻦ، ﺣﺎﺵَ ﻟﻠﻪ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﺣﻜﻤﺔٌ ﺧﺎﻟﺼﺔ، ﻭﺑﻼﻏﺔ ﻣﺤﻀﺔ. ﻭﻋَﻠﻤﺖُ ﻛﺬﻟﻚ ﻟِﻢَ ﻟﻢْ ﻳﻤﺘﻌﺾ ﻭﻳﺘﻜﺪّﺭ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ ﺍﻷﻋﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﺗﺮﺩﻳﺪﻱ ﺍﻟﻨﺼﺢ ﻟﻬﻢ؟

ﻭﺧﻼﺻﺔ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻲ: ﺃﻥَّ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﺪﺭ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﺒﺒﺎً ﻟﺤﺼﻮﻝ ﺷﺮﻭﺭ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻷﻧﻪ ﺗﺨﺮﻳﺐٌ ﻭﻫﺪﻡ، ﻟﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﻻﺑﺪ ﻷﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻠﻜﻮﻥ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺃﻥ ﻳُﺠﻨَّﺒﻮﺍ ﻭﻳُﻨَﺒَّﻬﻮﺍ ﻛﺜﻴﺮﺍً، ﻭﻳﺄﺧﺬﻭﺍ ﺣﺬﺭﻫﻢ ﻭﻳُﻤَﺪّ ﻟﻬﻢ ﻳﺪُ ﺍﻟﻌﻮﻥ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻟﻜﺜﺮﺓ ﺣﺎﺟﺘﻬﻢ ﺇﻟﻴﻬﺎ. ﻟﻬﺬﺍ ﻳﻘﺪّﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻜﺮﺍﺭ ﻋﻮﻧﺎً ﻭﺗﺄﻳﻴﺪﺍً ﻟﻬﻢ ﺑﻌﺪﺩ ﺃﻟﻒ ﺍﺳﻢ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ، ﻭﻳﻤﺪّﻫﻢ ﺑﺂﻻﻑ ﻣﻦ ﺃﻳﺎﺩﻱ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﻹﺳﻨﺎﺩﻫﻢ ﻭﺇﻣﺪﺍﺩﻫﻢ، ﻓﻼ ﻳﻘﺪﺡ ﺑﻪ ﻛﺮﺍﻣﺔَ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺑﻞ ﻳﻘﻴﻪ ﻭﻳﺤﻔﻈﻪ، ﻭﻻ ﻳﻬﻮّﻥ ﺷﺄﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻞ ﻳﻈﻬﺮ ﺿﺨﺎﻣﺔ ﺷﺮ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ.

ﻓﻴﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ! ﺩﻭﻧﻜﻢ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻨﺠﺎﺓ ﻭﺍﻟﺨﻼﺹ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻳﺪ ﺷﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺠﻦ ﻭﺍﻹﻧﺲ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻓﺎﺳﻠﻜﻮﻫﺎ.. ﺍﺟﻌﻠﻮﺍ ﻣﺴﺘﻘﺮَّﻛﻢ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻫﻮ ﻃﺮﻳﻖ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨّﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ.. ﻭﺍﺩﺧﻠﻮﺍ ﺍﻟﻘﻠﻌﺔ ﺍﻟﺤﺼﻴﻨﺔ ﻟﻤﺤﻜَﻤﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ.. ﻭﺍﺟﻌﻠﻮﺍ ﺭﺍﺋﺪﻛﻢ ﺍﻟﺴﻨّﺔ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﺗَﺴﻠﻤﻮﺍ ﻭﺗﻨﺠﻮﺍ ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ..